الإرهاب‭ ‬المعلن‭ ‬والإرهاب‭ ‬الكامن

المقدمات‭ ‬الخاطئة‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬خاطئة،‭ ‬والخطأ‭ ‬هنا‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬خطأ‭ ‬علميًّا‭ ‬أو‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬أو‭ ‬مستندًا‭ ‬على‭ ‬وثائق‭ ‬تحتوي‭ ‬مغالطات‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬ننوي‭ ‬البحث‭ ‬فيه،‭ ‬ومثال‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬استشهد‭ ‬به‭ ‬دائمًا،‭ ‬هو‭ ‬حدود‭ ‬العراق‭ ‬الجغرافية‭ ‬والتي‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬مصدرًا‭ ‬تراثيًّا‭ ‬حدّدها‭ ‬وتكاد‭ ‬تكون‭ ‬مساحة‭ ‬العراق‭ ‬الحالية‭ ‬أصغر‭ ‬مما‭ ‬حدّده‭ ‬البلدانيون‭ ‬القدامى‭ ‬واتفقوا‭ ‬عليه،‭ ‬لكننا‭ ‬نجد‭ ‬إصرارًا‭ ‬عند‭ ‬بعضهم‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬وثائق‭ ‬الساسة‭ ‬الغربيين،‭ ‬معرضين‭ ‬عن‭ ‬الوثائق‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬مصادر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الغنى‭ ‬عنها‭.‬

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/11/2016، العدد: 22، ص(94)]

لوحة: ياسر صافي
حالة‭ ‬هؤلاء‭ ‬تشبه‭ ‬تمامًا،‭ ‬حالة‭ ‬بعض‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬عندنا،‭ ‬ولنطلق‭ ‬عليهم‭ ‬النخبة‭ ‬المتأسلمة،‭ ‬فهذه‭ ‬تركت‭ ‬المصدر‭ ‬الأهم‭ ‬وهو‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬وأعرضت‭ ‬عن‭ ‬فقه‭ ‬الأولين‭ ‬والذي‭ ‬أنتج‭ ‬لنا‭ ‬مجتمعًا‭ ‬متعايشًا،‭ ‬حتى‭ ‬أننا‭ ‬لو‭ ‬قارناه‭ ‬ببقية‭ ‬المجتمعات‭ ‬سنجد‭ ‬أن‭ ‬تاريخه‭ ‬أنصع‭ ‬بياضًا‭ ‬مع‭ ‬غير‭ ‬العرب‭ ‬وغير‭ ‬المسلمين،‭ ‬وأن‭ ‬دمويته‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬بين‭ ‬أبنائه‭ ‬المسلمين‭ ‬طلبًا‭ ‬للسلطة،‭ ‬وتنازعًا‭ ‬عليها،‭ ‬وليس‭ ‬طلبًا‭ ‬للرزق‭ ‬والتكافل‭ ‬والرفاه‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بلغة‭ ‬اليوم‭ ‬دائمًا‭.‬

في‭ ‬الثقافات‭ ‬الأخرى،‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬سادت‭ ‬حتى‭ ‬أجبرت‭ ‬بقية‭ ‬الثقافات‭ ‬على‭ ‬الذوبان‭ ‬فيها،‭ ‬ومثال‭ ‬فرنسا‭ ‬الجديدة‭ ‬خير‭ ‬مثال،‭ ‬ففرنسا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحوي‭ ‬لغات‭ ‬عديدة‭ ‬وإثنيات‭ ‬كثيرة‭ ‬حتى‭ ‬ماضٍ‭ ‬ليس‭ ‬ببعيد،‭ ‬ذابت‭ ‬جميعها‭ ‬لترتفع‭ ‬لغة‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬باريس،‭ ‬وتعمّ‭ ‬فرنسا‭ ‬جميعها،‭ ‬ثم‭ ‬تستمر‭ ‬سياسة‭ ‬الفَرنَسَة‭ ‬مع‭ ‬شعوب‭ ‬أخرى‭ ‬خارج‭ ‬فرنسا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬ولم‭ ‬يسلم‭ ‬شعب‭ ‬من‭ ‬الفرنسة‭ ‬إلاّ‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الاحتلال‭ ‬الفرنسي‭ ‬له‭ ‬قصيرًا‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬بضعة‭ ‬عقود‭.‬

ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬عام‭ ‬منذ‭ ‬النزوح‭ ‬المبكر‭ ‬للعرب‭ ‬نحو‭ ‬أعالي‭ ‬دجلة‭ ‬والفرات‭ ‬ومناطق‭ ‬شمال‭ ‬الهلال‭ ‬الخصيب‭ ‬وساحل‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط،‭ ‬وما‭ ‬حققوه‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬ببضعة‭ ‬قرون‭ ‬حين‭ ‬بدأت‭ ‬تتشكل‭ ‬أولى‭ ‬ممالكهم،‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬إمبراطوريتهم‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬الميلادي،‭ ‬وحتى‭ ‬الآن‭ ‬هيمنت‭ ‬ثقافتهم‭ ‬عبر‭ ‬الإسلام،‭ ‬لكننا‭ ‬نجد‭ ‬التنوع‭ ‬اللغوي‭ ‬والديني‭ ‬والمذهبي‭ ‬والإثني‭ ‬ميزة‭ ‬يتميز‭ ‬بها‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭.‬

صعـود‭ ‬التزمت‭.. ‬

النخب‭ ‬اليسارية‭ ‬لم‭ ‬تدرس‭ ‬مجتمعنا‭ ‬وتنوعه‭ ‬لتبني‭ ‬خططها‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬استوردت‭ ‬لنا‭ ‬مقولات‭ ‬جاهزة،‭ ‬أغلب‭ ‬قيادات‭ ‬النخب‭ ‬تجهل‭ ‬العوامل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬أوجدتها‭ ‬أو‭ ‬تجاهلتها،‭ ‬فكانت‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬النخب‭ ‬المتأسلمة،‭ ‬مناهضة‭ ‬لكل‭ ‬جديد،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬النخب‭ ‬‮«‬العلمانية‮»‬‭ ‬جادة‭ ‬وصارمة‭ ‬في‭ ‬مواقفها،‭ ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬استيرادها‭ ‬لمقولات‭ ‬الحداثة،‭ ‬لكنها‭ ‬نافقت‭ ‬التيار‭ ‬المتأسلم،‭ ‬فكانت‭ ‬مناهجنا‭ ‬الدراسية،‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬معارك‭ ‬وغزوات‭ ‬النبي‭ ‬والفتوحات‭ ‬الإسلامية،‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬التسامح‭ ‬والتعايش‭ ‬التي‭ ‬نادى‭ ‬بها‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭.‬

ندخل‭ ‬المدرسة‭ ‬فنتعلم‭ ‬فيها‭ ‬العنف،‭ ‬لأن‭ ‬الرموز‭ ‬الذين‭ ‬تربينا‭ ‬على‭ ‬فضائلهم،‭ ‬لا‭ ‬يمثلون‭ ‬سوى‭ ‬حملة‭ ‬سيف،‭ ‬وفرسان‭ ‬خاضوا‭ ‬معارك‭ ‬وانتصروا‭ ‬فيها،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬علم‭ ‬رمز‭ ‬فقط،‭ ‬وكأنه‭ ‬منقصة‭ ‬لهذا‭ ‬الرمز،‭ ‬ولم‭ ‬يعلق‭ ‬في‭ ‬ذاكرتنا‭ ‬وينغرس‭ ‬في‭ ‬لا‭ ‬وعينا‭ ‬سوى‭ ‬صور‭ ‬العنف‭ ‬والقتل‭ ‬والمعارك،‭ ‬فما‭ ‬مؤسس‭ ‬الإسلام‭ ‬والذي‭ ‬يُعد‭ ‬أبرز‭ ‬شخصية‭ ‬بشرية،‭ ‬إلاّ‭ ‬رجل‭ ‬سيف‭ ‬وما‭ ‬يتطلبه‭ ‬الفارس‭ ‬وهو‭ ‬النساء،‭ ‬ومنذ‭ ‬درستُ‭ ‬بأن‭ ‬معارك‭ ‬الرسول‭ ‬ثمانون‭ ‬معركة‭ ‬وأن‭ ‬نساءه‭ ‬أربعون‭ ‬امرأة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يدخل‭ ‬عليها،‭ ‬آمنت‭ ‬أن‭ ‬خبرًا‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬كهذا‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬مقابل‭ ‬كل‭ ‬معركتين‭ ‬امرأة،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬خبر‭ ‬مرسل‭ ‬يرفضه‭ ‬العقل‭.‬

تركيز‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬درسناها‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬دَوري‭ ‬الطفولة‭ ‬والمراهقة،‭ ‬لم‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬علم‭ ‬الرسول،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬تعاونه‭ ‬الحضاريّ‭ ‬مع‭ ‬نسائه‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬البيت،‭ ‬فهذه‭ ‬ليست‭ ‬مهمة،‭ ‬بل‭ ‬تسلب‭ ‬الذكورة‭ ‬تسلطها‭ ‬وهيمنتها،‭ ‬والحديث‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬إنسانية‭ ‬ذلك‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬خرج‭ ‬منه‭ ‬الإسلام،‭ ‬كان‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬هامشيًّا،‭ ‬بل‭ ‬رسمت‭ ‬مُخيلتنا‭ ‬لذاك‭ ‬المجتمع،‭ ‬صورة‭ ‬البدو‭ ‬الأجلاف‭ ‬أبناء‭ ‬الندرة‭ ‬الذين‭ ‬يصطادون‭ ‬الجراد‭ ‬والضب،‭ ‬ويلبسون‭ ‬الصوف،‭ ‬حتى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬بكل‭ ‬ثرائها‭ ‬وتنوعها‭ ‬ومَدَنيتها،‭ ‬أصبحت‭ ‬لغة‭ ‬صحراء،‭ ‬ولا‭ ‬صحراء‭ ‬عند‭ ‬العرب‭ ‬سوى‭ ‬الربع‭ ‬الخالي‭.‬

أبرز‭ ‬الشخصيات‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬لا‭ ‬وعينا،‭ ‬هي‭ ‬سيف‭ ‬ذي‭ ‬الفقار‭ ‬للإمام‭ ‬علي،‭ ‬وصلابة‭ ‬وعنف‭ ‬وقوة‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب،‭ ‬وسيوف‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ ‬وسعد‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬وقاص‭ ‬وحمزة‭ ‬بن‭ ‬عبدالمطلب،‭ ‬أطفال‭ ‬بعمر‭ ‬الزهور،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتفتح‭ ‬زهرة‭ ‬طفولتنا‭ ‬على‭ ‬المحبة‭ ‬والتسامح‭ ‬والتواضع‭ ‬والتعايش‭ ‬ونكران‭ ‬الذات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬قِيَمٍ‭ ‬إنسانية‭ ‬لا‭ ‬تبلى‭ ‬مع‭ ‬الزمن،‭ ‬كان‭ ‬بلا‭ ‬شكّ‭ ‬طيف‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬الصحابة‭ ‬يتحلى‭ ‬بها،‭ ‬ولو‭ ‬بدرجات،‭ ‬والدليل‭ ‬ليست‭ ‬الإشارات‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬القِيَم،‭ ‬وإنما‭ ‬نتائجها‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬بقاء‭ ‬المسلمين‭ ‬أقلية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬كثيرة،‭ ‬ولم‭ ‬تنسحب‭ ‬الأديان‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬إلاّ‭ ‬بعد‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬وفاة‭ ‬مؤسس‭ ‬الإسلام‭.‬

لم‭ ‬يتحول‭ ‬المسلمون‭ ‬إلى‭ ‬غالبية‭ ‬إلاّ‭ ‬بعد‭ ‬سيطرة‭ ‬الأعاجم‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬اعتناق‭ ‬الأتراك‭ ‬الغـزّ‭ ‬للدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العاشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬وبعدهم‭ ‬أسلم‭ ‬الأكراد‭ ‬أيضًا،‭ ‬واستعان‭ ‬هؤلاء‭ ‬السلاجقة‭ ‬إثر‭ ‬غزوهم‭ ‬لبغداد‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1055‭ ‬ميلادية،‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬الفقهاء،‭ ‬لتبدأ‭ ‬نسخة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الإسلام،‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬العنف‭ ‬وتبريره،‭ ‬تحت‭ ‬مسمّيات‭ ‬شتى،‭ ‬أشهرها‭ ‬أهل‭ ‬السُّنّة‭ ‬والجماعة،‭ ‬وأخذت‭ ‬تلك‭ ‬النسخة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بإخراج‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬ملّة‭ ‬الإسلام‭ ‬وتكفيره،‭ ‬بل‭ ‬التفتت‭ ‬إلى‭ ‬أهل‭ ‬الكتاب،‭ ‬لتصمهم‭ ‬بأهل‭ ‬الذمّة،‭ ‬وتبدأ‭ ‬بمضايقتهم،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬مع‭ ‬إعلان‭ ‬الحروب‭ ‬الصليبية،‭ ‬وكأن‭ ‬المسيحيين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وغير‭ ‬أهل‭ ‬السنة‭ ‬والجماعة،‭ ‬هم‭ ‬مَن‭ ‬جلب‭ ‬الغزاة‭ ‬لهذه‭ ‬الأرض،‭ ‬وتم‭ ‬حظر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مساهمة‭ ‬غير‭ ‬أهل‭ ‬السّنة‭ ‬والجماعة‭ ‬في‭ ‬محاربة‭ ‬الروم‭ ‬والصليبيين،‭ ‬وتحولت‭ ‬الدولة‭ ‬الفاطمية‭ ‬إلى‭ ‬عدوّ‭ ‬الإسلام‭ ‬وتم‭ ‬شطب‭ ‬تاريخها‭ ‬المناهض‭ ‬للصليبيين‭ ‬ومنجزاتها‭ ‬الحضارية‭ ‬والتي‭ ‬مازال‭ ‬تأثيرها‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬لليوم‭.

ندخل المدرسة فنتعلم فيها العنف، لأن الرموز الذين تربينا على فضائلهم، لا يمثلون سوى حملة سيف، وفرسان خاضوا معارك وانتصروا فيها

قلتُ‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي‭ ‬اعتنق‭ ‬الأتراك‭ ‬الغز‭ ‬الإسلام‭ ‬بنسخة‭ ‬سنيّة‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬مفاهيم‭ ‬الإسلام‭ ‬والتي‭ ‬جسدها‭ ‬كبار‭ ‬الفقهاء‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬أبي‭ ‬حنيفة‭ ‬النعمان‭ ‬وأئمة‭ ‬أهل‭ ‬البيت،‭ ‬وفي‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬اعتنق‭ ‬الأتراك‭ ‬السنة‭ ‬الصفويون‭ ‬المتصوفة،‭ ‬المذهب‭ ‬الشيعي‭ ‬الإمامي‭ ‬الإثنَيْ‭ ‬عشري،‭ ‬ومثلما‭ ‬فعل‭ ‬أسلافهم‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬قرون،‭ ‬بتطرفهم‭ ‬وحملهم‭ ‬السّنّة‭ ‬على‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬الإسلام،‭ ‬كذلك‭ ‬فعل‭ ‬الأتراك‭ ‬الصفويون‭ ‬بحملهم‭ ‬التشيّع‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬الإسلام،‭ ‬فاستحضروا‭ ‬كل‭ ‬رواية‭ ‬مرفوضة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬كبار‭ ‬علماء‭ ‬الشيعة‭ ‬الأوائل‭ ‬وتبنّوها‭.‬

أشهر‭ ‬تلك‭ ‬الروايات‭ ‬الرواية‭ ‬الملفقة‭ ‬عن‭ ‬اعتداء‭ ‬الخليفة‭ ‬الراشدي‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬على‭ ‬بيت‭ ‬فاطمة‭ ‬الزهراء‭ ‬ابنة‭ ‬الرسول،‭ ‬واستخدامه‭ ‬للعنف‭ ‬فكسر‭ ‬ضلعها‭ ‬وأسقط‭ ‬جنينها‭ ‬مُحسن،‭ ‬رواية‭ ‬رفضها‭ ‬رفضًا‭ ‬قاطعًا‭ ‬شيخ‭ ‬الطائفة‭ ‬وأحد‭ ‬أكبر‭ ‬علمائها‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭ ‬الشيخ‭ ‬المفيد‭ ‬‭(‬ت‭ ‬1022‭ ‬م‭)‬‭ ‬لكنها‭ ‬استحضرت‭ ‬وبقوة،‭ ‬مثلما‭ ‬استحضرت‭ ‬كل‭ ‬رواية‭ ‬تسيء‭ ‬إلى‭ ‬الصحابة،‭ ‬لتعمل‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬بدورها‭ ‬على‭ ‬استحضار‭ ‬ما‭ ‬صنّفه‭ ‬فقهاء‭ ‬السلاطين‭ ‬أو‭ ‬فقهاء‭ ‬التطرف،‭ ‬لتكفير‭ ‬الشيعة،‭ ‬وراحت‭ ‬الدماء‭ ‬تسيل‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬العراق‭ ‬بين‭ ‬الصفويين‭ ‬والعثمانيين،‭ ‬حتى‭ ‬جاء‭ ‬المثل‭ ‬العراقي‭ ‬مُعَبــّـرًا‭: ‬بين‭ ‬العجم‭ ‬والروم‭ ‬بلوة‭ ‬‭(‬بلاء‭)‬‭ ‬ابتلينا‭.‬

بدايـة‭ ‬الخراب

في‭ ‬وقت‭ ‬متزامن،‭ ‬جرت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أحداث،‭ ‬ففي‭ ‬سنة‭ ‬1979‭ ‬نجحت‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬بإزاحة‭ ‬الشاه‭ ‬واتضح‭ ‬أن‭ ‬السيطرة‭ ‬أصبحت‭ ‬لرجال‭ ‬الدين،‭ ‬وهم‭ ‬شيعة‭ ‬اثنَي‭ ‬عشرية،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬بسنة‭ ‬أعلنت‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭-‬الإيرانية،‭ ‬وبين‭ ‬هذين‭ ‬التاريخين‭ ‬المتقاربين،‭ ‬وفي‭ ‬الجارة‭ ‬الشرقية‭ ‬لإيران،‭ ‬أفغانستان،‭ ‬أعلنت‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬السوفييت‭. ‬كان‭ ‬لصعود‭ ‬نجم‭ ‬الشيعة‭ ‬التي‭ ‬اصطبغ‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬العربي‭ ‬بفارسية‭ ‬هذا‭ ‬المذهب‭ ‬الإسلامي،‭ ‬نتيجة‭ ‬الصراع‭ ‬العثماني‭-‬الصفوي،‭ ‬وهو‭ ‬المذهب‭ ‬العراقي‭ ‬العربي،‭ ‬والذي‭ ‬تأسس‭ ‬مع‭ ‬بدايات‭ ‬الإسلام،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬إيران‭ ‬بلدًا‭ ‬سُنّيًّا‭ ‬حتى‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي‭ ‬كما‭ ‬أسلفت‭ ‬أعلاه‭.‬

هذا‭ ‬الصعود،‭ ‬وتعاطف‭ ‬النخب‭ ‬والجماهير‭ ‬مع‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬صعودًا‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬أدراجه‭ ‬هبوطًا‭ ‬بين‭ ‬النخب،‭ ‬حين‭ ‬اتضحت‭ ‬صورة‭ ‬الإمام‭ ‬الخميني،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬وأن‭ ‬الخميني‭ ‬لم‭ ‬يمض‭ ‬عليه‭ ‬سوى‭ ‬بضعة‭ ‬عشر‭ ‬شهرًا‭ ‬حين‭ ‬دخل‭ ‬إيران‭ ‬مرفوعًا‭ ‬على‭ ‬الأكتاف،‭ ‬حتى‭ ‬بدأ‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الإسلام،‭ ‬ارتفاع‭ ‬سهم‭ ‬المجاهدين،‭ ‬وبدعم‭ ‬أميركي‭ ‬واضح،‭ ‬لمحاربة‭ ‬السوفييت،‭ ‬فتم‭ ‬استحضار‭ ‬ابن‭ ‬تيمية،‭ ‬وفتاوى‭ ‬الجهاد‭ ‬كافة،‭ ‬حتى‭ ‬يُخيّل‭ ‬إليك‭ ‬أن‭ ‬القرآن‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬كلمات‭ ‬مثل‭: ‬السلام،‭ ‬المودة،‭ ‬الرحمة،‭ ‬الأمان،‭ ‬وسواها‭ ‬من‭ ‬المفردات‭ ‬التي‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬والسلم‭ ‬الأهلي،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بحق‭ ‬الاختلاف‭ ‬واحترامه،‭ ‬وما‭ ‬جملة‭ ‬‮«‬دع‭ ‬الخلق‭ ‬للخالق‮»‬‭ ‬إلاّ‭ ‬تعبيرٌ‭ ‬عن‭ ‬التسامح‭ ‬والتعايش‭.‬

كان‭ ‬لاستحضار‭ ‬البؤر‭ ‬الأشد‭ ‬ظلامية‭ ‬في‭ ‬تاريخنا،‭ ‬أن‭ ‬أنشأت‭ ‬أمة‭ ‬غالبيتها‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬عَدوًّا‭ ‬يريد‭ ‬الانقضاض‭ ‬عليها،‭ ‬أمة‭ ‬تحارب‭ ‬العلم‭ ‬والحداثة‭ ‬والتطور‭ ‬التقني‭ ‬المدهش‭ ‬والمتسارع‭ ‬بسيف‭ ‬صدئ،‭ ‬أمة‭ ‬أنظمتها‭ ‬وأصحاب‭ ‬القرار‭ ‬فيها‭ ‬بل‭ ‬نخبها‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬غالبيتها،‭ ‬تفكر‭ ‬بعقلية‭ ‬واحدة،‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تعي‭ ‬أن‭ ‬الارتماء‭ ‬بأحضان‭ ‬الغرب‭ ‬جريمة‭ ‬لا‭ ‬تغتفر‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬جريمة‭ ‬مناهضته‭ ‬وعَدّه‭ ‬عدوًّا‭ ‬لها‭.‬

أمة‭ ‬لم‭ ‬تتعلم‭ ‬من‭ ‬دروس‭ ‬التاريخ،‭ ‬لأنها‭ ‬أما‭ ‬تنام‭ ‬فيه،‭ ‬أو‭ ‬تزدريه‭ ‬أو‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬سلبية‭ ‬فيه؛‭ ‬لو‭ ‬تأملنا‭ ‬في‭ ‬أسباب‭ ‬انتصار‭ ‬عرب‭ ‬العراق‭ ‬على‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الساسانية‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬ذي‭ ‬قار،‭ ‬لعرفنا‭ ‬أن‭ ‬العلم‭ ‬ينتصر‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬فئة‭ ‬قليلة،‭ ‬فالحيرة‭ ‬كانت‭ ‬مرحلة‭ ‬تأسيسية‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬العرب،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬السلاح‭ ‬الحيري‭ ‬المتطور‭ ‬حينها،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الدرع‭ ‬الحيري،‭ ‬فقط‭ ‬الذي‭ ‬انتصر‭ ‬في‭ ‬المعركة،‭ ‬بل‭ ‬لو‭ ‬دققنا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬التاريخية‭ ‬جيدًا‭ ‬لوجدنا‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬اكتملت‭ ‬وأصبحت‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لغة‭ ‬عالمية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬بعض‭ ‬أباطرة‭ ‬الساسانيين‭ ‬يرسل‭ ‬ابنه‭ ‬لتعلم‭ ‬الفصاحة‭ ‬والفروسية‭ ‬العربيتين‭.‬

إذن‭ ‬انتصر‭ ‬العلم،‭ ‬فهذه‭ ‬أمة‭ ‬اكتملت‭ ‬لديها‭ ‬شروط‭ ‬النهضة،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الساسانية‭ ‬عسكريةً‭ ‬دمويةً‭ ‬إقطاعيةً،‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬العلم،‭ ‬فلا‭ ‬عمارة‭ ‬أصيلة‭ ‬ولا‭ ‬لغة‭ ‬مكتوبة‭ ‬تدوينية،‭ ‬لغة‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬والكُتّاب؛‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم،‭ ‬أننا‭ ‬نستهلك‭ ‬فقط،‭ ‬فلا‭ ‬مبادرات‭ ‬علمية‭ ‬وفكرية،‭ ‬ومدارسنا‭ ‬تلقينية،‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬منهاج‭ ‬الإبداع‭ ‬والابتكار،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وحق‭ ‬الطفولة،‭ ‬مازالت‭ ‬مدارسنا‭ ‬في‭ ‬مناهجها‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬المدنية‭ ‬والحضارة‭.‬

شكل‭ ‬التراث‭ ‬التكفيري‭ ‬والإقصائي‭ ‬الذي‭ ‬ابتدأ‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬السلاجقة‭ ‬بغداد،‭ ‬وتضخم‭ ‬زمن‭ ‬الصليبيين‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬المغول‭ ‬والتتار،‭ ‬ليزداد‭ ‬حدّة‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬العثماني‭-‬الصفوي،‭ ‬عكازة‭ ‬يتكئ‭ ‬عليها‭ ‬كل‭ ‬مَن‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يبرز‭ ‬أن‭ ‬مذهبه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬ذكره‭ ‬بحديث‭ ‬يُنسب‭ ‬إلى‭ ‬مؤسس‭ ‬الإسلام،‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بحديث‭ ‬‮«‬الفرقة‭ ‬الناجية‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬تشكلت‭ ‬العقلية‭ ‬الإسلامية‭ ‬على‭ ‬الفوز‭ ‬بالجنة‭ ‬عبر‭ ‬تكفير‭ ‬الآخرين‭ ‬قاطبة،‭ ‬والالتزام‭ ‬بالإسلام،‭ ‬وهو‭ ‬إسلام‭ ‬العبادات‭ ‬والجهاد‭ ‬لا‭ ‬غير،‭ ‬وليس‭ ‬الإسلام‭ ‬بوصفه‭ ‬منظومة‭ ‬حياة‭ ‬متكاملة‭ ‬يتوازن‭ ‬فيه‭ ‬الردع‭ ‬والترهيب‭ ‬والترغيب‭ ‬مثلما‭ ‬تتوازن‭ ‬فيها‭ ‬المودة‭ ‬والتعايش‭.‬

الإرهاب‭ ‬الكامن

نتحدث‭ ‬عن‭ ‬مناهج‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬تشيع‭ ‬العنف‭ ‬وتمجد‭ ‬القوة،‭ ‬وتربي‭ ‬الأجيال‭ ‬على‭ ‬الفخر‭ ‬بالفتوحات‭ ‬الإسلامية‭ ‬بوصفها‭ ‬إلهيةً،‭ ‬وعدم‭ ‬التطرق‭ ‬لها‭ ‬بكونها‭ ‬بشرية‭ ‬أسهمَ‭ ‬فيها‭ ‬المسلم‭ ‬المؤمن‭ ‬الملتزم‭ ‬بأوامر‭ ‬دينه،‭ ‬والمسلم‭ ‬المنفلت،‭ ‬بل‭ ‬تمّ‭ ‬نكران‭ ‬الدور‭ ‬المسيحي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفتوحات،‭ ‬أي‭ ‬إسهامات‭ ‬المسيحيين‭ ‬العرب‭ ‬وغير‭ ‬العرب،‭ ‬مما‭ ‬وَلَّدَ‭ ‬شعورًا‭ ‬بحق‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬العنف‭ ‬حتى‭ ‬يدين‭ ‬الناس‭ ‬بدين‭ ‬الله‭.‬

ندين‭ ‬وبشدة‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية‭ ‬وسوء‭ ‬إدارتها‭ ‬للتنوع،‭ ‬وتركها‭ ‬مناهج‭ ‬التعليم‭ ‬الدينية،‭ ‬تحت‭ ‬تصرف‭ ‬متعصبين‭ ‬وظلاميين‭ ‬ورجعيين،‭ ‬أساؤوا‭ ‬إساءات‭ ‬بالغة‭ ‬للأمة،‭ ‬وتسببوا‭ ‬بشرخ‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬وبناء‭ ‬شخصية‭ ‬الأمة،‭ ‬تعتمد‭ ‬المواطنة‭ ‬أساسًا،‭ ‬وتنظر‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‭ ‬والدين‭ ‬بوصفه‭ ‬عاملاً‭ ‬موحدًا‭ ‬عبر‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬آيات‭ ‬التسامح‭ ‬والتعايش،‭ ‬ولغة‭ ‬الحوار،‭ ‬وليس‭ ‬عبر‭ ‬استعراض‭ ‬بطولات‭ ‬لتاريخ‭ ‬تم‭ ‬تدوينه‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬مؤسس‭ ‬الإسلام‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬قرن،‭ ‬بل‭ ‬اعتماد‭ ‬مصادر‭ ‬دُوّنت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬أو‭ ‬ستة‭ ‬قرون،‭ ‬مثال‭ ‬عدّ‭ ‬فتاوى‭ ‬ابن‭ ‬تيمية‭ ‬مرجعًا‭ ‬ومصدرًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬عند‭ ‬غالبية‭ ‬السُّنَّة،‭ ‬وابن‭ ‬كَثير‭ ‬وعبداللطيف‭ ‬البغدادي‭ ‬والمقريزي‭ ‬وسواهم‭ ‬مصادر‭ ‬يستقون‭ ‬منه‭ ‬وقائع‭ ‬التاريخ‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الإدانة،‭ ‬لوحدها‭ ‬تُعدّ‭ ‬ترقيعًا‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬الإلغاء‭ ‬والإقصاء‭ ‬والاستحواذ،‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية،‭ ‬أساءت‭ ‬إدارة‭ ‬التنوع،‭ ‬وأقصت‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬العرب‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬مناهج‭ ‬الدراسة،‭ ‬مما‭ ‬جعلنا‭ ‬شعوبًا‭ ‬تجهل‭ ‬جوهر‭ ‬الإسلام،‭ ‬مثلما‭ ‬تجعل‭ ‬تنوعنا‭ ‬ودور‭ ‬غير‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الحضارة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية؛‭ ‬ما‭ ‬بال‭ ‬النخب‭ ‬العربية،‭ ‬التي‭ ‬عارضت‭ ‬الأنظمة‭ ‬الحاكمة‭ ‬بكل‭ ‬الوسائل،‭ ‬أنها‭ ‬تجاهلت‭ ‬هذا‭ ‬التنوّع،‭ ‬فلم‭ ‬تتصدى‭ ‬لدراسته‭ ‬والبحث‭ ‬فيه،‭ ‬وحثّ‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬الوقوف‭ ‬عليه،‭ ‬بما‭ ‬يجعلهم‭ ‬يملكون‭ ‬زمام‭ ‬الحديث‭ ‬عنه،‭ ‬بل‭ ‬إني‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬دراسة‭ ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬هو‭ ‬ردّ‭ ‬ثقافي‭ ‬إنساني‭ ‬على‭ ‬تجاهل‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية‭ ‬له‭.‬

ندين وبشدة الأنظمة العربية وسوء إدارتها للتنوع، وتركها مناهج التعليم الدينية، تحت تصرف متعصبين وظلاميين ورجعيين، أساؤوا إساءات بالغة للأمة

اتفاق‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية‭ ‬والنخب‭ ‬العربية‭ ‬غير‭ ‬المعلن‭ ‬والموقع،‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬دراسة‭ ‬التنوع‭ ‬اللغوي‭ ‬والعقائدي‭ ‬والإثني،‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬ترك‭ ‬الساحة‭ ‬العربية‭ ‬فارغة،‭ ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬النخب‭ ‬العربية‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬قبول‭ ‬طروحات‭ ‬الأقليات‭ ‬الإرهابية‭ ‬الكامنة،‭ ‬وأعني‭ ‬بالإرهاب‭ ‬الكامن،‭ ‬هو‭ ‬بناء‭ ‬سرديات‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬تاريخية‭ ‬ومظلومية‭ ‬لأقليات،‭ ‬أساس‭ ‬خطابها‭ ‬مبنيّ‭ ‬على‭ ‬الإساءة‭ ‬للعرب،‭ ‬وتجريمهم،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأقليات‭ ‬يتّسم‭ ‬بهذه‭ ‬الإساءة،‭ ‬وإبراز‮ ‬‭ ‬فضل‭ ‬غير‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬العرب‭.‬

أصبح‭ ‬عرفًا‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬المقدس،‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭ ‬غير‭ ‬العربيّ‭ ‬بكونه‭ ‬مظلومًا‭ ‬حضاريًّا،‭ ‬عريقًا‭ ‬له‭ ‬أمجاد،‭ ‬مع‭ ‬اعتراف‭ ‬ضمني‭ ‬بنقائه،‭ ‬والقبول‭ ‬والتسليم‭ ‬بسردياته‭ ‬وخطابه‭ ‬مهما‭ ‬بالغ‭ ‬في‭ ‬أوهامه‭ ‬وأمجاده‭ ‬ومظلوميته،‭ ‬وإن‭ ‬حدث‭ ‬اعتراض‭ ‬ففي‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬يطرحه‭ ‬هذا‭ ‬الاعتراض‭ ‬القول‭ ‬بوجود‭ ‬مبالغات‭ ‬لا‭ ‬أكثر،‭ ‬لكن‭ ‬الحديث‭ ‬بعلمية‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأقليات،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يتضمن‭ ‬مدحًا‭ ‬وثناءً‭ ‬وإبرازًا‭ ‬لدورها‭ ‬وأمجادها‭ ‬ومظلوميتها،‭ ‬فهو‭ ‬حديث‭ ‬يجابه‭ ‬باتهام‭ ‬صاحبه‭ ‬بمناهضة‭ ‬هذه‭ ‬الأقليات،‭ ‬وبأن‭ ‬خطابه‭ ‬قوميٌّ‭ ‬عروبيٌّ‭.‬

أعتقد‭ ‬يمكننا‭ ‬القول،‭ ‬إن‭ ‬الجميع‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬إرهابَيْنِ،‭ ‬إرهاب‭ ‬معلن‭ ‬ومحارب‭ ‬بشدة‭ ‬عربيًّا‭ ‬وإسلاميًّا‭ ‬وأجنبيًّا،‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬طبيعي،‭ ‬لمناهج‭ ‬دراسية‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬والتاريخ‭ ‬سوى‭ ‬معارك‭ ‬وبطولات‭ ‬وفتوحات،‭ ‬وسيف‭ ‬مسلّط‭ ‬على‭ ‬رقاب‭ ‬الناس،‭ ‬اعتمدت‭ ‬فيه‭ ‬الأنظمة‭ ‬على‭ ‬متأسلمين‭ ‬غرفوا‭ ‬ثقافتهم‭ ‬من‭ ‬فقهاء‭ ‬عصور‭ ‬الانحطاط‭ ‬والظلام‭ ‬والتراجع‭ ‬الحضاري‭ ‬وتفكك‭ ‬الأمة،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬قرآنية‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬التعايش‭ ‬والمودة‭ ‬والرحمة‭ ‬والتي‭ ‬خير‭ ‬مَن‭ ‬يمثلها‭ ‬الآية‭ ‬الكريمة‭ ‬‮«‬يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬النَّاسُ‭ ‬إِنَّا‭ ‬خَلَقْنَاكُمْ‭ ‬مِنْ‭ ‬ذَكَرٍ‭ ‬وَأُنْثَىٰ‭ ‬وَجَعَلْنَاكُمْ‭ ‬شُعُوبًا‭ ‬وَقَبَائِلَ‭ ‬لِتَعَارَفُوا‭ ‬ۚ‭ ‬إِنَّ‭ ‬أَكْرَمَكُمْ‭ ‬عِنْدَ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬أَتْقَاكُمْ‭ ‬ۚ‭ ‬إِنَّ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬عَلِيمٌ‭ ‬خَبِيرٌ‮»‬‭ ‬والتقوى‭ ‬هنا‭ ‬تعني‭ ‬الامتثال‭ ‬لشروط‭ ‬وجوهر‭ ‬الإسلام،‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬خليفة‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬واجبه‭ ‬البناء‭ ‬والمحبة‭ ‬والتعايش‭.‬

وإرهاب‭ ‬كامن،‭ ‬يمكن‭ ‬تحريكه‭ ‬جزئيًّا‭ ‬أو‭ ‬كليًّا‭ ‬بحسب‭ ‬حاجة‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬وربما‭ ‬الأنظمة‭ ‬نفسها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدعاوى‭ ‬بأن‭ ‬العرب‭ ‬غزاة‭ ‬وموطنهم‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬صحارى‭ ‬نجد‭ ‬والحجاز،‭ ‬ويجب‭ ‬طردهم،‭ ‬وجملة‭ ‬يجب‭ ‬طردهم‭ ‬بعضهم‭ ‬يعلنها‭ ‬صراحة،‭ ‬وبعضها‭ ‬يشير‭ ‬إليها‭ ‬عبر‭ ‬تأكيد‭ ‬أحقيته‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬والتقاط‭ ‬كل‭ ‬جملة‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬حاطب‭ ‬الليل‭ ‬الطبري‭ ‬وما‭ ‬جاد‭ ‬به‭ ‬خيال‭ ‬ابن‭ ‬كَثير‭ ‬وعبد‭ ‬اللطيف‭ ‬البغدادي‭ ‬وسواهم،‭ ‬تسيء‭ ‬إلى‭ ‬العرب‭ ‬ليتم‭ ‬على‭ ‬ضوئها‭ ‬تجريمهم،‭ ‬ورميهم‭ ‬بكل‭ ‬الموبقات،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬الوقوف‭ ‬مع‭ ‬متطرفي‭ ‬اليمين‭ ‬الغربي‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬دينًا‭ ‬إرهابيًّا،‭ ‬وهذا‭ ‬اليمين‭ ‬الذي‭ ‬ارتكب‭ ‬باسم‭ ‬المسيحية‭ ‬جرائم‭ ‬وإبادات‭ ‬لشعوب‭ ‬كاملة،‭ ‬والمسيحية‭ ‬براء‭ ‬منهم،‭ ‬نرى‭ ‬بعض‭ ‬مثقفي‭ ‬الأقليات‭ ‬ومَن‭ ‬يتعاطف‭ ‬معهم‭ ‬بجهل،‭ ‬يحاولون‭ ‬خلق‭ ‬إبادات‭ ‬مزعومة‭ ‬للعرب‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬الفتوحات‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭.‬

يرى‭ ‬الكاتب،‭ ‬أن‭ ‬علينا‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تعرية‭ ‬مناهجنا‭ ‬الدراسية‭ ‬التي‭ ‬تدعو‭ ‬لأمجاد‭ ‬السيف‭ ‬وتتغاضى‭ ‬عن‭ ‬أمجاد‭ ‬المحبة‭ ‬والمودة‭ ‬والإسهامات‭ ‬العظيمة‭ ‬لغير‭ ‬المسلمين‭ ‬ولغير‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬حضارتنا‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬مناهج‭ ‬تُعَلّم‭ ‬وتنمّي‭ ‬آلية‭ ‬التفكير‭ ‬عند‭ ‬الأطفال،‭ ‬وانفتاح‭ ‬على‭ ‬تاريخنا‭ ‬كله،‭ ‬فتاريخنا‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬570‭ ‬ميلادية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تاريخ‭ ‬موغل‭ ‬في‭ ‬القدم؛‭ ‬وأن‭ ‬دراسة‭ ‬التنوع‭ ‬اللغوي‭ ‬والإثني‭ ‬والعقائدي،‭ ‬دراسة‭ ‬علمية،‭ ‬وحثّ‭ ‬الجامعات‭ ‬على‭ ‬دعوة‭ ‬طلبتها‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬طلبة‭ ‬علوم‭ ‬التاريخ‭ ‬والإناسة‭ ‬والاجتماع‭ ‬والسياسة‭ ‬والأدب،‭ ‬على‭ ‬إنجاز‭ ‬الرسائل‭ ‬والأطاريح‭ ‬والبحوث‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بهذا‭ ‬التنوع،‭ ‬وتعلم‭ ‬اللغات‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬بلا‭ ‬شكّ‭ ‬ثراء‭ ‬كبير‭ ‬لمنطقتنا،‭ ‬ووضع‭ ‬منهج‭ ‬تربوي‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬يخلق‭ ‬وعيًّا‭ ‬إيجابيًّا‭ ‬بتنوعنا،‭ ‬فلا‭ ‬تبقى‭ ‬الفئات‭ ‬غير‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬السُّنّيّة،‭ ‬مجهولة‭ ‬عند‭ ‬الجماهير‭ ‬والنخبة‭ ‬على‭ ‬السواء،‭ ‬فيتم‭ ‬بذلك‭ ‬غلق‭ ‬باب‭ ‬الإرهاب‭ ‬بشقيّه‭ ‬المعلن‭ ‬والكامن‭.‬


شاعر‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الخرطوم