القومية‭ ‬والإثنية‭ ‬والعرق

محاولة‭ ‬في‭ ‬فك‭ ‬الاشتباك

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/05/2016، العدد: 16، ص(106)]

لوحة: بهرام حاجو
تعريف‭ ‬المصطلحات‭ ‬الدقيق‭ ‬-يقينًا-‭ ‬يساعدنا‭ ‬على‭ ‬تجنّب‭ ‬الخلط‭ ‬والوقوع‭ ‬في‭ ‬آفة‭ ‬الخداع‭ ‬الذي‭ ‬يمارسه‭ ‬كثيرون،‭ ‬ابتداءً‭ ‬من‭ ‬السياسي‭ ‬ومرورًا‭ ‬برجل‭ ‬الدين‭. ‬وليس‭ ‬انتهاء‭ ‬“بالمثقف”،‭ ‬فانتشار‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬مفاهيم‭ ‬المصطلحات‭ ‬وحواملها،‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬بروز‭ ‬سرديات‭ ‬مليئة‭ ‬بالأوهام‭ ‬والخيانة،‭ ‬تقبلناها‭ ‬وَرَدَّدْناها‭ ‬ببغائيـًّا،‭ ‬بلا‭ ‬تفحص‭ ‬ولا‭ ‬مساءلة‭ ‬نقدية‭ ‬واعية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬أن‭ ‬إحدى‭ ‬معاناة‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬أن‭ ‬الناطقين‭ ‬بها،‭ ‬يعتنون‭ ‬بالأشياء‭ ‬وليس‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأشياء،‭ ‬بحسب‭ ‬المفكر‭ ‬الدكتور‭ ‬زكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬“تجديد‭ ‬الفكر‭ ‬العربي”‭.‬

ثمة خلط‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المصطلحات‭ ‬الثلاثة،‭ ‬العرق‭ ‬والإثنية‭ ‬والقومية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬العرق،‭ ‬هو‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولية‭ ‬لحياة‭ ‬شعب‭ ‬ما،‭ ‬لم‭ ‬يجرّب‭ ‬الـمَدَنية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فهو‭ ‬نادر‭ ‬الاختلاط‭ ‬بأعراق‭ ‬وإثنيات‭ ‬وقوميات‭ ‬أُخَر،‭ ‬وحين‭ ‬يتم‭ ‬الاختلاط،‭ ‬يرتقي‭ ‬إلى‭ ‬مصاف‭ ‬الإثنية،‭ ‬وقد‭ ‬تتأخر‭ ‬المرحلتان‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬شعب‭ ‬ما،‭ ‬أو‭ ‬إحداهما،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬الإثنية‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬القومية‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬لغتها‭ ‬التدوينية‭ ‬حضورًا‭ ‬عميقًا‭ ‬وقديمًا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجمعية‭ ‬لأبنائها،‭ ‬ويصبح‭ ‬الكاتب‭ ‬والشاعر‭ ‬والفارس‭ ‬والعاشق،‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬منتمين‭ ‬إلى‭ ‬الجماعة‭ ‬اللغوية‭ ‬الواحدة‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬المكان،‭ ‬فامرؤ‭ ‬القيس‭ ‬وطَرَفَة‭ ‬بن‭ ‬العبد‭ ‬والنابغة‭ ‬الذبياني‭ ‬وعنترة‭ ‬بن‭ ‬شداد‭ ‬وعروة‭ ‬بن‭ ‬الورد‭ ‬والصعاليك‭ ‬وقيس‭ ‬بن‭ ‬الملوح‭ ‬وكثير‭ ‬غيرهم،‭ ‬لا‭ ‬يفكر‭ ‬المغربي‭ ‬والمصري‭ ‬والعراقي‭ ‬والسوري‭ ‬بأمكنتهم‭ ‬أولاً‭ ‬في‭ ‬وعيه‭ ‬ولا‭ ‬وعيه‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬معًا،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وانتمائهم‭ ‬إليها‭.‬

عن‭ ‬منظمة‭ ‬اليونسكو،‭ ‬عام‭ ‬1952‭ ‬م‭ ‬أصدر‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬كتابًا‭ ‬بعنوان‭ ‬“بيان‭ ‬حول‭ ‬السلالة”‭ ‬شدَّدوا‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬وجوب‭ ‬إسقاط‭ ‬مصطلح‭ ‬“عرق”‭ ‬واستبداله‭ ‬بمصطلح‭ ‬“إثنية”‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬مرّ‭ ‬ثلاثة‭ ‬وأربعون‭ ‬عامًا‭ ‬على‭ ‬أوّل‭ ‬استعمال‭ ‬له. ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬“الإثنية”‭ ‬يُعرّفه‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الألماني‭ ‬ماكس‭ ‬ويبر،‭ ‬كالآتي‭ ‬“تلك‭ ‬المجموعات‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬باعتقاد‭ ‬موضوعي‭ ‬في‭ ‬أصلها‭ ‬الموحّد‭ ‬الذي‭ ‬انحدرت‭ ‬منه؛‭ ‬نسبة‭ ‬للتشابه‭ ‬الجسماني،‭ ‬أو‭ ‬تشابه‭ ‬العادات‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬ذكريات‭ ‬الاستعمار‭ ‬والهجرة،‭ ‬وهذا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مهمًّا‭ ‬لتكوين‭ ‬المجموعة‭ ‬نفسها،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تشترك‭ ‬في‭ ‬رابطة‭ ‬الدم‭ ‬الحقيقي”‭ ‬لأن‭ ‬نقاء‭ ‬الأعراق‭ ‬وهم‭ ‬كبير،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬خروج‭ ‬العرق‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬الإثنية‭.‬

على‭ ‬وفق‭ ‬رأي‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬اللغوي‭ ‬جوشوا‭ ‬فيشمان‭ ‬فإن‭ ‬الإثنية‭ ‬تنتقل‭ ‬وتتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬إذ‭ ‬يقول‭ ‬“تصير‭ ‬المجموعة‭ ‬قومية‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬لديها‭ ‬تصوّر‭ ‬لتاريخها‭ ‬الجماعي،‭ ‬وعندما‭ ‬يعي‭ ‬أفرادها‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬ويتجاوبون‭ ‬معه،‭ ‬وهو‭ ‬تصور‭ ‬يفترض‭ ‬بالتأكيد‭ ‬وجود‭ ‬مجموعة‭ ‬أفراد‭ ‬متخصصة،‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬رموز‭ ‬وقيم‭ ‬عامة،‭ ‬وتصدر‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الماضي‭ ‬الجماعي،‭ ‬وتُعَبّر‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬وفي‭ ‬الترويج‭ ‬لهذه‭ ‬القيم‭ ‬والرموز‭.‬

إذن‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الإثنية‭ ‬والقومية،‭ ‬بحسب‭ ‬اعتقادي،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الأولى‭ ‬جماعة‭ ‬تملك‭ ‬لغتها‭ ‬الخاصة‭ ‬ولكنها‭ ‬لغة‭ ‬شفاهية،‭ ‬أو‭ ‬دُوّنَت‭ ‬مؤخرًا‭ ‬(القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وما‭ ‬بعده)‭ ‬فهي‭ ‬مجموعة‭ ‬تملك‭ ‬ذاكرة‭ ‬شفاهية‭ ‬فقط. ‬أما‭ ‬القومية‭ ‬فهي‭ ‬مجموعة‭ ‬سكانية‭ ‬عادة‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬النقاء‭ ‬العرقي،‭ ‬ولديها‭ ‬ذاكرة‭ ‬جمعية‭ ‬كتابية‭ ‬تمتد‭ ‬لما‭ ‬قبل‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬السابع‭ ‬عشر،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬أنجزت‭ ‬منظومتها‭ ‬الثقافية‭ ‬المدونة‭ ‬قبل‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬بفترة،‭ ‬والمنظومة‭ ‬هي‭ ‬إنجاز‭ ‬تصور‭ ‬لتاريخها‭ ‬الجماعي‭ ‬ورموزها‭ ‬وقيمها‭ ‬المعبّرة‭ ‬عنها‭ ‬وتدوين‭ ‬ذلك‭.‬

وبوضوح‭ ‬أكثر،‭ ‬إن‭ ‬الإثنية‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬القومية،‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬واحدة‭ ‬تدوينية‭ ‬تجمعها‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬ندعوه‭ ‬باللغة‭ ‬الفصحى‭ ‬الكتابية،‭ ‬التي‭ ‬بإمكان‭ ‬أيّ‭ ‬متعلم‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬تمامًا‭ ‬ما‭ ‬مُدَوّن‭ ‬أمامه،‭ ‬مثلما‭ ‬يفهم‭ ‬القارئ‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ما‭ ‬مُدوّن‭ ‬بأقلام‭ ‬مصرية‭ ‬ومغاربية‭ ‬ويمنية‭ ‬وشامية،‭ ‬وأنه‭ ‬يشترك‭ ‬مع‭ ‬سكان‭ ‬بقية‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تسكنها‭ ‬هذه‭ ‬الإثنية‭ ‬بذاكرة‭ ‬واحدة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تناقضت،‭ ‬فالذاكرة‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬ذكرها‭ ‬لرموزها،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬بعضهم‭ ‬يرونهم‭ ‬شياطين،‭ ‬فيزيد‭ ‬بن‭ ‬معاوية‭ ‬بل‭ ‬معاوية‭ ‬نفسه‭ ‬والآلاف‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬التاريخية،‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬غبار‭ ‬على‭ ‬رمزيتها‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬سلبية‭ ‬بحتة‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬العرب‭.‬

من‭ ‬العلامات‭ ‬الفارقة،‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬مجموعة‭ ‬لغوية‭ ‬ما،‭ ‬إثنية‭ ‬وليست‭ ‬قومية،‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬مدونتها‭ ‬الكتابية،‭ ‬شعراء‭ ‬وأدباء‭ ‬وباحثين‭ ‬ومؤرخين‭ ‬ومنظرين‭ ‬ومؤلفين‭ ‬عمومًا،‭ ‬كتبوا‭ ‬أعمالهم‭ ‬بلغتها‭ ‬وهم‭ ‬ينتمون‭ ‬لقوميات‭ ‬وإثنيات‭ ‬أخرى،‭ ‬وقد‭ ‬مضت‭ ‬على‭ ‬وفاتهم‭ ‬عقود‭ ‬طويلة،‭ ‬وخلفوا‭ ‬لنا‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬والموسوعات‭. ‬مثلما‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬مؤثرات‭ ‬تُذكر‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬كتابية‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬شفاهية‭ ‬أخرى،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الشفاهي‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬كتابية‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬التدوينيّ‭ ‬فيها،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬تأثير‭ ‬للشفاهي‭ ‬والكتابي‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬إثنية‭ ‬ضمن‭ ‬لغة‭ ‬قومية‭.‬

الموروث‭ ‬الكتابي-التدويني‭ ‬يضم‭ ‬أعدادًا‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الكُتّاب‭ ‬أصبحوا‭ ‬من‭ ‬الأسلاف،‭ ‬أي‭ ‬مضى‭ ‬على‭ ‬موتهم‭ ‬قرنان‭ ‬وثلاثة‭ ‬وخمسة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬اللغات‭ ‬القومية‭ ‬وليس‭ ‬اللغات‭ ‬الإثنية،‭ ‬مثل‭ ‬العربية‭ ‬والسريانية‭ ‬والفارسية‭ ‬والتركية‭ ‬والإنكليزية‭ ‬والفرنسية‭ ‬والألمانية‭ ‬والأسبانية‭ ‬والبرتغالية‭ ‬والإيطالية‭ ‬واليابانية،‭ ‬فهذه‭ ‬اللغات،‭ ‬بإمكان‭ ‬قومياتها‭ ‬أن‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬آلاف‭ ‬المبدعين‭ ‬والكٌتّاب‭ ‬ممّن‭ ‬ماتوا‭ ‬قبل‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قرنين‭ ‬وأكثر،‭ ‬لكن‭ ‬الأمر‭ ‬ينعدم‭ ‬عند‭ ‬الناطقين‭ ‬باللغات‭ ‬الإثنية،‭ ‬فغالبًا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬لديهم‭ ‬تراث‭ ‬شفاهي‭ ‬مؤلفوه‭ ‬مجهولون،‭ ‬وأننا‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬أسماء‭ ‬إبداعية‭ ‬كثيرة‭.‬

لوحة: بهرام حاجو

اللغات‭ ‬الإثنية،‭ ‬حتى‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أحدث‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ،‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬رصينة‭ ‬وموسوعات‭ ‬كبيرة‭ ‬وبالإجمال‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬وإلى‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬المؤلفين‭ ‬(الباحثين،‭ ‬المؤرخين)‭ ‬الذين‭ ‬ماتوا‭ ‬قبل‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬مثلما‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الأسر‭ ‬العلمية،‭ ‬فلا‭ ‬يمكننا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللغات‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬العشرات‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬العلمية،‭ ‬التي‭ ‬أنجبت‭ ‬مؤلفين‭ ‬ومبدعين،‭ ‬مثلما‭ ‬عليه‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬أنموذجًا،‭ ‬والتي‭ ‬يصعب‭ ‬حصر‭ ‬الأسر‭ ‬العلمية‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬مجلد‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬إننا‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬العربية،‭ ‬أسرًا‭ ‬أخذت‭ ‬ألقابها‭ ‬من‭ ‬كُتبٍ‭ ‬أنجزها‭ ‬أسلافها،‭ ‬مثلما‭ ‬عليه‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬أسرة‭ ‬الجواهري‭ ‬وكاشف‭ ‬الغطاء‭ ‬وبحر‭ ‬العلوم،‭ ‬أو‭ ‬ألقابها‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬أسماء‭ ‬كُتّاب‭ ‬أو‭ ‬مبدعين،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأسر‭ ‬أسّسها‭ ‬(وهو‭ ‬تعبير‭ ‬مجازيّ)‭ ‬هؤلاء‭.‬

رُبَّ‭ ‬سائل‭ ‬يسأل: ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬المجموعات‭ ‬السكانية‭ ‬ذات‭ ‬العدد‭ ‬القليل،‭ ‬مثل‭ ‬السريان؟‭ ‬السريان‭ ‬لديهم‭ ‬منجزهم‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ينقطع،‭ ‬وإن‭ ‬قلّ‭ ‬كثيرًا‭ ‬بسبب‭ ‬هيمنة‭ ‬لغات‭ ‬أخرى،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬عكس‭ ‬أبناء‭ ‬عمومتهم‭ ‬العرب،‭ ‬جاءت‭ ‬المسيحية‭ ‬لتحدّ‭ ‬من‭ ‬اندفاع‭ ‬لغتهم،‭ ‬فحين‭ ‬تبنّى‭ ‬اليونانيون‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الرومان،‭ ‬المسيحية‭ ‬اندفع‭ ‬التأليف‭ ‬باليونانية‭ ‬ثم‭ ‬اللاتينية،‭ ‬مما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬خنق‭ ‬اللغة‭ ‬السريانية،‭ ‬وحين‭ ‬جاء‭ ‬الإسلام،‭ ‬كانت‭ ‬اللغة‭ ‬السريانية‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬احتضارها،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تمت‭ ‬واستمر‭ ‬التأليف‭ ‬فيها‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬المنجز‭ ‬المكتوب‭ ‬باللغة‭ ‬السريانية،‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬منجز‭ ‬ضخم،‭ ‬استوفى‭ ‬على‭ ‬إثره‭ ‬السريان‭ ‬شروط‭ ‬القومية‭ ‬منذ‭ ‬قرون‭ ‬طويلة،‭ ‬وهو‭ ‬يشمل‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الكتب،‭ ‬وبحسب‭ ‬مؤلف‭ ‬كتاب‭ ‬“تاريخ‭ ‬نصارى‭ ‬العراق”‭ ‬فهناك‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬وخمسمئة‭ ‬(3500)‭ ‬كتاب،‭ ‬وهو‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬للغاية‭ ‬لو‭ ‬علمنا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الكتب-المخطوطات،‭ ‬سبقت‭ ‬الإسلام،‭ ‬وتمّت‭ ‬المحافظة‭ ‬عليها،‭ ‬مما‭ ‬يُعدّ‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬براءة‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬حرق‭ ‬الكتب‭ ‬والمكتبات‭ ‬المزعومة‭.‬

السريان‭ ‬الذين‭ ‬يختلفون‭ ‬عن‭ ‬المسلمين‭ ‬قوميًّا‭ ‬وعقديًّا،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قلة‭ ‬عددهم،‭ ‬لكن‭ ‬المسلمين‭ ‬عربًا‭ ‬وفرسًا‭ ‬وأتراكًا،‭ ‬لم‭ ‬يمنعوهم‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬التأليف‭ ‬وحفظ‭ ‬لغتهم‭ ‬وعقيدتهم‭ ‬وثقافتهم‭ ‬عمومًا،‭ ‬فلم‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬تاريخنا‭ ‬ما‭ ‬يُثبت‭ ‬أن‭ ‬عداءً‭ ‬سافرًا‭ ‬ضد‭ ‬اللغات‭ ‬والثقافات‭ ‬الأخرى،‭ ‬مارسته‭ ‬الحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬منذ‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬الميلادي‭ ‬وحتى‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬الميلادي،‭ ‬مما‭ ‬سمح‭ ‬للحفاظ‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬السريانية‭ ‬المهمة،‭ ‬بل‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬لغات‭ ‬أخرى،‭ ‬لأن‭ ‬الصراعات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تجري‭ ‬في‭ ‬منطقتنا،‭ ‬صراعات‭ ‬سلطوية‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬بين‭ ‬المسلمين،‭ ‬كمسلمين‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬غيرهم‭ ‬من‭ ‬قوى‭ ‬كبرى‭.‬

لم‭ ‬يَثْلمْ‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬التعايش‭ ‬التسامحي‭ ‬الذي‭ ‬أبقى‭ ‬نسبة‭ ‬المسيحيين‭ ‬واليهود‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مدننا‭ ‬بل‭ ‬وعواصمنا،‭ ‬حتى‭ ‬ماض‭ ‬ليس‭ ‬بالبعيد،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬اليهود،‭ ‬حتى‭ ‬العشرينات‭ ‬وربما‭ ‬الثلاثينات،‭ ‬يُشكلون‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬بغداد،‭ ‬والديانة‭ ‬الثانية‭ ‬فيها،‭ ‬وأن‭ ‬المسيحيين‭ ‬حتى‭ ‬بداية‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬يشكلون‭ ‬نسبًا‭ ‬واضحة‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عواصم‭ ‬ثقافية‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬اقتصادية،‭ ‬وثمة‭ ‬بلدات‭ ‬كانوا‭ ‬فيها‭ ‬غالبية‭ ‬مطلقة‭ ‬حتى‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬وبفضل‭ ‬هذا‭ ‬التعايش‭ ‬نمت‭ ‬الإثنيات‭ ‬ولم‭ ‬تتعرض‭ ‬إلى‭ ‬المحو‭ ‬والذوبان‭ ‬في‭ ‬القوميات‭ ‬الكبيرة،‭ ‬ومجازر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وما‭ ‬تلاه،‭ ‬بحق‭ ‬المسيحيين،‭ ‬كانت‭ ‬للغرباء‭ ‬اليد‭ ‬الخفية‭ ‬القاتلة‭ ‬فيها،‭ ‬وباعتراف‭ ‬المسيحيين‭ ‬أنفسهم‭.‬

عدم‭ ‬تطور‭ ‬بعض‭ ‬الإثنيات‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬القومية‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬سببه‭ ‬أن‭ ‬غالبيتهم‭ ‬العظمى‭ ‬لم‭ ‬يغادروا‭ ‬مناطقهم‭ ‬التاريخية،‭ ‬والتي‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬وعورة‭ ‬أو‭ ‬ندرة‭ ‬وانغلاق‭ ‬جغرافي‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بالاحتكاك‭ ‬المغذّي‭ ‬للتطور،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬فقيرة‭ ‬للغاية‭ ‬ولا‭ ‬تتعدّى‭ ‬بضعة‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الكلمات،‭ ‬وبقوا‭ ‬متشبّثين‭ ‬بعملهم‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬الرعي‭ ‬والزراعة،‭ ‬وكان‭ ‬انتقال‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬المدن‭ ‬فرادى،‭ ‬وهذا‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬الذوبان‭ ‬السريع،‭ ‬أي‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬تمدد‭ ‬سريع‭ ‬لهم‭.‬

مَن‭ ‬حدث‭ ‬لهم‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التمدّد‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يرقى‭ ‬إلى‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وأسبابه‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬فيها‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الإسلام‭ ‬والمسلمين،‭ ‬عملية‭ ‬إبادة‭ ‬ضخمة‭ ‬ومخزية،‭ ‬ذَهَبَ‭ ‬ضحيتها‭ ‬مليون‭ ‬ونصف‭ ‬المليون‭ ‬أرمني‭ ‬ونصف‭ ‬مليون‭ ‬سرياني‭ ‬وعشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المسيحيين‭ ‬العرب،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬كانوا‭ ‬سكان‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‭ ‬المجاورة‭ ‬للمدن،‭ ‬مما‭ ‬تسبّب‭ ‬بتغيير‭ ‬التركيبة‭ ‬السكانية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬وسافر،‭ ‬وأدّى‭ ‬تدخل‭ ‬القوى‭ ‬الغربية‭ ‬الكبرى،‭ ‬والتجاذبات‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬منذ‭ ‬العشرينات،‭ ‬وتنامي‭ ‬صناعة‭ ‬النفط‭ ‬خاصة‭ ‬والصناعة‭ ‬عامة،‭ ‬أن‭ ‬استمر‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وتكريس‭ ‬سردية‭ ‬التاريخ‭ ‬العريق،‭ ‬والسكان‭ ‬الأصليين‭ ‬حتى‭ ‬عند‭ ‬مَن‭ ‬لم‭ ‬يعرفوا‭ ‬الكتابة‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬أساس‭ ‬التمدن‭ ‬والحضارة‭.‬

إن‭ ‬قراءة‭ ‬دقيقة‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬تلك‭ ‬المدن‭ ‬والبلدات‭ ‬والقرى‭ ‬الكبيرة،‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬منجزها‭ ‬الكتابي‭ ‬الذي‭ ‬يخبرنا‭ ‬حقيقتها‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬وكذلك‭ ‬البيوتات‭ ‬(الأُسَر)‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬هويتها‭ ‬التاريخية‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬أو‭ ‬منتصفه. ‬فمدن‭ ‬الهلال‭ ‬الخصيب‭ ‬عامة،‭ ‬هي‭ ‬مدن‭ ‬كتابية‭ ‬وبيوتات‭ ‬علمية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬طبعت‭ ‬بمنجزها‭ ‬التدويني‭ ‬طابع‭ ‬مدننا‭.‬

الإثنيات‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬القومية‭ ‬بعد،‭ ‬أدّت‭ ‬دورًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬وواضحًا‭ ‬في‭ ‬رفد‭ ‬المنجز‭ ‬الكتابي‭ ‬والثقافي‭ ‬بل‭ ‬والاجتماعي‭ ‬عمومًا‭ ‬للقوميات،‭ ‬ولو‭ ‬تتبعنا‭ ‬أصول‭ ‬الذين‭ ‬كتبوا‭ ‬باللغات‭ ‬اليونانية‭ ‬واللاتينية‭ ‬والسريانية‭ ‬والعربية‭ ‬بعَدِّها‭ ‬اللغات‭ ‬الأقدم‭ ‬التي‭ ‬أنجزت‭ ‬تراثًا‭ ‬عمره‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬ألف‭ ‬سنة،‭ ‬ثم‭ ‬تتبعنا‭ ‬المنجز‭ ‬الكتابي‭ ‬للغات‭ ‬الفارسية‭ ‬والتركية‭ ‬والفرنسية‭ ‬والإنكليزية‭ ‬والأسبانية‭ ‬والبرتغالية‭ ‬والروسية،‭ ‬فسوف‭ ‬تبهرنا‭ ‬مساهمة‭ ‬المبدعين‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللغات‭ ‬وهم‭ ‬من‭ ‬أرومات‭ ‬لا‭ ‬تنتمي‭ ‬إليها‭.‬

لقد‭ ‬أثّرت‭ ‬الإثنيات،‭ ‬ثقافات‭ ‬القوميات،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬القوميات‭ ‬الكبيرة‭ ‬(اللغات‭ ‬الكتابية‭ ‬العريقة‭ ‬والثرية‭ ‬بمنجزها‭ ‬الكتابي)‭ ‬تأثيرًا‭ ‬بسيطًا‭ ‬للغاية،‭ ‬مقارنة‭ ‬بتأثير‭ ‬القوميات‭ ‬الكبيرة‭ ‬فيها،‭ ‬فهي‭ ‬إن‭ ‬أعارت‭ ‬بضع‭ ‬عشرة‭ ‬كلمة‭ ‬للغات‭ ‬القومية،‭ ‬ففي‭ ‬المقابل‭ ‬استعارت‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المفردات‭ ‬من‭ ‬الأخيرة،‭ ‬مثلما‭ ‬استعارت‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬أنساقها‭ ‬الثقافية‭ ‬وحواملها‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وخير‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬واضحًا‭ ‬تأثير‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬لغة‭ ‬وتفكيرًا‭ ‬وسلوكًا‭ ‬وفنًّا‭ ‬ومطبخًا‭ ‬وأزياءً‭ ‬وعمارة،‭ ‬في‭ ‬اللغات‭ ‬القومية‭ ‬والإثنية‭ ‬جميعها‭ ‬على‭ ‬السواء،‭ ‬لكننا‭ ‬لو‭ ‬فكَّكنا‭ ‬المؤثرات‭ ‬القومية‭ ‬على‭ ‬الإثنيات‭ ‬ستبهرنا‭ ‬النسبة‭ ‬التي‭ ‬استعارت‭ ‬بها‭ ‬الإثنيات‭ ‬من‭ ‬القوميات‭.‬

إن‭ ‬الأعراق‭ ‬والإثنيات،‭ ‬تملك‭ ‬مكتبة‭ ‬شفاهية‭ ‬ومتحفًا‭ ‬متنقلاً‭ ‬وصيدلية،‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬للبشرية‭ ‬عنها،‭ ‬فهي‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬التدوين،‭ ‬فإن‭ ‬أساطيرها‭ ‬وحكاياتها‭ ‬وفنونها‭ ‬وما‭ ‬توارثوه،‭ ‬يُعدّ‭ ‬مكتبة‭ ‬حقًّا،‭ ‬وملابسها‭ ‬وأدواتها‭ ‬الحياتية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬وطرق‭ ‬معيشتها‭ ‬يجعلها‭ ‬متحفًا‭ ‬حيًّا،‭ ‬وأما‭ ‬التداوي‭ ‬بالأعشاب‭ ‬فكثير‭ ‬منه‭ ‬خضع‭ ‬للدراسة‭ ‬المختبرية‭ ‬ليثبت‭ ‬فاعليته. ‬الإثنيات‭ ‬روافد‭ ‬تصبّ‭ ‬في‭ ‬نهر‭ ‬القوميات،‭ ‬ولو‭ ‬منعنا‭ ‬هذه‭ ‬الروافد‭ ‬فمنسوب‭ ‬أنهار‭ ‬القوميات‭ ‬سيقلّ‭ ‬كثيرًا،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬نجافي‭ ‬الحقيقة‭ ‬حين‭ ‬نقول‭ ‬“إن‭ ‬الإثنيات‭ ‬ملح‭ ‬البشرية”‭.‬


شاعر‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الخرطوم