العقل الإصلاحي النهضوي

من معضلة الانكفاء إلى ضرورة الانفتاح

الجديد  عامر عبد زيد الوائلي [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(14)]

لوحة: عمر إبراهيم
شكّل المنهج النقدي واحدًا من آليات الحداثة في الفكر الغربي، لكنَّ دوره غائب في الفكر العربيّ ولعل هذا عائق حقيقي غاب بشكل واضح من مشاريع التحديث العربية وأنابت عنه الأيديولوجيا في الفكر المعاصر بثلاثيته الماركسية والقومية والإسلامية.

وكان هناك الكثير من التعليلات لحال العجز والتخلف العربي هذه، منها من إبعاد الأمر عن التشتت والانقسامات السياسية والإثنية والثقافية التي تؤدي إلى حرمانه من التشابك المعرفي والاستخدام الناجع لمناهج المعرفة في مقاربة الواقع والعمل على إيجاد حلول لأزماته؛ لأنَّ هناك تلازمًا بين المنهج ومعنى التنظيم حيث تتمثل أبرز خصائصه في تنظيم المعطيات العقلية وتخطيطها.

فالمنهج على الصعيد النظريّ طريقة نتوخى الوصول بواسطتها إلى نتيجة علمية ولكنَّنا لو توقفنا عند حقبة النهضة العربية وحاولنا التأمل في حوارها مع المنجز الغربي نجد أنَّها كانت تعاني من جملة عوائق كانت لها آثارها العميقة فيما بعد كونها اجتزأت وانتقت ففشلت عندها المناهج وتلفقت في تطبيقها النتائج.

ولعل هذه الفرضية مهمة بل ضرورية في تفهم حال عالمنا العربي الذي مازال يكتنز كل نواقصه وعيوبه فتمحور حول كراهية الغرب. والدولة الريعية للنفط التي ساهمت في المحافظة على تخلفنا بل إنَّها سوّغته؛ لهذا أثمر تطور العلوم في الغرب نهضات متواليات، في حين أن العالم العربي يشهد حالا أسبق حتى من منجزات نهضته ما قبل قرنين؟ لقد كانت هناك حالة انفصام يعانيها عالمنا العربي في علاقته مع الحداثة الغربية، إنه يستعير الحداثة الأداتيّة ويهمل الحداثة الفكرية والحضارية متمثلة بالتعددية الدينية والعَلمنة للحياة السياسية، ومحاولة إنجاز خطاب عقلي يطبق المناهج المختلفة في تفعيل حضور الدين المنفتح ويقضي على معضلة الانكفاء على الذات وإحلال الحوار والتعايش والتحديث مما سوف يقود إلى مراكمة حضارية وثقافية.

وهذا الأمر يجعلنا نقف عند توصيف حنه أرندت في ثلاث حالات، أولها: الاشتغال البيولوجي للحياة، فهناك أمم -منها أمّتنا- لا تزال في عتبة الاشتغال البيولوجي للأجهزة الهضمية والتناسلية، همها بيولوجي قبل كل شيء في إشباع رغبات استهلاكية وتكاثر ديموغرافيّ، وثانيها: الاشتغال الصنائعي لليدين، فهناك أمم ارتقت إلى الصناعة الشيئيَّة باختراع آلات وأجهزة ووسائل سهلت مسار الإنسان في الكوكب من حيث الاتصال والتواصل، ويمكن حشر أمم في هذا الصنف الصنائعي، لأنها موهوبة فيه مثل اليابان والصين. والثالث الاشتغال الأدائي للحرية، فهناك أمم ارتقت إلى الفعل التأسيسيّ للسياسة والاجتماع البشريّ، وقامت بإعادة الاشتغال عليها وأقلمتها وتأويلها للوصول إلى نظام سياسي مكتمل الأركان. ويظهر جليا موقعنا في هذا التصنيف الذي يبين الحاجة إلى مقاربة نقديَّة تمزِّق الشرنقة التي أحاطت بالعقل العربي الإسلامي وعملت على تأخّره. وأبرز ملامح هذا العجز تتجلى في غياب الدولة، دولة الحق والمؤسسات والقانون، من خلال غياب الملمح الديمقراطي بوصفه ناظماً للحراك الاجتماعي السياسي، تقابله هيمنة اللاعقلانية، والتلفيقية كمنهجين أفصحا عن عجز فاضح في الحيز السياسي والأيديولوجي والعرفي؛ لأنَّ أغلب محاولات النهضة لم تكن التعبير الواعي والحر عن حراك اجتماعي. وهذا دفع بالمفكر الراحل ياسين الحافظ إلى القول “إن السياسي، وتلحقه بالطبع السياسة، كفعل واع، مصمم، يمكن أن يصبح في بلدان لم تشهد تطوراً متوازناً سوياً، الرافعة، إذا توفر لقوى التغيير الراديكالي العربية، وعي كوني وتاريخي”.

ومن أجل تحقيق هذا نجد من الضرورة أن نقارب النهضة مقاربة نقدية من أجل استلهام العقل الإصلاحي في تحقيق تحوّل يستعيد الثقة بالذات على الرغم من أنَّ النهضة قد تحولت إلى ماض في ظل مشاريع البعيديات التي يعيشها العالم الغربي.

لا بد من تأطير الإشكاليَّة التي ولد داخلها هذا العقل وهي إشكاليّة النهضة التي نبع منها سؤالا النهضة، لماذا وكيف؟ فمن محمد علي حتى عبدالناصر تعددت مشاريع النهضة وتنوعت مشاربها.. فمن محاولات نهوض دولية مع محمد علي وعبدالناصر وتجاوب سوريا واليمن والعراق وأقطار المغرب العربي، إلى محاولات إصلاح ديني مع الوهابية والمهدية والسنوسية والكواكبي ومحمد عبده وآخرين

ونجد من الضرورة مقاربة أطروحتنا التي تقوم على دراسة التمثل العربي للمناهج ورؤاها والمدارس الناشئة عن ذلك في ظل حقبة النهضة العربية التي قدمت نماذج من المقاربات ومشاريع النهضة سواء كانت إصلاحات أم مقاربات إصلاحية فقهية وفكرية، ضمن فضاء النهضة وما أحدثه من سجال تاريخي بين التقييمين التقليدي والحداثي. ثم الوثبة عن الإخفاقات الواقعة وتحليل مواردها ومكامنها ومآلاتها نحو نشأة مستأنفة للتمثل الواعي للمناهج واستثمارها في فهم الوظيفة الإبستمولوجية للنقد الحضاري.

فالقضية الأساس تتعلق بالقدرة على توظيف المفاهيم وتفعيل دورها الإجرائي، فالمنهج ليس بضع “قواعد” ولا جملة “خطوات” إلاّ في النصوص التي تُـنظّر له، أما في حال الممارسات البحثية فلا يكون سوى مجموعة من المفاهيم توظف في معالجة موضوعها وطريقة هذا التوظيف، ثم إن هذه المفاهيم قد توجد في مجال الموضوع نفسه أو توضع وضعاً أو قد تستعار من مجال آخر. وتبقى قضية المنهج غير واضحة إذا لم تقدم أساساً على أنها مسألة مفاهيم، فهي أدوات للعمل يتم استعمالها في كل موضوع بالكيفية التي تجعلها منتجة.

وكل هذا يدخل ضمن إطار المثقف المستنير الذي من واجبه أن يقدم رؤية تحاول إطلاع المواطنين على الحقائق ومعرفة عوامل القوة وعوامل الضعف التي تراكمت فشكلت عائقًا يحول دون تواصلهم السويّ مع العالم الحديث ومنجزاته في مجال الحداثة سواء كانت أداتيَّة أم فكريَّة.

ولا شك أنَّ هذا التصويب والنقد سوف يقلل من آلامهم ومعاناتهم على المستويين العملي والنظري، وسوف نجد أغلب المستنيرين من دخلة النهضة قد وظّفوا العاملين أي “إطلاع المواطنين على الحقائق” والثاني “التقليل من آلامهم”.

ولا شك أنَّ الأمر يضعنا هنا بإزاء غاية أخلاقيَّة تقع على المثقف المستنير الذي يتعامل بدوافع أخلاقية تجاه واقع ثقافته وما تعانيه من أزمة. وهذا ما سوف نقف فيه بإزاء مجموعة من المستنيرين العرب والمسلمين، واتجاهات متنوعة تجمعها مشتركات الاستنارة في إصلاح حال الأمَّة في فترة النهضة. إذ عملوا على أنّ الثقافة صانعة هويّة الشعب وتميّز ملامحه وكيانه، مما يجعل للشعب عقلا حرا وأخلاق السادة وليس أخلاق عبيد.

أولا: الإسلام الإصلاحي

في باب تأصيل العقل الإصلاحي لا بد من تأطير الإشكاليَّة التي ولد داخلها هذا العقل وهي إشكاليّة النهضة التي نبع منها سؤالا النهضة، لماذا وكيف؟ فمن محمد علي حتى عبدالناصر تعددت مشاريع النهضة وتنوعت مشاربها.. فمن محاولات نهوض دولية مع محمد علي وعبدالناصر وتجاوب سوريا واليمن والعراق وأقطار المغرب العربي، إلى محاولات إصلاح ديني مع الوهابية والمهدية والسنوسية والكواكبي ومحمد عبده وآخرين. ومحاولات نهوض ثقافي سلامة موسى وفرح أنطون وطه حسين وغيرهم.

والأمر الثاني أن الإصلاح أو التجديد لهما اشتراطات لأنهما جزء من سياق تاريخيّ وضرورات اجتماعيَّة وسياسية ضاغطة، وكما يرى نصر حامد أبوزيد التجديد “ليس حالة فكرية طارئة، بل هو الفكر ذاته في تجاوبه مع الأصول التي ينبع منها ويتجاوب معها بوسائله الخاصّة. ما ليس تجديداً في مجال الفكر هو ترديد وتكرار لما سبق قوله، وليس هذا من الفكر في شيء، ولا يمتّ إلى الفكر بأدنى صلة من قريب أو من بعيد”. وقد كان المنهج يشغل دورًا فاعلًا في فكر عبده الإصلاحي لأنه وجد الإصلاح ضرورة ملحة بل إنه يجد أن الإسلام يشكل أهمَّ دعائم هذا الإصلاح، ولكنَّ هذا المنهج الإصلاحي لدى الشيخ كان مختلفًا عمّا وجدناه عند الحركات التجديدية التي تحاول الرجوع إلى الأصل ومحاربة البدع وتعمل على تطبيق رؤيته بالعنف على المخالفين بل إن الإصلاح عنده جزء من الفكر الإصلاحي الذي مثلته النهضة إذ ثمة “معنى جديد للإصلاح ظهر قبل مئة وخمسين عاما في العالم الإسلامي والقائمون بهذه الحركة يتحدثون بشكل صريح عن وعي أو غير وعي، بأنهم يطرحون شيئا آخر في عملية إصلاح الدين، فالأشخاص مثل محمد عبده وإقبال اللاهوري وأمين الخولي وآخرون شعروا بوجود مشكلة جديدة في العالم الإسلامي”. ولا شك أنَّ تلك الأسماء أدركت ما أدركه الشيخ المبرّر التاريخيّ ومعاناة العالم العربي-الإسلامي من حالات الضعف التي ساهمت إلى حدّ كبير في تدهور مكانته، وفي مثل هذه الظروف لا تنفع المواقف السلفية التي لم تتوقف عن دفاعها عن الهوية واجترار الماضي بكل ما فيه من إنجازات وانتصارات الماضي من طرف فئة من المثقفين من دون النظر إلى ما آلت إليه أوضاع الأمّة بعين العقل الذي يعني بالضرورة أن يقوم على مبرّر معرفي يستمد قوّته من التواصل مع الماضي وإحداث انصهار أفق مع المعاصرة “والمقصود بعملية التواصل الخلاّق الخروج من أسر التقليد لكنّه لا يعني بالضرورة السقوط في محابس الماضي باسم الأصالة، ولا يعني السقوط في التبعية الثقافية للآخر الغربيّ في كل الأحوال”. فالأمر لا يخرج عن إطار الاغتراب عن الواقع بل العقل وما يقيمه من تواصل مع الأخر لكن أيضا ثمة عوائق صاحبت مشروع النهضة بشكل عام ومنها مشروع الشيخ كما يصفها نصر حامد بمحاولة قائمة على التلفيق “بأخذ طرف من التراث وطرف من الحداثة من دون تحليل تاريخي نقدي لكليهما، وهو النهج الذي سيطر بدرجات متفاوتة على المشروع الفكري النهضوي؛ فأفضى إلى تكريس ثنائية الغرب المادي العلمي المتقدّم والمفلس روحياً، مقابل الشرق المتخلّف ماديّاً وعلميّاً والغنيّ روحياً”.

لوحة: أحمد عبدالعال

وهذا التقييم يقارب النهضة بمعيار نقدي ولكنَّ النهضة على الرغم من هذا كانت تمثل تحوّلًا مهمّا جاء ضمن إشكالية الانفتاح على الآخر ونجد أنَّ هذه الإشكالية قد أفرزت نمطًا جديدًا على الثقافة العربية هو نمط من المثقفين الإصلاحيين المستنيرين، وكيف شكّلوا شكلًا جديدًا يجمع بين المثقف والداعية، وهو أيضا يعرف بالإسلام الحداثيّ، وهو إسلام يتسم بأنه يرى العقل البرهاني أداةً لاكتشاف حقائق الكتاب والسنّة، ويعد العقل مصدراً إلى جانب الكتاب والسنة، بل يحاول الاستعانة بالعقل لإثبات حجية الكتاب والسنة ما يجعله يؤكد على روح الرسالة الإسلامية، لا على ظهورها.

ومن هنا لا يرى أحكام الشريعة والفقه غير قابلة للتغير، بل يعد معظمها من صنع الزمان والمكان والظرف والأحوال الاجتماعيّة والثقافية في المجتمع العربي قبل أربعة عشر قرنا. ويرى التدين في أن يعيش الإنسان حياة أخلاقية قبل كل شيء، والأخلاق المرادة هنا أخلاق خاصة بهذا العالم أي أخلاق إنسانية، فلا يسعى إلى قيام حكومات شرعيّة فقهيّة، ويرى أن المجتمع المدني يمكن أن يقوم في ظل حكومة غير دينيَّة، وغير دينيَّة هنا لا تعني أنها مناهضة للدين. ويعتقد بالتعدديَّة الدينيَّة ويرحب بالتعددية السياسية ويميل إلى التدين الذي يلبّي الحاجات الدنيويّة والمعنوية الأخروية للإنسان، ويدافع عن حضارة الغرب الحديث وعن ثقافته في الكثير من المواطن ويراهما موفّقتين في تلبية الحاجات الدنيوية الماديَّة، التي لا يكفلها الدين للإنسان، أو أنه يرى عدوّ العالم الإسلامي محليا ذاتيا أكثر منه خارجيا وافدا.

وهذا النمط من التدين يمنح الحوار مع الآخر -عبر النقد والتقويم للذات- مساحة واسعة تمنح الذات إمكانية تحديث خطابها بعيدا عن خطابات السلفية سواء كانت تقليدية أم أيديولوجية، والتي باتت اليوم “ثقافة مهيمنة” مفروضة على الفرد مما يجعل من سلوكه رهين رؤيتها ومنهجها وساعتها يكون الفرد خاضعًا لها مسلوب الإرادة لأنَّ الفرد محدد داخل الثقافة المفروضة والمسيطرة التي تعمل على قولبة الفرد عبر التربية والتثقيف في العائلة والمجتمع وعبر فرض سماتها الثقافية. ولكنَّ هذا يخالف المنطق الذي يرى أنَّ الحياة متحركة وفي صيرورة دائمة فلا بد أن تكون الثقافة هي الأخرى بهذا الشكل من التغيير الدائم، فالسكون لا يولّد إلَّا الفاقة الحضاريَّة، وحين نوازن بين ثبات الثقافة وبين ديناميكيتها ينبغي علينا قبل كل شيء أن نعترف بأنّ كلَّ ما في يدنا من وثائق يدل على ديناميكية الثقافة، فالثقافات التي تتصف بالسكون الكامل هي الثقافات الميتة.. فالثقافة ثابتة ودائمة التغيير معا. ومن هنا تمكن دراسة تغيّر الثقافة فقط كجزء من مشكلة ثباتها ويمكن فهم ثباتها فقط حين نوازن بين عاملي التغيير والمحافظة فيها، فالثبات في الثقافة العربية الإسلامية أمر مهيمن تفرضه القراءات الأصولية التي تنفر من الثقافة الغربيَّة وترى فيها أنها ثمرة حقبة ظلامية وحصيلة نأي الإنسان عن أصوله وفطرته المعنوية؛ لهذا يصف الحوار والتناص مع الفكر الغربي على أنه “تغريب” وهو ( تيار فكري كبير ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، يرمي إلى صبغ حياة الأمم بعامة، والمسلمين بخاصة بالأسلوب الغربي، وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفردة وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية)، ولكنَّ هيمنة هذه القراءة الأصولية ترفض الحوار والتأثر وهي تؤثر على من يعيش في فضائها، وتحكمه محدداتها سواء بشكل واع، أم غير واع، من خلال ثقافة المراقبة، والمعاقبة التي تتنوع، وتنغرس عميقا في لاوعي المتلقي، ولهذا نجد أن هكذا ثقافة بكل كوابحها لا بد وأن تؤثر في المثقف “فالتفكير الذي يمارسه المثقف يكون تفكيرا بوساطة ثقافة ما. ومعناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكل إحداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي والنظر إلى المستقبل بل والنظر إلى العالم، والى الكون والإنسان. كما تحددها مكونات تلك الثقافة وهكذا، فإذا كان الإنسان يحمل معه تاريخه شاء أم كره، كما يقال فكذلك الفكر يحمل معه شاء أم كره أثار مكوناته وبصمات الواقع الحضاري الذي تشّكل فيه ومن خلاله”، ولكنَّ هذه الثقافة لا يمكن أن تكون ثابتةً راديكالية، وتحاول العودة إلى الأصول ونسيان الواقع وما يعانيه من مشاكل وأزمات وبحاجة إلى حلول تنتمي إلى العصر وليست غيبية أو مفارقة لحياة الناس، ومن هنا تأتي الحاجة إلى التحديث والمعاصرة ليس فقط بالحداثة الأداتية بل حداثة فكرية عميقة على صعيد العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية أو ما تعرف بعلوم الروح، نعم كانت، وما تزال هناك مصاعب كبيرة مع الغرب، إذ كانت انطلاقته الأولى مع “صدمة الحداثة” وبدايات حملات الاستيطان والاستعمار، أي أواسط القرن التاسع عشر، وصولا إلى سقوط الخلافة العثمانية 1924، لتوقد شعلة هذا الفكر مجددا إبان هزيمة حزيران 1967 وصولا إلى المرحلة الراهنة؛ ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ الحداثة خطاب هيمنة فقط، بل هي بشكل أساس تلك الحقبة من الزمن حيث الحركة المتزايدة للسلعة والأفكار، وتسارع الحراك الاجتماعي ووضع قيمة الجديد في المركز ووضع الشروط من أجل مماهاة القيمة، وأيضا الوجود ذاته مع الجدة. وفي النتيجة فإن الحداثة على رأي الفيلسوف الفرنسي جان بودريار انفتاح كل الفضاءات الفرديَّة والاجتماعيَّة على ما هو جديد وعلى ما يتحقق من خلال التقدم السريع للعلوم والتقنيات، وعلى اللغات اللازمة لكل المعارف وللمعرفة العلمية الأكثر حداثة المرتبطة بكل ما هو مستحدث (وبالمجهول) وزمنها زمن الاستكشافات والفتوحات الرائدة، فالمثقف بين الثقافتين المتحركة الحداثية وبين الساكنة الأصولية سيكون في حالة من القلق فهو يقع بين عصرين ومن هنا نستطيع فهم دور المثقفين المستنيرين الإصلاحيين الذين كانون يدركون الأزمة التي تعاني منها الأمة ومن هنا جاءت دعواتهم الإصلاحية على عكس الفقيه السلفي؛ أو الأيديولوجي التكفيري فيما بعد.

ثمة عوائق صاحبت مشروع النهضة بشكل عام ومنها مشروع الشيخ كما يصفها نصر حامد بمحاولة قائمة على التلفيق “بأخذ طرف من التراث وطرف من الحداثة من دون تحليل تاريخي نقدي لكليهما، وهو النهج الذي سيطر بدرجات متفاوتة على المشروع الفكري النهضوي؛ فأفضى إلى تكريس ثنائية الغرب المادي العلمي المتقدّم والمفلس روحياً، مقابل الشرق المتخلّف

ومن هنا نستطيع النظر إلى الدور الذي قام به المثقف الإصلاحي فهو مثقف مدرك دوره بوصفه معبرا عن ثقافة ومنضويا تحت سلطتها الرمزية حيث هي القدرة على تكوين المعطى عن طريق العبارات اللفظية وحيث هي قادرة على تحويل التأثير في العالم إلى تحويله والتأثير فيه بقدرة سحرية تمكن من بلوغ ما يعادل ما تمكن منه من القوة الطبيعية والاقتصادية بفضل قدرتها على التعبئة، إذ نجد أن المثقف الإصلاحي بالإضافة إلى هذا كان يستثمر الممكنات المتاحة ورمزيتها فمنحته سلطةً معنويةً؛ لكنَّ هذه السلطة لا تعمل عملها إلا إذا اعترف بها بوصفها قوة اعتباطية على المستوى الاجتماعي والثقافي مما يجعل من عمل المثقف عملًا واعيًا نقديًّا سوف يمكنه من “دراسة المسائل الحضارية والثقافية والدينية والعقلية المتعلّقة بإشكالات التنمية والتقدّم والتحرّر والثقافة وتطوير قطاعاتها”. وفي النتيجة لا بد أن يعيد تراتبية السلطة وما تمنحه من حقوق داخل خطابها فالمثقف النقديّ ينقد حالة النكوص وتعريتها التي تعانيها الثقافة العربية اليوم فيمارس دوره ويوسع من مجاله في التغيير؛ لأن السلطة الرمزية لا تتحلى في المنظومات الرمزية في شكل قوة، وإنما في كونها تحدد بفضل علامة تربط من يمارس السلطة بمن يخضع لها أي أنها تحدد بنية المجال الذي يؤكد فيها الاعتقاد ويعاد إنتاجه. إن ما يعطي للكلمات وكلمات السحر قوتها، وما يجعلها قادرة على حفظ النظام أو خرقه هو الإيمان بمشروعية الكلمات ومن ينطق بها وهو إيمان ليس في إمكان الكلمات أن تنتجه وتولده .لأن مهمة المثقف بعد إدراكه دوره في التغيير وأفقه ومجاله في التأثير يتوقف على جهده في النقد التنويري المستنير عبر إزاحته التراب عن المنسي والمغيب ويفضح الارتباطات غير المعترف بها التي تأخذ أشكالًا متنوعة من التأويلات والتوظيفات التي ترتبط بالصراع على السلطة الذي يوظف القديم من أجل محاربة الحديث ليس حبا بالقديم بل حبا بالسلطة ومنافعها، فالمثقف فعلا يعرّي تلك الممارسات ويديم حالة اليقظة المتواصلة وعدم السماح لإنصاف الحقائق من خلال المبالغة بالهوية التراثية ومحاربة التحديث والنقد بحجه التآمر الخارجي لأنَّ هذا سوف يقودنا إلى حالة من التعصب والتكفير وهي حالة أوصلنا إليها هؤلاء المنافحون عن سلطاتهم وإن أخرجوها بأشكالٍ وأدلة دينية. ومن هنا نستطيع أن نحفر في حقبة النهضة والمساحات الفكرية المحروثة طوعا أو كرها من طرف الجيل الأول من مفكري النهضة العربية الذين ولدوا في نهاية القرن التاسع عشر وكان النصف الأول من القرن العشرين مساحةً زمنيةً حيّة لممارستهم الفكرية. وهنا سوف نحاول استعراض هذه الجهود في الثقافة العربية الإسلامية من خلال نماذج ثلاثو مختارة.

ثانيا: نماذج مختارة من الإسلام الإصلاحي

حاول الكثير من الباحثين تحقيب خطاب الإصلاح والنهضة من خلال سرد أفكار وآراء أهم شخصيات ذلك العصر كالطهطاوي وخيرالدين التونسي والأفغاني وشبلي الشميل وفرح أنطون ومحمد عبده ورشيد رضا وطه حسين. والكتاب يعرض من خلال تلك الشخصيات الانطباع الأول لدى العرب عن أوروبا ومن ثم ولادة الحركات القومية والعلمانية والإسلامية في ذلك الزمن.

فنجد أنَّ أفضل النماذج هي المصاحبة للتأثير المعرفي والتي تمتلك رؤية نقدية والتي كان تأثيرها مازال له حضور ومن ناحية ثانية حاولنا تخطّي العامل القومي صوب العقل الإسلامي بكل تنوعاته فوجدنا النماذج الأكثر تمثيلًا هي التي يمثلها كل من الشيخ محمد عبده ومحمد إقبال اللاهوري، فهما يمثلان خطاب الإصلاح والتنوير بشكل عميق الحضور والدلالة.

الشيخ محمد عبده ومنهجه الإصلاحي

كانت تجربة الشيخ مهمة ومفتاحا مهما في التحول والتجديد وقد تجلّى هذا في المنهج عند الشيخ في حرصه على ضرورة الاعتراف بالحاجة التي غدت مُلحَّة إلى إحداث مغايرة في الواقع وما يعانيه من تخلف وتدهور على كافة المستويات، وهذا يتحقق هنا من خلال “فهم الدين بما يتناسب مع فهم الإنسان المعاصر عن العالم والبشرية، يعني جعل جميع الفهوم في ‘مجموعة واحدة’ ومنسجمة وإزاحة كل عناصر الخلل والتعارض وعدم الانسجام فيما بينهما، من خلال تنقيح القبليات لفهم القرآن والسنة والبحث عن إجابة لأسئلة الإنسان المعاصر من النصوص الوحيانية للدين، وعدم الاكتفاء بما طرحه القدماء من أسئلة وأجوبة والتحرك برؤية جديدة لفهم الوحي”؛ فإن هذه الرؤية التي تربط بين النص وأُفق التلقي للنص حيث يحدث انصهار آفاق في الواقع المعاصر يؤكد على ضرورة الارتباط للتجديد بمبادئ الإسلام وهذا يقتضي على وفق رؤية الشيخ ومنهجه الإصلاحيين أن يجمع بين إعادة ماهية الإسلام الحقيقي وتطهير الإسلام من البدع والضلالات التي علقت به والعودة به إلى أصوله الأولى مما يعني الثورة على التقليد والمقلدين الذين سلبوا دور العقل وأغفلوا طريق البحث والعلم من ناحية، ومن ناحية ثانية النظر في مقتضياته بالنسبة إلى المجتمع الحديث. وهنا تظهر معالم التجديد واضحةً كأُطروحة تقوم على جدلية تجمع بين الأصالة والمعاصرة وهكذا كان منهجه يعمل على التوفيق بين المبادئ الإسلامية وبعض الأفكار الغربية فيرى عبده أن مصطلح المصلحة عند المسلمين يقابل المنفعة عند الغربيين، وأن الشورى تقابل الديمقراطية وأن الإجماع يقابل رأي الأغلبية. ولدى معالجته إشكالية السلطة أكد عبده على أنَّه لا يوجد حكم ديني (ثيوقراطية) في الإسلام، معتبرا أن مناصب الحاكم أو القاضي أو المفتي مناصب مدنيَّة وليست دينيَّة. ودعا في هذا المجال إلى إعادة إحياء الاجتهاد للتعامل مع الأولويات والمسائل الطارئة والمستجدة على الفكر الإسلامي، وهذه الدعوة في حقيقتها دعوة إلى استعادة الدولة المركزية، دولة الإنماء والتوزيع وإن صاغها بعبارات النهضة وأجهضت تماما على أيدي قوات الاحتلال. وهذا يفترض الربط بين التغيير والتقدم؛ لكونهما حالة واحدة لا تنفصل الواحدة عن الأخرى؛ لأنَّ أيَّ بناءٍ لا يمكن أن يتم إلَّا من خلال إصلاح الأفراد الذين إذ ما صلحوا فإن المجتمع سيكون صالحاً أيضا، ولا شك أنَّ إصلاح الأفراد مطلب اتسمت به المرجعيات الدينية في الشرق التي تجد التغيير يبدأ بالفرد نفسيا ودينيًّا، والتجديد بمعناه الغربي يقوم على تغيير العالم حتى يتفق مع حاجات الفرد ورؤيته، ولكنَّ عبده لم يهمل في رؤيته تلك الأفق الواقعي وارتباطاته الاجتماعية والعلائق التي يقيمها مع التراث، إذ هذه المقاربة كانت تدرك الحراك الذي حدث في مسيرة المجتمع والدولة ومشاريعها التحديثية فقد تركت أثرها في ظهور نمطين من التعليم بين المناهج الحداثيَّة في المدارس والمؤسسات التربوية التي أقامتها الدولة في مسيرته التحديثية وهي تقلد المناهج الغربية وتسير على منوالها وبين المؤسسات الموروثة من التراث متمثلة في المؤسسات التعليمية الدينيَّة وهذا الأمر ولَّد تيارين، الأول متأثر بالفكر والحداثة الغربيين ويعمل على التبشير بهما فهو جيل اعتمد على العلوم العصرية وتبنّى فكرة تحديث المجتمع وآمن بالتغيير أسلوبا ومنهجاً في الميادين الفكرية والعملية، والآخر جيل ينتمي إلى التعليم التراثيّ الدينيّ. فقد حاول الشيخ أن يحيي جزءًا مهمًا من التراث الذي تعرض إلى البتر والنسيان بفعل هيمنة الخطاب السلفيّ الذي مارس عملية الإقصاء وبعثرة الجوانب المهمة والنقدية من التراث وعمل بهذا على تقزيم دور العقل وإلى جانب هذا الأمر كانت السلطة المهيمنة تدعم الاستخدام النفعي للدين في سبيل تدعيم مصالحها السياسية وهناك رغبات ومصالح طبقية وفئوية تدعم هذا التوجه وتغذيه، فالنتيجة واحدة وهي تحويل الإسلام إلى أداة من الأدوات واختزاله في وظائف وغايات ذات طبيعة دنيويَّة متدنية، وهنا نجد الشيخ كان يحث على إحياء الجانب العقلي من التراث الذي تعرّض إلى الإقصاء والبتر ولهذا كان الشيخ يحث على أهمية العلوم الكلامية والدعوة إلى تلقي العلوم العصرية، فكتب عبده رسالة التوحيد وعدة مقالات طرح من خلالها في إطار قناعاته، ما رآه صالحاً لتدارك حالة الضعف التي انتابت الأمة. فهذا الجهد الإصلاحي في إحياء الجانب العقليّ كان يعاضده في الوقت نفسه نقده للجانب المتشدد أو المتعالي من تلك المدارس الكلامية التي مارست البتر لكل ما هو عقليّ مستثمرةً عهود الانحطاط وهيمنة الاستبداد في محاربة التأويل العقليّ للنص وإنكاره.

لوحة: بهرام حاجو

وهنا ندرك أنَّ الاجتهاد والإصلاح الحداثيين كانا متميزين على الإصلاح الأصولي بالعودة إلى الأصول الذي كان من أهم دعائمه ابن تيمية، وبين الموقفين تباين في المنهج فمنهج عبده كان يمثل مرحلة متقدمة عمّا كان عليه منهج ابن تيمية (1263-1328)؛ لأن الأخير كان منفتحًا على العصر ومستجداته؛ على الرغم من تأكيده على الشريعة وهذا لا شك يقود إلى التأسيس العقليّ الإصلاحيّ للدين، وانعكاس آثاره على حياة الناس من خلال منهج عقلي قويم من لزومياته التأكيد على إشاعة العقلية وعلومها مما يقود إلى “أن نبني المجتمع الصالح الذي يمتثل لأوامر الله ويفسرها تفسيراً عقلياً، وعلى وفق الصالح العام”، ومن لزوميات تلك العقليَّة تأتي الحاجة إلى التأويل العقليّ للنص، وهو ما أكد عليه الشيخ بضرورة “إعادة تأويل شريعتهم بما يجعلها تتكيف مع متطلبات الحياة الحديثة، فالله حسب وجهة نظره، لم ينزل سوى مبادئ عامة تاركاً للعقل آمر تطبيقها على قضايا المجتمع الخاصة”.. فلا شك أنَّ في هذا الأمر جانبًا إحيائيًّا للفكر العقليّ عند المعتزلة “فإن العبد يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته. إن قدرة الله هي مرجع لجميع الكائنات، وأن لا شيء سوى الله يمكن أن يمد العبد بالمعونة فيما لم يبلغه كسبه”. ولكنَّه أيضا يضيف له أفقا آخر يتجاوز البعد القسري للقراءات الأصولية إلى تأكيد البعد الروحي؛ لهذا حاول الجمع بين العقل الذي ينظر في الغايات والأسباب والمسببات والوجدان الذي يقع على مشاهدات الحس الباطن وعلى الحدوس الشعورية والوجودية المباشرة. وقد تجلّت تلك الرؤية الفكرية بشكل عملي حين أصبح الشيخ مفتيا عاما للديار المصرية سنة (1899م)، فهذه المكانة منحته دورا فاعلا أكبر في جهاز الشرعيَّة الدينيَّة، حيث سيتيح له هذا الموقع دورا اجتهاديا أهّله وفوّضه لإصدار فتاويه الشهيرة التي فتحت أبواب مصر مشرعة أمام الحداثة، وهي الفتاوى التي أباحت إيداع الأموال في صناديق التوفير وأخذ الفائدة عليها، وحليّة ذبائح أهل الكتاب، وجواز ارتداء ملابسهم، وهذه الفتاوى أحدثت في زمنه حوارات ومساجلات تتجاوز حدود مصر إلى العالم العربي والإسلامي، نظراً لأهمية مصر الدينيَّة من خلال النفوذ العلميّ للأزهر إسلاميا والموقع الذي كان يحتله الإمام في العالم العربي والإسلامي. إذ أخذ يستفيد من خبرته في تفسيره العقليّ العصريّ للقرآن، ليقدم التفاسير التشريعيَّة التي تستجيب لتحديات العصر، وتتيح لمصر أن تلج العالم الحديث ليس على مستوى المكان فحسب بل وعلى مستوى الاندراج بالزمان، لتجاوز الفوات الحضاري الهائل بين المجتمع العربي والإسلامي من جهة والمجتمع الغربي الأوروبي من جهة ثانية، الفوات المتمثل بذلك التناقض بين وجود الأمة في المكان المعاصر مع وجودها -في الآن ذاته- في الزمان الغابر، فكانت فتاوى محمد عبده مصريًّا وعربيًّا وإسلاميًّا تمثِّلُ انتقالًا بالزمان القروسطي الذي يعيشه العقل العربي والإسلامي لكي يتطابق مع مكان العالم الإسلامي الذي يحتله بضرورة الجغرافيا في العالم الحديث. في الفترة التي كان يطلق فيها فتاويه الاجتهاديَّة حياتيا واجتماعيا ومعاشيا كان يلقي دروسه في تفسير القرآن الكريم في الجامع الأزهر من يونيو(1899م حتى رحيله سنة 1905م)، ليصدم العقل الراكد في بحر الأساطير بمنهجية تستند للعلوم الطبيعية في التفسير والتأويل، إذ نجد هناك روحًا علميةً هيمنت في ظل عصر النهضة وتركت ظلها ممتدًا على الواقع الإسلامي في نظرته للنص وهذه الروح ظهرت عند الشيخ محمد عبده، وكان للشيخ عبده استقلاليَّة في الفكر والنظر فهو يرى “أن للفيلسوف رأيا ومذاهب في العقليات والاجتماعيات يمكنه الاستدلال عليه والمدافعة عنه”.

ويمكن أن نستخلص مما تقدم أن المنهج التجديدي عند عبده يتحدد بأربعة محاور أساسية، أولها: الثابت وهو النص فيكون منسجماً مع هذا التجدد، وثانيها: المتغيّر، ويرى عبده ضرورة القبول بواقع التغيير لأنَّ هنالك قضايا استجدت من خلال تطور الواقع، وهذا يمكن أن يجعل المسلمين في حرج أمام ضغط هذا الواقع، إذن هو يهتم باستعادة واقع الإسلام على حقيقته، واعتبار ما يتضمنه لمصلحة المجتمع الحديث فهو يطالب بالمجتمع المثالي الذي يخضع لأوامر الله ويحاول تأويلها بالرجوع إلى العقل في ضوء المصلحة العامة، وثالثها: العقل، وجعل عبده من شروط العقل ليكون مساهماً في التجديد هي الحرية الفكرية وان يكون متحرراً من قيود التقليد والتبعية والبدع والضلالات، ورابعهاً: اللغة، ورأى في لغة العرب أداة مهمة على طريق التقدم والرقي، وأدان ما جناه الجمود على اللغة، وأثّر فيها تأثيراً سلبياً، فضلاً عن تأثيره على الأمة ونظمها الاجتماعية وشريعتها، وطالب بضرورة التنوير في ظل الضوابط الإسلامية.

السلطة الرمزية لا تتحلى في المنظومات الرمزية في شكل قوة، وإنما في كونها تحدد بفضل علامة تربط من يمارس السلطة بمن يخضع لها أي أنها تحدد بنية المجال الذي يؤكد فيها الاعتقاد ويعاد إنتاجه. إن ما يعطي للكلمات وكلمات السحر قوتها، وما يجعلها قادرة على حفظ النظام أو خرقه هو الإيمان بمشروعية الكلمات ومن ينطق بها وهو إيمان ليس في إمكان الكلمات أن تنتجه وتولده

محمد إقبال اللاهوري منهجه الإصلاحي

كان هذا المفكر يقدم نقدًا لما هو سائد من الأفكار التي هيمنت وجعلت المسلمين في الهند يعتزلون أو تم إقصاؤهم من الاحتلال البريطاني بعد الثورة (1857م) إذ بدأ الاحتلال يغلب العنصر الهندوسيّ ويقصي العنصر الإسلاميّ من المشاركة في إدارة الدولة، ومن هنا كان هناك حراك كبير من المصلحين المسلمين سبقوا إقبال -وأثّروا فيه- كان هدفهم ينصب في دفع المسلمين في الهند إلى اكتساب الثقافة الغربية الحديثة حتى لعبوا دورا فاعلا في حياة بلادهم، وقد تأمل إقبال في حال المسلمين بالمقارنة مع الحداثة الغربية فجاء بحثه منصبًا على عوائق العالم الإسلامي بإزاء تقدم الغرب فكان يرجعه إلى “تحجر الذهني” للإسلام؛ وتحوّل الدين إلى مؤسسة شعائر في زمن إقبال نجدها حيث “هدر الكرامة البشرية وإكراه الإنسان على معتقدات وطقوس وشعائر وأوامر، تنفر منها طبيعته وجسده وروحه وضميره وقلبه وعقلة”. وما أسعدنا في مثل هذه الكارثة المتشبعة بالشك والغضب أن نسمع صوت إقبال المتحمس والصادق معا. إنه صوت روح متجذرة بعمق في الوحي القرآني، ولهذا السبب بالذات مفتوحة على كل الأصوات الأخرى، باحثة فيها عن مسار إخلاصها لأصولها. إنه صوت إنسان تجاوز كل تقوقع على الهوية، و”حطم كل أصنام القبيلة والطبقة” من أجل مخاطبة كل البشر. فقد كانت تجربة إقبال مهمة في قراءته التراث والفكر الغربي وبحثه عن صلات كونية تحقق الفائدة للطرفين بخطاب نقدي دينامي فقد استوعب إقبال مفهوم الإنسان الأعلى في سياق مقولة “الإنسان الكامل” المعروفة في التقليد الصوفي.

أولا: رؤيته في فلسفة الذات: يمكن أن نتلمس منهجه النقدي في رؤيته المتمثلة في “فلسفة الذات” فقد كان هناك فكر جديد وملامح كلام في العقيدة مختلف يوجد في التصوف والتأويل الشجاع للتراث وله اطّلاع على الثقافة الحداثة الغربية؛ ولكنَّه كان في هذه الحقول الثلاث ناقدًا ومبدعًا في اختياراته مما جعل منه رجلًا يحمل رؤية تجديدية يراعي ثوابت التراث العقائدي ولكنَّه أيضا يمارس فعالية نقدية وحوارية معا فهذا ما نجده كامنا في القوة في مفهوم التجديد تجديد الشيء فيعني صيّره جديدا و”التجديد إنشاء شيء جديد أو تبديل شيء قديم”. فهذه الممكنات تحوي مشروعا يقوم على الإحياء والجدة في القراءة التي تدرك أفقها وانصهار الآفاق بينها وبين الآخر سواء كان التراث أم الآخر الغربي وقد انعكس هذا في رؤيته النقدية وتصوره للذات وجدليتها مع الجماعة والكون، فهذه القراءة تعد أهم محاولة ولعلّها المحاولة الوحيدة لتأويل الإسلام تأويلاً فلسفياً معاصراً هي تلك التي قام بها مفكر هندي آخر وشاعر ذو حسّ مرهف وعالم واسع الاطّلاع على الفلسفة وهو محمد إقبال. وبعد تناولنا تصورات إقبال للفرديَّة وصولا إلى الخلافة التي يمثلها الإنسان، نحاول أن نقف عند موقف إقبال في مشروعه التجديدي فهو القائل “ولقد حاولت في هذه المحاضرات، (….) بأن أحاول بناء الفلسفة الدينية بناء جديدا آخذا بعين الاعتبار المأثور من فلسفة الإسلام، إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في نواحيها المختلفة. واللّحظة الراهنة مناسبة كل المناسبة لعمل كهذا”.

نستطيع أن نفهم أطروحته التي كانت تقوم على رفض الجمود والسكونية في التراث وإحلال منطق مختلف عن المنطق الصوري السكوني الأرسطي والجبريَّة الفقهيَّة؛ ولكن من أجل تأصيل المنهج التجديدي عند أحد أعمدة التجديد في الإسلام في القارة الهندية نجد من الضرورة تحديد الأُطروحة المركزية الفكرية التي انطلق منها محمد إقبال والتي أجملها في خطوط عامة هي:

1- إن جوهر التوحيد يتضمن تنظيم الحياة الاجتماعية. فيرى معنى خاصا في التكامل الاجتماعي للإنسان، ويعتقد أنَّ الأصول الثلاثة الحرية والمساواة والمسؤولية المشتركة يجب أن نفهمها في كل عصر بما يتناسب مع مقتضيات ذلك العصر، حيث تظهر على شكل روابط وقوالب حقوقية ومؤسسات اجتماعية.

2- إنَّ الإسلام يرى في عالم الطبيعة والمادة ميدانا لتجليات الله، ومن ثم فإن كل أمر دنيوي يمد جذوره الوجودية إلى القداسة، فكل شيء مقدس. بالإضافة إلى الطبيعة يأتي التاريخ حيث تتجلى آيات الله في ثلاثة منابع هي الطبيعة والتاريخ والوحي. بمعنى أنَّه يدرك دور الدين في تماسك المجتمع ولكنَّه يدرك أن هذه السكونيَّة بحاجة إلى حراك فكري ومجتمعي وهذه هي الصيرورة التي تراعي تجليات الله في الطبيعة والتاريخ ومن ناحية أخرى مراعاة المنجزات العلمية التي تحيلنا من السكونيَّة إلى الحركة ومن الكلية إلى الحياة اليومية من دون نزع علاقتها وفي النتيجة هذه الأطروحة حضرت في عمق في المنهج والرؤية لدى المفكر إقبال.

ثانيا: المنهج التجديدي عند إقبال: نستطيع أن نتلمس منهجه في التجديد وتأويل النصوص تأويلًا يتناسب مع الحاجة التي يفترضها، فقد جاء منهجه جامعًا بين الدين وطابعه الوجداني والعقل ومنهجه الاستدلالي بكل ما جاءت به العلوم المعاصرة إذ جاءت تلك العلاقة الجدلية برؤية نقدية للتراث وما جاءت به القراءات التاريخية للمسلمين من خلال انفتاحهم على غيرهم من ناحية وتحدياتهم التاريخية وقتها وما قادهم من ثمة إلى تأويلات للنصوص ومن هنا نستطيع أن نقارب هذا الجهد من خلال جمع إقبال وما أحدثه من تلاحم وتواشج فعال ظهرت عبقرية محمد إقبال الفذة، فبرز في ميداني العقل والوجدان معا “حتى إنك لتجد في إنتاجه العلمي نبض الحياة، كما تجد في إنتاجه الروحي حقائق العلم وثمرات اليقين في انسجام وتكامل. وعلى الرغم من أن الكثيرين من المهتمين بآثاره قد سمّوه حقا بالشاعر الفيلسوف أو الفيلسوف الشاعر إلا أننا نرى فيه أيضا متنبِّئًا ثاقب الفكر، يمتلك حدس الفنان وقدرته على تشخيص مسيرة الحياة في القارة الهندية والمجتمع الإسلامي بأكمله”.

الاجتهاد والإصلاح الحداثيين كانا متميزين على الإصلاح الأصولي بالعودة إلى الأصول الذي كان من أهم دعائمه ابن تيمية، وبين الموقفين تباين في المنهج فمنهج عبده كان يمثل مرحلة متقدمة عمّا كان عليه منهج ابن تيمية (1263-1328)؛ لأن الأخير كان منفتحًا على العصر ومستجداته؛ على الرغم من تأكيده على الشريعة وهذا لا شك يقود إلى التأسيس العقليّ الإصلاحيّ للدين

فإقبال الذي كان ينشد إحداث انقلاب حقيقي يحرّر الأمَّة من هيمنة الماضي التقليدي الذي خدم الأمة في وقت من الأوقات في الحفاظ على هويتها في مواجهة الاحتلال والتمييز والإقصاء ولكنَّها اليوم أصبحت عقبه كبيرة أمام النهضة فرؤية إقبال تنشد تجاوز السكون إلى الوثبة التي تقود إلى نفي التقليد وتحيي الأصل وتنفتح على الجديد اعتزازا بالذات والعمل على إحداث التطور المبدع الذي لا بد أن يقود إلى نوع جديد يتجاوز الدوران حول أنفسهم في حلقة مفرغة يعيشون داخلها.

فكان لا بد لهذا الجهد الإصلاحي التجديدي أن يحدث أثرا في الأمة يجعلها تتفاعل معه وتستجيب إلى ندائه الإصلاحي، مما يدفعهم إلى تحطيم أغلال التقليد اجتماعيا ودينيا وإخراجهما من التقوقع إلى التحرر والتجديد.

وهذا الموقف الحيوي كان يلزمه نقد ما هو متحول في الفهم الإسلامي من القراءات التاريخية التي جاء بها المسلمون في تلك الأزمنة والتي منحت الزمان ثباتًا دائمًا واستبعدت التحولات وتاريخيتها وهي فكرة موجودة في فهم المسلمين للزمان الثابت، وانطلاقا من فرضية إقبال الأساسية التي تجمع بين الجوهر للاجتماعي للدين ومشروع الإسلام في التجديد على الصعد الثلاث “الطبيعة والتاريخ والوحي” نجده يقدم تصورًا حيويًّا للزمن مخالفًا للرؤية التراثية القائمة على الثبات التي تجلت في الفهم التقليدي للإسلام ” لمقولة القدر” وتجلت في فهم الفلاسفة للتصور الماهويّ الثابت كما نقلها الفلاسفة المسلمون من الفلاسفة اليونان.

ثالثا: الزمن بين الثبات والتحول: في مجال الزمن هناك تصور جديد نقديّ عن مفهوم الزمن في الفكر الإسلامي سواء كان ذلك لدى الفلاسفة أم علماء الكلام ممن تركوا تصورًا جبريًّا عن القدر فهذا التصور النقدي للزمن يعود إلى الثوابت التي وجدناها في أطروحة إقبال عن العلاقة بين المقدس والطبيعة والتاريخ والوحي فهذه الثلاثية دفعت إقبال إلى استثمار فهم حيوي للزمن مختلف عن التصور الثابت الأرسطي الذي انتشر في العالم الإسلاميّ وأصبح جزءًا من اللاهوت الإسلاميّ، ومن هنا نفهم دعوة إقبال إلى إعادة بناء الفكر الدينيّ الإسلاميّ عبر تأسيس علم كونيّ غير ثابت بل دينامي. والمدهش هو أن تكتشف أن مشروع إعادة تأسيس الإسلام يستند -بنوع من الحوارية الفاتنة بين التراث والحداثة- إلى فلسفة هنري برغسون التي درسها إقبال في بيركلي، والذي التقاه إقبال بباريس سنة 1931، فهذا الفهم يقوم على المقاربة العلمية المعاصرة للزمن كما سبق التطرق لها فهي خلقت قطيعةً مع الفهم الأرسطي وقالت بفهم جديد يظهر فيه الزمن بوصفه الديمومة، فنجده استعار من برغسون الذي يرى جوهر الواقع في الحركة، فالمادة عنده ليست شيئا لا يتغير يكمن خلف الأشياء، وإنما هو نظام لحلقة متتابعة من الأحداث.وهو ما تجسد في مفهوم التطور الخلاق، ومفهوم الطبيعة بوصفها موجاتٍ متواصلة من الحركات الخلاقة. فهذا الفهم الجديد منح إقبال إمكانية مغادرة التأويلات الفلسفة الإسلامية ذات التصور المستفاد من أرسطو فإنه تمكّن من توظيف هذا التصوّر في تأسيس تأويل جديد للدين. وفي وقت كان الدين في الغرب يحاول كانط أن يخضعه إلى حدود العقل نجد إقبال يحاول العكس أن يؤسس له تأسيسا ديناميكيا قوامه الرؤية العرفانيَّة التي تشكل إضافةً نقديَّة للفهم العرفانيّ الإيراني والتصوف الهندي، وقد جاء بمزيج يربط فيه علوم الطبيعة والفلسفة والتصوف ارتباطا عميقا. ففلسفة إقبال هي فلسفة الحياة الشاملة السائرة في ضوء الإيمان من دون خوف، وقد جَلَّى هذه الفلسفة في كتابه “أسرار خُودي = أسرار ذاتية” الذي أراد من خلاله خَلْقَ شخصية إسلامية معاصرة تعمل تحت تأثير القرآن الكريم والنظريات الصوفية عن الإنسان الكامل، يقول “إن الذاتية أساسُ الحياة، فالله تعالى ذات، والإنسان ذات، وحياة الإنسان تتجلى في هذه الذاتية”. فبنى إقبال فلسفته على الذات ودعا إلى إثباتها وتربيتها وتقويتها، كما يرى القارئ في أسرار عَنى الشاعر في هذه المنظومة. أسرار الذات الخلاصة التي قدمتُها من منظومة بالاعتراف بالفرد، والإيمان بقواه الكامنة، وبما تفعل هذه القوى في هذا العالم خودي إذا أثُيرت.

رابعا: تأويل الكون تأويلا روحياً: التجديد كان يعتمد منهجا إصلاحيا روحيا سمّي بالنظرية الذاتية، وهي تقوم على أركان محددة، فهذا التأويل يتجاوز التأويل الصوفي السلبي صوب التأويل الصوفي الإيجابي الذي يُحيي الذات ويبلغ بها أعلى المقامات فالحياة مستمرة وبذلك تتجلى قوى الذات الحقيقة، لأنَّ الإنسان في صميم كيانه قوة روحية مبدعة ومتصاعدة تنمو في سيرها من حالة وجودية إلى أخرى، وبهذا هو يتجاوز التأويل السلبي للتصوف القائم على موت الذات ونكرانها، فعلى الرغم من أنَّه ينتهج منهجا صوفيا ايجابيا يقوم على تربية الذات بالطاعة وضبط النفس بحيث تتأكد صلتها بالسماء وتنطلق من عمل موصول لا يعرف الكلل، عندئذ تستطيع الذات الابتعاد عن السلبية التي ألفتها من جراء تأثير التصوف الهندي القديم والتصوف الأعجمي اللذين يتسمان بالسعي إلى محق الأنا أي الذات بتجاوزها وترك العمل.

نجده يعتمد على التجربة الذاتيَّة أو ما يعرف بالتجربة الدينيَّة التي عدَّها مصدرًا من مصادر المعرفة المستقلة عن الحواس، ثم يعمل على الجمع بين حقلين كانا يعدان مستقلين في الأفهام الإسلامية بين الصوفية والسلفية، والفلسفة والعلم الغربيان من ناحية أخرى إذ “نحت ممراته الخاصة التي قادته شيئا فشيئا إلى أرضه الفلسفية الروحية التي لا تشبهها أرض أخرى”.

وهكذا يمكن أن نفهم تصور إقبال للذات وعلاقتها بالمجتمع لكن ما العوامل التي تقوّي الذات وما العوامل التي تضعفها؟ سؤال افتراضي ولكنَّه مهم في البحث عن عوامل القوة وعوامل الضعف، وفي النتيجة نحن أمام تحليل نفسي وطريقة صوفية تقوم على التأمل والعمل معا في تدريب المثقف وجعله مثقفًا واعيًا مدركًا عوامل النقص التي عليه تجاوزها وعوامل القوة التي عليه إدراكها وتفعيلها في نظرة إلى ذاته وعلاقتها بعالمها بصورة نقدية، وقد صنّف تلك العوامل فنجدة يؤكد على العوامل التي تقوي الذات وهي الحب والعشق والفقر والشجاعة والنشاط الخلاق. والعوامل التي تضعف الذات هي الخوف والتسول والعبودية وإنكار الذات.

الخاتمة

غياب أصالة النقد للذات ساهم في هيمنة الماضي على الحاضر وهيمنة القراءة الأيديولوجية التي توظّف الخطاب التراثي مما جعل حضورها بشكل كبير في الفكر المعاصر بثلاثيته الماركسية والقومية والإسلامية.

غياب الحوار الجاد مع الآخر وتحويل الصراع الداخلي إلى صراع مع الآخر الغربي ساهمت فيه كراهية الغرب والوفرة المالية التي جاءت مع النفط ساهمت في المحافظة على حالة التخلف الحضاري والمنهجي.

إنّ جلَّ ثقافتنا سكونية لا يصيبها تغيّر عميق بل هيمنت عليها الخطابات الاستهلاكية لقد كانت هناك حالة انفصام يعانيها عالمنا العربي في علاقته مع الحداثة وما بعدها في ظل العصر الرقمي إذ جعل عالمنا لا ينتج إلَّا خطابًا أصوليًّا معولمًا يتجاوز الثقافة ويسعى إلى خلق أصولية متشددة.

وجاءت محاولتنا في هذا البحث عن خطاب إصلاحي ظهرت فيه الكثير من نقاط الأصالة التي تعرضت إلى المحو من خطابات الهوية المتشددة.

فكأنَّ الإصلاح ليس حالةً فكريةً طارئةً، بل هو الفكرُ ذاتُه في تجاوبه مع الأصول التي ينبع منها ويتجاوب معها بوسائله الخاصّة. منها عقلية تقوم على التأويل العقليّ للنص ومحاولة الجمع بين العقل الذي ينظر في الغايات والأسباب والمسببات والوجدان الذي يقع على مشاهدات الحس الباطن وعلى الحدوس الشعوريَّة والوجوديَّة المباشرة.

إنَّ المنهج التجديدي عند عبده يتحدد بأربعة محاور أساسية أولها: الثابت (النص فيكون منسجماً مع هذا التجدد). وثانيها: المتغير، يرى عبده ضرورة القبول بواقع التغيير؛ لأنَّ هنالك قضايا استجدت من خلال تطور الواقع، وهذا يمكن أن يجعل المسلمين في حرج أمام ضغط هذا الواقع، إذن هو يهتم باستعادة واقع الإسلام على حقيقته، واعتبار ما يتضمنه لمصلحة المجتمع الحديث فهو يطالب بالمجتمع المثالي الذي يخضع لأوامر الله ويحاول تأويلها بالرجوع إلى العقل في ضوء المصلحة العامة. وثالثها: العقل، جعله عبده من شروط العقل ليكون مساهماً في التجديد هي الحرية الفكرية وأن يكون متحرراً من قيود التقليد والتبعية والبدع والضلالات. ورابعها: اللغة، رأى في لغة العرب أداة مهمة على طريق التقدم والرقي، وأدان ما جناه الجمود على اللغة، وأثر فيها تأثيراً سلبياً، فضلاً عن تأثيره على الأمة ونظمها الاجتماعية وشريعتها، وطالب بضرورة التنوير في ظل الضوابط الإسلامية.

أمَّا تجربة إقبال فقد كانت قراءته للتراث والفكر الغربي وبحثه عن صلات كونية تحقق الفائدة للطرفين بخطاب نقدي دينامي فقد استوعب إقبال مفهوم الإنسان الأعلى في سياق مقولة “الإنسان الكامل” المعروفة في التقليد الصوفي.

ويمكن أن نتلمس منهجه النقدي في رؤيته المتمثلة في “ فلسفة الذات” فهناك فكر جديد وملامح كلام في العقيدة مختلفة في التصوف والتأويل الشجاع للتراث واطّلاع على الثقافة الحداثة الغربية؛ فكان في هذه الحقول الثلاثة ناقدًا ومبدعًا في اختياراته مما جعله رجلًا يحمل رؤيةً تجديديةً وهذا التجديد يراعي ثوابت التراث العقائدي. ومن الضروري تحديد الأطروحة المركزية الفكرية التي انطلق منها محمد إقبال والتي أجملها في خطوط عامة هي:

- أن جوهر التوحيد يتضمن تنظيم الحياة الاجتماعية فيرى معنى خاصا في التكامل الاجتماعي للإنسان، ويعتقد بأن الأصول الثلاثة: الحرية والمساواة والمسؤولية المشتركة يجب أن نفهمها في كل عصر بما يتناسب مع مقتضيات ذلك العصر، حيث تظهر على شكل روابط وقوالب حقوقية ومؤسسات اجتماعية.

- أنَّ الإسلام يرى في عالم الطبيعة والمادة ميدانًا لتجليات الله، ومن ثم فإن كل أمر دنيوي يمد جذوره الوجوديَّة إلى القداسة، فكل شيء مقدس.


كاتب من العراق