ماذا ينتظر مثقفونا من صادق جلال العظم؟

في منتصف ثمانينات القرن العشرين؛ أي قبل أكثر من ثلاثة عقود؛ وكنت في مرحلة المراهقة حينها؛ كانت مقهاي المفضلة، تقع على قناة «نهر الحسينية» تخلو من التلفاز والألعاب المسلية كالدومينو والزهر وسواهما، لأنها مقابل جامع شاطئ الفرات، والمسافة بين المصاطب والجامع عدة أمتار؛ هي ممر وطريق للعابرين. كان رواد المقهى من كبار السنّ في الغالب الأعم، وكنت الأصغر سنًّا، بين غالبية ولدوا في النصف الأول من القرن العشرين.

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/12/2016، العدد: 23، ص(56)]

لوحة: أسامة النصار
أتذكر تلك النقاشات والسّجالات التي كانت تجري بيننا، وإن كنتُ الأكثر إنصاتًا. ومن هذه النقاشات، ما جرى من حديث عن كتاب «نقد الفكر الديني» للمفكر الدكتور صادق جلال العظم، وما زلتُ أتذكر بوضوح قول أحدهم إن الردود على الكتاب جميعها تقريبًا؛ غير مستوفية للشروط، وانفعالية وصدرت بلغة يقينية تلقينية، وتم استثناء كتاب «هوامش على كتاب نقد الفكر الديني» للشيخ محمد حسن آل ياسين.

أن يبدر من مؤمنين ملتزمين بطقوس دينهم، يؤدون الصلاة بأوقاتها ويصومون رمضان ويزكّون ويتصدقون؛ لهو وعي كبير ما يملكه هؤلاء الرجال الذين كنتُ شاهد عيان على التزامهم الديني الذي ذكرته، ولا سيما الأقرب إليّ وهو «السيّد حميد القارئ» والذي يصغر مفكرنا بالعمر خمسة أعوام، هذا الرجل المنفتح، زرع بي بذرة حبّ التعرف على كثير من القامات النخبوية حقًّا، مثل طه باقر وجواد علي وعلي الوردي وحسين مروّة وصادق جلال العظم.

تذكرت هذا وأنا أقرأ الحوار الذي أجراه الأستاذ مولود علاك ونُشر في مجلة الجديد العدد 19 الصادر في الأول من آب – أغسطس 2016، وحين أستعيد شريط تلك النقاشات الحامية وكأن الكتاب قد صدر قبل يومين (صدر سنة 1969) أعي ما ذكره المفكر العظم بقوله «ورغم محاولة منعه في معظم البلدان العربية والإسلامية، ما عدا لبنان، فإن الكتاب بقي مطلوبًا من القارئ ومتداولاً بشكل واسع، ولم يتوقف عن الطبع لمدة 50 عامًا، وكأن التطورات السياسية الحالية المرتبطة بالحركات الأصولية والجهادية وما شابه، تُسهم من جديد في الإقبال الكبير على الكتاب، وقراءته وإحيائه محليًّا ودوليًّا».

تشخيص المحاور بأن كتابات العظم تنصبّ على نقد الجانب العقلاني من الفكر الديني الإسلامي، وأنه يتحاشى الدخول في مشروع تفكيك الأبنية اللاواعية واللاعقلانية في هذا الفكر الذي يعاد إنتاجه في بلداننا؛ بلا وعي؛ في السياسة وفي الممارسات الاجتماعية والمنتجة للمعنى، واعتراف العظم بأنه يفعل هذا بشكل واعٍ ومتعمد، وحديثه عن خطين متعارضين، الأول يرتكز على مقولة «كما تكونوا يُولَّى عليكم» والثاني على مقولة «الناس على دين ملوكها».

ما ذهب إليه العظم هو الوقوف مع الشعب، عبر تحميل الوضع السياسي والنظام العربي القائم ما جرى ويجري، فالشعوب بريئة ممّا لحق بها، معطيًا مثلاً في الزعيم التركي كمال أتاتورك، وهو محقّ، لكني أعتقد أن على النخب العمل على معارضة النظام العربي القائم، عبر تشكيل مؤسسات مجتمع مدني، ترتقي بوعي الجماهير، لا شحنها ثوريًّا، بأن تتقبل تقاليد مجتمع الحداثة القائم على أسس عديدة، منها مما لا يحاربها النظام العربي، ويزج بالسجون والمعتقلات مَن يعمل فيها، ومثال ذلك الحفاظ على البيئة، وأن الممتلكات العامة لنا جميعًا وليست ملك النظام القائم.

ربما أن التجربة العنيفة في العراق، والتي حرقت الأخضر واليابس، تحت نظام شمولي عنيف، هو نظام حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي استغل التعليم مثلما الإعلام لبناء خطاب يجعل منه «المنقذ من الضلال» للعراقيين، فكانت ردة الفعل المتطرفة التي عُرف بها العراقيون، تتفق مع عنف السلطة، وساهم الجميع بتضليل الجميع، بسرديات لا منطق علميا تستند عليها، فالسنة العرب هم شعب الله المختار الذي يستحق حكم العراق وإلاّ تم حرقه، والشيعة أدلجوا المظلومية واستغلوا الديمقراطية وحكم الأغلبية أبشع استغلال، والأكراد أينما وضعوا قدمهم قالوا هذا جزء من أرض الأكراد وبلاد الأكراد ووطنهم، حتى لو كانوا أقلية فيها قبل سنوات بسيطة، لكنهم يزعمون انتماءهم إلى أقوام سحيقة وهم نادرًا ما يوجد بينهم مَن وُلِدَ في العراق حتى الجد الثلاثين، بينما يزعمون أنهم ولدوا حتى الجدّ التاسع والتسعين بعد المئة جميعهم. وأصبح كل مسيحي هو الوحيد ابن الأرض الأصلي حتى لو أن مئات الآلاف لم يولد جدهم الثاني في أيّ شبر في العراق بحدوده الحالية، وسردية الستة آلاف وخمسمئة سنة يُكرسها الأكراد والسريان معًا. وأما الإيزيديون الذين أقدم ذكر لهم في القرن الثاني عشر الميلادي، وأنهم نزوح حديث إلى سنجار التي كانت عاصمة مملكة عربية في بداية الميلاد، فقد أصبحوا من أعرق فئات العراق وأكثرها أصالة وقدمًا مثلها مثل الصابئة الذين غالبيتهم نزح إلى العراق في العصر العباسي.

نتحدث عن نقد الفكر الديني، وأن حواملنا الاجتماعية وأنساقنا الثقافية، تنهل منه، ولكن أرانا والكلام يمسّ المفكرين والنقاد العرب الذين بذلوا جهدًا طيبًا في نقد وتفكيك منظومتنا المعرفية وسردياتنا، فكلُّها تُركّز على الدين الإسلامي وصعود التطرف في مدونته بعد ضعف الخلافة في بغداد وظهور ممالك وإمارات، واحتكاك بالشرق متمثلاً بالبويهيين والسلاجقة ثم المغول والتتار والعثمانيين ورثتهم، وبالصليبيين بالغرب ثم ظهور الاستعمار الأوروبي وريثهم.

أقول وماذا عن سرديات الأقليات (أستعملها بحسب استعمال الأمم المتحدة لها) حتى تحولت هذه السرديات بعد الدعم غير المشروط من قبل اليسار العراقي في العراق على سبيل المثال، إلى سرديات مقدسة، يتم تكفير مَن يَعترض على أكثر فقرات خطابها تطرفًا وإلغاءً للآخر، وهل ثمة فرق بين تكفير ديني ومذهبي وتكفير قومي، أي اتهام الذي يرفض مَنحَ عقله استقالة لأوهام سردياتهم، بأنه قومجي عروبي عنصري شوفيني معادٍ لهم؟

لوحة: أسامة دياب

العراق وسوريا الكبرى (بما فيها المناطق التي أصبحت جزءًا من تركيا اليوم) منطقة متنوعة لا شكّ في ذلك، ولم تكن يومًا أحادية اللغة والدين والمذهب، ولكن ثقافتها الكبرى ومنجزها التدويني الأضخم؛ ومعظم ممالكها ونظمها وشخصياتها وبيوتاتها (الأسر) وحواملها الاجتماعية وأنساقها الثقافية؛ مشرقية سامية جزرية (وضعت المصطلحات الثلاثة معًا لتقبلي إياها) فالناطقون بالسريانية والعربية فيها، هم ورثة التسميات جميعها (سومريون، أكديون، عموريون، بابليون، آشوريون، آراميون، أحلامو، حثيون، كشيون، ميتانيون، عرب عاربة ومستعربة، يونانيون، رومان).

مثلما ملايين العرب فيها لم يولدوا لعشرات الأجيال ولقرون سحيقة، فكذلك السريان، وبينما نردد هذا الكلام عن العرب، لا نجد اعتراضًا، فجملة (ملايين العرب في العراق وسوريا الكبرى لم يولدوا لعشرات الأجيال ولقرون سحيقة) تجد صدى في نفوس الآخرين بل حتى في نفوس الناطقين بالعربية، لكننا نصل إلى مرحلة الكفر حين نمس الناطقين بالسريانية، وكأنهم أنقياء الدم ولم يختلطوا بغيرهم على امتداد أكثر من خمسة وعشرين قرنًا.

أما القول إن أعدادًا كبيرة منهم نزوح حديث إلى العراق وسوريا بحدودهما الحالية، في أثناء الحرب العالمية الأولى وما بعدها، فهذه الحقيقة الموثقة، القول بها مرفوض حتى عند غالبية العرب، هذا عن السريان، أما الحديث عن غيرهم فذلك أشدّ أنواع الكفر والضلال المبين.

إننا نعاني من تكفير ديني ومذهبي وقومي، تكفير مَن يصرّ على أن الحقيقة المطلقة فيما يعتقد ويظن، وثمة إزاحة واضحة لمفاهيم قبلية ومذهبية صنعتها ظروف الفترة المظلمة وما بعدها، لتتحول إلى مُقدّسٍ؛ المساس به يضعنا تحت طائلة التجريم في أقصى تطرفه وأقسى درجاته، فيصبح التغييب المعنوي أي التسقيط الأخلاقي؛ ومن ثم التغييب المادي متمثلاً بالقتل؛ دفاعًا عن تلك المقدسات المذهبية أو القومية، بينما في جوهرها صناعة بشرية خلقتها ظروفها التاريخية.

تحدث المفكر العظم عن القطيعة الكلية مع أيّ محاولة لفهم ما تمثّله إسرائيل. مُنَوّهًا إلى السياسات العربية الرسمية التي انتهجت فكر الممنوع والمحرّم تجاه أيّ محاولة للتقرب من كل ما يمثل أو ينتج هذا الكيان، واسم إسرائيل يحذف أو يمحى من القواميس والمعاجم باللغات الأجنبية، فكيف لدول الجوار التي تعيش في عداوة مع هذا الكيان أن تقاومه وهي تجهل كل شيء عنه؟ هذا الكلام يمكن أن نربطه بجهل أو تجنب النخب العربية فهم الآخر غير العربي في بلادنا، بل إننا نجهل حتى الآخر العربي إن لم يكن يدين بدين الغالبية ومذهبها.

بما أن المفكر صادق جلال العظم سوريّ، والعراق وسوريا يكادان يملكان مقومات متشابهة، لا سيما في التعدد اللغوي والديني والإثني والمذهبي، فما هو دور النخب العراقية والسورية في فهم هذا التنوع؟ إن حكومتَي البلدين؛ وعلى مدى عقود؛ غَيَّبَت هذا التنوع، وسارت النخب على منوالهما، وكأن السؤال الذي هو أساس الثقافة، والمقضّ لمضجع المثقف، غاب تمامًا عن النخب.

فلم يسأل أحدٌ نفسه كيف أتماهى مع أنظمة بلدي في تجاهل تنوعنا، هذا التماهي قاد إلى بروز متطرفين عند الآخرين، راحت تنمو الأنا عندهم، حتى أصبح الجميع يعيش على هذه الأرض أكثر من 6500 سنة والعرب هم الغزاة والقتلة الذين دمّروا حضاراتهم العظيمة، أما العرب المنتمون إلى دين غير الإسلام أو إلى مذهب غير مذهب الغالبية، فتوحدوا مع الجميع في الإساءة إلى الجيل المؤسس، ورمْي الرموز العربية بوابل من الاتهامات؛ مستمدين ذلك مما حفلت به خيالات مَن دوّنوا المراجع العربية، لا سيما في زمن البويهيين والسلاجقة وما بعدهما.

كيف لنا بناء دولنا على أساس وحدة الإحساس، والقيم المشتركة، وأن تعدد الألسن والعقائد ثراء، ونحن لا نستطيع أن نقول لمتطرفيهم (المتطرفون هم القادة بلا استثناء) إنكم صورة أكثر تطرفًا وإلغاء للآخرين، حين تصرّون أن تكون صيغة الحكم بما تشتهونها وتفرضونها في مهد الكتابة والأبجديات والتدوين، وأنتم كنتم شفاهيين حتى عقود خلت لا تزيد على أصابع اليدين.

إن شخصية معرفية فكرية نقدية بقامة المفكر صادق جلال العظم، لو بذل جهدًا في نقد أوهام متطرّفي الأقليات، فسوف يكون له تأثير لا يقل أهمية عن تأثيره في كتابه «نقد الفكر الديني» وذكرت هذا الكتاب لأنه نفسه تحدث عنه في حواره، وأوضح أن الكتاب؛ وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة لمنعه؛ ما زال يُطبع إلى الآن. فهل سنقرأ كتابًا للعظم ولغيره من المفكرين والباحثين عن خطورة صعود سرديات وهمية لمتطرفين غير عرب، متخمة بالعداء للعرب وإلصاق تهم بهم وتضخيم أخطائهم وجرائم طغاتهم الذين اكتوى العرب أنفسهم بهم قبل غيرهم، وتنفي وجود العراق وسوريا وعراقة العرب فيهما، زاعمة أن نهر الفرات أو نهر دجلة هو الحدّ الفاصل بينهم وبين العرب، كتاب يحمل شجاعة وجرأة هو كتاب نقد الفكر الديني، ويضع المسميات بأسمائها، ولا يعرف المراوغة وغير المباشرة التي نمارسها جميعًا.


شاعر‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الخرطوم