الكتـابة‭ ‬والتدوين

محاولة‭ ‬في‭ ‬فك‭ ‬الاشتباك

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/07/2016، العدد: 18، ص(48)]

لوحة: خلدون عزام
تمثل‭ ‬مطاطية‭ ‬المصطلحات،‭ ‬واقتصار‭ ‬دقتها‭ ‬العلمية‭ ‬على‭ ‬نخبة‭ ‬النخبة،‭ ‬مشكلة‭ ‬عويصة‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬إقناع‭ ‬الآخرين‭ ‬بخطورة‭ ‬إشاعتها‭ ‬بغير‭ ‬وجهتها،‭ ‬والتعامل‭ ‬معها‭ ‬بسطحية،‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬منازعات‭ ‬وحروب‭ ‬ليست‭ ‬كلامية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬لحصد‭ ‬أرواح‭ ‬البشر‭ ‬وادعاء‭ ‬الحق‭ ‬الإلهي‭ ‬أو‭ ‬التاريخي‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬عقائدية‭ ‬أو‭ ‬قومية‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مساحات‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نجده‭ ‬ماثلاً‭ ‬للعيان‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬كثيرة‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬كتابة‭ ‬تاريخنا‭ ‬بالدم‭ ‬والحقد‭ ‬والبغضاء‭ ‬والأكاذيب‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الأوهام‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬صورة‭ ‬ليست‭ ‬واقعية‭ ‬لنا‭ ‬وللآخر‭.‬

لا يمكننا بأيّ حال من الأحوال أن نقنع الناس بتغيير ما تربّوا عليه، وأصبح لديهم من اليقين الثابت، لا سيما حين يتحول الوهم إلى عقيدة دينية أو قومية، فيصبح تعريتها، بمثابة جرح لنرجسية الجماعة، ومساسٍ بعقيدتها أو مساس بحقها القومي التاريخي المتوهم، والذي يعني لها إنهاء وجودها المؤسَّس على أساطير وأوهام، مثلما يتمثل بالكيان الصهيوني، وحقه التاريخي المزعوم بأرض فلسطين، وعليه لا نستغرب أن يتم التكفير الديني فيما يخص العقيدة، والتكفير الإنساني والحضاري فيما يخص الوهم القومي، وأعني بالتكفير الإنساني والحضاري، في إطلاق التهم جزافًا وأولها العنصرية والشوفينية، على مَن يفكك تلك الأساطير المبنية على أوهام الحق التاريخي، والأمجاد العظيمة والماضي التليد.

يقول أمبرتو إيكو «إن أدواتٍ مثل تويتر وفيسبوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممّن كانوا يتكلمون في الحانات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأيّ ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء»، وهذا قاد إلى انتشار الأوهام والخطاب التلفيقي بشكل هستيري، وتحوّلت فتاوى ابن تيمية في تكفير غير المسلمين السُّنَّة ممن يعتقدون باعتقاده نفسه، إلى فتاوى لدى الجميع، بل قاعدة يسيرون عليها، فكل فئة قومية أو إثنية أو مذهبية، أخرجت البقية من جنة خلودها وأمجادها، ولا سيما دعاة العلمانية من القوميين.

أصبحت سردية الحق التاريخي الصهيونية، سيئة الصيت، منارًا يَهتدي به القوميون، عربًا وغير عرب، فالصهاينة الذين ابتلعوا فلسطين تحت ذريعة مزاعم حق تاريخي لليهود، استنسخت مزاعمهم في منطقتنا، فأصبح الجميع ينتمي إلى ماض تليد، وأصبح السومريون والأكديون والبابليّون والآشوريون والعموريون والكنعانيون والآراميون وغيرهم عربًا لا جدال في عروبتهم، بينما عند الآخرين، تم إقصاء وَنَفْي العرب، وأصبح وجودهم على الأرض وكأنه سبق العرب بقرون بل بآلاف السنين، وثمة مَن حرم العرب من عبور نهر الفرات فجعل حدوده مع العرب نهر الفرات، وبعضهم تَكَرَّمَ على العرب فجعل نهر دجلة الحدّ الفاصل بينهما. زاعمًا أن العرب لم يعبروا نهر دجلة إلاّ قبل مئتَي سنة فقط لا غير.

على منوال القوميين المتشددين العرب، تمّ نسب الأقوام البائدة لهم، أي أسرنة (من السريانية) الأقوام القديمة، فنقرأ عندهم هذه الجملة التي لطالما تكررت «إن السومريين والآشوريين والبابليين والعموريين والكنعانيين والفينيقيين والآراميين تسميات متعددة لشعب واحد هو الشعب الآشوري» وعند القوميين الأكراد، تم تكريد السومريين والميتانيين والحثيين والكشيين والعيلاميين والميديين وسواهم، وراح النبش في كتب الأقدمين، لتأويل أيّ إشارة حتى لو كانت خطأً طباعيًّا، لتأكيد عراقة القومية أو الإثنية التي ينتمي لها المهووسون، في تلك الأرض ونفي الآخرين حتى لو كان المنجز المكتوب في هذه المدن أو تلك الأقاليم كاملاً بغير لغة المهووسين.

دخل كثير من «المثقفين العرب» على خط الإساءة إلى العرب، ناكرين عروبتهم وزاعمين بأصلهم السومري، أو الأكادي، أو البابلي، أو الكنعاني، أو الفرعوني أو الأفريقيّ، وعلى شماعة العرب وضعوا السلبيات كلها، والخراب كله واستراحوا، بل إن بعضهم تماهى في جلد الذات، مدعيًا أن العرب وليس سواهم، مَن دَمَّر الحضارات والثقافات، وأجبر شعوبًا بعد حرق تراثها على التكلم بالعربية. مزاعم وادعاءات باطلة تشي بحجم الخراب الذي عَمَّ خطاب شرائح متعددة من المجتمع، ممن يُطلق عليهم «النخبة» وهم في جوهرهم يُثبتون أنهم فيالق الحمقى الذين شخصهم أمبرتو إيكو.

حضارات انتهت قبل بزوغ الدين الإسلامي بأكثر من ألف سنة، وبعضها بأكثر من أَلْفَيْ سنة، لم يجد هؤلاء إن كانوا عربًا أو من ثقافات أخرى، إلاّ العرب لتحميلهم المسؤولية كاملة على زوال تلك الحضارات، وهذه الاتهامات غير المسؤولة بالمرة، يتوكأ عليها جمهور غفير من المثقفين، لأنهم أبناء الخراب، كُسالى تشبعوا بنمطية تفكير جلادهم وأخلاقياته، وبدلاً من تفكيك ونقد نظمنا المعرفية وأنساقنا الثقافية وحواملنا الاجتماعية، رموا العرب والدين الإسلامي بكل الموبقات والتهم واستراحوا، وبعضهم بالغ مبالغة لم يتجرأ عليها أكثر المستشرقين كراهية للعرب والإسلام، وهذا الكلام لا يعفي العرب من مسؤولياتهم ولا يُنَزّههم من السلبيات وهي كثيرة ماضيًا وحاضرًا.

الفرس ممن كتبوا بالعربية، أطنبوا في الثناء على الساسانيين وعظمتهم، والأوهام والأكاذيب حين تُكرّس تتحول إلى حقائق أقرب إلى المقدس، ممّا يجعل تفكيكها يُعَدّ انتهاكًا صارخًا لِقُدْسيّتها المزعومة

الكتابة

عديدة هي الشعوب التي كتبت قبل القرن الثامن الميلادي، أو لنقل قبل الحرب العالمية الأولى بأكثر من ألف عام، (الحرب العالمية الأولى هي بداية لعصر جديد مختلف عما قبلها، ويراها كاتب السطور نقطة تحوّل في تاريخ البشرية)، وكتاباتها ليست سوى نقوش تختلف من لغة إلى أخرى، وبعضها ربما زادت نقوشها مع بعض اللفافات والبرديات، وقد تكون نسبة كِتاب أو كتابين لها لا أكثر، ومعظم هذه اللغات لم تتعد مرحلة الكتابة إلى مرحلة التدوين، باستثناء ثلاث لغات معروفة لدينا وهي السريانية واليونانية واللاتينية.

يُعدّ العرب من الشعوب التي عرفت الكتابة في وقت مبكر، يصل إلى بداية الألف الأولى قبل الميلاد، وما يطلق عليها النقوش العربية الأولى بخط المسند التي عُثر عليها في أور ونفّر وأبو الصلابيخ، يعود تاريخها إلى القرون التاسع والثامن والسابع قبل الميلاد، وكلما اقتربنا نجد نقوشًا عربية تملأ شمال الحجاز ولا سيما في بلاد الشام، ولا نبتعد عن الحقيقة حين نعتقد أن النقوش العربية من الثراء بحيث لا تضاهيها لغة غير تدوينية، من اللغات الحية، أو التي ظهرت وتبلورت بعد الميلاد، بعدد ما خلّفت لنا من نقوش.

ما هو الـتدويـن

لا بدّ لنا من التفريق بين اللغات الشفاهية والكتابية والتدوينية، وبما أن الأولى معروفة بأنها التي لم يتم الكتابة بها في الماضي، وبعضها اندثر ولم يعثر على نقش أو لفافة أو بردية تخبرنا عنها، وتُوَضّح طبيعتها، ولكن ثمة مَن ذكرها، وإن أثبتت الدراسات الحديثة، عدم دقة ما ذكر من وجود أقلام لأمم عديدة، لأن بعض هذه الشعوب لم تعرف الكتابة إلاّ مؤخرًا. غالبية هذه اللغات بدأت تتبلور رويدًا رويدًا وتتحول إلى كتابية ثم إلى تدوينية، وهو ما حدث بفضل العرب حين انتصروا بدينهم الجديد، لتتحول الأمم من شفاهية أو كتابية إلى تدوينية، مثل اللغات الفارسية والتركية وكثير غيرها.

اللغات الكتابية، تفتقر إلى الكُتّاب الأعلام، وتراجمهم وسيرهم مثلما تفتقر إلى كتب وموسوعات، ولا يمكننا أن نتحدث عن شعراء وأدباء وكُتّاب ومؤرخين وباحثين، لأن معظم كتاباتها، تكون عبارة عن تمائم وعقود شراء وبيع، وشواهد قبور، وجمل يكتبها مجهولون، أو نقوش لملوك وأمراء، وتراث شفاهي مثل الأغاني المتوارثة، مجهولة الشاعر والملحّن، وحكم ومواعظ وحكايات لا يُعرف تاريخ تأليفها ومؤلفيها، وربما بضعة كتب لا تتعدى في أحسن الأحوال العشرات وذات موضوعات محددة.

هذه هي اللغات الكتابية، وحين تنتقل إلى التدوين، نقرأ كتبًا وموسوعات في مجالات معرفية شتى لمؤلفين مُعَرّفين، وكتبًا في نقد الشعر وشرحه وفي الأدب والتاريخ والجغرافيا والبلدان والطب والرياضيات والفلك والفنون عامة، وفي اقتصاد السوق وإدارة الدولة، ونتعرّف على حياة المئات من الكُتّاب ومصنفاتهم وحيواتهم، بل على كتب في هذه المصنفات مثل الفهرست لابن النديم، ومعاجم للأدباء مثل معجم الأدباء لياقوت الحموي والعشرات من الموسوعات والتراجم التي سبقت ياقوت الحموي وتلته.

رُبَّ سائل يسأل وماذا عن اللغات السومرية والأكدية والكنعانية وسواها، التي خَلَّفَ لنا بعضها الآلاف من النقوش والرقيمات والألواح الطينية والبرديات؟ الجواب: هذه لغات كتابية وليست تدوينية، فنحن لا يمكننا أن نعدد أسماء شعراء وأدباء ومؤرخين وباحثين فيها وتواريخ وأمكنة ولاداتهم ووفياتهم، والحديث عن سيرهم العلمية ومؤلفاتهم، مثلما نفعل مع اللغات اليونانية والسريانية واللاتينية ثم العربية التي أصبحت خلال قرون عديدة أوسع لغة تدوينية من حيث الإنتاج الكتابي وتنوعه وعدد الأعلام، والمواضيع التي ناقشها وعالجها كُتّاب اللغة العربية، وأما الشعر العربي، فهو أوسع شعر عرفته اللغات قاطبة تنوعًا ومعالجة في مواضيعه. وكأنها بذلك تريد التعويض عن تأخرها لعدة قرون عن اللغات التدوينية الثلاث.

لوحة: خلدون عزام

حرق المكتبات

ذكرت أعلاه أن الفرس وغيرهم تحوّلت لغاتهم إلى تدوينية بفضل العرب، وهذا أمر من الصعب تصديقه على الرغم من دقته العلمية ومصداقيته، لكن القار في العقل الجمعي أن الفرس أصحاب حضارة عظيمة وعريقة وأهل مَدَنيّة، «ولو كان العلم في الثريّا لناله رجال من فارس» حديث نسبته مصادر الحديث الكبرى إلى مؤسس الإسلام، أضف إلى ذلك أنّ المؤرخين الفرس ممن كتبوا بالعربية، أطنبوا في الثناء على الساسانيين وعظمتهم، والأوهام والأكاذيب حين تُكرّس تتحول إلى حقائق أقرب إلى المقدس، ممّا يجعل تفكيكها يُعَدّ انتهاكًا صارخًا لِقُدْسيّتها المزعومة.

يرى كاتب السطور أن نَسَبَ البويهيين أنفسهم إلى الساسانيين، كان عاملاً رئيسًا في إعادة صياغة السردية التاريخية، بما يَخدم الساسانيين ويسيء إلى العرب، بما في ذلك أقرب المقربين لمؤسس الإسلام، حتى لو اضطروا إلى الإساءة إلى الرسول، لأجل أن تشمل الإساءة المقربين منه، ودليلنا هو تجاهل هذه المصادر للأقوام الإيرانية التي سبقت الساسانيين، كالميديين والأخمينيين والبارثيين، وأن تمجيد حضارة فارس لا يتفق ومعطيات التاريخ، فلا شاعر ولا مؤرخ ولا موسوعة ولا كتب، ونقوش قليلة جدًّا، تضع هذا التمجيد في موضع الشك والريبة بل الرفض العلمي.

كثيرًا ما نقرأ ونسمع من مثقفين وأكاديميين، كلامًا شَكَّلَ وَعيَنا، وساهمنا في صياغته كحقيقة قارة في الوعي الجمعي، أصبحت مراجعته بِتَجَرّدٍ، تَجرّ على صاحبها ويلات التسقيط والاتهام بمعاداة «الآخر» والتعصّب إلى السُّبَّةِ العظمى في زماننا هذا وهي العروبة. ولنأخذ مثالين الأول هو «ليس للعرب من شيء سوى الإسلام» أو «العرب كانوا شراذم يقتلون بعضهم بعضًا ويدفنون بناتهم، ويجوبون الصحارى يأكلون الجراد والضبّ» وإلى آخر الكلام المرسل الذي يحط من شأن العرب، وينفيهم من الوجود الحضاري، ليؤكد عظمة الإسلام، وكأن الإسلام لا يعلو شأنه إلى بالحطّ من العرب قبل ظهور الدين الإسلامي.

هذه السردية القارة في الوعي الجمعي، لو قمنا بتفكيكها، لوجدنا أنفسنا ضحايا أكاذيب وأوهام، إن أحسنا الظنّ فيها فهي خرافات تحولت بفضل ترديدها المستمر إلى حقائق علمية، ودليلنا أن أنظمة الحكم شكل من أشكال الحضارة ولو بأبسط صورها، وأما الكتابة فأساس متين لتأسيس الحضارة الـمَدَنيَّةِ، والقوانين والمسكوكات (النقد)، فضلاً عن الفنون ومنها الشعر والأدب عمومًا، والعرب عرفوا كل هذا عبر ممالك ميسان والحضر ودمشق وسنجار والرّها والأنباط والغساسنة، وتدمر التي بلغت أوجها زمن أوذينة بن خيران حتى لُقّبَ بملك الملوك وإمبراطور الشرق الذي ألحق هزيمة نكراء بالإمبراطورية الساسانية، لكن كُتب التراث العربي صمتت عنه تمامًا، عكس المصادر الرومانية، وكان مُلك الحيرة يمتد على مساحات شاسعة من العراق وشبه الجزيرة العربية وبعض مناطق بلاد الشام، وأما ممالك الجنوب، لا سيما في اليمن، فهي شهيرة بل تحولت إلى إمبراطوريات. (لمعرفة المزيد نُحيل إلى المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، روما والعرب، عرفان شهيد، تاريخ العرب القديم والبعثة النبوية، صالح أحمد العلي، ط 1، 2000، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت/ لبنان. ألغاز مليحة، تيسير خلف)

المثال الثاني، القبول أو التغاضي عن سرديات المظلومية والعراقة والعظمة والتاريخ المجيد التليد الذي أصبحت تتمتع به الفئات غير العربية جميعها، لكننا لو تأملنا حقيقة المظلومية وقارنا عدد ضحايا العنف الذي وقع على العرب غير ناكرين لماذا تعرض له الجميع، لهالنا مقدار الظلم والغبن والمظلومية والعنف والتصفية الجسدية والتهجير الذي مورس ومازال يمارس بحق العرب على أيدي الأنظمة القومية العربية في وقتنا الراهن، والعراق وسوريا أنموذجان مثاليَان.

من الحقائق الثابتة حتى الآن، أن العراق وبلاد والشام، فيهما تم ابتكار الكتابة (المسمارية) والأبجدية بل عدة أبجديات، ومنها الأبجدية العربية التي نستعملها الآن، ومدنهما وبلداتهما (العراق وبلاد الشام) تنطوي على حقيقة اجتماعية-ثقافية-اقتصادية، ألا وهي الأُسر (البيوتات) وهذه الأسر أنجبت عددًا كبيرًا من الشعراء والأدباء والكُتّاب عمومًا؛ وبينما تتصارع سرديات الأحزاب القومية ولا سيما غير العربية على الاستحواذ على التاريخ والجغرافيا معًا، لأن لا تاريخ إن لم تكن ثمة جغرافية أنجبته واحتضنته، نرى أن خطاب الحق التاريخي في الأرض، تجاهل النقطة الأهم والتي بدونها تتهاوى مزاعمه جميعها، ألا وهي ثقافة ومنجز هذه الأسر التي صبغت مدننا وبلداتنا بمهيمناتها الثقافية وحواملها الاجتماعية وأنساقها المعرفية.

ثمة سببان قادا إلى تفعيل وتفخيم وتضخيم سرديات الهويات الضيقة، ونفي الهوية العربية، وعدّها شيطانًا حطّمَ كعباتهم، ووصم العرب بالتخلف والوحشية والإرهاب والخراب والدمار، بل إلصاق كل سلبية بهم، لأن هذا الخطاب سيظهر غير العربي ملاكًا ورمزًا للـمَدَنية والسلام والتحضر، يعاني منذ أربعة عشر قرنًا الظلم بأبشع صوره على يدِ أسوأ مجموعة بشرية، وبروز هذا الخطاب، يمنح الراحة النفسية لأبناء الهويات الضيقة، برمي كل موبقة على العرب، والظهور بمظهر البريء المضطهد.

السبب الأول: سوء إدارة التنوع الذي كان ولا يزال سمة بارزة من سمات الأنظمة العربية، التي تَوَهَّمَتْ باطلاً أن استمرار التنوع الثقافي والتعدد اللغوي، خطر على الوحدة الوطنية، فاستعاروا تجارب الدول التي انعتقوا تَوًّا من أغلالها.

السبب الثاني: صدود المثقفين العرب عن قراءة الكتب والبحوث التي تتناول تاريخ وثقافة التنوع اللغوي والديني والمذهبي والإثني والقومي.

تفرز الصراعات البيئية والاجتماعية والحروب والسعار الغوغائي في الأوقات القلقة التي تمر بها المجتمعات إلى بروز ظاهرة الهجرة، وقد سال حبرٌ كثيرٌ فيما يخص هجرة بعض الأقوام أو الفئات السكانية، بينما بعضها الآخر بقي طيّ الكتمان أو تتحرك بخجل في الأوساط العلمية من ذوي الاختصاص، فقد حُبّرَتْ مئات الآلاف من الصفحات عن هجرة العرب من غرب الفرات إلى شرقه، وهذا الغرب يمتد حتى اليمن مرورًا بالحجاز ونجد والجزيرة الفراتية، في حين ظلت ظاهرة نزوح سكان المناطق الوعرة والجبال العالية وأعالي الهضبات الثلاث -الإيرانية والأناضول والأرمينية- متداولاً بين مختصّي التاريخ لكنه شبه مُغَيّب عن النخب الثقافية والسياسية ممن يحبذون قراءة الأدب والفلسفة والأديان ونظريات السياسة، ويتجاهلون بقراءاتهم كتب التاريخ إلاّ ما اشتهر منها.

أما هجرات الحروب المسكوت عنها حتى أصبحت مجهولة عند النخب العراقية والعربية، هو نزوح أعداد كبيرة من المسيحيين السريان والأكراد، من مناطق تقع اليوم ضمن الدولة التركية، نحو العمقين العراقي والسوري، وأدّى وقوف التركمان الطبيعي ضد البريطانيين إلى تفضيل المسيحيين والأكراد في وظائف الدولة ومؤسساتها، لا سيما ممّا لا يحتاج إلى كفاءة فنية أو شهادة علمية، ويتضح الأمر جليًّا في مراتب (جنود) الجيش العراقي في الشمال، ومراتب الشرطة والوظائف غير الفنية في شركة النفط ومؤسسات الدولة قاطبة في الجزء الشمالي من العراق، وقد تدفّق سكان أعالي الجبال الأشدّاء نحو المدن لتحسين مستواهم الاقتصادي، ويمكن مراجعة كتاب «العراق الطبقات الاجتماعية» للباحث حنا بطاطو الذي بحث الأمر بعلمية لا تخلو من الجرأة، لكنه، مثل غالبية الباحثين، صمت عن الهجرة المعاكسة للتركمان من أربيل وكركوك ومدن وبلدات في شمال العراق وشرقه باتجاه بغداد أو باتجاه تركيا.

الأسر (البـيـوتـات)

تعدّ الأسر (البيوتات) قوام مدن وبلدات العراق مثلها مثل المراكز الحضرية في بلاد الشام، ومن هذه الأُسَرِ برزَ الآلاف من الشعراء والأدباء والمؤلفين والمؤرخين والباحثين والفقهاء، وبعضهم أسَّسَ أُسرة جديدة تُنسب إليه أو إلى أحد مؤلفاته، مثل أسر بحر العلوم وكاشف الغطاء والجواهري التي لم تكتف بمؤسسها الذي منحها عنوان أهم مؤلفاته والذي يُعدّ مصدرًا مهمًّا في مجال الفقه، لتنجب أحد أهم شعراء العربية.

دراسة هذه المدن والبلدات تُظهر مقدار التغيير السكاني (الديمغرافي) الذي حصل فيها أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى ومع تنامي صناعة النفط، ومؤسسات الدولة، فبينما حفظ لنا التدوين تاريخ الأسر الموصلية وثقافتها العربية، حفظت لنا الذاكرة وعديد الكتب هيمنة الأسر التركمانية على كركوك، لكننا حين نبحث في الطبيعة السكانية لعديد المراكز الحضرية نجد أن سكانها الآن في غالبيتهم العظمى يفتقدون إلى قوام المدن وهي الأُسَر، وذلك بسبب نزوحهم القريب إلى هذه المدن، وهؤلاء الذين يشكلون غالبية مطلقة في العديد من المدن، ينتمون إلى قبائل وعشائر وأمكنة سابقة.

مدن مثل بغداد والبصرة والحِلَّة وكربلاء والنجف، يُشكل غالبية سكانها من المهاجرين من الأطراف، لكن معظمهم من أرومة عربية، وهذا قاد إلى حفاظ هذه المدن على هويتها العربية، لكنها فقدت كثيرًا من هويتها الـمَدينية، بينما واجهت مدن شمال العراق، نزوحًا لأرومات تختلف عنها، فالموصل العربية واجهت هجرة كُردية وسريانية وأرمنية، لكن توازي الهجرة العربية من أطرافها الجنوبية والغربية، حافظ على هويتها العربية، كهوية كُبرى، لكن بقية المدن الأخرى فقدت هويتها التي كانت عليها قبل الحرب العالمية الأولى، ويتضح الأمر جليًّا أن هذه المدن لم تنجب قبل الحرب العالمية الأولى سوى شعراء وأدباء وكُتّاب ثقافتهم إما عربية خالصة، أو سريانية عربية، أو سريانية تركمانية عربية أو تركمانية سريانية عربية.

تمتاز مدن العراق وبلاد الشام، بهوية ثرية، جذّرها ما خلّفه الأسلاف من آثار ورقيمات ونقوش، وشموخها يتمثل بمنجزها التدويني وحواملها الاجتماعية التي تشكلت عبر القرون التي تلت انتشار المسيحية، ولو تأملنا مدينة مثل الموصل العراقية، نجد أن جذرها لا غبار على آشوريته، وجذعها سرياني-عربي مسيحي، وفروعها وثمارها وهيبتها وشموخها عربية إسلامية-مسيحية وبدرجة أقل كثيرًا يهودية، ولا تختلف إلاّ بدرجات وتنوع أكثر معظم المدن والبلدات والقرى المجاورة لها والتي تقع ضمن إقليم الجزيرة، حتى العمقين السوري والتركي، والحديث عما سبق الحرب العالمية الأولى. أي ثمة هوية تاريخية تتمثل بالآشورية، وهوية واقعية منحت معظم التراث التدويني والشفاهي، وتتمثل بالهوية العربية-السريانية، الإسلامية-المسيحية.

التدوينية والشفاهية

لا يمكن للغة شفاهية أن تقاوم وتستمر لقرون طويلة، أمام لغة كتابية تدوينية، إلاّ في حالة عدم الاحتكاك المباشر، مثال ذلك، أن تكون اللغة الشفاهية نائية عن اللغة التدوينية، كأن تعيش في صحارى أو جبال وعرة أشبه بالبدائية، أو غابات كثيفة يتيه فيها ساكنوها، ويكون التواصل مع اللغة التدوينية وهي لغة حضارية مدينية مثلما أسلفت، في نطاق محدود للغاية، وعبر تجربتي في جنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية والسودان، لاحظت أن اللغات تقلصت كثيرًا بعد الاحتكاك الاقتصادي والثقافي والسياسي والمديني (التعليم والوظائف والجيش)، وما تبقى منها فإن الناطقين بها يكاد يكون احتكاكهم باللغة المهيمنة محدودًا.

اللغات الشفاهية لا تاريخ لها في المدن والقرى المجاورة للمدن، بل أماكنها نائية عن الحضارة والمدنية، بينما اللغات التدوينية، لا بدّ ولها من مدن تًعدّ حاضنة لها، ومصنع تطويرها وإنتاجها، وفرض هيمنتها على المحيط المجاور لها ومَن يحتكّ بها، وعليه فاللغات التدوينية، أنجزت منظومة مدينية متكاملة تبدأ من تأسيس المدن وإنتاج الآلاف من الكتب والموسوعات، وبدورهما (المدن والكتب) تؤسس لأُسَـرٍ علمية وثقافية وفنية ودينية وصناعية ومالية، وكلما كانت اللغات التدوينية كبيرة ومهمة وناضجة ولها مركزيتها وتاريخها، كلما تكاثر عدد المنتجين بها تدوينًا وإبداعًا من أعراقٍ وإثنياتٍ وقوميات شتّى، وهو ما يتضح جليًّا في اللغات العربية واليونانية والسريانية والفارسية والتركية والإنكليزية والفرنسية والأسبانية.

لا مدن ولا بلدات للغات الشفاهية في مَهد الكتابة والأبجديات والتدوين، أي في العراق وبلاد الشام بحدودهما التاريخية التي تشمل مناطق في إيران (عربستان) وتركيا (ديار بكر وجزيرة بن عمر وماردين وإلخ) بل حتى القرى المجاورة للمدن والبلدات قبل الحرب العالمية الأولى كانت ذات لغة تدوينية.


شاعر‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الخرطوم