حانة‭ ‬عقد‭ ‬التوراة

مجهول
الأحد 2017/01/01
تخطيط: حسين جمعان

فارداً‭ ‬أجنحتي‭ ‬الأربعة‭ ‬البيض،‮ ‬فوق‭ ‬جسدي‭ ‬الأًثيري،‭ ‬بين‭ ‬سديمٍ‭ ‬وعماءٍ،‭ ‬فوق‭ ‬سماء‭ ‬وماء،‭ ‬صاعداً‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬كرسيّ‭ ‬القدرة،‭ ‬هابطاً‭ ‬على‭ ‬خشبتي‭ ‬ومعي‭ ‬ياقوتة‭ ‬العرش،‭ ‬إلى‭ ‬ياقوتتي‭ ‬الحمراء،‭ ‬تطاردني‭ ‬مسوخ‭ ‬الكائنات‭ ‬الأُولى،‭ ‬وتحاصرني‭ ‬تنانينُ‭ ‬السموات‭ ‬السبع‭ ‬الطباق،‭ ‬قاصداً‭ ‬مبتغاي‭ ‬الأخير،‭ ‬حيث‭ ‬زهرة‭ ‬عمري‭ ‬في‭ ‬حانة‭ ‬عقد‭ ‬التوراة،‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الملائكة‭ ‬والشياطين‭ ‬والمردة‭ ‬والبشر،‭ ‬منطوياً‭ ‬على‭ ‬قلب‭ ‬من‭ ‬ياقوت‭ ‬أحمر،‭ ‬وروح‭ ‬مخلوقة‭ ‬على‭ ‬عين‭ ‬صاحبها‭.‬

‮ ‬

هنا،‭ ‬أيتها‭ ‬الكرخاء،‭ ‬منال‭ ‬عمري‭.‬

هنا،‭ ‬أيتها‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬خرّبها‭ ‬أهلها،‭ ‬حلمي‭ ‬غير‭ ‬محدود‭ ‬النهايات‭.‬

هنا،‭ ‬يا‭ ‬واحة‭ ‬الأشواق،

الله‭ ‬والإنسان،‭ ‬وصورتهما‭:‬

البريئة‭ ‬والمُدانة،

العاشقة‭ ‬والناسكة،

الميتة‭ ‬والخالدة،

سالمة‭ ‬المتولّي‭.‬

‮ ‬

***

الكرخاء‭ ‬رمل‭.‬

‮…‬‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬القرية‭ ‬تستدير‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬منذ‭ ‬الحقب‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬تكوّن‭ ‬العَماء،‭ ‬عندما‭ ‬أَفاضت‭ ‬الياقوتة‭ ‬الحمراء‭ ‬على‭ ‬نفسها،‭ ‬فخلقت‭ ‬العقل،‭ ‬وهي‭ ‬الآن‭ ‬تلتوي‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬مثل‭ ‬أصَلة‭ ‬جنة‭ ‬آدم،‭ ‬حتى‭ ‬يوم‭ ‬الناس‭ ‬هذا‭. ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬الدوران‭ ‬السادر‭ ‬في‭ ‬عطن‭ ‬الإبل‭ ‬وعراك‭ ‬الصِّلال‭ ‬وقراءة‭ ‬المراثي‭ ‬المستعادة‭ ‬من‭ ‬جوف‭ ‬بكائيات‭ ‬الدهور‭ ‬الخالدة،‭ ‬نُشرت‭ ‬الجثامين‭ ‬من‭ ‬أَرماسها،‭ ‬وانتشر‭ ‬النمل‭ ‬الأحمر‭ ‬على‭ ‬جدرانها‭ ‬وفوق‭ ‬تلالها‭ ‬وبين‭ ‬فجوات‭ ‬صخورها،‭ ‬وظهرت‭ ‬خيولها‭ ‬وحميرها‭ ‬وبغالها‭ ‬تتبوّل‭ ‬على‭ ‬أفخاذها‭ ‬الهزيلة‭ ‬الكسيحة،‭ ‬فتبيّن‭ ‬للعابرين‭ ‬أنهارها‭ ‬والمختفين‭ ‬في‭ ‬جحور‭ ‬وديانها‭ ‬وجبالها،‭ ‬أيَّ‭ ‬وبال‭ ‬حَطّ‭ ‬على‭ ‬أسطح‭ ‬البيوت‭ ‬وشواهد‭ ‬القبور‭ ‬وعيون‭ ‬الآبار،‭ ‬حتى‭ ‬غطّى‭ ‬الجدب‭ ‬منابت‭ ‬النخيل،‭ ‬وساح‭ ‬نزيفُ‭ ‬الأرض‭ ‬الحَصراء‭ ‬السَبخَة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬القيعان‭ ‬المكشوفة‭ ‬لتلك‭ ‬الأنهار‭ ‬المندرسة،‭ ‬وفرّت‭ ‬طيور‭ ‬الفاخت‭ ‬من‭ ‬ذروات‭ ‬النخيل‭ ‬ذات‭ ‬الجذوع‭ ‬السود،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬ذكور‭ ‬الضفادع‭ ‬تنقّ‭ ‬فوق‭ ‬سطح‭ ‬المياه‭ ‬الخضر‭ ‬في‭ ‬البرك‭ ‬البعيدة‭ ‬على‭ ‬ضفّتيّ‭ ‬النهر‭ ‬الكبير،‭ ‬ولم‭ ‬نَعُدْ‭ ‬نسمع‭ ‬أيّ‭ ‬تغريد‭ ‬للعنادل‭ ‬السّكرى،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يَبْقَ‭ ‬في‭ ‬قريتنا‭ ‬المظلومة‭ ‬والظالم‭ ‬أهلها،‭ ‬بقيّة‭ ‬من‭ ‬شجرة‭ ‬تين‭ ‬أو‭ ‬غصن‭ ‬من‭ ‬كرمة‭. ‬إنها‭ ‬القارعة‭: ‬أهكذا‭ ‬أكلت‭ ‬المدينة‭ ‬نفسها‭ ‬وأبناءها‭ ‬وتاريخها‭ ‬وفنونها‭ ‬وآدابها،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صارت‭ ‬أبراج‭ ‬مكاتب‭ ‬وزرائب‭ ‬مطايا‭ ‬وسباعاً‭ ‬مستأنسة‭ ‬لدكتاتور‭ ‬أو‭ ‬غازٍ‭ ‬أو‭ ‬جلاّد‭ ‬أو‭ ‬مقامر‭ ‬أو‭ ‬محدث‭ ‬نعمة‭ ‬أو‭ ‬تاجر‭ ‬حرب؟‭! ‬الكرخاء‭ ‬مستوطنة‭ ‬جديدة‭ ‬لمستوطنين‭ ‬جددٍ،‭ ‬الكرخاءُ‭ ‬رمل‭ ‬وأشلاء‭ ‬أشباح‭.‬

‮ ‬الرمل‭ ‬في‭ ‬فراغ‭. ‬الفراغ‭ ‬في‭ ‬كأس‭. ‬الكأس‭ ‬في‭ ‬قارورة‭. ‬القارورة‭ ‬عَماء‭ ‬تصطخب‭ ‬بين‭ ‬جنباته‭ ‬كائنات‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬بالعين‭ ‬المجردة‭ ‬وحيتان‭ ‬عملاقة‭ ‬وزواحف‭ ‬بأجنحة‭ ‬من‭ ‬حديد‭ ‬ورؤوس‭ ‬بشرية،‭ ‬وثالثة‭ ‬من‭ ‬سلالات‭ ‬القوى‭ ‬الكونية‭ ‬العمياء،‭ ‬تتعارك‭ ‬بسيوف‭ ‬وبلطات‭ ‬ورماح‭ ‬ومُدى‭ ‬ونيران‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬أفواهها‭ ‬وأُنوفها‭ ‬وأَدبارها،‭ ‬وتتكلم‭ ‬بلغات‭ ‬لا‭ ‬قِبل‭ ‬لبني‭ ‬قومنا‭ ‬بها،‭ ‬ولا‭ ‬يشبهها‭ ‬سوى‭ ‬هذا‭ ‬الغبار‭ ‬الكرخائي‭ ‬الأصفرالثقيل‭ ‬الذي‭ ‬يخترق‭ ‬كل‭ ‬مَسامة‭ ‬في‭ ‬جسدها،‭ ‬ولم‭ ‬ينْجلِ‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬تاريخها‭ ‬السحيق،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬أهلها‭ ‬وسكانها‭ ‬أشلاء‭ ‬من‭ ‬غبار،‭ ‬رأيتهم‭ ‬في‭ ‬كابوس‭ ‬من‭ ‬كوابيسي‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬انفكّت‭ ‬تحاصرني‭ ‬آناء‭ ‬الليل‭ ‬وأطراف‭ ‬النهار‭ ‬ينسلون‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬فجٍّ‭ ‬عميق،‭ ‬بقايا‭ ‬أشباح‭ ‬راجلين‭ ‬وركباناً‭ ‬نحو‭ ‬بيوتنا‭ ‬الغبراء‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صارت‭ ‬غباراً‭ ‬خالصاً،‭ ‬بيوت‭ ‬لا‭ ‬تصاوير‭ ‬فيها‭ ‬سوى‭ ‬الصورة‭ ‬الوحيدة‭ ‬المنسوخة‭ ‬للرجل‭ ‬الغامض‭ ‬الذي‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬مكانٍ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬البرج‭ ‬ذي‭ ‬الطوابق‭ ‬المئة‭ ‬خلف‭ ‬السور‭ ‬الصلد‭ ‬والمرتفع‭ ‬مثل‭ ‬سيف‭ ‬بثلاثة‭ ‬أشداق،‭ ‬مع‭ ‬جنده‭ ‬بزيّهم‭ ‬الترابيّ‭ ‬الواحد،‭ ‬وحرسه‭ ‬الخاص‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الأغراب‭ ‬بسحناتهم‭ ‬الغريبة‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬أهل‭ ‬الكرخاء‭ ‬الأصليين،‭ ‬وأرديتهم‭ ‬الخضر‭ ‬المُموّهة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يشبهها‭ ‬سوى‭ ‬ذروق‭ ‬الطيور‭ ‬المنتشر‭ ‬على‭ ‬أفاريز‭ ‬حيطان‭ ‬المساجد‭ ‬وذروات‭ ‬المعابد‭. ‬والكرخاء‭ ‬مساجد‭ ‬وصوامع‭ ‬لا‭ ‬يذكر‭ ‬اسم‭ ‬الله‭ ‬بين‭ ‬جنباتها،‭ ‬وسجون‭ ‬وثكنات‭ ‬ومكتبات‭ ‬وشوارع‭ ‬ومتاحف‭ ‬وخمّارات‭ ‬ونواد‭ ‬ونقابات‭ ‬وأحزاب‭ ‬كلها‭ ‬من‭ ‬غبار،‭ ‬أنهار‭ ‬وجداول‭ ‬وسواقٍ‭ ‬وبطائح‭ ‬ومستنقعات،‭ ‬هي‭ ‬رمل‭ ‬في‭ ‬غبار‭.‬

‮ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الكرخاء‭ ‬كما‭ ‬وصفها‭ ‬رامبو‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الشعري‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬حمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬قرية‭ ‬من‭ ‬رمل‮»‬،‭ ‬عَقِبَ‭ ‬أن‭ ‬حاز‭ ‬على‭ ‬تقريضٍ‭ ‬نادر‭ ‬من‭ ‬منعم‭ ‬الخسران،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سحب‭ ‬نفساً‭ ‬عميقاً‭ ‬من‭ ‬سيكارته‭ ‬التي‭ ‬يبرم‭ ‬ورقتها،‭ ‬عادة،‭ ‬بأصابع‭ ‬كفّيه‭ ‬حين‭ ‬كنّا‭ ‬في‭ ‬حانة‭ ‬عقد‭ ‬التوراة‭.‬

‮ «‬أنت‭ ‬تجيب‭ ‬على‭ ‬سؤال‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬نصوصك‭ ‬يا‭ ‬رامبو‮»‬‭.‬

‮«‬ما‭ ‬هو؟‮»‬‭.‬

‮«‬ما‭ ‬هو‭ ‬الشعر؟‭. ‬بل‭ ‬قل‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الفن؟‮»‬‭. ‬قال‭ ‬منعم‭ ‬الخسران،‭ ‬ومضى‭ ‬مبلوراً‭ ‬بقية‭ ‬سؤاله‭ ‬‮«‬هل‭ ‬كنت‭ ‬على‭ ‬بيّنة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬قبل؟‮»‬‭.‬

‮ «‬لا‭ ‬أتذكر‭ ‬أنني‭ ‬فكرت‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المنوال‮»‬‭.‬

‮«‬الفن‭ ‬هو‭ ‬الحياة‭ ‬والطبيعة‭. ‬والحياة‭ ‬والطبيعة‭ ‬لا‭ ‬تخضعان‭ ‬لأيّ‭ ‬تعريف‭ ‬مسبق‮»‬‭.‬

‮«‬نعم‭. ‬الفنّ‭ ‬مثل‭ ‬الطبيعة،‭ ‬يرفض‭ ‬النظريات‮»‬‭.‬

‮«‬الفن‭ ‬هو‭ ‬الطبيعة‮»‬‭.‬

‮«‬وكذلك‭ ‬الشعراء‭ ‬والكتّاب‭ ‬والرسامون‭ ‬والنحاتون‭ ‬والنفّاجون‭ ‬وبقية‭ ‬طوائف‭ ‬الفنانين‭. ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬تريد‭ ‬قتل‭ ‬الفنان‭ ‬فافرض‭ ‬عليه‭ ‬نظرية‭. ‬أيّ‭ ‬نظرية‭. ‬الفنان‭ ‬صانع‭ ‬قدير‭. ‬وهذا‭ ‬وحده‭ ‬يكفي‭ ‬للقول‭ ‬إن‭ ‬فلاناً‭ ‬مبدع‮»‬‭. ‬قلتُ‭ ‬لمنعم‭.‬

رأيت‭ ‬رامبو‭ ‬يتفكّر‭ ‬في‭ ‬حديثي‭ ‬مع‭ ‬الخسران‭ ‬فقلت‭ ‬‮«‬عزيزي‭ ‬رامبو،‭ ‬أيّ‭ ‬تعريف‭ ‬مسبق‭ ‬لأيّ‭ ‬نشاط‭ ‬إنساني،‭ ‬يتضمن‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أُسميه‭: ‬نهج‭ ‬دكتاتورية‭ ‬الخط‭ ‬الواحد‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬والفن،‭ ‬هو‭ ‬العفن‭ ‬تماماً‮»‬‭.‬

‮«‬هذا‭ ‬صحيح‭. ‬أنا‭ ‬أدعو‮ ‬‭ ‬إلى‭ ‬تحطيم‭ ‬الأوثان‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬والأدب‭ ‬والحياة‮»‬‭.‬

أخرج‭ ‬منعم‭ ‬الخسران،‭ ‬حُقّاً‭ ‬فضيّاً‭ ‬صغيراً‭ ‬من‭ ‬عُبّه،‭ ‬والتقط‭ ‬من‭ ‬داخله‭ ‬شعيرات‭ ‬دقيقة‭ ‬بإبهام‭ ‬كفّه‭ ‬اليمنى‭ ‬وسبّابتها،‭ ‬شعيرات‭ ‬شقراء‭ ‬دقيقة‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬كأسه‭ ‬وقال‭ ‬‮«‬اسمع‭ ‬عزيزي‭ ‬رامبو،‭ ‬الفنّ‭ ‬لا‭ ‬يسمّى‭ ‬فنّاً‭ ‬إلاّ‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬مفعوله‭ ‬في‭ ‬روح‭ ‬الإنسان‭ ‬مثل‭ ‬مفعول‭ ‬هذا‮»‬،‭ ‬وأشار‭ ‬إلى‭ ‬باطن‭ ‬الحقّ‭.‬

‮«‬الأفيون‮»‬‭ ‬قال‭ ‬رامبو‭.‬

‮«‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬غير‭ ‬مكتشفة‭ ‬في‭ ‬روح‭ ‬الإنسان‭ ‬وجسده‮»‬‭.‬

‮«‬الفن‭ ‬غايتي‮»‬‭.‬

‮«‬‭ ‬قل‭ ‬ما‭ ‬تشاء‭. ‬اغتمار‭ ‬المجهول‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الفردوس‮»‬‭.‬

كان‭ ‬كنعان‭ ‬الشاطري‭ ‬ينشر‭ ‬مقالات‭ ‬أدبية‭ ‬قصيرة‭ ‬في‭ ‬جرائد‭ ‬الحكومة،‭ ‬ذات‭ ‬مضامين‭ ‬مبهمة‭ ‬بأسلوب‭ ‬غامض‭. ‬وقد‭ ‬وصفه‭ ‬إبراهيم‭ ‬الملحد‭ ‬عندما‭ ‬غادرنا‭ ‬معتقل‭ ‬‮«‬القصر‭ ‬الملكي‮»‬‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬مترجم‭ ‬فاشل‭ ‬لنصوص‭ ‬أكثر‭ ‬غباءً‭. ‬لم‭ ‬أتعاطف‭ ‬مع‭ ‬رأي‭ ‬الملحد،‭ ‬ولا‭ ‬مع‭ ‬تعليق‭ ‬نادر‭ ‬أطلقه‭ ‬موفق‭ ‬الساحر،‭ ‬إن‭ ‬فكر‭ ‬رامبو‭ ‬الشاطري‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬هزائمنا‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬الكرخاء‮»‬‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬التعليق‭ ‬يعني‭ ‬لي‭ ‬كثيراً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عاشرت‭ ‬الساحر‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يربط‭ ‬رأيه‭ ‬بهذا‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬بقدر‭ ‬ميله‭ ‬الجنسي‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬عدمه‭. ‬ولكنه‭ ‬يكون‭ ‬‭-‬غالباً‭-‬‭ ‬ذاتياً‭ ‬محضاَ‭ ‬في‭ ‬أحكامه،‭ ‬وربما‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬ساحراً‭ ‬في‭ ‬أناشيده‭.‬


لوحة: حسين جمعان

‮«‬‭ ‬أنا‭ ‬أنقُطُ‭ ‬مَحبًة‮»‬‭.‬

‮«‬‭ ‬محبة‭ ‬أم‭ ‬جنس؟‮»‬‭.‬

‮«‬ماذا‭ ‬تقول‭ ‬أنت؟‮»‬‭.‬

‮«‬أنت‭ ‬نشيد‭ ‬جنسيّ‭ ‬صارخ‮»‬‭.‬

‮«‬وهل‭ ‬يوجد‭ ‬حبٌّ‭ ‬خارج‭ ‬الجنس؟‮»‬‭.‬

‮ ‬

وعندما‭ ‬استقر‭ ‬المقام‭ ‬بكنعان‭ ‬الشاطري‭ ‬أخيراً‭ ‬في‭ ‬‮«‬عرصة‭ ‬السوامرة‮»‬‭ ‬بالمدينة،‭ ‬اعتكف‭ ‬في‭ ‬سكيك‭ ‬المكتبات‭ ‬حتى‭ ‬لقّبناه‭ ‬بـ‮»‬دودة‭ ‬كتب‮»‬‭.‬

‮«‬‭ ‬أنا‭ ‬مسرور‭ ‬لهذا‭ ‬الوصف‮»‬‭.‬

‮«‬‭ ‬حقاً؟‭. ‬لماذا؟‮»‬‭. ‬سأله‭ ‬الساحر‭.‬

‮«‬لأنه‭ ‬يعفيني‭ ‬من‭ ‬الجواب‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬تعليقاتكم‮»‬‭.‬

ولمّا‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬سبباً‭ ‬يقنعه‭ ‬بهزيمة‭ ‬الكرخاء‭ ‬أمام‭ ‬الغزاة‭ ‬الخارجيين‭ ‬والانقلابيين‭ ‬الداخليين‭ ‬على‭ ‬سؤاله‭ ‬القصير‭ ‬‭(‬لماذا‭ ‬خسرنا‭ ‬الحرب؟‭)‬،‭ ‬أخذ‭ ‬ينشر‭ ‬تلك‭ ‬المقالات‭ ‬القصيرة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الصحف‭ ‬‭(‬التي‭ ‬يقرؤها‭ ‬محرّروها‭ ‬فقط‭)‬‭ ‬على‭ ‬وفق‭ ‬رأي‭ ‬الساحر‭. ‬لكنه‭ ‬خرج‭ ‬علينا‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬بنصّ‭ ‬قصير‭ ‬نشره‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬الوحدة‮»‬‭ ‬عنوانه‭ ‬‭(‬وحدتي‭ ‬تحاور‭ ‬رامبو‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬دعا‭ ‬موفق‭ ‬الساحر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يدعوه‭ ‬بـ‭(‬رامبو‭)‬‭. ‬كان‭ ‬الساحر‭ ‬مغرماً‭ ‬بسلوك‭ ‬‮«‬رامبو‮»‬‭ ‬وحياته‭ ‬الخاصة،‭ ‬لكنني‭ ‬أشكّ‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬اختار‭ ‬سلوك‭ ‬‮«‬فيرلين‮»‬‭ ‬وحياته‭ ‬مع‭ ‬كنعان‭ ‬الشاطري‭.‬

‮ ‬

***

‮…‬‭. ‬وعندما‭ ‬كان‭ ‬رامبو‭ ‬يقرأ‭ ‬علينا في‭ ‬حانة‭ ‬عقد‭ ‬التوراة‭ ‬قصيدته‭ ‬الطويلة‭ ‬‮«‬امرأة‭ ‬الرمل‮»‬،‭ ‬هبّت‭ ‬سارة‭ ‬المتولّي‭ ‬واقفة‭ ‬وهتفت‭ ‬‮«‬نخب‭ ‬الفن‭ ‬والشعر‭ ‬والجمال‭ ‬والحرية‭. ‬نخب‭ ‬الفوضى‮»‬‭. ‬وعند‭ ‬ذلك‭ ‬ساد‭ ‬الصمت‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحانة،‭ ‬وشاهدت‭ ‬دهشة‭ ‬الروّاد‭ ‬وقد‭ ‬أخذتهم‭ ‬كلماتها‭. ‬كانوا‭ ‬صامتين‭ ‬كأنهم‭ ‬في‭ ‬مقبرة‭ ‬‮«‬وادي‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬في‭ ‬ظهيرة‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬تموز،‭ ‬وهكذا‭ ‬هي‭ ‬سارة‭ ‬دائماً‭: ‬امرأة‭ ‬التصرفات‭ ‬اللامتوقعة‭ ‬والمفاجآت‭ ‬والشذوذ،‭ ‬إنها‭ ‬الكرخاء‭ ‬التي‭ ‬رأيتها‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬سارة‭ ‬المتولّي‭ ‬وروحها،‭ ‬في‭ ‬تبذّلها‭ ‬المستهتر‭ ‬وأدبها‭ ‬الرفيع‭ ‬والمتعالي،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حركة‭ ‬من‭ ‬جسدها‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬نظراتها،‭ ‬في‭ ‬صخبها‭ ‬الصموت‭ ‬وصمتها‭ ‬الصاخب‭.‬

‮«‬أنتِ‭ ‬موسيقى‭ ‬تضجّ‭ ‬بصمتها‮»‬‭.‬

‮«‬أنتَ‭ ‬تتكلم‭ ‬عن‭ ‬بيتهوفن‭. ‬أليس‭ ‬كذلك؟‮»‬‭.‬

‮«‬أنتِ‭ ‬التي‭ ‬أعنيها‭ ‬الآن‮»‬‭.‬

‮«‬أنا‭ ‬أٌنثى‭ ‬هيّأت‭ ‬نفسي‭ ‬لأكون‭ ‬جديرة‭ ‬بحياتي‮»‬‭.‬

أشرقت‭ ‬ضحكتها‭ ‬الساحرة‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الأزرق‭ ‬الشفيف،‭ ‬وختمت‭ ‬غامزة‭: ‬‮«‬وجديرة‭ ‬بالاستعمال‭ ‬ايضاً‮»‬‭.‬

‮«‬‭ ‬أنتِ‭ ‬حواء‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أَيّ‭ ‬جنة‭. ‬أنتِ‭ ‬الجنة‮»‬‭.‬

أبعد‭ ‬الخسران‭ ‬نظارته‭ ‬الطبية‭ ‬عن‭ ‬عينيه،‭ ‬فظهر‭ ‬عَمَصهُ‭ ‬التام،‭ ‬ثم‭ ‬سحب‭ ‬نفساً‭ ‬عميقاً‭ ‬ثانياً‭ ‬من‭ ‬سيكارته،‭ ‬ومجّ‭ ‬مجّة‭ ‬رابعة‭ ‬من‭ ‬كأسه،‭ ‬واستمر‭ ‬يتأمل‭ ‬في‭ ‬سارة،‭ ‬كما‭ ‬يتأمل‭ ‬صابئي‭ ‬ماهر‭ ‬في‭ ‬خَشْلٍ‭ ‬يعود‭ ‬لسيدة‭ ‬سومرية‭ ‬هي‭ ‬التاريخ‭ ‬كلّه،‭ ‬وخاطب‭ ‬معبوداً‭ ‬لا‭ ‬يراه‭ ‬أَحد‭ ‬سواه‭:‬

‮«‬أحسنت‭. ‬أحسنتَ‭ ‬خَلقا‭ ‬أيها‭ ‬الفنّان‭ ‬المبدع‮»‬‭.‬

‮ ‬وسارة‭ ‬المتولي‭ ‬امرأة‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬سوى‭ ‬سارة‭ ‬المتولي‭ ‬ذاتها‭ ‬‭(‬كتبت‭ ‬في‭ ‬مذكراتي‭ ‬ذات‭ ‬لحظة‭)‬،‭ ‬إنها‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬قدرها‭ ‬بنفسها‭ ‬وتقوده‭ ‬إلى‭ ‬نهاياته،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬تصرُّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تنفي‭ ‬أيّ‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬خارج‭ ‬روحها‭ ‬وجسدها‭. ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬لي‭ ‬كأنها‭ ‬تحوّل‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬إله،‭ ‬ثمّ‭ ‬تتعبّده،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬جدل‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬مع‭ ‬نفسها،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حلم‭ ‬عميق،‭ ‬أو‭ ‬مسافرة‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬قصيّة‭ ‬وبعيدة‭ ‬المنال‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء‭ ‬كانت‭ ‬تعيد‭ ‬طرح‭ ‬سؤالها‭ ‬الأثير‭ ‬‮«‬منيف،‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬هذا‭ ‬كله؟‮»‬‭.‬

‮«‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬أنَّ‭ ‬معناه،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬ذاته‮»‬‭.‬

وقرّبت‭ ‬شفتيها‭ ‬الفاتنتين‭ ‬إلى‭ ‬كأسها‭ ‬فكشف‭ ‬ضوء‭ ‬الحانة‭ ‬القسم‭ ‬النافر‭ ‬من‭ ‬ثدييها‭ ‬الناضجتين،‭ ‬وانتثرت‭ ‬خصلة‭ ‬من‭ ‬شعرها‭ ‬الأسود‭ ‬على‭ ‬جبينها‭ ‬الذي‭ ‬أشرق‭ ‬وسط‭ ‬العتمة‭ ‬الزرقاء‭ ‬بخيوط‭ ‬بيض‭ ‬فبانت‭ ‬مثل‭ ‬نافذة‭ ‬قصيّة‭ ‬مفتوحة‭ ‬الضلفتين‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬غلالات‭ ‬من‭ ‬ثلج‭ ‬وغبار‭ ‬وبساتين‭ ‬بعيدة،‭ ‬عندما‭ ‬ينفرز‭ ‬الخيط‭ ‬الأبيض‭ ‬عن‭ ‬الخيط‭ ‬الأسود‭.‬

‮«‬كلما‭ ‬قلت‭ ‬إنني‭ ‬أعرف،‭ ‬أكتشف‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭. ‬يا‭ ‬لخساراتك‭ ‬يا‭ ‬سارة‮»‬‭.

‮«‬‭ ‬يا‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬سعيدة‭. ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬المعرفة‮»‬‭.‬

أعادت‭ ‬عليّ‭ ‬سارة‭ ‬حديثاً‭ ‬طويلاً‭ ‬مع‭ ‬روحي‭ ‬حول‭ ‬مفهومي‭ ‬للخسارة‭ ‬حين‭ ‬قلت‭ ‬لها‭ ‬‮«‬خسارة‭ ‬الروح‭ ‬هي‭ ‬أُمّ‭ ‬الخسارات‮»‬‭. ‬ثم‭ ‬تريّثتُ‭ ‬قليلاً‭ ‬وقلت‭:‬

‮ «‬سارة،‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬خسارة‭ ‬الناس‭ ‬نعمة‭ ‬ضخمة‮»‬‭.‬

‮«‬أنت‭ ‬مسيحي؟‮»‬‭.‬

‮«‬جديّ‭ ‬الأول‭ ‬مسيحي‮»‬‭.‬

‮«‬وجدتي‭ ‬لأُمّي‭ ‬يهوديّة‮»‬‭.‬

وكانت‭ ‬قالت‭ ‬لي‭ ‬حين‭ ‬كنّا‭ ‬عائدين‭ ‬إلى‭ ‬الكرخاء‭ ‬من‭ ‬بيروت‭ ‬ذات‭ ‬سنة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نجونا‭ ‬من‭ ‬القتل‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬إربد‮»‬‭ ‬الأُردنية‭: ‬كفانا‭ ‬تعباً‭.‬تعال‭ ‬نرجع‭ ‬إلى‭ ‬فراغنا‭ ‬المثير‭.‬تعال‭ ‬معي‭ ‬إلى‭ ‬الكرخاء‭.‬

‮«‬الكرخاء‭ ‬هي‭ ‬الشذوذ‭ ‬بعينين‭ ‬ورأس‭ ‬ونفس‭ ‬وقلب‮»‬‭.‬

‮«‬كما‭ ‬تقول،‭ ‬منيف‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬سرّ‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬الشاذّين‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬تاريخها‮»‬‭.‬

كان‭ ‬جسدها‭ ‬يضحك‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات،‭ ‬حتى‭ ‬كادت‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬ظهرها‭ ‬لولا‭ ‬جدار‭ ‬الحانة‭ ‬الذي‭ ‬أنس‭ ‬إلى‭ ‬حرارة‭ ‬جسدها،

‮«‬الشذوذ‭ ‬الفلسفي‮»‬‭.‬

‮ ‬وقالت‭ ‬بعد‭ ‬برهة‭ ‬من‭ ‬الصمت‭ ‬‮«‬أيّ‭ ‬عبث‭ ‬فلسفي‭ ‬هذا‭ ‬الضجر‭ ‬الإلهي‭ ‬يا‭ ‬منيف؟‮»‬‭.‬

‮«‬ربما‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬الخلق‭. ‬نعم‭ ‬إنني‭ ‬أعني‭ ‬ما‭ ‬أقول‮»‬‭.‬

‮«‬منيف،‭ ‬أنت‭ ‬مُترف‭ ‬كثيراً،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬شيء‮»‬‭.‬

‮«‬لا‭ ‬يشغلني‭ ‬هذا‭ ‬قط‭. ‬لا‭ ‬يشغلني‭ ‬أيّ‭ ‬شيء‭ ‬سوى‭ ‬أسئلتي‮»‬‭.‬

‮«‬ستاليني‭ ‬يسأل؟‭ ‬هذا‭ ‬عجيب‭!‬‮»‬‭.‬

‮«‬أنا‭ ‬أحترم‭ ‬ماركس‭.‬أنا‭ ‬أبحث‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬مسألة‭ ‬الوعي‭ ‬والمصير‭ ‬الإنسانيّين‭. ‬المسيح‭ ‬وقيصر‭. ‬محمد‭ ‬وماركس‮»‬‭.‬

‮«‬ماركس‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حتى‭ ‬ماركسياً؟‮»‬‭. ‬وطوّحت‭ ‬بشالها‭ ‬الأبيض‭ ‬فبدت‭ ‬كأنها‭ ‬سفينة‭ ‬تشقّ‭ ‬غمار‭ ‬ديجور‭ ‬كحلي‭ ‬هائج‭.‬

‮«‬ومحمد؟‮»‬‭.‬

‮«‬أفضل‭ ‬من‭ ‬أعاد‭ ‬تنظّم‭ ‬السلوك‭ ‬الجنسي‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬المكّي‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬تروتسكي‮»‬‭.‬

كنا‭ ‬نمشي‭ ‬خفيفين‭ ‬على‭ ‬درب‭ ‬ازدحم‭ ‬بالأوراق‭ ‬الصفر‭ ‬بين‭ ‬صفّين‭ ‬من‭ ‬أشجار‭ ‬البرتقال‭ ‬والنارنج‭ ‬والرمّان‭ ‬في‭ ‬طريقنا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬حانة‭ ‬غيفارا‮»‬‮ ‬‭ ‬فوق‭ ‬رابية‭ ‬تكاد‭ ‬تسقط‭ ‬على‭ ‬المحيط‭ ‬الأخضر‭ ‬الفسيح‭.‬

وكان‭ ‬ذلك‭ ‬الأصيل‭ ‬أحد‭ ‬منحنيات‭ ‬شعوري‭ ‬بأن‭ ‬سارة‭ ‬تكون‭ ‬امرأة‭ ‬مكتفية‭ ‬بذاتها‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تشتعل‭ ‬رغباتها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬الطبيعة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬منفردة‭ ‬مع‭ ‬نفسها،‭ ‬أو‭ ‬تمنح‭ ‬رجلاً‭ ‬تحبّه‭ ‬كرماً‭ ‬غير‭ ‬ذي‭ ‬حدود‭ ‬من‭ ‬روحها‭ ‬وجسدها‭ ‬بجوار‭ ‬نخلة‭ ‬مذبوحة‭ ‬في‭ ‬بستان‭ ‬مهجور،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬فكري‭ ‬عميق‭ ‬مع‭ ‬صديق،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬خلوة‭ ‬مع‭ ‬جلعوط‭ ‬البغدادي‭.‬

‮«‬كل‭ ‬حركة‭ ‬من‭ ‬جسدي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬الطبيعة‮»‬‭.‬

‮«‬هكذا؟‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الموسيقى‮»‬‭.‬

‮«‬لا‭ ‬حركة‭ ‬نشاز‭ ‬عندي‭. ‬إنني‭ ‬أخشى‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬من‭ ‬الانفجار،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬صدرت‭ ‬منّي‭ ‬حركة‭ ‬معاكسة‭ ‬لقوانين‭ ‬الطبيعة‭ ‬الأَزلية‮»‬‭.‬

‮«‬هل‭ ‬تحدثتِ‭ ‬مع‭ ‬البغدادي‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار؟‮»‬‭.‬

‮«‬جلعوط‭ ‬غريزة‭ ‬فقط‮»‬‭.‬

‮«‬هكذا‭ ‬يعتقد‭ ‬الساحر‭ ‬أيضا‮»‬‭.‬

‮«‬أووه،‭ ‬إنهما‭ ‬صنوان‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬أخرى‮»‬‭.‬

‮ ‬وأكملت‭ ‬غامزة‭ ‬‮«‬الغُلامة‮»‬‭.‬

كنّا‭ ‬نسير‭ ‬كأنّنا‭ ‬نطير‭ ‬فوق‭ ‬بساط‭ ‬الأوراق‭ ‬الصفر،‭ ‬وكانت‭ ‬سارة‭ ‬تؤدي‭ ‬حركات‭ ‬راقصة‭ ‬بسرعة‭ ‬ودقّة‭ ‬مذهلتين،‭ ‬فتتحول‭ ‬حافة‭ ‬تنّورتها‭ ‬القصيرة‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬زرقاء،‭ ‬يظهر‭ ‬منها‭ ‬فخذان‭ ‬صبّا‭ ‬كأنهما‭ ‬عمودا‭ ‬رخام‭ ‬صاف‭ ‬لم‭ ‬تَدُسْه‭ ‬قدم‭ ‬بشريِّ،‭ ‬بين‭ ‬مساقط‭ ‬أضواء‭ ‬قوس‭ ‬قزح،‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬يتنفس‭ ‬عطر‭ ‬جسدها‭ ‬الذي‭ ‬بلّله‭ ‬نثار‭ ‬من‭ ‬العرق‭ ‬الفرات‭. ‬ثم‭ ‬انغمرنا‭ ‬في‭ ‬قُبلة‭ ‬طويلة،‭ ‬تغطّي‭ ‬جسدينا‭ ‬الأوراقُ‭ ‬الأولى‭ ‬لشجرة‭ ‬الحياة،‭ ‬ونغرق‭ ‬في‭ ‬رحيق‭ ‬عشب‭ ‬مهروس،‭ ‬ورائحة‭ ‬طين‭ ‬أسود‭ ‬يلتصق‭ ‬بجسدينا‭ ‬العاريين‭.‬

‮«‬رائحة‭ ‬العشب‭ ‬المهروس‭. ‬آآآه‭. ‬إنها‭ ‬تدوّخني‮»‬‭.‬

تنفست‭ ‬سارة‭ ‬بعمق،‭ ‬ثم‭ ‬همست‭ ‬متأوّهة‭ ‬‮«‬عندما‭ ‬تضع‭ ‬كفيك‭ ‬على‭ ‬خاصرتيَّ‭ ‬أشعر‭ ‬أنني‭ ‬أحترق‮»‬‭. ‬والتصق‭ ‬جسدانا‭ ‬ونحن‭ ‬ننزل‭ ‬من‭ ‬شرفات‭ ‬الأرض‭ ‬سراعاً‭ ‬نحو‭ ‬الغياب‭ ‬الفردوسي‭ ‬الكامل‭. ‬وكان‭ ‬جسدي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يرتجف‭ ‬مثل‭ ‬َفَرخِ‭ ‬حمام‭ ‬خرج‭ ‬للتوّ‭ ‬من‭ ‬بركة‭ ‬ماء‭ ‬دافئة‭ ‬وصغيرة‭ ‬بعد‭ ‬ظهيرة‭ ‬شتوية‭ ‬ماطرة‭ ‬في‭ ‬كرخائنا‭ ‬العزيزة‭.‬

ولكن،‭ ‬لماذا‭ ‬يحدث‭ ‬هذا‭ ‬لي‭ ‬مع‭ ‬سارة‭ ‬فقط؟


لوحة: إسماعيل الرفاعي

‮ ‬

***

في‭ ‬مقهى‭ ‬غيفارا‭ ‬التقيتُ‭ ‬موفق‭ ‬الساحر‭ ‬وشاباً‭ ‬كان‭ ‬ينادي‭ ‬عليه‭ ‬الساحر‭ ‬باسم‭ ‬رامبو،لأنه‭ ‬كان‭ ‬كثير‭ ‬الشبه‭ ‬بالشاعر‭ ‬الفرنسي‭ ‬الأشهر،‭ ‬حتى‭ ‬نسي‭ ‬كثيرون‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬اسمه‭ ‬الأول‭ ‬وكنيته‭ ‬العائلية‭. ‬وكان‭ ‬كنعان‭ ‬الشاطري‭ ‬سعيداً‭ ‬باسمه‭ ‬الجديد‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الافتخار،‭ ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬لم‮ ‬‭ ‬يعد‭ ‬يعير‭ ‬بالًاً‭ ‬لمن‭ ‬ينادي‭ ‬عليه‭ ‬باسمه‭ ‬القانوني‭. ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬الساحر‭:‬

‮ «‬هذا‭ ‬هو‭ ‬رامبو‭ ‬الكرخاء‮»‬‭.‬

‮ ‬ولم‭ ‬أسال‭ ‬الساحر‭ ‬عن‭ ‬الرديف‭ ‬الكرخائي‭ ‬لرامبو‭ ‬الكرخائي‭. ‬وحين‭ ‬قلت‭ ‬له‭ ‬إنني‭ ‬لا‭ ‬أشك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬‮«‬فيرلين‮»‬‭ ‬كان‭ ‬وحشاً‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬‮«‬دياكلييف‮»‬‭ ‬مع‭ ‬‮«‬نجنسكي‮»‬،‭ ‬نظر‭ ‬إليّ‭ ‬الساحر‭ ‬معاتباً‭ ‬وقال‭ ‬إن‭ ‬ذلك‭ ‬الثري‭ ‬الروسي‭ ‬كان‭ ‬وحشاً‭ ‬مفترساً،‭ ‬والوحش‭ ‬عنده‭ ‬غريزة‭ ‬الامتلاك‭ ‬والقتل‭ ‬فقط‭. ‬الوحش‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الحب‭.‬

‮«‬احتلال‭ ‬جسد‭ ‬إنسان‭ ‬آخر‭ ‬ليس‭ ‬حباً‮»‬‭.‬

‮«‬أنا‭ ‬أتكلم‭ ‬في‭ ‬الحبّ،‭ ‬منيف‮»‬‭.‬

‮«‬ربما‭ ‬أنت‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬الأبيض؟‮»‬‭.‬

‮«‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬محقّاً‮»‬‭.‬

‮«‬أتؤمن‭ ‬بالحب‭ ‬الأبيض‭ ‬حقّاً؟‮»‬‭.‬

‮«‬بل‭ ‬أتبنّاه‮»‬‭.‬

‮«‬هذا‭ ‬ما‭ ‬رايتك‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬السجن‮»‬‭.‬

‮«‬الحب‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬معادل‭ ‬للحرية‮»‬‭.‬

‮«‬الحب‭ ‬أَم‭ ‬الاشتهاء؟‮»‬‭.‬

‮«‬الاثنان‮»‬‭.‬

وكانت‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬الفريدة‭ ‬موعداً‭ ‬لم‭ ‬أُخطّط‭ ‬له‭ ‬ولم‭ ‬أسعَ‭ ‬إليه‭. ‬لكنه‭ ‬واجهني‭ ‬في‭ ‬بطن‭ ‬المقهى‭ ‬المطلّ‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬الأخضر‭ ‬بمدينة‭ ‬الجزائر‭.‬

‮«‬أنا‭ ‬سعيد‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‮»‬‭.‬

‮«‬وأنا‭ ‬محظوظ‭ ‬فعلاً‮»‬‭.‬

كانت‭ ‬المقهى‭ ‬التي‭ ‬يشبه‭ ‬بطنها‭ ‬جوف‭ ‬طائرة‭ ‬نقل‭ ‬بريد‭ ‬متقاعدة‭ ‬تبدو‭ ‬صامتة‭ ‬تماما،‭ ‬بينما‭ ‬بقيت‭ ‬سارة‭ ‬المتولي‭ ‬صامتة‭ ‬كذلك،‭ ‬ترسل‭ ‬بصرها‭ ‬نحو‭ ‬أرضية‭ ‬المقهى‭ ‬المدهونة‭ ‬بزيت‭ ‬تنظيف‭ ‬تنبعث‭ ‬منه‭ ‬رائحة‭ ‬كحولية‭ ‬حادة‭. ‬وكان‭ ‬الساحر‭ ‬يتحرّاها‭ ‬بعينيه‭ ‬اللتين‭ ‬تشبهان‭ ‬عيني‭ ‬أُنثى‭ ‬فهد‭ ‬تتابع‭ ‬فريستها‭ ‬ليلاً‭.‬

‮ «‬أنا‭ ‬مسرور‭ ‬بكما‭ ‬يا‭ ‬منيف‮»‬‭.‬

‮«‬هذه‭ ‬سارة‭. ‬سارة‭ ‬المتولي‮»‬،‭ ‬أَومأتُ‭ ‬بكفي‭ ‬اليمنى‭ ‬نحو‭ ‬سارة‭.‬

‮«‬أنا‭ ‬وسارة‭ ‬نعرف‭ ‬بعضنا‮»‬،‭ ‬قال‭ ‬الساحر،‭ ‬‮«‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‮»‬،‭ ‬مستمراً‭ ‬في‭ ‬ملاحقتها‭ ‬بعينيه‭ ‬اللتين‭ ‬تشبهان‭ ‬بيضتي‭ ‬دجاجة‭ ‬مسلوقتين‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تقشيرهما‭ ‬بعناية‭.‬

استمرت‭ ‬سارة‭ ‬في‭ ‬صمتها،‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬أرضية‭ ‬المقهى،‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬جلست‭ ‬على‭ ‬كرسيّ‭ ‬مقابل‭ ‬للساحر،‭ ‬وإلى‭ ‬يسارها‭ ‬جلس‭ ‬رامبو‭.‬

‮«‬نعم‭. ‬نحن‭ ‬نعرف‭ ‬بعضنا‮»‬‭.‬

‮«‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد؟‮»‬‭.‬

‮«‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‮»‬‭. ‬ردت‭ ‬مبتسمة‭.‬

أفردت‭ ‬سارة‭ ‬سيكارة‭ ‬من‭ ‬علبتها‭ ‬بين‭ ‬أصابع‭ ‬كفها‭ ‬اليسرى‭. ‬واستمر‭ ‬الساحر‭ ‬يلاحقها‭ ‬بتلك‭ ‬النظرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تصدر‭ ‬سوى‭ ‬عن‭ ‬فهْدَةٍ‭ ‬تتربّص‭ ‬بطريدتها‭ ‬ليلاً‭.‬

‮«‬ماذا‭ ‬تشربون‭ ‬؟‮»‬،‭ ‬سأل‭ ‬الساحر‭ ‬هادئاً‭.‬

‮«‬عَرَق‮»‬‭ ‬أجابت‭ ‬سارة،‭ ‬وأكدتْ‭ ‬‮«‬عن‭ ‬نفسي‭ ‬فقط‮»‬‭.‬

رفعت‭ ‬عينيها‭ ‬السوداوين‭ ‬الفاتنتين‭ ‬نحو‭ ‬موفق،‭ ‬وثبّتت‭ ‬شعر‭ ‬رأسها‭ ‬خلف‭ ‬أُذنيها،‭ ‬وأرسلت‭ ‬إليه‭ ‬سحراً‭ ‬جعله‭ ‬يرخي‭ ‬جسده‭ ‬قليلاً‭ ‬قليلاً،‭ ‬ثم‭ ‬كسرت‭ ‬سيكارتها‭ ‬من‭ ‬منتصفها‭ ‬وقدمت‭ ‬له‭ ‬نصفها‭ ‬الثاني‭:‬

‮«‬موفق،‭ ‬يبدو‭ ‬أنك‭ ‬قد‭ ‬شخت؟‮»‬‭.‬

نظر‭ ‬إليَّ‭ ‬بابتسامة‭ ‬مصنوعة‭ ‬بعناية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬سارة‭ ‬ناراً‭ ‬لنصف‭ ‬السيكارةً،‭ ‬وسألني‭:‬

‮«‬وأنت،‭ ‬ماذا‭ ‬تقول؟‮»‬‭.‬

‮«‬إنه‭ ‬الزمن‭ ‬يا‭ ‬موفق‮»‬‭.‬

‮«‬‭ ‬نعم‭. ‬هذا‭ ‬الجبار‭ ‬العنيد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬صديقاً‮»‬‭. ‬قالت‭ ‬سارة‭ ‬المتولي‭.‬

‮«‬ولكنني‭ ‬لا‭ ‬أزال‭ ‬أُغني‭. ‬ألا‭ ‬يكفي‭ ‬الغناء‭ ‬للوقوف‭ ‬بوجه‭ ‬هذا‭ ‬الجبار؟‮»‬‭. ‬ثم‭ ‬قال‭ ‬بعد‭ ‬برهة‭ ‬قصيرة كأنه‭ ‬يتحدث‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬آخر‭:‬

‮«‬لم‭ ‬يهزمني‭ ‬الزمن‭ ‬بعد‮»‬‭.‬

وبعد‭ ‬أن‭ ‬دارت‭ ‬الكؤوس‭ ‬بيننا،‭ ‬وغادر‭ ‬آخر‭ ‬الرواد‭ ‬بطن‭ ‬المقهى،‭ ‬قالت‭ ‬سارة‭ ‬تقطع‭ ‬صمتنا‭ ‬وتأملاتنا‭:‬

‮ «‬سنغنّي‮»‬‭.‬

أومأ‭ ‬موفق‭ ‬برأسه،‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬صاحب‭ ‬المقهى‭ ‬فقال‭ ‬له‭ ‬الساحر‭:‬

‮ «‬أغلق‭ ‬الحانة‭ ‬يا‭ ‬سي‭ ‬بلحاج‮»‬‭.‬

كنّا‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬حجري،‭ ‬لا‭ ‬يشبهه‭ ‬سوى‭ ‬ذلك‭ ‬الصندوق‭ ‬الحديدي‭ ‬في‭ ‬‮«‬قطار‭ ‬الموت‮»‬‭ ‬‭(‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬متجهاً‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬نقرة‭ ‬السلمان‮»‬‭ ‬ماراً‭ ‬ببابل‭ ‬والسماوة،‭ ‬حيث‭ ‬كنّا‭ ‬نغني‭ ‬أو‭ ‬نردد‭ ‬أناشيدنا‭: ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الوسيلة‭ ‬المتاحة‭ ‬للمقاومة‭ ‬والتمسك‭ ‬بالحياة،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬الأُوكسجين‭ ‬ينفذ‭ ‬تدريجيا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬العربات‭ ‬الحديدية‭ ‬التي‭ ‬تجرّها‭ ‬عربة‭ ‬بخارية‭ ‬غاضبة‭. ‬في‭ ‬البدء‭ ‬دخلت‭ ‬إلى‭ ‬زنازيننا،‭ ‬الفردية‭ ‬والمشتركة،‭ ‬مجموعات‭ ‬الحرس‭ ‬القومي،‭ ‬وأَمرونا‭ ‬بالتخلص‭ ‬من‭ ‬ملابسنا،‭ ‬سوى‭ ‬قطع‭ ‬ملابسنا‭ ‬الداخلية،‭ ‬والبقاء‭ ‬واقفين‭ ‬وأَيدينا‭ ‬مرفوعة‭ ‬نحو‭ ‬الأعلى‭. ‬استمرت‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬نحو‭ ‬اثنتي‭ ‬عشرة‭ ‬ساعة،‭ ‬تماماً‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ ‬حتى‭ ‬الصباح‭ ‬التالي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬النهار‭ ‬الحار‭ ‬والرطب‭. ‬شعرنا‭ ‬أَن‭ ‬جلودنا‭ ‬تقشرت‭ ‬عن‭ ‬لحم‭ ‬أَجسامنا،‭ ‬ثم‭ ‬حشرونا‭ ‬في‭ ‬سيارات‭ ‬أَحمال‭ ‬كبيرة‭ ‬سارت‭ ‬بنا‭ ‬نحو‭ ‬محطة‭ ‬القطار،‭ ‬في‭ ‬كرخ‭ ‬الكرخاء،‭ ‬حيث‭ ‬أَدخلونا‭ ‬جميعا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬العربات‭ ‬الحديدية‭ ‬التي‭ ‬بلا‭ ‬نوافذ،‭ ‬اللهم‭ ‬إِلا‭ ‬من‭ ‬أبواب‭ ‬حديدية‭ ‬صلبة‭ ‬جداً،‭ ‬تمَّ‭ ‬إِحكام‭ ‬إِغلاقها‭ ‬علينا،‭ ‬فشعر‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬نحن‭ ‬الجنود‭ ‬الذين‭ ‬بلغ‭ ‬عددنا‭ ‬نحو‭ ‬مئتي‭ ‬ضابط‭ ‬وجندي،‭ ‬وقالوا‭ ‬لنا‭: ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نسمع‭ ‬من‭ ‬أَيّ‭ ‬واحد‭ ‬منكم،‭ ‬أَيّ‭ ‬كلمة‭ ‬احتجاج‭)‬‭ ‬لكننا‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نملك‭ ‬سوى‭ ‬الأَناشيد‭ ‬وأغاني‭ ‬العشاق‭ ‬المفارقين‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معنا‭ ‬سوى‭ ‬الفن‭.‬

‮«‬بالفن‭ ‬نلاعب‭ ‬الزمن‮»‬‭.‬

وبحركة‭ ‬رشيقة‭ ‬من‭ ‬يدها‭ ‬اليمنى،‭ ‬عبّرت‭ ‬سارة‭ ‬المتولي‭ ‬عن‭ ‬تأييدها‭ ‬لفكرتي‭ ‬وقالت‭:‬

‮ «‬الفن‭. ‬الخلاص‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬العجوز‭ ‬الروسي‭ ‬النبيل‮»‬‭.‬

‮«‬الرحمة‭ ‬لروح‭ ‬تولستوي‭ ‬العظيم‮»‬‭.‬

وتلك‭ ‬كانت‭ ‬ليلة‭ ‬من‭ ‬ليالي‭ ‬عمري‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬وصفها‭ ‬بتفصيلاتها‭ ‬الدقيقة‭ ‬أبدا‭. ‬وهكذا‭ ‬هي‭ ‬حياتي‭ ‬أيضاً‭ ‬مع‭ ‬موفق‭ ‬الساحر‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬الصحراوي‭ ‬البعيد‭: ‬أغنية‭ ‬متصلة‭ ‬وساحرة‭. ‬أما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تقاربت‭ ‬بنا‭ ‬الديار،‭ ‬فلزمتُ‭ ‬نهاية‭ ‬مفازة‭ ‬لا‭ ‬تبعدني‭ ‬عن‭ ‬منزله‭ ‬سوى‭ ‬فراسخ‭ ‬معدودة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬شاخ‭ ‬جسده،‭ ‬وخمدت‭ ‬قواه،‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬منه‭ ‬غير‭ ‬عينين‭ ‬مثل‭ ‬بيضتي‭ ‬دجاجة‭ ‬مسلوقتين‭ ‬لم‭ ‬تقشّرا‭ ‬بعناية،‭ ‬تتّقدان‭ ‬شهوة‭ ‬وعنفاً‭.‬

كان‭ ‬موفق‭ ‬الساحر‭ ‬يمنح‭ ‬نفسه‭ ‬امتيازات‭ ‬متواضعة،‭ ‬لكنه‭ ‬يحسبها‭ ‬مستويات‭ ‬خاصة‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬نفسه،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأمسيات‭ ‬الصائفة‭ ‬أو‭ ‬الباردة‭ ‬في‭ ‬باحة‭ ‬سجن‭ ‬نقرة‭ ‬السلمان‭ ‬الصحراوي‭: ‬يتناول‭ ‬كسرات‭ ‬من‭ ‬رغيف‭ ‬بارد‭ ‬من‭ ‬شعير‭ ‬كرخائي‭ ‬مدهون‭ ‬بزيت‭ ‬سمسم‭ ‬ذي‭ ‬لون‭ ‬أخضر‭ ‬داكن‭.‬

‮«‬هذا‭ ‬لتزييت‭ ‬إطار‭ ‬الحنجرة‭ ‬‮«‬‭.‬

‮ ‬ويطلق‭ ‬ضحكة‭ ‬غامزة‭ ‬نتجاوزها‭ ‬إلى‭ ‬الأغنية‭ ‬المرتقبة،‭ ‬ثم‭ ‬نتكوّر‭ ‬على‭ ‬أنفسنا‭ ‬ويبدأ‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬يغنّي‭ ‬له‭ ‬وحده‭. ‬وعندما‭ ‬ينبعث‭ ‬صوته‭ ‬الخشن‭ ‬عبر‭ ‬شفتيه‭ ‬الشهوانيتين،‭ ‬مصحوباً‭ ‬بتلك‭ ‬الأنّة‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬تنفس‭ ‬أسد‭ ‬عجوز،‭ ‬أترك‭ ‬مجلسي‭ ‬المنفرد‭ ‬على‭ ‬ذروة‭ ‬برميل‭ ‬بترول‭ ‬فارغ،‭ ‬وأتقدم‭ ‬نحوه،‭ ‬بينما‭ ‬السجناء‭ ‬تحوّلوا‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬كومة‭ ‬عواطف‭ ‬مركزة،‭ ‬وأدع‭ ‬جسدي‭ ‬طوع‭ ‬صوت‭ ‬طبل‭ ‬سومري‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬معبد‭ ‬بعثت‭ ‬به‭ ‬الكرخاء‭ ‬إلى‭ ‬عاشق‭ ‬لم‭ ‬يبرأ‭ ‬من‭ ‬الحب‭ ‬أبداً،‭ ‬ثم‭ ‬أسقط‭ ‬مغشيّاً‭ ‬عليّ‭.‬

تلك‭ ‬كانت‭ ‬أجمل‭ ‬رسائل‭ ‬أبعث‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬السجن‭ ‬إلى‭ ‬روحي،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬يتوجّب‭ ‬أن‭ ‬أُقاوم‭ ‬الجنون‭ ‬والخوف‭ ‬بالفن‭ ‬والشعر‭ ‬والصمت‭ ‬والهذيان‭. ‬وكان‭ ‬موفق‭ ‬يعرف‭ ‬تمام‭ ‬المعرفة‭ ‬أنني‭ ‬نقيضه‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬والفن‭ ‬والبراءة،‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬يمتهن‭ ‬جسده‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬من‭ ‬الشبق‭ ‬الجسدي،‭ ‬بينما‭ ‬كنت‭ ‬أحافظ‭ ‬على‭ ‬جسدي‭ ‬بطهرانية‭ ‬الكتابة‭ ‬والتمسك‭ ‬بحريتي‭ ‬الفردية‭: ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السجن،‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬مفهومها‭ ‬الأصيل،أن‭ ‬تتشوّه،‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تتشوّه‭. ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬المسالة‭.‬

‮ ‬

***

‮ ‬

‮ ‬‮…‬‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬المساء‭ ‬مفعما‭ ‬بالفرح‭ ‬والسعادة،‭ ‬والدموع‭ ‬أيضاً‭. ‬تذكّر‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منّا‭ ‬تاريخه‭ ‬الشخصي‭ ‬والرفقة‭ ‬التي‭ ‬ربطت‭ ‬فيما‭ ‬بيننا‭ ‬وكأنها‭ ‬العملية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬هذه‭ ‬التوأمة‭ ‬في‭ ‬الأفكار‭ ‬والآمال‭ ‬والمصائر،‭ ‬والجرائر‭ ‬أيضاً‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬جرائري،‭ ‬على‭ ‬وفق‭ ‬تعبير‭ ‬رامبو،‭ ‬أًحيانا،‭ ‬سوىً‭ ‬شجرة‭ ‬حياتي‭ ‬التي‭ ‬أًدعوها‭ ‬غابتي،عندما‭ ‬أَنفرد‭ ‬بنفسي،‭ ‬وفي‭ ‬حدث‭ ‬خاص‭ ‬جداً،‭ ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬مع‭ ‬مسعود‭ ‬المولى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬رأَيته‭ ‬في‭ ‬صدر‭ ‬سارة‭ ‬المتولّي‭ ‬عندما‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬المقهى‭ ‬الجزائري‭. ‬قال‭ ‬مسعود،‭ ‬بأُسلوب‭ ‬أَكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬وطلاقةً‭ ‬ومروءةً،‭ ‬وخجلاً‭ ‬أَيضاً‭ ‬‮«‬أَنتَ‭ ‬ابن‭ ‬أُختك‮»‬‭. ‬وأَشار‭ ‬إلى‭ ‬صدره‭.‬

‮«‬مسعود،‭ ‬هذا‭ ‬يرعبني‮»‬‭.‬

وكان‭ ‬صدره‭ ‬يختفي‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬وراء‭ ‬قميص‭ ‬أَصفر‭ ‬بلون‭ ‬الرز‭ ‬العنبر‭ ‬قبيل‭ ‬حصاده،‭ ‬فوقه‭ ‬دشداشة‭ ‬بلون‭ ‬أَسود،‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬إلاّ‭ ‬لون‭ ‬دشاديش‭ ‬النساء‭ ‬الكرخائيات‭ ‬في‭ ‬الأَشهر‭ ‬الحرم،‭ ‬بعدها‭ ‬صايته‭ ‬الوبرية‭ ‬الصفراء،‭ ‬ثم‭ ‬عباءته‭ ‬العبّاسية‭.‬

‮«‬مسعود،‭ ‬أَرجوك‮»‬‭.‬

‮«‬لماذا؟‭ ‬أَنا‭ ‬امرأة‭ ‬معك،‭ ‬ورجل‭ ‬أَمام‭ ‬الآخرين‮»‬‭. ‬ثم‭ ‬شقَّت‭ ‬قميصها‭ ‬العنبري،‭ ‬ليبرز‭ ‬ثدياها‭ ‬العامران‭.‬

‮«‬لم‭ ‬أُعاشر‭ ‬رجلاً‭ ‬غيرك‮»‬‭.‬

والآن،‭ ‬ونحن‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬الكرخاء،‭ ‬أو‭ ‬نجلس‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬غير‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬البحر،‭ ‬تعود‭ ‬إليّ‭ ‬صور‭ ‬حياتنا‭ ‬التي‭ ‬تفرّدت‭ ‬عن‭ ‬غيرها‭ ‬في‭ ‬أوضاع‭ ‬ملتبسة‭ ‬ماضية،‭ ‬حيث‭ ‬اختلط‭ ‬هوى‭ ‬الشباب‭ ‬بالرأي‭ ‬الناضج،‭ ‬وتتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الآراء‭ ‬الجامحة‭ ‬بحكمة‭ ‬عمر‭ ‬النبوّة،‭ ‬فقالت‭ ‬سارة‭ ‬المتولي‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الملحد‭ ‬يحضر‭ ‬الآن‭ ‬لاكتملت‭ ‬فصوص‭ ‬المسبحة‭. ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬لافتاً‭ ‬لانتباه‭ ‬مسعود‭ ‬ورامبو‭.‬

‮«‬أتعرفين‭ ‬إبراهيم‭ ‬يا‭ ‬سارة؟‮»‬‭ ‬سألها‭ ‬مسعود‭.‬

‮«‬وغيره‭ ‬كذلك‮»‬‭. ‬ردَّ‭ ‬موفق‭ ‬كأنه‭ ‬يدلي‭ ‬بشهادة‭ ‬مؤكدة‭ ‬ونهائية‭ ‬أمام‭ ‬هيئة‭ ‬محكمة‭ ‬غير‭ ‬منظورة‭.‬

لم‭ ‬أستغرب‭ ‬ملاحظة‭ ‬الساحر‭. ‬كنا‭ ‬نحن‭ ‬الثلاثة‭: ‬أنا‭ ‬وهو‭ ‬وسارة‭ ‬نعرف‭ ‬إبراهيم‭ ‬الملحد،‭ ‬ذلك‭ ‬الروزخون‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬إماماً‭ ‬للجماعة‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬بليدة‭ ‬‮«‬الميمونة‮»‬،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حاز‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬‮«‬الأستاذية‮»‬‭ ‬من‭ ‬حوزة‭ ‬كوفان،‭ ‬وقد‭ ‬امتلأ‭ ‬كيانه‭ ‬كلّه‭ ‬بفكرة‭ ‬تخليص‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬البؤس‭ ‬والشقاء‭ ‬وصراع‭ ‬الطبقات‭. ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬بعدما‭ ‬تعمَّمَ‭ ‬صار‭ ‬يشعر‭ ‬بثقل‭ ‬هذه‭ ‬الأُمنيات‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬واجباً‭ ‬ضميريّا‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬على‭ ‬تبليغه‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬وهب‭ ‬روحه‭ ‬لله‭ ‬فقط‭.‬

‮«‬أنا‭ ‬أمّمتُ‭ ‬نفسي‭ ‬بنفسي‮»‬‭.


لوحة: عمر إبراهيم

‮«‬له؟‮»‬‭.‬

‮«‬له‭ ‬هو؟‮»‬‭.‬

‮«‬نعم،‭ ‬له‭ ‬هو،‭ ‬لا‭ ‬لغيره‮»‬‭.‬

كان‭ ‬شغله‭ ‬الشاغل‭ ‬اكتشاف‭ ‬وسيلته‭ ‬الخاصة‭ ‬لتغيير‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬الكرخاء،‭ ‬فقال‭ ‬لي‭ ‬بثقة‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬إن‭ ‬الهور‭ ‬الجنوبي،‭ ‬وليس‭ ‬البلدة،‭ ‬أفضل‭ ‬بيئة‭ ‬لاختبار‭ ‬أيّ‭ ‬فكرة‭ ‬ثورية‭ ‬جديدة‭ ‬بالكرخاء‮»‬‭.‬

‮«‬لماذا؟‮»‬‭.‬

‮«‬ليس‭ ‬عندنا‭ ‬قرى‭ ‬مثل‭ ‬المدن‭ ‬البريطانية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬المصرية‮»‬‭. ‬ثم‭ ‬تراجع‭ ‬إلى‭ ‬الخلف‭ ‬قليلاً‭:‬

‮«‬ليس‭ ‬عندنا‭ ‬طبقة‭ ‬بورجوازية‭. ‬البورجوازية‭ ‬صانعة‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬ومؤسساتها‭. ‬أما‭ ‬الريف‭ ‬فهو‭ ‬الفلاحون‭. ‬نحن‭ ‬فلاحون‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬صنعتها‭ ‬الكولونيالية‭ ‬البريطانية‮»‬‭.‬

وحين‭ ‬بدأ‭ ‬حياته‭ ‬معلّماً‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬الوحيدة‭ ‬بالميمونة،‭ ‬كان‭ ‬يطبّق‭ ‬فرضيته‭ ‬تلك‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬موصوف‭ ‬تماماً،‭ ‬وما‭ ‬زاد‭ ‬في‭ ‬قناعته‭ ‬تلك‭ ‬المناظرات‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬مع‭ ‬أول‭ ‬داعية‭ ‬شيوعي‭ ‬زار‭ ‬القرية‭. ‬قال‭ ‬الأستاذ‭ ‬سعد‭ ‬النمر‭ ‬‮«‬إنّ‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬العراقية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ستحطم‭ ‬الدولة‭ ‬البورجوازية‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬لتقيم‭ ‬بدلاً‭ ‬عنها‭ ‬دولة‭ ‬البروليتاريا‭ ‬العراقية‮»‬‭.‬

‮«‬‭ ‬ولكن‭..!‬،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬طبقة‭ ‬عاملة‭ ‬صناعية‭ ‬في‭ ‬العراق‮»‬‭.‬

‮«‬يوجد‭ ‬من‭ ‬ينوب‭ ‬عنها‮»‬‭.‬

‮«‬من‭ ‬هم؟‮»‬‭.‬

‮«‬نحن،‭ ‬المثقفون‮»‬‭.‬

وكان‭ ‬ذلك‭ ‬مثاراً‭ ‬لسخرية‭ ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬الحربي،‭ ‬حين‭ ‬يلتقي‭ ‬نفراً‭ ‬من‭ ‬الدعاة‭ ‬السريين‭ ‬للحركات‭ ‬الاشتراكية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬التي‭ ‬دأب‭ ‬الرحالة‭ ‬الأجانب‭ ‬على‭ ‬وصفها‭ ‬ببلاد‭ ‬النهرين‭ ‬الكبيرين‭ ‬منذ‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭.‬

‮«‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬خياركم‭ ‬الأخير،‭ ‬فعلى‭ ‬الكرخاء‭ ‬السلام‮»‬‭.‬

كانت‭ ‬توقعات‭ ‬الملحد‭ ‬صحيحة‭. ‬فمع‭ ‬أول‭ ‬هجوم‭ ‬من‭ ‬العسكر‭ ‬المتحالفين‭ ‬مع‭ ‬المثقفين‭ ‬والدعاة‭ ‬القوميين‭ ‬المتعصبين‭ ‬سنة‭ ‬1963،‭ ‬ترنّحت‭ ‬المنظومة‭ ‬العمالية‭ ‬المفترضة‭ ‬التي‭ ‬يمثلها‭ ‬المثقفون‭ ‬الاشتراكيون،‭ ‬وانهار‭ ‬بناء‭ ‬منظّم‭ ‬استغرق‭ ‬تشيده‭ ‬بالآلام‭ ‬والحرمانات‭ ‬والسجون‭ ‬والتشويه‭ ‬والمنافي‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬عقود‭ ‬زمنية‭ ‬متواصلة،‭ ‬في‭ ‬غرف‭ ‬معتقل‭ ‬القصر‭ ‬الملكي‭ ‬الذي‭ ‬حوّله‭ ‬أولئك‭ ‬القوميون‭ ‬إلى‭ ‬أحواض‭ ‬لماء‭ ‬النار‭ ‬والاغتصاب‭ ‬الجنسي‭ ‬وانتزاع‭ ‬الاعترافات‭.‬

‮ ‬

‮«‬لم‭ ‬يُصبنا‭ ‬الانهيار‭ ‬أَبداً‮»‬‭.‬

‮«‬لقد‭ ‬مسخوكم‭ ‬من‭ ‬القمة‭ ‬إلى‭ ‬القاعدة‮»‬‭.‬

‮«‬القمة،‭ ‬المثقفون،‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬مسخوا‭ ‬أَنفسهم‭ ‬في‭ ‬القصر‭ ‬الملكي‮»‬‭.‬‮ ‬

كنت‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬تالية،‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬أخرى‭ ‬مع‭ ‬هؤلاء‭ ‬القوميين،‭ ‬وشاهدت‭ ‬كيف‭ ‬انهار‭ ‬المثقفون‭ ‬الأصنام‭ ‬أَيضاً،‭ ‬بعد‭ ‬ضربة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬كفّ‭ ‬شاب‭ ‬لم‭ ‬يتعلم‭ ‬بعد‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الكفاية‭ ‬فنون‭ ‬التعذيب‭ ‬العربية‭ ‬التقليدية‭.‬وهناك‭ ‬التقى‭ ‬رامبو‭ ‬بإبراهيم‭ ‬الملحد‭ ‬أيضا،‭ ‬كما‭ ‬التقى‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬بالذي‭ ‬صار‭ ‬صديقه‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬جلعوط‭ ‬البغدادي‭. ‬جلعوط‭ ‬الذي‭ ‬احتاز‭ ‬على‭ ‬وظيفته‭ ‬الرسمية‭ ‬بعنوانها‭ ‬الجديد‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬الكرخاء‭ ‬وتقاليدها‭: ‬‮«‬مُغتَصِب‮»‬‭.‬

وفد‭ ‬جلعوط‭ ‬البغدادي‭ ‬على‭ ‬الكرخاء،‭ ‬وكأنه‭ ‬يهرب‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬سابقة‭. ‬اعتزل‭ ‬الناس‭ ‬تماماً،‭ ‬اللهم‭ ‬سوى‭ ‬لقائه‭ ‬الأُسبوعي‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أسبوع،‭ ‬قبل‭ ‬الصلاة،‭ ‬في‭ ‬بُقجَة‭ ‬بستان‭ ‬بيت‭ ‬جاني‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬المصارعين‭ ‬ورياضيي‭ ‬الجمال‭ ‬الجسماني‭ ‬والشعراء‭ ‬الشعبيين‭ ‬ولاعبي‭ ‬القمار،‭ ‬حيث‭ ‬كانوا‭ ‬يمارسون‭ ‬هواياتهم‭ ‬قرب‭ ‬جُفرَةٍ‭ ‬بجوار‭ ‬نهر‭ ‬الكحلاء،‭ ‬تتصل‭ ‬بالشريعة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تزدحم‭ ‬بالفتيان‭ ‬والفتيات‭ ‬في‭ ‬الظهيرات‭ ‬التموزية‭ ‬والشباطية‭. ‬لكنه‭ ‬بقي‭ ‬سؤالاً‭ ‬حائراً‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬أهالي‭ ‬عرصة‭ ‬الماجدية‭: ‬‮«‬من‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬البغدادي؟‮»‬

‮ ‬

***

‮ ‬

ومنذ‭ ‬تلك‭ ‬التجارب‭ ‬القاسية‭ ‬والمريرة،‭ ‬كفر‭ ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬الحربي‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬يؤمن‭ ‬إلاّ‭ ‬بنقد‭ ‬أَيّ‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.‬

‮«‬الزبدة‭ ‬عندي‭ ‬أن‭ ‬النقد،‭ ‬نقد‭ ‬كل‭ ‬رأي‭ ‬ومعتقد،‭ ‬هو‭ ‬دين‭ ‬الإنسان‮»‬‭.‬

‮«‬هكذا‭ ‬ترى‭ ‬الإلحاد؟‮»‬‭.‬

‮«‬نعم‮»‬‭.‬

‮ ‬وكانت‭ ‬خطوته‭ ‬الأولى‭ ‬أنه‭ ‬قام‭ ‬برمي‭ ‬عمامته‭ ‬البيضاء‭ ‬في‭ ‬برميل‭ ‬عَرَق‭ ‬مصنوع‭ ‬ببلدة‭ ‬دَيالا‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬الزوراء‭: ‬دخل‭ ‬إلى‭ ‬حانة‭ ‬عقد‭ ‬التوراة‭ ‬بزيّه‭ ‬العبّاسي‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬ظهيرة‮ ‬يوم‭ ‬جمعة،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬جمهور‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬المدينة‭ ‬يؤدون‭ ‬الصلوات‭ ‬التقليدية،‭ ‬واضعاً‭ ‬المسجد‭ ‬الكبير‭ ‬خلف‭ ‬ظهره،‭ ‬وخرج‭ ‬من‭ ‬الحانة‭ ‬سكراناً‭ ‬يلعن‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬كافراً‭ ‬بالعقائد‭ ‬الدينية‭ ‬جميعها،‭ ‬وهو‭ ‬يردّد‭ ‬‮«‬خلاصنا‭ ‬في‭ ‬الإلحاد‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬مدعاة‭ ‬أخرى‭ ‬لأساطير‭ ‬جديدة‭ ‬تناولها‭ ‬عجائز‭ ‬الكرخاء‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬حلول‭ ‬الساعة‭ ‬وظهور‭ ‬آخر‭ ‬الهداة‭ ‬الكُماة،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬السيد‭ ‬القزويني،‭ ‬خطيب‭ ‬الحُسَينيّة‭ ‬المسمّاة‭ ‬باسمه‭ ‬صرخ‭ ‬ذات‭ ‬ليلة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ألقى‭ ‬عمامته‭ ‬السوداء‭ ‬على‭ ‬الفلاحين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يستمعون‭ ‬إلى‭ ‬خطبته‭ ‬المعادة‭ ‬‮«‬اقتربت‭ ‬الساعة‭ ‬وانشق‭ ‬ّ‭ ‬القمر،‭ ‬وسيظهر‭ ‬مولانا‭ ‬المهدي‭ ‬حفيد‭ ‬سيد‭ ‬البشر‮»‬‭.‬

وران‭ ‬صمت‭ ‬مهيب‭ ‬على‭ ‬جمهرة‭ ‬الفلاحين‭ ‬والكسبة‭ ‬والشحاذين‭ ‬وصغار‭ ‬الموظفين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يستمعون‭ ‬إليه‭ ‬فاغرين‭ ‬أفواههم‭ ‬تحت‭ ‬منبر‭ ‬الحسين‭ ‬وحوله‭.‬‮ ‬

وكانت‭ ‬حانة‭ ‬عقد‭ ‬التوراة،‭ ‬تشبه‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬العاشورائي،‭ ‬عندما‭ ‬يمضى‭ ‬الهزيع‭ ‬الأَخير‭ ‬من‭ ‬الليل،‭ ‬ويخلو‭ ‬كلُّ‭ ‬خليل‭ ‬إلى‭ ‬خليله‭.‬

وكان‭ ‬الساحر‭ ‬يتذكر‭ ‬الآن،‭ ‬ليلة،‭ ‬ليلة‭ ‬أَشدّ‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ليلاء،‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬الصحراوي‭ ‬البعيد‭ ‬عن‭ ‬الكرخاء‭.‬

‮ ‬

الشارقة

إشارات‭:‬

‬ـ‭ ‬من‭ ‬استهلالات‭ ‬للنص‭ ‬الروائي،‭ ‬بالعنوان‭ ‬ذاته‭..‬

ـ‭ ‬الكرخاء‭: ‬هي‭ ‬بلدة‭ ‬‮«‬الكرخة‮»‬‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الأحواز‭ ‬العربية،

تقع‭ ‬على‭ ‬نهر‭ ‬بالاسم‭ ‬ذاته،‭ ‬بـ‮»‬هور‭ ‬الحويزة‮»‬‭ ‬بين‭ ‬العراق‭ ‬وإيران‭.‬

وهي‮»‬الإسكندرية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬مرّ‭ ‬بها‭ ‬الإسكندر‭ ‬العظيم‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭.‬

وهي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬بليدات‭ ‬صغيرة‭ ‬تدعى‭: ‬اليشن،‭ ‬اشتغل‭ ‬عليها‭ ‬الكاتب‭ ‬منذ‭ ‬البواكير‭ ‬الأُولى‭ ‬لمشروعه‭ ‬السردي‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1963ـ‭ ‬1964‭.‬

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.