مفكرو‭ ‬إسلام‭ ‬الأنوار‭ ‬ومنظرو‭ ‬الأمن‭ ‬الديني

الجديد  أمين الزاوي [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(12)]

لوحة: أحمد عبدالعال
أربعة أسماء أساسية بل مركزية قضت حياتها الفكرية كاملة في البحث عن مساءلة الإسلام المعرفي والروحي والتاريخي والحضاري والأدبي، منذ سبعينات القرن العشرين وهي تحفر في أسئلة النص الإسلامي المقدس والإنسان التاريخي، عشرات الكتب تركتها كلها تدور حول أسئلة اللاهوت والناسوت في الإسلام.

أربعة أسماء مغاربية فقدتها الساحة الفكرية في أوروبا والعالم العربي وفي فترة متقاربة وهي التي ظلت تعتبر المحرك المركزي للسؤال الفلسفي الجريء والعالِم حول الإسلام على منصات النقاش وفي حلقات البحث وعلى صفحات الدوريات العلمية المحترمة والمرجعية إنهم: عبدالوهاب مؤدب التونسي (1946-2014) ومالك شبل الجزائري (1953-2016) وعلي مرّاد الجزائري (1930-2017) وكان قد سبقهم إلى الرحيل، قبل سنوات قليلة، المفكر محمد أركون الجزائري (1928-2010).

جميعهم بدأوا مساراتهم الفكرية انطلاقا من النص الإبداعي إلى النص المقدس، من ألف ليلة وليلة أو أبي حيان التوحيدي أو ابن عربي وصولا إلى القرآن.

من تفكيك “متعة الجسد” إلى دراسة ظاهرة الإرهاب، ومن جدل إلى آخر قضى أربعتهم الحياة ما بين كتب التاريخ والشريعة والأنثروبولوجيا والتصوف والتحليل النفسي وكانوا في كل ذلك مبشرين بـ”إسلام الأنوار”، لقد خلفوا لنا مكتبة استثنائية كلها مكتوبة باللغة الفرنسية، عشرات الكتب التي عرفت رواجا كبيرا في أوروبا وأميركا بين القراء العاديين والمتخصصين، وقد ترجمت بعضها إلى اللغة العربية.

أربعتهم، على الرغم من اختلافاتهم في المقاربات وفي منسوب الجرأة إلا أنهم كانوا على دراية بأنهم يحفرون في مخاطر الفكر ويمشون على المواقع الفكرية الملغمة من كل الجهات، يمشون على حدّ الشفرة بين جحيم العنصريات المتصاعدة في أوروبا وجحيم الأنظمة والتعصب والإرهاب في بلدانهم الأصلية، ومع ذلك لم يتراجعوا ولم يتخاذلوا، كانوا على اتصال بقرائهم في الجنوب حين تتاح لهم الفرصة وكانوا على نقاش من على المنصات الفكرية والإعلامية بأوروبا حين تعطى لهم الكلمة.

أربعتهم كانوا مليئين بالحلم وبحب الحياة وبالتفاؤل على الرغم من المواضيع الحساسة والمثيرة التي كانوا يعالجونها في كتاباتهم والمتصلة أساسا بالخراب الذي يزحف على العالم العربي والإسلامي وانتشار ثقافة العنف وظاهرة الإرهاب العابرة للقارات والديانات.

الكتابة مقاومة وتفاؤل بانتصار الخير على الشر.

كان محمد أركون، ومثله مالك شبل وعبدالوهاب مؤدب وعلي مراد، يكتب عن أشياء خطيرة وهو يبتسم، وفي ابتسامته هذه كأنما كان يدافع عن الحياة في مواضيع خطرة فيها الموت والاغتيال والتكفير والتهديد الذي يلاحق المداد وصاحب المداد.

أربعتهم، كانت حياتهم مهددة، ولا أحد منهم تراجع أو تنازل عن قناعاته ولا عن مجالات بحثه وتفكيراته. كانوا لا يتوقّفون، كل حسب طاقته ومجاله ورغبته، عن الدفاع عن أفكارهم بالكتب والمحاضرات واللقاءات والسمينيريهات التي ينشطونها على أكبر المنصات العلمية في الجامعات الأميركية والأوروبية والعربية من الجزائر إلى تونس إلى القاهرة إلى مراكش إلى باريس إلى بركليه وستانفورد وسان فرانسيسكو ولوس أنجلس ونيويورك وسنغافورة وطوكيو… وغيرها.

كانوا سفراء الإسلام الحضاري في أوروبا، وفي اللغة الفرنسية التي يكتبون بها، الإسلام المتفتح، “إسلام الأنوار”، كانوا صورة عن المسلم “الجنتلمان” المتفتح على الآخر وعلى الحياة والحب والفن والأدب، مدافعين وبشراسة وبشاشة عن فلسفة “العيش معا”، عن احترام قيم الاختلاف والتنوع.

مبكرا، وبسرعة وذكاء، أدركوا دور سلطة الإعلام في الترويج لأسمائهم ولكتاباتهم وأفكارهم، فاستثمروا في ذلك دون التنازل عن موقعهم كمفكرين يطرحون “المخاطر الفكرية” المرتبطة أساسا بالعالم العربي والإسلامي، ودون تبسيط أو إخلال بالأطروحات المركزية التي يدافعون عنها.

أصبح مالك شبل وعلى مدى عشريتين نجم البلاتوهات التلفزيونية الفرنسية والأوروبية، لكنه لم يُبتذَل، لم يتحول إلى “وجه ثقافي إيكزوتيكي” مع أنه كتب عن أشياء قريبة من “المتعة” كالجسد والجنس والعشق والإيروتيكا والمثلية وألف ليلة وليلة، وظل عبدالوهاب مؤدب صوتا إذاعيا مثيرا وجذابا في فرنسا والعالم الفرانكفوني وهو يحفر في ثقافة التصوف مكتشفا أمراض الإسلام وعارضا خيرات الثقافة العربية الإسلامية، وأصبح محمد أركون نجم الملتقيات الدولية بما يطرحه من إشكاليات لا تمرّ إلا وتترك الزوابع من حولها، غير متصالح مع الفكر السلفي الماضوي الذي شكل حاضنة الإرهاب وقواعده الفكرية في العالم العربي والإسلامي وفي أوروبا أيضا.

ظل الأربعة من مناهضي الفكر “السياحي” الإيكزوتيكي، كانوا بحق مثيرين للمسكوت عنه في الممارسات التي عرفتها المجتمعات العربية الإسلامية عبر التاريخ، على مستوى السلوكات الاجتماعية والسلوكات الفكرية والممارسات الأدبية. كانوا يناقشون “المسائل” التي يطرحونها، تارة من خلال تفكيك الممارسة أي السلوك وتارة أخرى بمقاربة النصوص المؤسسة لهذه الممارسات. ولعلّ ما ساعدهم على الانتقال وبسهولة من تحليل الممارسة الاجتماعية الإسلامية إلى النصوص التراثية هي معرفتهم الدقيقة باللغة العربية، لم يعتمدوا في تحليلاتهم على نصوص “المستشرقين” وإن كانوا قد انتبهوا إلى ما قدمه المستشرقون من دراسات مهمة في جوانب كثيرة من الحياة الفكرية والأدبية واللغوية المرتبطة بالحضارة العربية والإسلامية، ولم يعتمدوا في مقارباتهم على “الترجمات” بل كانوا يذهبون إلى النص بشكل مباشر، في لغته العربية الأصل.

كانوا في كتاباتهم يقفون دائما ما بين الراهن والتاريخي، الحاضر والماضي، يعالجون موضوعا أو قضية مثل “الإرهاب” الذي يضرب أوروبا وأميركا والعالم العربي، ولكنهم يسائلون الحال هذه من خلاله قضية “النصوص” و”الاجتهاد” وقضية”المسكوت عنه” في الإسلام، وقضية “التهميش” و”الأمراض السيكو-دينية” التي تضرب الجيل الثالث من أبناء المهاجرين المغاربيين والعرب.

قبل أن يكونوا باحثين مسكونين بالأسئلة المتموقعة ما بين الأنثروبولوجي والفلسفي والتحليل النفساني والتاريخي والتصوفي كانوا قراء نهمين للتراث العربي الإسلامي، قارئين للمحظور فيه، المسكوت عنه.

لقد حارب هؤلاء الأربعة ثقافة الكراهية دون هوادة، الكراهية التي باسم التعصب الديني وظاهرة الإرهاب أخذت تبَعِّد ما بين الشرق والغرب.

تميز أربعتهم بالصبر في العمل الفكري المتواصل، دون تريث أو عطلة أو استراحة، كانوا كالجنود في ساحة الفكر، في حرب يعرفون فيها العدوّ ويمارسون بعشق وإيمان حرب الأفكار، وكانت المثابرة والتجدد بعيدا عن كل ابتذال سياسي أو إعلامي هي طريقهم نحو الوجود والتواجد، نحو نحت مكان لهم بين المثقفين والمفكرين القلائل الذين أسسوا لخطاب جديد ما بين الشرق والغرب.

في علاقتهم بالسياسي ظل أربعتهم يمثلون صورة المثقف بالمعنى العميق لهذا المفهوم يعتمدون خطابا المفكر بعيدا عن كل خطاب سياسوي تهريجي أو شعبوي تبسيطي كان نقدهم وانتقاداتهم للأنظمة السياسية العربية والإسلامية مؤسسة داخل الخطاب العالِم، بعيدا عن كل غوغائية أو مازوشية فكرية أو مرض التلذذ بتعذيب الذات.

بغياب الباحث عبدالوهاب مؤدب ومالك شبل وعلي مرّاد وقبلهم المفكر محمد أركون تُفتح ساحة سؤال الإسلام في أوروبا لجيل من الباحثين الجدد الذين تحت ضغط الحدث وضجيج الإعلام وثقل الخوف، يعطون الأولوية للأيديولوجي على العلمي يضعون المسألة الأمنية قبل القضية المعرفية وهم بذلك يؤدون أدوارا غير أدوارهم الأساسية ويمارسون خطابات غير خطاب العالِم والمثقف والفيلسوف، وهم إذ يخلطون ما بين البحث الأمني والبحث المعرفي يوسّعون هوة الحوار ما بين الشرق والغرب.


كاتب من الجزائر