أوضاع اللغات السودانية والتخطيط اللغوي

حسب كتاب بهاء الدين الهادي خير السيد”أوضاع اللغات السودانية والتخطيط اللغوي” الصادر في الخرطوم مؤخراَ، تُعد البلدان المتنوعة لغويًّا وعرقيًّا ذات ثراء ثقافي ينعكس على دقائق حياتها كلها. لكن من الممكن أن يتحول هذا الثراء إلى نقمة وبلاء؛ يؤديان إلى تدمير البلاد لو كانت السياسات خاطئة والأغلبية تمادت بدكتاتوريتها، أو سمحت بنجاح مشاريع دول قريبة أو بعيدة تريد النَّيْل من الوحدة الوطنية. والجهل بتنوعنا اللغوي والعرقي والقومي والديني والمذهبي- أعني جهل النخب الثقافية والسياسية- العسكرية على حدّ سواء، وعدم الاحتفاء بالتعددية، هو في جوهره سماح لنجاح تلك المشاريع المشار إليها أعلاه، كما هو نجاح إلى تمادي دكتاتورية الأكثرية أو الحكومة.

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/01/2016، العدد: 12، ص(150)]

يقوم الجهل بتنوعنا وعدم الاعتراف والاحتفاء بخصوصية كل فئة إلى صعود وتضخم الأنا عند الأقليات؛ مما يُدخل عقلها الجمعي في متاهة الأوهام، وتدبيج الأساطير عن ماضيها التليد ومنجزها الحضاري العظيم، مهما كانت حداثة تاريخها الكتابيّ. فمن أجل تفادي هذه المشاكل في أبعادها السياسية والعرقية، ومن أجل استقرار البلاد وخدمتها؛ يجب الاعتزاز بتنوعنا والاعتراف أن اللغات جميعها هي لغات وطنية مع جعل لغة واحدة أو أكثر رسمية لا بمفهوم إقصائيّ بل في تسهيل التواصل بين أبناء الأمة.

إن دراسة هذا التنوع وتثقيف الجماهير بأهميته بل كون معرفته أول مفاتيح الثقافة والعلم، وتخصيص مساحة زمنية في المدارس لهذا الأمر سبب في نشأة الأطفال على التعايش والاعتزاز بالآخر المختلف، فالجهل يخلق الخوف والعداء، والإنسان عدوّ ما يجهل كما قيل في الأثر.

يتناول الدكتور بهاء الدين الهادي خير السيد في كتابه “أوضاع اللغات السودانية والتخطيط اللغوي” ما أشرنا إليه أعلاه، إذ إن السودان يحوي مزيجًا أنتج أكثر من مائة لغة باتت مهددة بسبب انتشار العربية والتمازج والانصهار والهجرة الداخلية وضعف هذه اللغات أمام متطلبات الحياة المعقدة، وعدم الاهتمام الجاد من قبل الجميع، ومنهم أفراد المجموعات العرقية نفسها حسب قول الباحث.

تهدف الدراسة (الكتاب) إلى معرفة واقع التخطيط اللغوي ودوره في انتشار اللغات السودانية أو أنحسارها، والتعرف على التخطيط اللغوي ودوره وواقعه والتعريف به. وفي 196 صفحة، بمقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، نمضي بسياحة معرفية عن بلد طالما عُدّ سلة الغذاء العربي، وأهله رمزًا للطيبة والوفاء. لكن ما نجهله هو تنوعه، تمامًا كما نجهل تنوعنا الباذخ في أرجاء المنطقة العربية.

العرقية والقومية

يناقش مصطلح العرقية (الإثنية) ويورد ما جاء في الموسوعة البريطانية “جماعة أو مجموعة من السكان تميزها عن المجتمع الأوسع، وتربط بين أفرادها روابط مشتركة من العرق واللغة والقومية الوطنية أو الثقافة”، ويوضح خلط هذا التعريف، لكنه لا يبدي وجهة نظر في المسألة، وكذا الحال فيما يخص اللغة الأم واللغة الأولى، إلا أنه يرى أن أقرب تعريف لها: “هي اللغة التي يكتسبها الطفل في مراحل تعلمه اللغة الأولى المبكرة، ويتحدثها دائمًا في البيت”.

استعمل مفهوم الجماعة الإثنية لأول مرة عام 1909 ميلادية، وصار أحد أكثر المفاهيم إثارة للخلاف، وفي عام 1952م، أصدر مجموعة من علماء الاجتماع كتابًا عن منظمة اليونسكو، بعنوان “بيان حول السلالة The Statement on Race” وركز في وجوب إسقاط مصطلح عرق واستبدال مصطلح إثنية به. في حين عالم الاجتماع الألماني ماكس ويبر عَرّفَه كما يلي "تلك المجموعات البشرية التي تتمتع باعتقاد موضوعي في أصلها الموحد الذي انحدرت منه؛ نسبة للتشابه الجسماني، أو تتشابه في العادات أو بسبب ذكريات الاستعمار والهجرة، وهذا الاعتقاد يجب أن يكون مهمًّا لتكوين المجموعة نفسها، وليس من الضروري أن تشترك في رابطة الدم الحقيقي. ووفقًا لعالم الاجتماع اللغوي فيشمان فإن الإثنية تنتقل وتتحول إلى القومية في نهاية المطاف، إذ يقول: “تصير المجموعة قومية عندما يكون لديها تصور لتاريخها الجماعي، وعندما يعي أفرادها هذا التصور ويتجاوبون معه، وهو تصور يفترض بالتأكيد وجود مجموعة أفراد متخصصة كليّةً في إيجاد رموز وقيم عامة، وتصدر عن هذا الماضي الجماعي، وتُعَبّر عنه في الوقت ذاته، وفي الترويج لهذه القيم والرموز".

إذًا الفرق بين الإثنية والقومية كما أعتقد، أن الأولى جماعة تملك لغتها الخاصة ولكنها لغة شفاهية، أو دُوّنَت مؤخرًا (القرن التاسع عشر وما بعده) فهي مجموعة تملك ذاكرة شفاهية فقط. أما القومية فهي مجموعة سكانية عادة تخلو من النقاء العرقي، ولديها ذاكرة جمعية كتابية تمتد لما قبل القرن التاسع عشر إن لم يكن السابع عشر، أي أنها أنجزت منظومتها الثقافية المدونة قبل هذا التاريخ بفترة، والمنظومة هي إنجاز تصور لتاريخها الجماعي ورموزها وقيمها المعبرة عنها وتدوين ذلك.

اللغة الأم واللغة الأولى الرسمية

لا يفرق الكاتب بين اللغة الأم واللغة الأولى، لكني أميل إلى أن الأولى هي اللغة التي يكتب بها ويتعامل معها، ربما انطلق من منطلق الكتابة؛ إذ ثمة شعراء وأدباء كتبوا بلغة تختلف عن لغتهم الأم، حتى حين غادروا بلدانهم إلى بلدان تختلف لغويًّا لم يجربوا الكتابة باللغة الأم، وبقيت اللغة الأولى هي لغة إبداعهم، لكن اللغة الأولى عادةً هي لغة رسمية، وإن كان ثمة خروج عن هذه القاعدة- كما نرى عند شعراء وأدباء نشأوا في فترة التطرف العنصري التركي نهاية القرن التاسع عشر- ومع ذلك كتبوا بالعربية وهم من أرومة غير عربية، وهذه النقطة تحتاج إلى دارسة منفصلة، فهي إحدى الأدلة على قوة وتأثير اللغة العربية. الملاحظة التي لمستها وأنا أتتبع خارطة اللغات وانتشارها، هي أنه ليس بإمكان لغة كتابية أن تزيح لغةً كتابيةً أخرى.

وفي الإثنية والأعراق في السودان، نتعرف على التنوع الغزير الذي يعج بأكثر من خمسين مجموعة عرقية، مما جعل الهوية السودانية أمرًا معقدًا، وفي الوقت نفسه يندر أن نجد شبيهًا له في إفريقية والعالم العربي. فيما يخص العرب فإن وجودهم يعود إلى 1500 سنة ق.م. وكان المعينيون يتحكمون في تجارة البحر الأحمر، وهم يشكلون غالبية السكان.

وفي أثناء استعراضه لهذا التنوع ذكر جملة كثيرا ما ترددت من دون وجه حق، والجملة هي “ما بين السوداني العريق والعربي الوافد” هذه الجملة التي أشاعها الأعاجم من مستشرقين ومَن سبقهم ممن كتبوا بعد سقوط الأمويين، فحصروا العرب قبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية التي رفضوا حتى إيصال حدودها لموانع طبيعية مثل نهر الفرات، فحصروها في الصحراء، في حين شبه الجزيرة العربية هي امتداد للعربية التي جعلها المؤرخون الإغريق تمتد إلى جبل أراس في أذربيجان والبحر المتوسط بينما البحر الأحمر عندهم هو البحر العربي لأن العرب ينتشرون على ضفتيه، كما ذكروا أن النيل من جنوب مصر وحتى العمق السوداني اليوم يسكنه العرب، وثمة مناطق واسعة من منطقة الهلال الخصيب الكبرى وشمال شرق وشرق إفريقية كانت أماكن سكنى العرب قبل الإسلام. ودلتا النيل هي إحدى الولايات الثلاث مع العراق الشمالي وسورية التي في وثائق الرومان يطلق عليها العربية، وفي تركيا كانت ممالك عربية قبل الميلاد، كما أن المستشرقين أنفسهم حين يدعون هذا على العرب؛ ينظرون للشعوب والأعراق التي تعيش في منطقة ما، قبل أكثر من ألف سنة على أنها أصيلة وهو ما نراه فيما يخص الماوْريين في نيوزلندا والعديد من الأقوام في بريطانيا وسواها.

يذكر المؤلف عن الرحالة الفاطمي بن سليم الأسواني؛ حين زار بلاد النوبة عام 975 ميلادية؛ وجد أن العرب قد اختلطوا بالسكان المحليين، لدرجة أن كثيرين منهم نسوا اللغة العربية. وهذه الشهادة التاريخية ذكرتني بما أورده جواد علي في “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، عن توغل العرب بين الآراميين حتى ذابوا فيهم، وهي أدلّة على أن الاختلاط والتزاوج سُنّة الحياة منذ القدم، والنقاء العرقي أسطورة أكثر منه حقيقة.

يشير واقع التخطيط اللغوي للغات القومية السودانية في الفترة الزمنية من 1898م وحتى 2009م، إلى ارتباطه بالسلطة الحاكمة أيًّا كانت توجهاتها نحو اللغات وأمرها، إلاّ من بعض الشذرات التي وردت في مؤتمر الرجاف 1928م، واتفاقية أديس أبابا 1972م. ولم تُطبّق مخرجاتهما تطبيقًا علميًّا بالمعنى العلمي للتخطيط اللغوي وفقًا لعلم اللغة الاجتماعي، لكن نصوص اتفاقية السلام الشامل 2005م، أوردت لأول مرة ورودًا واضحًا لا لبس فيه ولا غموض نصوصًا تصبّ في مصلحة اللغات السودانية غير العربية، وأبدت اهتمامًا واضحًا بها ولم تستثن لغةً دون أخرى.

وأخيرًا أورد الباحث سبعة مقترحات وتوصيات، نوجزها بما يلي: قيام مسوح لغوية اجتماعية علمية جادة وشاملة. إيلاء أمر التخطيط اللغوي والسياسة اللغوية إلى جهات ومراكز ومؤسسات بحثية وأفراد ذوي صلة. الإسراع في إنشاء مراكز بحثية تُعنى باللغات السودانية، ودعم القائم منها، لتمنح درجات علمية في هذه اللغات وأوضاعها. تشجيع الدولة للدراسات التي تُعنى باللغات السودانية، وتشجيع المبادرات الفردية والمؤسساتية الداعمة لها. تحييد الأيديولوجيات والسياسة عمومًا. المساواة بين اللغات قاطبة، وفقًا للتشريعات الدولية. رفع الوعي اللغوي لتقليل اللغات المهددة بالانقراض، ونفي الشعور بضعة مكانة هذه اللغات.

أعتقد أن المكتبة العربية بحاجة ماسة، لكتب تتناول التنوع اللغوي والعرقي والقومي والديني والمذهبي والاجتماعي والإناسيّ (الأنثروبولوجي) في العالم العربي، على أن يتم توزيع هذه الكتب بشكل جيد، بحيث لا تخلو مكتبات الجامعات والمعاهد والكليات والمكتبات العامة منها، وتتبناها جامعة الدول العربية، فثمة كتب كثيرة تتناول هكذا مواضيع طبعت طبعات محدودة أو على نفقة المؤلف، ولم يُسلّط عليها الضوء، وهو ما حدث مع مؤلف هذا الكتاب.


شاعر‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الخرطوم