الرواية‭ ‬السريانية‭ ‬للفتوحات‭ ‬الإسلامية‭ ‬تيسير‭ ‬خلف

شكلت الفتوحات الإسلامية للعراق وبلاد الشام ومصر، الحدث العالمي الأكثر تجليا في القرن السابع الميلادي الأول الهجري، واختلف الناس عليها، ولست أجانب الحقيقة بقولي: إن الفتوحات الإسلامية مما شغل تفكيري طويلا، فالبحث والتأمل قاداني إلى رأي مفاده أن انتشار العربية والإسلامي يحملان سرا لا بد وأنه موجود في مصادر أخرى: ومن هذه النقطة قمت بصياغة هذا السؤال: أيهما أكثر انتشارا وأسرع، اللغة العربية أم الإسلام؟

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/11/2015، العدد: 10، ص(146)]

إن إلقاء هذا السؤال والبحث عن إجابة له، أنْجَداني من نمطية ثقافية نشأت عليها وأحَلَاّني في طريق مختلف في ما يخص نظرتي للتاريخ وللفتوحات الإسلامية على وجه الخصوص؛ هذه النظرة ليست مدافعة مبجلة ممجدة بواعز ديني تقربًا إلى الله وليست بواعز قومي تمجيدًا لقومي، إنما هي نظرة علمية فرضها هاجس البحث‭.‬ نظرة تؤمن بأهمية الجميع ودورهم في صياغة شخصيتنا الثقافية‭.‬

لتعقَّب انتشار اللغة العربية، كان لا محالة أولاً من تعقّب انتشار العرب في المنطقة بحسب المصادر اليونانية والرومانية والسريانية، فضلاً عن النقوش التي لا يمكن إغفال دورها، وكانت النتيجة ممالك وإمارات عربية في أعالي دجلة والفرات، نصيبين والرها وسواهما وفي دمشق نفسها وقرب بيروت وفي صيدا وغزة والقدس والحضر والموصل وميسان وعلى ضفتي البحر الأحمر وضفتي الخليج العربي وعلى ضفاف الأنهار الكبرى والإسكندرية وغيرها من مدن العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن ومصر وتركيا وإيران حسب تسميات وحدود الدول اليوم‭.‬ لذلك حين جاء الإسلام لم يجد أرضًا يجهل لغتها وقومًا غرباء، ولم يكن آنذاك ثمّة فرق كبير بين العربية السريانية وغيرها من اللغات‭.‬

إن الكتابة في ما يخص العرب والإسلام، حقّ لا جناح عليه لكل كاتب، شرط النزاهة والموضوعية، لا أن يجعل من كلامه تأكيدا للسائد بين الناس، أو مخالفة السائد تمامًا، وكأننا أمام أمرين لا ثالث لهما، أما النعيق مع كل ناعق بحسب السردية المذهبية أو القومية، أو رفض هذه السردية إلاّ ما تناثر من مثلبة على صفحاتها، فيتم تسليط الأضواء الكاشفة على هذه المثلبة وتضخيمها كي نثبت بدوية ودموية وهمجية العرب والجيل المؤسس؛ هنا تصبح أيّ محاولة جادة لفهم التاريخ، التي تصطدم مع ثقافة السائد الرسمية وثقافة النعيق المعاكس في الوقت نفسه، مرفوضة من قبل الطرفين حد التشهير الساذج الرخيص، المبنيّ على التكفير عند الأول، والاتهام بالأسلمة والعروبية عند الثاني‭.‬

لقد تحولت كلتا الثقافتين إلى ثقافة مجتمعية صلبة لا يمكن زعزعتها، معادلة في قوتها بين ثقافة السائد الرسمية الشعبية وبين ثقافة النخبة “الوسط الثقافي”، وكلاهما يرفض القراءة المغايرة المبنية على البحث والتقصي بلا أدلجة وعقد، المؤمنة بتداخل الهويات والثقافات، وأن لا وجود لوثْبةٍ حضاريةٍ سريعة من البداوة إلى المدنية الخلاّقة‭.‬

ساهمت ثقافة التضْليل التي مارسها الطرفان بكل جدارة، في إيجاد جدران خَرَسانية عند اتباعها، الأولى منحت العصمة والحق الإلهي لرجال التاريخ الإسلامي، والثانية شيطنت هذا التاريخ، حتى أصبح استرسال مؤرخين يدعو لتوخّي الحذر في رواياتهم التي يغلب عليها الضعف، إن لم تكن مناقضة لما كان عليه العرب، يمتلئ بها الفضاء الإعلامي ومواقع التواصل الاجتماعي مثل “سقوط الإمبراطورية الساسانية على يد بدو (العرب) بلاد فارس الذين تحالفوا مع بدو الشام والجزيرة وآسيا الوسطى أمر لا شكّ فيه؛ إذ أن رسائل يزدجر الثالث لإمبراطور الصين تثبت أن عدوّ الداخل (عرب فارس) هم مَن تسببوا في انهيار الساسانيين”، مُسَلّمات عند “العلمانيين جدًّا” الذين يتلقفون كل إساءة للعرب والإسلام كأنها حقائق منزّهة، خرجت من صرامة البحث العلمي ودقته، في حين كل ما هو عكس هذا فهو اختلاق للتاريخ كُتبَ بِنَفَسٍ ديني أصوليّ سلفيّ أو قومي عربي عنصري شوفيني‭.‬

تظهر المصادر التاريخية السريانية، ثروة حقيقية لأيّ باحث يدرس تاريخ الفتوحات الإسلامية في أواسط القرن السابع الميلادي، لأنها توفر رواية حيادية إلى حدّ ما، بين الروايتين الإسلامية بمختلف تَشَعّباتها، وبين الرواية البيزنطية المقتضبة التي لا تغني ولا تسمن من جوع‭.‬ وبالنظر إلى الروايات الأخرى المتاحة تعدّ المصادر السريانية من أكثر المصادر تماسكًا وانسجامًا، نظرًا لأن السريان دوّنوا الأحداث في حينها، ولا يعني هذا خلوّها من ثغرات علمية واضحة حسب الباحث (تيسير خلف) مؤلف الكتاب‭.‬ إن تزامن الرواية السريانية مع الفتوحات ادّخر فرصة كبيرة للباحث الجاد أن يقارن بينها وبين الروايات اللاحقة والتي يفصلها أكثر من قرنين وأحيانًا خمسة قرون عن الحدث، لا سيما وأن معظم المصادر العربية التي كتبت في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين تم تحريفها‭.‬ إذ أن المتتبع للمصطلحات سيكتشف بلا عناء كبير كيف تم إقصاء مصطلحات مثل “أهل الكتاب، ملة الإسلام” ليتم دفع مصطلحَي “أهل الذمة، وأهل السنة والجماعة” كأنموذجين، مما يعني أن تحوّلاً ظهر في الخطاب الإسلامي بعد أن فقد العرب زمام المبادرة والقيادة السياسية والعسكرية لصالح الفرس والأتراك‭.‬

تمتاز المصادر السريانية بتركيزها على موضوعة العقاب الإلهي الذي حلّ بالبيزنطيين والفرس مضطهدي السريان على حدّ سواء؛ وإن أهم الملاحظات التي يمكن أن توجّه لها والمتعلقة بالفتوحات الإسلامية، تتلخص في أن ناقليها لم يكونوا في مركز صنع القرار، إن كان على الجانب العربي الإسلامي أم على الجانب البيزنطي، باستثناء شهادة القائد إيوانيس رصفيا (يوحنا الرصافي) التي استوعبها المؤرخ ديونيسيوس التلمحري‭.‬ مع ذلك فإن الوقائع التي تنقلها الرواية السريانية، تسدّ بعض الثغرات في الروايات العربية المتشعبة والمتناقضة أحيانًا، وتقدّم معلومات جديدة لم تنتبه لها بقية الروايات العربية والبيزنطية‭.‬

شاءت الأقدار أن يؤدي العرب الدور المهم في مصير الإمبراطوريتين الكبيرتين الفارسية والرومانية البيزنطية، منذ قتل الإمبراطور الروماني يوليان الجاحد، الذي حكم ما بين عامَي (361 – 363 م)، على يد حاكم من عرب الغساسنة ويدعى مالك بن عبدالقيس، أو الملك عبدالقيس‭.‬ أدّت الخلافات بين الرومان البيزنطيين والعرب في المدة اللاحقة لمقتل (يوليان)، وتحت ذرائع مذهبية إلى نشوب معارك بين الجانبين، حسمت لصالح الجانب العربي، بزعامة الملكة الغسانية الشهيرة (ماوية)، على قوات الإمبراطور البيزنطي (فالنس) في منطقة الجولان على تخوم ولايتَي فينيقيا اللبنانية وفلسطين الثانية حسب التسميات الرومانية‭.‬

البطش والاستعباد البيزنطي-الفارسي أظهر المسلمين كمخلّصين

أثناء قراءتي في مُؤلَّف الرواية السريانية للفتوحات الإسلامية، استرجعت ما قرأته لشعراء وأدباء وكُتّابٍ؛ تلك الجملة التي تصاغ بأشكال مختلفة، ومَغْزاها “أننا نعيش هذا منذ أربعة عشر قرنًا” ولم يكن الحديث إلاّ اتهامًا باطلاً وساذجًا للإسلام ومن ثمة للعرب؛ فهذا الكتاب الذي دوّنته أيادٍ مسيحية سريانية معاصرة للحدث، على خلاف الرواية الإسلامية التي دوّنت بعد قرن ونيف ونسختها النهائية التي استقرت بالوعي الجمعي بعد قرون عديدة، أقول إن هذه الرواية تشهدك على إجرام بشع ارتكبه الروم “البيزنطيون” والفرس على حدّ سواء، وأن الحديث عن الأسلمة الإجبارية والتعريب الإجباري، لهو محض أوهام تتحطّم أمام سيوف الروم والفرس الذين تفنّنوا في محق شعوب منطقة الهلال الخصيب الكبرى، وتدمير كنائسها وإجبار يهودها على التنصّر أو إجبار النصارى السريان إلى العدول عن مذهبهم‭.‬

في هذا المصنّف تفاصيل في النزاع البيزنطي-الساساني، هذا النزاع الذي كثيرًا ما سمعنا وقرأنا عنه، لكن هنا نجد تفاصيل عن جرائم بشعة لا تدانيها إلاّ جرائم هولاكو وتيمورلنك ومحاكم التفتيش في أسبانيا وجرائم الأوربيين في العالم الجديد؛ نوجزها بما جاء في الرواية السريانية “وعامل كسرى الذين وقعوا تحت سيطرته بالقسوة، حتى إن اللسان ليعجز عن الحديث عن الضيقات والسلب والضرائب والسبايا والقتل التي حدثت في أعقاب انتصار كسرى الفرس‭..‬ بعد أن أدّب قورا، (مدينة) الرّها، ونهبت فضة الكنيسة القديمة وآنية الكنائس كافة، والفضة المحلاة بها والمذابح وقبة المذبح وأعمدته الأربعة والأعمدة الأخرى، وأرسل إلى كسرى أكثر من مئة ألف رطل، أمر كسرى أن يسبى الرهاويون إلى فارس بالسرعة الممكنة”، وأهل مدينة الرّها عرب في الغالب الأعم‭.‬

ظهور المصادر التاريخية السريانية، ثروة حقيقية لأي باحث يدرس تاريخ الفتوحات الإسلامية في أواسط القرن السابع الميلادي، لأنها توفر رواية حيادية إلى حد ما، بين الروايتين الإسلامية بمختلف تشعباتها، وبين الرواية البيزنطية

أما ما يخص ملك الروم هرقل “كتب إلى أنحاء المملكة كافة يقول: كل مَن لا يقبل مجمع خلقيدونية من السريان الأرثوذكس يقطع أنفه وآذانه وينهب بيته‭.‬ وفي هذه الفترة أصدر أوامر بوجوب اقتبال جميع اليهود الذين في مملكته العماد فتنصروا‭.‬ وهرب قسم منهم من مناطق الروم ولمّا ضيّق عليهم الخناق هربوا إلى فارس، في حين أن كثيرين منهم اقتبلوا المعمودية وتنصروا”. (تاريخ ميخائيل الكبير: ج3، ص 306).

وأطلق هرقل العنان لجيشه فنهب وسلب القرى والمدن وكأنما هي منطقة الأعداء، فاغتصبوا ونهبوا كل ما وجدوه، ودمّروا تلك المناطق أكثر مما فعله المسلمون، وتركوها بيد المسلمين ليسيطروا عليها. (ت خ، ج 3، ص318-319).

ومن صور القسوة والنهب والإذلال، نقرأ هذه الفقرة التي ترينا في أيّ وضع مؤسف كان عرب وسريان المنطقة يعيشون “في هذه الأثناء، تحالف رجل أرمني يدعى داود من العاصمة، مع منطينا الغربي، واتفقا على أن يلتقيا في مكان ما لمقاتلة المسلمين‭.‬ فعلم المسلمون، فذهبوا وقتلوا منطينًا، أما داود فوصل إلى بين النهرين، ولم يكن هناك مسلمون، فأخذ جنده يرتكبون المساوئ والشرور، فوصلوا إلى قرية بيت معد، فنهبوا الذهب والفضة والأموال والخبز والخمر واللحم، وضربوا المسيحيين، ورموا رملاً ورمادًا في أنوفهم ليدلّوهم على الكنوز المخفية تحت الأرض‭.‬ ولم يكن يسمع شيء سوى صوت البكاء والعويل لا سيما من النساء المحصنات اللواتي كن يغتصبن أمام أزواجهن”‭.‬ (ت خ، ج 3، ص240)‭.‬

ويذكر المؤرخ الزوقنيني في هذه المدة خبرًا عن قيام ملك الروم فوقا (فوكاس) بفرض التعميد واعتناق المسيحية على جميع اليهود الواقعين تحت سلطانه، فأرسل قائده كيوركي إلى فلسطين لكي يلتزم اليهود بالتعميد، وعندما تلكأ رؤساءهم قام الروم بتعميدهم جميعًا بالقوة‭.‬

نتيجة هذه المعاناة التي كان عليها سكان المنطقة لا نستغرب ونحن نقرأ هذا النص المعاصر للأحداث والذي يظهر المسلمين كمخلّصين ومنقذين “إن الله إله النقمة الذي وحده له السلطان على كلّ شيءٍ، هو الذي يغيّر الملك كما يشاء ويعطيه لمن يشاء، ويقيم عليه الضعفاء، إذ رأى خيانة الروم الذين ينهبون كنائسنا وأديرتنا كلما اشتدّ ساعدهم في الحكم، ويقاضوننا بلا رحمة، جاء من الجنوب بأبناء إسماعيل، لكي يكون لنا الخلاص من أيدي الروم بواسطتهم‭.‬ إن فائدتنا لم تكن يسيرة، حيث إننا تحررنا من خبث الروم ومن شرّهم وبطشهم وحقدهم المرير علينا وتمتعنا بالطمأنينة”. (ت خ، ج 3، ص301 – 302).

إن صور القسوة والاستغلال والعنف والدمار التي مارسها كلٌّ من الفرس والبيزنطيين ضد السكّان الأصليين نقرأها في الرواية السريانية، مع وجود أرض لا تبتعد لغويًّا وقوميًّا وثقافيًّا عن أبناء الجنوب، أظهرت المسلمين كمخلّصين من وطأة الاضطهاد البيزنطي، ولذلك نعتوا الخليفة عمر بن الخطاب، بلقب “فاروقو” أي المخلّص، وهو أحد ألقاب السيد المسيح، وعلى الرغم من أن المصادر الإسلامية تذكر بأن الرسول محمدًا هو الذي نعته بهذا اللقب، إلاّ أن السريان تعاملوا معه بوصفه لقبًا يخصّهم، ووردت عبارات في متن النصوص التي تتحدث عن الفتوحات الإسلامية المبكرة تقول “نشكر الله الذي خلصنا من حكم البيزنطيين الظالمين وجعلنا تحت حكم العرب المسلمين العادلين”‭.‬ وقد أشارت الروايات السريانية بكثرة إلى عدالة العرب ورحمتهم، مقارنة مع ما كانت ترتكبه الشعوب الفاتحة الأخرى، ونقلت قصصا عديدة من هذا القبيل، وكذلك عن عدل وَتَقَشّفِ الخليفة عمر بن الخطاب‭.‬

قراءة الرواية السريانية للفتوحات الإسلامية توضح لنا أمرًا سكتت عنه المصادر الإسلامية لأسباب طائفية، ففي هذه المصادر يتضح لنا أن أبا الأعور عمرو بن سفيان السلمي، هو بطل الانتصارات العسكرية البحرية، في حين هو يكاد يكون مجهولاً لدى مؤرخي الفتوح المسلمين، ووصفته بأنه رأس الفتنة، لأن الإمام علي بن أبي طالب كان يلعنه في القنوت‭.‬ المصادر السريانية، ولأنها خارج نطاق الصراع والإشكالية الإسلامية، أظهرت دوره الفعّال بوصفه بطلاً في الفتوح البحرية، عكس المصادر الإسلامية التي ابتليت بداء هذه الإشكالية‭.‬

ترجمة الإنجيل إلى العربية

استدعى عمير بن سعد الأنصاري بطريركنا يوحنا الطوباوي وطلب إليه أن يترجم الإنجيل إلى اللغة العربية‭.‬ فجمع الأساقفة واستدعى جماعة من التنوخيين والكوفيين (والطائيين) الفقهاء باللغتين العربية والسريانية، وأمرهم بترجمة الإنجيل إلى اللغة العربية وعرض ما يترجمونه على المفسّرين‭.‬ وهكذا عُرِّبَ الإنجيل وقُدِّمَ للأمير. (ت خ، ج 3، ص328). نستدل من هذا النص، أن العرب في بداية عهد الفتوحات كان فيهم فقهاء باللغتين العربية والسريانية وهم من التنوخيين والطائيين، وأن ترجمة الإنجيل إلى اللغة العربية في ذلك الوقت المبكر من الإسلام وفي عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب (رض) لدليل على أن العرب كان بينهم مَن له قدرات لغوية ومعرفة بأكثر من لغة مما نتج عنه ترجمة كتاب مقدس لديانة الغالبية عهد ذاك‭.‬

يقودنا هذا النص لنتذكر تلك الإشارات عن ورقة بن نوفل وتبحّره في الكتب القديمة وترجمته لآيات من العهدين القديم والجديد، ما شاء له أن يترجم وليس انتهاءً بخالد بن يزيد بن معاوية وتكريس حياته للعلم والترجمة‭.‬ عن طريق النص أعلاه تتضح معرفة العرب بالسريانية وأن بينهم متفقهين باللغتين، وإذ ينفي هذا الخبر-النص، جهل العرب بالكتابة المعرفية (إجادة أكثر من لغة والترجمة) فهو يؤكد أن الكنيسة السريانية تسمية مذهبية اعتنقها العرب كما اعتنقها غيرهم، وأن هؤلاء العرب الذين كانوا يشكلون ثقلاً مهمًّا من الجسد السكاني لأعالي دجلة والفرات وبلاد الشام، ساهموا في إرساء الحكم الجديد‭.‬ كما أنه يؤكد ما ذهب إليه العلامة جواد علي في “المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام” من إيمانه بدور الحيرة في الحضارة العربية الإسلامية، ليأتي من بعده تلميذه الباحث سعيد الغانمي ويُثبت أن الحيرة هي المرحلة التأسيسية في الحضارة العربية الإسلامية‭.‬

الرواية السريانية في الفتوحات الإسلامية، للباحث تيسير خلف، أعاد المكانة للفتوحات الإسلامية ليس من الناحية الدينية التي يتقربّ بها المسلم السنّيّ إلى الله، ولا من الناحية القومية التي يستعلى بها القومي العربي على إخوته وشركائه في المنطقة ونظرائه في الخلق، بل كوقائع تاريخية دوّنها مؤرخون مسيحيون معاصرون للأحداث بلغة سريانية، ومما يؤسف له بقيت أغلب هذه المصادر غير مترجمة إلى العربية، مثلما حتى هذه اللحظة لا تحفل جامعاتنا ومراكز بحوثنا بدراسة هذه اللغة المهمّة ولا ببقية لغات شركاء الوطن والأرض والتاريخ، الذين تفاعلنا معهم وتفاعلوا معنا وشكلوا جزءًا حيويًّا من هويتنا‭.‬ خلف تيسير: الرواية السريانية للفتوحات الإسلامية، الناشر: مؤسسة فلسطين للثقافة، دمشق 2010الطبعة الثانية -إلكترونية- 2015‭.‬


شاعر‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الخرطوم