مغامرة رأس البقرة واستيبانيكو الأزموري (2)

الاثنين 2024/01/01

الفصل الثاني والعشرون

كيف جاءنا الهنود بمرضى جدد

صبيحة اليوم التالي جاء عدد من الهنود مصحوبين بخمسة أشخاص مصابين بالشلل. في حالة مزرية. التمسوا من كاستيّو علاجهم. وقدّم له كلّ مريض قوسه وسهمه، فقبل الأعطية. وعند الغروب رسم على كلّ مريض علامة الصليب، متضرّعا إلى الربّ. وبدورنا صلّينا بخشوع راجين لهم الشفاء. وإذ يعلم الربّ أنْ لا وسيلة أمامنا  لمساعدة هؤلاء القوم والتخلّص من وضعنا البائس، فقد أسبغ علينا رحمته بحيث نهض جميعهم من النوم أصحّاء معافين وانصرفوا كأنّهم لم يشعروا بألم من قبل. أثار هذا الأمر إعجابهم، فشكرنا للربّ جميل فضله، آملين أن يخلّصنا ويهدينا مكانا نخدمه فيه. أما عنّي، فقد كنت واثقا من رحمته وقدرته على إنقاذي من الأسر. وذاك ما كنت أردّده باستمرار على مسامع رفقائي.   

عندما غادر الهنود فرحين بشفاء مرضاهم، انتقلنا إلى قوم آخرين يدعون كوتالشيس وماليكونيس، يتحدّثون لغة مختلفة ويقتاتون هم أيضا من التين الشوكي. وجدنا معهم قوما يدعون كوايوس وسوسولاس، وقبيلة أطايوس التي كانت في حالة حرب مع سوسولاس، بحيث لم يكن يمرّ يوم دون تبادل رمي السهام.

انتشر خبر المعجزات التي جعلها الربّ على يدنا في جميع أنحاء البلاد. فتوافد علينا هنود من كلّ ناحية. وبعد يومين من مقامهم بيننا، التمس بعض رجال قبيلة سوسولاس من كاستيّو مرافقتهم لمداواة أحد جرحاهم وعلاج بعض مرضاهم. ذكروا أن هناك رجلا على حافة الموت. فاستبدّ التردّد بكاستيّو كعادته خصوصا إزاء الحالات الخطرة المستعصية، خشية أن تحول خطاياه بينه وبين مسعاه في العلاج. وبسبب تردّده طلب منّي الهنود أن أقوم لعلاجهم. كانوا يحبّونني ويتذكّرون أنّني سبق لي أن عالجت بعضهم عندما خرجوا لجـَنْي الجوز فقدّموا لنا لقاء ذلك بعضا من جوز وجلود. حدث ذلك عندما كنت أبحث عن المسيحيين. لذلك لم أجد بدّا من مرافقتهم صحبة دورانتيس واستيفانيكو.

عندما بلغنا منازلهم وجدت الرجل المريض الذي أتينا لعلاجه قد قضى نحبه. كان محاطا بهنود يبكونه. وكانت خيمته مفكّكة علامةً على موت صاحبها. انقلبت عيناه وتوقّف نبض قلبه وبدت عليه سمات الموت فعلا. هذا على الأقلّ ما بدا لي حينها. وقد وافقني دورانتيس على ذلك. أزحت عنه غطاءه ورحت أصلّي راجيا له الشفاء ولكلّ من توافد علينا من الهنود نشدانا للعلاج. وبعدما رسمت عليه علامة الصليب ونفخت عليه من نَفَسي، جلبوا لي قوسه وسلّة من طحين التين الشوكي. ثم أخذوني إلى هنود آخرين كانوا يعانون من حالة خَدَر جماعية. فمنحوني بدورهم سلّتين من التين الشوكي، سلّمتها لرفقائنا الهنود الذين تركناهم وراءنا فيما رجعنا نحن إلى مساكننا.

عاد أولئك الهنود مساءً مبشّرين بأنّ الرجل الميت الذي تعهّدته أمامهم قد بعث حيّاً. نهض من سريره، وتمشّى، وتناول طعامه، وتحدّث إلى أهله. وأضافوا بأنّ جميع الذين قمت بعلاجهم صاروا أصحّاء فرحين. سرت بين القوم موجة إعجاب ودهشة. واستأثر الأمر باهتمام الناس، فتقاطر علينا  كلّ من سمع بصنيعنا ملتمسين علاجهم ومباركة أبنائهم. وعندما همّ رجال قبيلة كوطالشيس الذين كانوا في ضيافة هنودنا (أفافاريس) بالمغادرة، تركوا لنا كلّ ما لديهم من تين شوكي. لم يحتفظوا لرحلتهم ولو بتينة واحدة. كما منحونا حجرا صوانا ذا قيمة عالية لديهم، بحجم كفّ ونصف، يستعملونه لقطع الأشياء.

التمسوا منّا أن نتذكّرهم وأن نصلّي للرّب لينعم عليهم بدوام العافية. واعدناهم بذلك فغادروا فرحين متخلّين لنا عن أثمن ما بحوزتهم.         

وفقا للحساب القمري، قضينا ثمانية أشهر صحبة قبيلة أفافاريس تردّد علينا خلالها أقوام من كل حدب وصوب مصرّين على أنّنا أبناء الشمس*(13). حتّى ذلك الحين لم يقم دورانتيس والزنجي بعلاج أحد من الهنود. لكن من فرط توافدهم علينا، وجدنا أنفسنا مضطرّين إلىى القيام جميعا بدور الأطبّاء الروحيّين. كنت الأكثر جرأة وجسارة في مزاولة المهمّة. وقد تماثل كلّ الذين خضعوا لعلاجنا للشفاء وأظهروا ثقتهم في كفاءتنا حتّى أنّهم كانوا يعتقدون بأن لا أحد منهم سيموت طالما نحن نقيم بينهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* استيفانيكو الأزموري أحد "أبناء الشمس" المقدسين حسب إحدى أساطير الهنود.

 

خخ

 روى لنا أولئك الهنود وغيرهم ممّن تركنا وراءنا حكاية غريبة وقعت منذ خمسة عشرة أو ستة عشرة سنة. ذكروا أنّه في ذلك الزمان كان هناك رجل يجول في البلاد يسمّونه "الشيء الشرّير". كان قصيرا ملتحيا. ورغم أنّه كان يتعذّر عليهم رؤية ملامح وجهه بوضوح، كان كلّما اقترب من منازلهم وقف شعر رؤوسهم وأخذوا يرتجفون من الخوف. ثم تتجلّى لهم كتلة من لهب على باب مساكنهم. فيدخل الرجل الشرّير وينقضّ على أحدهم. وبخنجر حادّ مصنوع من حجر صوان، بطول كفّين وبعرض راحة اليد، يحدث جرحا بليغا عند خاصرة ضحيّته. يدسّ يده في جرحه الغائر منتشلا أحشاءه. يجتزّ منها قطعة بحجم الكفّ ويرمي بها في النار. ثم يحدث ثلاثة جروح على مستوى الذراع والمرفق، فيضع يده على الجروح فتلتئم دفعة واحدة. وفي غالب الأحيان، كان يظهر بينهم عندما يكونون في حمأة الرقص. تارة في شكل امرأة، وطورًا في هيئة رجل. وإن شاء كان يرفع أحد المساكن في الهواء، ويهوي به أرضا محدثا ضجّة مدوّية. وذكروا  أيضا أنّه لم يقرب طعامهم قطّ. وكان كلّما سألوه عن موطنه، أشار إلى فجوة مومئا بأن مسكنه في باطن الأرض.

في البداية، سخرنا من تلك القصص. ولما استشعروا استخفافنا بروايتهم استقدموا لنا عددا من ضحايا الرجل الشرّير. وقد شاهدنا بأنفسنا الندوب الموصوفة التي أحدثها في مواضع معيّنة من أجسادهم. فأخبرناهم من جهتنا بأنّ الرجل الشرّير لا يعدو أن يكون شيطانا. وطفقنا نشرح لهم قدر المستطاع أنّهم إذا آمنوا بالربّ، وصاروا مسيحيّين مثلنا، لن يصيبهم منه أذى منذ ذلك اليوم، ولن يرجع ليفعل بهم ما درج عليه من قبل. وأنّ عليهم أن يعلموا أنّنا ما دمنا برفقتهم في تلك البلاد، فإنّه لن يجرؤ على الظهور مرّة ثانية. تلقّوا كلامنا بابتهاج وانزاح عنهم خوف كبير.

أخبرنا نفس الهنود بأنّهم شاهدوا (الراهب) الأستوري وفيغويروا على الساحل صحبة هنود آخرين أطلقنا عليهم اسم شعب التين. لم يكن من بينهم من يعرف عدّ الفصول وفق الحساب الشمسي أو القمري. كما أنّهم لم يكونوا يحسبون بالشهور والسنين. وإنّما يقيسون الفصول، بدقّة عالية، بمواسم نضوج الثمار وموت السمك ومواقيت ظهور النجوم. تلقّينا منهم معاملة حسنة طوال مدّة مقامنا بينهم، رغم أنّنا عانينا باستمرار من نقص شديد في الغذاء وكنّا مرغمين على حمل مائنا وحطبنا.

مساكنهم وغذاؤهم أشبه بما عهدناه عند غيرهم من الهنود الذين عرفناهم من قبل. بيد أنّهم كانوا يعانون من الجوع لافتقارهم إلى الذرة وشجر الجوز والبلّوط. في النهار كنّا نمشي عراة مثلهم وفي الليل نلتحف جلود الغزلان. 

عانينا برفقتهم من الجوع طيلة ستّة أشهر، لأنهم لم يكونوا يتوفّرون على السمك. وفي نهاية الشهور الثمانية التي قضيناها بين ظهرانيهم بدأ التين الشوكي في النضوج تدريجيا. وعلى غفلة منهم تسلّلنا أنا والزنجي*، وانضممنا إلى هنود مالياكونيس الذين يقطنون على بعد مسافة يوم واحد. وبعد ثلاثة أيّام من وصولنا، أرسلته في أثر كاستيّو ودورانتيس. وعند وصولهم غادرنا جميعا برفقة الهنود الذين ذهبوا لقطاف ثمار نوع من الشجر يسدّون به الرمق مدة عشرة أو اثنتي عشر يوما حتّى تنضج ثمار التين الشوكي تماما. هناك انضموّا إلى قبيلة أرباداوس، الذين كانوا يعانون من مرض أصابهم بالهزال والتورّم. عاد الهنود الذين جئنا معهم من نفس طريقنا. وقبل ذلك أخبرناهم برغبتنا في البقاء، فحزنوا لسماع ذلك. هكذا لبثنا مع الهنود الجدد في حقل قريب من مساكنهم.

أخذ الهنود يتفحّصوننا ويتشاورون فيما بينهم. ثم اقتاد أربعة رجال منهم كلّ واحد منّا إلى مسكنه. وخلال مقامنا بينهم، عانينا الجوع أكثر من أيّ وقت مضى. فما  كان قوت يومنا سوى حفنتين من ثمرة خضراء غنيّة بعصير حليبي يحرق فم شاربه. ولمّا  كان الماء نادرا، فإنّ كلّ من يتناول من هذه الثمرة يصاب بعطش شديد. ومن فرط الجوع اشترينا كلبين قدّمنا مقابلهما شباك صيد وغطاءً جلديّا كنت ألتحف به، وأشياء أخرى ممّا  كان بحوزتنا.

ذكرت من قبل أنّنا كنّا نسير عراة في تلك البلاد. ولكوننا لم نكن معتادين على ذلك، فقد كنّا نبدّل جلودنا كالأفاعي مرّتين في السنة. وكان تعرّضنا للشمس والهواء يصيب صدورنا وظهورنا بقروح تجعل كلّ حمل ثقيل مصدر ألمٍ لنا، حتّى أنّ الحبال التي نشدّ بها أحمالنا كانت تقطع أذرعنا.     

كانت البلاد صلدة تعلوها الأعشاب البرّية. وكنّا  كلّما جمعنا خشبا للتدفئة وقمنا بسحبه خارج الغابة، دَمِيَتْ أجسادنا بسبب الأشواك والحسك التي تجرح كل موضع نلمسه. وقد حدث أحيانا أن صرت أعجز عن حمل أو جرّ ما احتطبته من خشب. فنزف منّي دم كثير. أمام ذلك الموقف لم أجد عزاء أو ملاذا سوى التفكير في آلام المخلّص يسوع المسيح وفي الدم الذي نزفه لأجلي، وكم كانت الآلام التي عاناها من الأشواك أكبر وأقسى من تلك التي عانيتها هناك.     

قطعت عهدا مع الهنود، أن أصنع لهم أمشاطا وسهاما وأقواسا وشباك صيد. كما صنعنا لهم الحصر التي تُبْنى بها خيامهم التي كانوا في أمسّ الحاجة إليها. فرغم درايتهم بكيفية صنعها كانوا يمتنعون عن القيام بأيّ عمل يشغلهم عن البحث عن الغذاء. لأنّهم كلّما انشغلوا بعمل وجدوا أنفسهم عرضة للجوع.

في أوقات أخرى، كانوا يجعلونني أشتغل في دباغة الجلود، وكان يوم السعد حين يطلبون منّي القيام بذلك لأنّني كنت أصقل الجلود بدقّة حتّى أقتات من الفتات الذي أستخلصه من عمل يومين أو ثلاثة. وكان إذا حدث أن منحنا أولئك الهنود أو غيرهم ممّن أتيت على ذكرهم قطعة لحم فإنّنا كنّا نأكلها نيّئة، لأنّه لو قمنا بشيّها لانتزعها منّا أحدهم والتهمها بمفرده. لذا، كان من غير المجدي أن نجشّم أنفسنا عناء شيّها ونعرّض أنفسنا للخطر طالما كان بمستطاعنا تناولها نيّئة.

تلك كانت طريقة عيشنا هناك. وكنّا مضطرّين إلى انتزاع النَّزْر القليل من الطعام لنقيم به أَوْدَنا مقابل ما نصنعه بأيدينا من أشياء.

الفصل الثالث والعشرون

كيف غادرنا بعد أكل لحم الكلاب

غغ

بعد تناولنا لحم الكلاب(14)، التمسنا في أنفسنا القدرة على مواصلة المسير. أسلمنا أنفسنا لمشيئة الله، وغادرنا الهنود الذين أرشدونا إلى طريق يفضي إلى أرض قبيلة مجاورة تتكلّم نفس لغتهم.

أرْسَلَت السماء، فقضينا اليوم كلّه مشيا تحت المطر، فضللنا الطريق ووجدنا أنفسنا في غابة كبيرة. جمعنا الكثير من أوراق التين الشوكي وقمنا بشيّها طوال الليلة على أفران صنعناها بأنفسنا. وعند الصباح تناولناها جاهزة، ثم انطلقنا، بهدْي من الربّ، بعد عثورنا على الطريق التي أضعناها من قبل.

خرجنا من الغابة، فلاحت لنا منازل هنود. ومن بعيد لمحنا امرأتين وأطفالا لاذوا بالفرار جَزَعاً من رؤيتنا. وتوغّلوا داخل الغابة لإشعار الرجال الذين ظلّوا يرصدوننا من خلف الأشجار. دعوناهم فاقتربوا وقد بدت عليهم سَوْرَة الخوف. وبعد مخاطبتهم، أعلمونا بأنّهم يعانون من الجوع، وأنّ مساكنهم قريبة، وأنّهم سيصطحبوننا إليها. في المساء، بلغنا موضعا به خمسون مسكنا. استقبلنا أصحابه باندهاش وخوف كبيرين. ولمّا اطمأنّوا لنا، راحوا يتحسّسون وجوهنا وأجسادنا ثم وجوههم وأجسادهم أيضا. 

بتنا الليلة هناك. وفي الصباح جلبوا بعض مرضاهم والتمسوا منّا مباركتهم. ثم تقاسموا معنا طعامهم الذي كان يتكوّن من أوراق التين الشوكي وبعض ثمراته الخضراء المشويّة.

ونظرا لما بدر منهم من حسن معاملة وكرم وإيثار، فإنّنا قضينا برفقتهم بضعة أيّام تقاطر علينا خلالها هنود كُثْـرٌ أتوا من بعيد. ولمّا همّ هؤلاء بالمغادرة أخبرنا مضيفينا برغبتنا في مرافقتهم. فأحزنهم ذلك كثيرا وأصرّوا علينا متوسّلين بقاءنا. وفي الأخير تركناهم وراءنا تفيض أعينهم من الدمع حزنا على فراقنا.  

هوامش

1 ـ خليج الخيول: جزيرة غالفستن حاليا Galveston island (ولاية طكساس).

2 ـ يعني مستوطنة مسيحية اسبانية.

3 ـ الغلوة" وحدة قياس مسافات قديمة. استعملها الإغريق. وهي عند العرب بمقدار "رمية سهم". يقال غلا بالسهم أي رفع يده يريد به أقصى الغاية. تعادل 300 إلى 400 ذراع. استعملها ابن جبير الاندلسي (1144 ـ 1217 م) في رحلته الشهيرة: "وعلى مقربة من هذه الأهرام بمقدار غلوة صورة غريبة من حجر قد قامت كالصومعة على صفة آدميّ هائل المنر، وجهه إلى الأهرام وظهره إلى القبلة مهبط النيل، تعرف بأبي الأهوال". (رحلة بن جبير، محققة بإشراف لجنة تحقيق التراث، منشورات دار ومكتبة الهلال، ص 27).

4 ـ جزيرة النحس: يتفق المختصون على أن وصفها يناسب جزيرة سان لويس، منطقة برازوريا حاليا.

5 ـ خليج روح القدس: يرجح أن يكون هو معبر كافالو (طكساس) حاليا.    

6 ـ البقان: شجر الجوز الأمريكي.

7 ـ غاليسيا: إحدى مقاطعات اسبانيا.

8 ـ  يستعمل كابيزا دي فاكا عبارة yerba edrera التي تقول عنها باندوليي بصددها في هامش ترجمتها "انني لم اعثر على أي مرجع يفيد في شرح هذه الكلمة فاستعملتها كما هي في أصلها الاسباني". ويرجح دافيد فراي أن تعني في هذا السياق عموما "أعشاب بحرية". وبها أخذنا.

9 ـ السمندر: فصيلة من البرمائيات المذنبة أشبه بالسحلية.

10 ـ نسبة إلى مرض لعازر المذكور في إنجيل لوقا. تترجم باندوليه مرض لعازر بالجذام.

11 ـ يرجح أغلب المختصين أنه يقصد حيوان البيسون. ولعل هذا أول ذكر له في المدونات الأوروبية.

12 ـ الخروف المريني المعروف باسبانيا وأستراليا باسم merino، يرجح أنه يعود للعهد المريني، وتم نقله إلى اسبانيا أثناء الحكم العربي للأندلس في القرن 12 و13

13 ـ  أبناء الشمس: حسب الأسطورة كان الهنود ينتظرون مجيئ آلهة من الشرق. فرأوا في المسيحيين الاربعة علامات عن نبوءتهم. وقد كان لهذه الأسطورة مفعولا قويا استثمره الناجون لممارسة سلطة الترهيب على الهنود، ومن ثمة الاهتداء إلى غايتهم.

14 ـ خلال رحلة كولومبوس الأولى اكتشف الغزاة الإسبان لدى شعب طاينوس نوعا من الكلاب التي لا تنبح. وقد وجدوا لاحقا كلابا مماثلة في جزر الكارايب ومكسيكو وجنوب الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تعرّضت هذه الكلاب للانقراض خلال قرن من الزمن بسبب استعمالها طعاما لهم (دينيس هيريك، ص 23 ـ 24). 

الفصل الرابع والعشرون

عن عادات هنود تلك البلاد

في المنطقة الممتدّة من جزيرة النحس إلى حدود تلك البلاد، كان من عادة(1) قبائل الهنود أن يعتزلوا نساءهم عند وقوع الحمل إلى أن يبلغ الطفل عامين. ويتمّون الرضاع إلى الثانية عشرة من العمر حتّى يصبح الأطفال قادرين على تحصيل طعامهم بأنفسهم. سألناهم عن سبب تربية أبنائهم بتلك الطريقة(2). فأجابوا بأن ذلك يرجع إلى ندرة الطعام، ولاضطرارهم، كما شاهدنا ذلك، إلى الانتقال من مكان إلى آخر دون غذاء لأيّام متتالية. لذلك فهم يرضعون أطفالهم طوال تلك المدّة حتّى لا يموتوا من القحط. وإن قيّض لهم العيش، فإنّهم يكونون في حالة من الوهن والضعف. وإذا مرض أحدهم، ما لم يكن له أبوان، فإنّه يترك في البريّة إلى أن يلقى حتفه. أمّا من بهم عاهة تعيقهم عن السفر، فإنّ مصيرهم يكون النبذ، اللّهم من كان له أهل يتكفّلون بحمله.

من الدارج في أحوال الأزواج عندهم أن يهجروا زوجاتهم عند نشوب خلاف، ويختاروا لأنفسهم زوجات أخرى. يحدث هذا خاصّة في صفوف الشباب. أما عندما يرزقون أطفالا، فإنهم يظلّون مع زوجاتهم لا يفارقوهنّ أبدا.

وفي حين يحدث خلاف بين الرجال، فإنّهم ينهالون على بعضهم البعض ضربا بالعصيّ ولا يتوقّفون عن العراك حتّى تخور قواهم تماما. وقد تتدخّل النساء لتفريقهم، بينما لا يتدخّل رجال القبيلة لفضّ النزاع. مع ذلك، فهم لا يلجأون إلى أقواسهم وسهامهم. وحين تهدأ ثائرتهم، يحمل كلّ طرف خيمته وأسرته خارج القبيلة. ولمّا يسكت عنهم الغضب، يعود المتخاصمان إلى قريتهما دون وساطة من أحد، ويصبحون أصدقاء كأنّ شيئا لم يكن.

وإذا كان طرفا النزاع من غير المتزوّجين، فإنّهما يستشيران جيرانهما. حتّى لو كانوا من قبيلة معادية. فيستقبلونهما بحفاوة ويغدقون عليهما الهدايا، حتّى إذا عاد الوئام بينهما رجعا إلى أهلهما أغنياء.

أولئك الهنود محاربون أشدّاء، حاذقون في الدفاع عن أنفسهم ضدّ الأعداء، كما لو كانوا قد تلقّوا تدريبا في إيطاليا وخاضوا حروبا متواصلة هناك(3). وإذا تعرّضوا لعدوان، فإنّهم ينصبون خيامهم وسط دغل كثيف حيث يحفرون خندقا ينامون فيه. فيختبئ المحاربون منهم خلف أجمة ذات منفذ يستعملونه للهرب عند الضرورة. ومن أساليبهم في التمويه أن يلفّوا أجسادهم بأغصان الأشجار بنحو يجعل من المتعذّر على عدوّهم رؤيتهم ولو من مسافة قريبة.  

يفتح الهنود طريقا ضيّقا في أكثر المناطق وعورة وسط الغابة، يجعلونها مهجعا لزوجاتهم وأبنائهم. وفي المساء، يضرمون النار في مساكنهم لإيهام جواسيس أعدائهم بأنّهم داخلها. وقبيل طلوع الشمس، يشعلون النار مجدّدا. وإذا اقترب غريب من مساكنهم، باغته محاربوهم من مكامنهم وألحقوا به أكبر الأضرار دون أن يتركوا له فرصة رؤيتهم أو تحديد موقعهم. وفي حال عدم وجود غابة يختبئون فيها أو ينصبون بها  كمائنهم، فإنهم يختارون أنسب مكان منبسط، ويطوّقون أنفسهم بخنادق محاطة بشجيرات صغيرة متشابكة واقية يفتحون فيها منافذ محدّدة بعناية يرسلون منها سهامهم ضدّ أعدائهم. وفي المساء يبنون حواجز رملية.  

كنت ذات مرّة بصحبة قبيلة أغوينيس. وإذ لم يأخذوا حِذْرهم، باغتهم أعداؤهم ليلا، فقتلوا منهم ثلاثة وأصابوا البعض بجروح، ولاذوا بالفرار داخل الغابة. ولمّا غادر المعتدون، عاد رجال أغوينيس إلى منازلهم والتقطوا نفس السهام التي استعملها أعداؤهم ثم ذهبوا في إثْرهم سرّا. وصلوا إلى منازلهم عشاء. وقبيل طلوع الفجر، شنّوا هجومهم فقتلوا خمسة منهم وجرحوا الكثير. فيما لاذ الباقون بالفرار تاركين خلفهم سهامهم وأقواسهم وكلّ ممتلكاتهم. بعد ذلك، جاءت نساء كيفينيس يفاوضن رجال قبيلة أغوينيس فتوّجت مساعيهم باتفاق صداقة. هذا علما بأنّ النساء يكنّ أحيانا هنّ سبب نشوب الحرب.

وعندما يخوض هؤلاء القوم نزاعات شخصية مع خصوم من خارج عائلتهم، فإنّهم يتقاتلون بكلّ ضراوة ويفتكون ببعضهم البعض بأقصى درجات القسوة.  

الفصل  الخامس والعشرون

عن استعداد الهنود لحمل السلاح

وجدت هؤلاء الهنود أكثر استعدادا لحمل السلاح من أي شعب آخر في العالم . فما أن يشعروا باقتراب عدوّ من منازلهم حتى يبيتون مستيقظين متأهّبين لحمل السلاح. وقبل أن يذهب أحدهم للنوم، فهو يُعدّ قوسه. وإذا لم يطمئن لوتر القوس سهر الليل كلّه على إحكامه. وهم غالبًا ما يخرجون من مساكنهم زحفا على الرُّكَب حتّى لا يراهم أحد. يحرصون على مراقبة جميع الجهات. وإذا استشعروا ما يريبهم، خرجوا زمرة واحدة إلى الحقل في حالة تأهّب ممتشقين أقواسهم وسهامهم. يظلّون على تلك الحال حتّى مطلع الصبح. فتراهم يذرعون المكان تحسّبا لأيّ خطر أو عدوّ مداهم. وفي الصباح، يفكّون وتر القوس إلى حين ميقات خروجهم إلى الصيد.

يصنع الهنود وتر أقواسهم من أحشاء الغزلان. يقاتلون بأجساد منحنية. يهتفون حين يرمون سهامهم، ويراوغون بخفّة تلافيا لسهام العدو. لذلك فإنّ أسلحتنا من قوس ونشاب وبنادق لا تلحق بهم أضرارًا كبيرة. بل، على عكس ذلك، فهم يقابلونها بسخرية، لأنّها لا تشكّل خطرًا عليهم لا سيّما في تلك السهول الشاسعة التي ينتشرون فيها. وهي لا تكون فعّالة إلا في المناطق الضيّقة والمستنقعات. وتظلّ الخيول أخشى ما يخشاه الهنود(4). فهي الوسيلة المناسبة للتغلّب عليهم.

يتعيّن على كلّ من يحاربهم ألّا يدعهم يشعرون بأنّه ضعيف أو طامع في ممتلكاتهم. أثناء الحرب تجب معاملتهم بقسوة. لأنّهم إذا التمسوا في خصمهم خوفا أو طمعا، انتهزوا الفرصة السانحة للانتقام. فهم يستمدّون قُوَّتهم من خوف أعدائهم. ومن عاداتهم القتالية أيضا أنّه ما أن يستنفد أحد الطرفين المتحاربين سهامه حتّى يذهب كلّ فريق إلى حال سبيله، دون أن يلاحق الطرف الغالب غريمه مهما فاقه عُدَّة وعددا. تلك هي عوائدهم في الحرب.

حين يصاب أحد الهنود بالسهام، لا يموت بسبب جروحه طالما لم يصب في أحشائه أو قلبه. بل إنّه يتماثل للشفاء بسرعة. يتمتّع أولئك القوم بحدّة البصر والسمع. حواسّهم مرهفة بشكل يفوق كل شعوب العالم. وبفضل العادة والتجربة، فهم يمتازون عن غيرهم بقدرة نادرة على تحمّل الجوع والعطش والبرد.

أصرّ على ذكر هذه الأمور لأنّ الناس عموما تتطلّع إلى معرفة عادات وسلوكات الغير. لكن من أتيحت له فرصة اللقاء بهم مباشرة، فإنّه سيستفيد كثيرا من معرفته بعاداتهم وخدعهم.

الفصل السادس والعشرون

عن الأمم واللغات

سأتحدّث في هذا الفصل عن جميع الأمم واللغات التي وجدناها في تلك البلاد مذ غادرنا جزيرة النحس. يتحدّث هنود جزيرة النحس لغتين: لغة كاوكويس ولغة الهان. وفي الداخل، مقابل الجزيرة، يقيم شعب شوروكو، الذي يستمدّ اسمه من الغابة التي يقطنها. يليه، على طول الساحل شعوب دوغوينيس، يقابلها شعب مينديكا وغويفينيس (كيفينيس). وإذا أوغلت أكثر وسط البلاد لاقيت شعب مرياميس.  

أمّا طريق الساحل، فيفضي إلى شعب غوايكونيس يقابلهم شعب إغواسيس، ثم أطايوس وأكوباداوس، وهم كُثْـرٌ في تلك الناحية من البلاد. وعلى الساحل أيضا يعيش شعب كيطوليس، يقابلهم في الداخل، شعب أفافاريس، وما جاوره من قبائل مالياكونيس وكوطالشيس وسوسولاس وكوموس. وعلى طريق الساحل يقطن شعب كاموليس، يليه شعب التين الذي أتينا على ذكره من قبل.

لهؤلاء الهنود منازل وقرى ولغات مختلفة. في إحداها، على سبيل المثال، عندما يريد أحدهم مناداة شخص يستعمل صيغة: "أرّاكا". وعندما يودّون الهتاف على كلب يصرخون  "زو".

يسكر الهنود في تلك البلاد بنوع من الدخان يجازفون بكلّ شيء في سبيل الحصول عليه. كما يشربون سائلا يستخلصونه من أوراق شجر شبيه بالبلّوط. يطهون الأوراق في قدور، يملأونها بماء يُغْلى فوق النار مرّتين. ثم يسكبون السائل في نصف وعاء من يقطين مجوّف. وعندما يطفح الزبد، يشربون السائل ساخنا. وفي كل مرّة يهمّون بشربه يهتفون: "من يرغب في الشرب؟". وحال سماع هذا الهتاف، يجب على النساء التوقّف عن الحركة تماما حتّى لو كنّ يحملن على ظهورهنّ أثقالا. وكلّ من تجاسرت منهنّ على التحرّك، توصم بالعار وتتعرّض للضرب. فيهرقون السائل الجاهز للشرب حانقين، وأما الذين تناولوا جرعة منه فيلفظونه في التّو طواعية.

يعلّل الهنود هذه العادة بكونهم عندما يشربون السائل وتتحرّك إحدى النساء لدى سماع الهتاف، فإنّ روحا خبيثة تتسرّب إلى أجسادهم عبر الماء، وتفتك بهم. لذلك يتمّ غلْي الماء على قِدْر مغطّى. ولو صدف أن تمّ كشف الغطاء ومرّت امرأة، يتم دلْق الماء فورا والامتناع عن شربه. فهو سائل أصفر اللون يشرب كلّ واحد منه عدّة لترات دون طعام على مدى ثلاثة أيام. وعندما تكون المرأة في فترة الحيض، تبحث عن غذائها لنفسها فقط، لأنّه ما من أحد سيتناول ممّا بحوزتها.

خلال مقامي بينهم رأيت أمرا مُنْكَرا يتمثّل في زواج رجل برجل. وأولاء أشخاص عاجزون ومخنّثون يلبسون كما تلبس النساء ويقومون بعمل النساء. يحملون الأثقال ولا يستعملون السلاح. يوجد منهم الكثير بين الهنود. أجسادهم أقوى وأطول من غيرهم من الرجال. ولهم القدرة على حمل الأشياء الثقيلة.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.