الشعرية العربية ومراثي الأسئلة

عقدة قتل الابن في علاقات الشعر والشعراء

الجديد  علي حسن الفواز [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(44)]

لوحة: أحمد أبو زينة
السؤال الشعري سيظل مثارَ جدلٍ مفتوح، ليس لأنه سؤالٌ بالمعنى الأنطولوجي بقدر ما أنه يفتحُ مجالاً لمقاربة كثيرٍ من عُقد “المقموع والمسكوت عنه” في التاريخ وفي السيرة وفي الذاكرة، وأحسب أن تاريخنا غامر بسيرة طويلة من تلك العُقَد ومن مراثي أسئلتها، ومن “قتولات” الأبناء والآباء، بدءا من سطوة زهير بن أبي سلمى في نظرته للقصيدة الحولية، وانتهاء بأسئلة أبي تمام و”عقد قتل الابن” في شعريتنا الحديثة، والتي أثار السؤال في جوانب منها الشاعر نوري الجراح في افتتاحية مجلة “الجديد” العدد 33 أكتوبر 2017.

العلاقة بين حركة التجديد النقدي وبين التحولات الحادثة في القصيدة ليست علاقة بريئة، فهي وليدة علاقةِ وعي مشوش، مثلما هي وليدة علاقة “قتل/محو” متبادل، فلا يمكن التعاطي معها بوصفها تلازما معرفيا وتاريخيا. فالنقد رغم توصيفه المعرفي والثقافي، يظلّ ممارسةً “رقابية” يتداخل فيها السياسي والثقافي والتعليمي والأيديولوجي، بعكس الشعر الذي ظل مسكونا بكثير من الأوهام، وربما عمد كثير من الشعراء إلى تسويق تلك الأوهام المهيجة، باعتبارها تهريبا للوعي المضاد، أو صناعة متعالية في الكلام، أو حتى تأطيرا لا واعياً لمفهوم ديوان الأمة، إذ هو يدخل في يوميات من خلال المدائح والمراثي والهجوات، والنبذ خارج عصابها. وحين وجد الشاعر المتورط بالحداثة نفسه أمام لعبة الخروج الاضطراري عن هذا التاريخ وعن اللاوعي الجمعي بدأ يبحث عن واجهة أخرى لعلاقته بالكتابة الشعرية وبيومياتها الجديدة وبعلاقته الإشكالية مع السلطة وقيمومتها على الرأي العام، كذلك مع النقاد الآباء أولئك الذين اكتنزوا قاموسا ضخما من الوصايا والأبوة المُفرِطة، حدّ أنّ وعيَ الشاعر المغامر والمفارق والعبثي أحيانا بات مرهونا بقدرته على الخروج على تلك الوصايا والتماهي مع الشغف بالقصيدة الجديدة وبنفورها عن السياق العام بوصفها قصيدة شخصية وحلمية تساكنها لذة التمرد والصخب، حيث يكون الشاعر في طقوسها أنويا، وله غواية الانحياز إلى غرائزه وإلى الإشهار عن أسئلة “وعيه الشقي” وربما وعيه المُربَك والمصدوم، فضلا عن انحيازه إلى لعبة الوظائف العلنية والسرية تأويلا وتحزّبا وتأدلجاً.

الشعر بين التجديد والتغيير

تُثير قراءة نوري الجراح شجن البحث عن هوية الشاعر الذي يشبه قصيدته، والناقد الذي يملك أهلية القراءة الفاعلة، وهذه بطبيعة الحال موضوعة إشكالية على المستوى التاريخي وعلى المستوى الثقافي، لأنّ الظاهرة الثقافية ليست بعيدة عن “البنى الفوقية” كما يسميها الماركسيون، والتي لا تنفصل عن بنى تحتية رثة ومتخلفة، والتي تؤشر على مدى التناقض بين الشاعر وبيئته وجمهوره، أو بين الناقد ومجاله التداولي الذي لا يستهلك الشعر بقدر استهلاكه لفاعليات الفقه والفرجة والحكايات.

ولعل السؤال الخطير والعبثي، كما يسميه الجرّاح، عن جدوى البحث في “تطوير الشعر، وتغيير الشعر” يرتبط بتلك الصراعات الكبرى، مثلما يعكس -في جوهره- أزمة الوعي الإشكالي والمتناقض للشاعر إزاء كلّ ما يجري، وما يواجهه من رعبٍ إزاء الهواجس التي تُقلِقه والتي تضعه عند حافة الوجود واللغة، حيث يحاول تحت ضغط وعيه القلق، وربما تحت ضغط “الموجهات والشائعات الثقافية” أنْ يمارس ما يسميه بـ”حقه” الشخصي في التعبير، وفي رصد تحولات جسد القصيدة، القصيدة النافرة عن النسق والتي تصطنع لوجودها معنىً من الصعب أنْ يطمئن إليه النقاد المسلكيون. وكأنّ هذا القصيدة المغامرة تبحث عن ناقد يشبهها، لا وصايا بين يديه، ولا معايير له عن “طبقات الشعراء وفحولهم” وهذا ما جعل صناعة القصيدة ومنذ الستينات والسبعينات من القرن الماضي وكأنها محاولة في تعرية القصيدة من تاريخها الغليظ عبر نقد عقلها الأبوي وفضح أوهامها ووضعها أمام كشوفات جيدة ومغامرات نافرة عن الوصايا وقريبة من يوميات الحياة وأسئلتها المرعبة.

أصحاب هذه الكشوفات من الشعراء الأقل تورطا بالأدلجة وجدوا في عقدة الآباء موانع كثيرة وأوهاما أكثر، بعضها يتعلق بهيمنة النمط وصلادة جلده الثقافي وبعضها يتعلق بالسلطة المستبدة والتي ظلت تنظر إلى المثقفِ -بشكلٍ عام- بعين واحدة، أي العين التي تحصره عند زاوية نظر المُفسِر والمقلِّد والمطيع لها.

غياب النقاد عن تتبع تحولات الشعرية العربية الفنية والأسلوبية، وحتى مقاربتهم لمفاهيم التجديد، بدا هو الآخر ضاغطا في ترسيم حدود موجهات القراءة النقدية وتحديد ملامح هذا التجديد مقابل هوس بعض الشعراء الآباء بأنهم حاملو مشعل المغامرة وأنّ شعريتهم في قدامتها وحداثتها هي شعرية القياس وأنّ وجودهم الدائم في السياق الشعري هو الدليل على حفظ النوع الشعري.

صناعة النموذج الشعري

حديث الجرّاح عن النموذج الشعري يلامس كثيرا أوهام الظاهرة الشعرية العربية، فبقدر ما بات هذا النموذج مثيرا للجدل والاختلاف، فإنه تحوّل من جانب آخر إلى عقدة في الاجتماع الثقافي، وحتى ظاهرة “الأجيال الشعرية” لم تخرج -هي الأخرى- عن فوبيا هذه العقدة، لأنّ التجييل تحوّل أيضا إلى لعبة أسماء نجوم وإلى احتكار منصّات وإلى علاقات قرابية امتدت إلى الظاهرة النقدية أيضا، حدّ أنّ ما كُتب عن شعراء محددين كان أكثر بأضعاف عن كلِّ الظواهر الشعرية التي عصفت بالواقع العربي منذ أكثر من نصف قرن.

هذا النموذج قد يبدو مغتربا إزاء الفرضيات المهيمنة لأدلجة الحداثة، ووسط التنامي الغرائبي للرعب السلطوي مقابل تنامي المنفى الثقافي العربي، حتى بات المشهد وكأنه يوحي بنوع من الطرد الشمولي للمثقفين وأنّ المثقف لا يجد حريته في التعبير عن نفسه أو عن مشروعه إلّا خارج المركزيات السلطوية أو بعيدا عن القمع الطائفي والجماعاتي، لذا نجد صعوبة في تقويم موضوعي للمشهد الشعري العربي وفي رصد تحولاته بعيدا عن النكسات التي تلاحق الكثيرين، لا سيما من مثقفي/شعراء المعارضات الذين تلاحقهم سلطات الاستبداد العربي وتلاحق معهم أحلامهم ومشاريعهم الشعرية، وحتى النقدية.


كاتب من العراق