رحلة في عوالم قصصية

ملف القصة المغاربية في “الجديد”

الجديد  هيثم‭ ‬حسين [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(60)]

لوحة: سهيل بدر
اشتمل ملف مجلّة “الجديد” لعدد تشرين الأول/أكتوبر على ست وعشرين قصّة لكتاب من المغرب العربي وتنوّعت القصص وتجاوزت حدود الجغرافيا لتنطلق في أمداء شاسعة وتغوص في أعماق الإنسان في رحلة قصية نحو تفكيك أسرار النفوس وما تنطوي عليه من جمال وجنون وحب وأمل وخيبة وتمرد وضعف وضجر وغير ذلك ممّا يعترك في نفس المرء ويقوده في رحلة حياته.

اكتشاف الذات في مرآة الآخر، ترجمة ما يجول في الدواخل، لعبة المواجهة والإيهام، الجرأة في الوقوف على مآسٍ يتمّ غض النظر عنها في مراعاة لقيود اجتماعية أو سياسية أو دينية مفروضة بالتقادم، البحث عن سبل لتحطيم القيود تلك، بعض من انشغالات القاصّين الذين يتبدوّن قصّاصي آثار وتداعيات أفكار وأفعال وحوادث ألمّت بهم أو كانوا شهوداً عليها أو وصلت إليهم من خلال وسطاء نقلوا إليهم ملابساتها، فكان اقتفاء الأثر وتقصّي ما وراءه وترجمته في قصص مثيرة ولافتة.

سأسعى إلى قراءة بعض قصص الملف وذلك لصعوبة الإلمام بجميع القصص، ذلك أنّ كلّ واحدة بحدّ ذاتها تشكّل نقطة مثيرة للمقاربة والتفكيك وتفرض إيقاعها القصصي والنفسيّ على القارئ، وتشكّل لوناً من ألوان لوحة القصة التي بدأت باستعادة بريقها في العالم العربي.

صراع الألوان والأجيال

يتشبّث التونسي أبوبكر العيادي في قصته “شجرة الزقوم” بالأمل وهو يستعيد سيرة شجرة العذاب والمرارة والقسوة والوحشة التي سادت لفترة زمنية مديدة، وكأنّها أصبحت صفات ملازمة للمرء في عالمه ذاك، شجرة السلطة الفاسدة المتغوّلة في مختلف الأرجاء الضاربة بعروقها في أرض البلاد تتناسلها الأجيال من جد لأب ثم لابن فحفيد.. يكون التركيز على الأمل بالأجيال القادمة وقدرتها على التغيير وتسلحها بالعلم والمعرفة والجرأة والثورة وعدم الارتكان لليأس والإحباط والتخبّط.

صراع الأجيال هو صراع الألوان بمعنى ما، السواد في مواجهة البياض، الخير في مواجهة الشرّ، الأمل في حرب مع اليأس والتيئيس. الضوء يكشف عن الجريمة الماضية المستمرة، تتبدى الشجرة الموصوفة باللئيمة في حالة يرثى لها، وقد مدّت عروقها وتجذّرت في الأرض، وكأنها تعلن قتل المستقبل واغتيال أحلام أبنائه المأمولين. ثم يكون الجدال عن كيفية القضاء على تلك الكارثة، بين قائلين بأنهم ضربوا الرّأس لكن العروق لم تنشف، وآخرين من الجيل الجديد يتمرّدون على الصيغة القديمة الكلاسيكية في التعاطي، مشددين على ضرورة ضرب العروق لتنشيف الرأس.

تحمل الخاتمة بشرى للأجيال الجديدة، تكون مشبعة بروح الأمل. يقول فيها “ولا يزال الفتية يلاحقون العروق، يتصيّدونها واحدا واحدا وهي تتلوّى مثل أخطبوط بترت أذرعه حتّى قضوا عليها جميعا. عندئذ جفّ النّسغ ومات الجذع، فمضوا يضربونه بالفؤوس هو أيضا، فيتطاير قطعا كنثار حطب يابس. عندما اقتلعنا ما غاص منه في جوف الأرض، لاحت لنا حفرة عميقة مثل فوهة بركان أو أثر سقوط حجر نيزكيّ”. ثم تكون الجملة المتحدية المؤكدة على البناء بعد الهدم، البناء الواعي المتسلّ؛ بالعلم والقدرة والإرادة والرغبة والطموح، بأنهم سيردمون تلك الحفرة وسيعيدون كل شيء كما كان، بل أحسن.

يصور المغربي إسماعيل غزالي في قصته “ريشة الغراب” حال محرر يعمل في دار نشر، يبدأ بإرسال أربعين رسالة إلى عناوين أربعين امرأة مفترضة.. وحين ينتهي من إتمام رسالته الأخيرة يقف حائراً، لا يتذكر أسماء مَن أرسل إليهن رسائله ولا عناوينهن، لكنه يتفاجأ بعد مدّة بامرأة تقف على بابه، ثم تكون العقدة والذروة، وتأتي القصة المفارقة، يكون كشف السر لحظة إدهاش.

المرأة متبدّلة الأسماء تخبر الكاتب أنها عاشت بكل تلك الأسماء، وفي عناوينها المختلفة بالفعل، وتخبره أن للأمر حكاية ترجع إلى طفولتها، عندما حدث لها مكروه، فأصابها مرض غريب، شكل من أشكال الفصام يرغمها على أن تتقمّص في كل سنة شخصية امرأة باسم مغاير، وتنتقل للسكن في عنوان مختلف.. يكتشف أنّها تختصر عشرات النساء في داخلها، وأنّ كل أولئك النساء كنّ نسخا من امرأة واحدة. يبقى مصدوماً، ثم ينبش عن خيوط اللعبة المخفية، يتذكر ريشة الغراب التي يكتب بها، يصفها بالريشة الملعونة التي تكون لها حكايتها بدورها، ويكون لها لغزها.

يأتي الإدهاش التالي حين تورد حكاية ريشة الغراب بدورها، ولعنة الريشة التي أصابتها، تلك التي كانت مرتبطة بصورة من الصور بها. تخبره أنه كان ثمّة صبيّ زنجيّ من الخدم السود في بيت أبيها، غريب الأطوار، كانت تحب رفقته، وذات مرّة في النّهر، خلع عنها ملابسها وكتب بريشة غرابٍ على جسدها العاري مئة قصيدة لمئة شاعر. وعندما اكتشف أبوها الأمر عاقبه جلدا حتى الموت حيث استغلّ غيابها لأسبوع. وتكون ذروة المفاجأة في تمثيل مصادفة أن المئة قصيدة التي دوّنها الصبي الزنجيّ بريشة الغراب على جسدها هي نفسها عناوين مختاراته من الشعر والشعراء التي يعدّها، ويشرف عليها، ويحرّرها في مؤسسة النشر التي يعمل بها.

لوحة: صفوان داحول

عالم موحش

في قصة “شرفة الضجر” تقتحم الجزائرية يمنة شيخ عالم العار المعمم والإثم المضلل، تصور ثورة المقهورة الباحثة عن إنصاف بعيد في واقع لا يرحم أنوثتها وإنسانيتها. تصرخ بطلة القصة نافية الإدانة التي لحقتها وأبقتها نزيلة سجن العار الاجتماعيّ الذي لا يكترث للحقيقة. المرأة الوحيدة التي كانت زوجة مهمشة شبه مهجورة، كانت تحاول كسر إيقاع حياتها المنزلية البائسة، وكانت تقف على شرفتها تبدّد ضجرها وهي تتأمل حركة الشارع الدائبة.. وتكون المفارقة التي تصب عليها لعنة الجميع متمثلة في اتهامها بشرفها وتلويث سمعتها، والزعم بأنها كانت عشيقة أحدب بائس في شارعها، وأنها اضطرت لإخفاء علاقتها به أن تقتله، لكنها تنفي أي علاقة به، وتؤكد تهشيمها لرأسه، وكأنها كانت تنتقم من أطفال الحي الذين كانوا ضحاياه، كما تنتقم من هجران زوجها لها، وتعرّي واقع النفاق المحيط بها. شرفة الضجر تلك تتحول إلى شرفة تعرية وانتقام. الأنثى المقموعة تطلق صراخها الرافض للتأثيم وتقرّر البحث عن خلاصها في عالم موحش.

القاص المغربي أنيس الرافعي يكمل تجريبه القصصي في قصة “مينوش”، هناك داخل اللوحة لكن في قلب الحياة والحركة يدور صراع بين الرسام وريشته وألوانه وواقعه، بين داخله ومحيطه الخارجيّ، بين ما يريد وما يغرق فيه من عتمة غرائبية. يحيل في السند الذي يتذيّل القصة إلى جزء من التفاصيل الواردة بين ثنايا حكاية علاقة الفنان التشكيليّ المغربيّ الراحل عباس صلادي (1950-1992) بقطه “مينوش” ثم ما تبع ذلك من تأويلات مع مقربين له. وهنا تكتسي القصة ثوب التأريخ السيريّ والتوثيق للآخر الغائب، تكون الذاكرة ميدان الاشتغال والتنشيط.

“مينوش” أكثر من قط، يبدو رمز مرحلة، مرسال الرسام الراحل إلى الواقع والمستقبل، وسيطه إلى ذاته ومحيطه، ملوّن حلكة أيامه، الماضي برفقته إلى خيالاته وتهويماته، بطل لوحاته وخلّه الوفي الذي سرقه الواقع بخيباته منه. ويكون تحميل الذنب للآخرين لعنة على الجميع، حيث يتعمّم الإثم ويسود بطريقة ضارية، يعود “مينوش”، أو قط يرمز إليه، أو يشبهه ليودي بزوج المرأة التي كانت ذات يوم مؤثرة في حياة الرسام وقطه معاً، يعود لينسف راحتها وحياتها ويسلب منها زوجها وابنها.

يقارب المغربي حميد ركاطة في قصته “على حافة الجحيم” مآلات الطغيان، وكيف أنّه يودي بالطاغية إلى جحيم محتم، ولا سيما أنه يظل يصمم مدناً تكاد تكون جحيماً لساكنيها نتيجة ازدرائه لشعبه، وتعشّقه لكرسي السلطة المضلّل، ثم الانتقام الذي يفترضه السلوك الأرعن ويدفع إليه. يصور ركاطة مفارقة أن الاحتفال بيوم النصر، ذاك الذي أقيم على منصة خشبية تتوسط الفضاء الفسيح، حيث توالى شعراء مفوّهون وكتاب مأجورون على تدبيج خطابات تعظيم بائسة للزعيم الذي كان يتهيّأ من دون أن يدري لتلقي رصاصة قناص أصابته في مقتل. يلفت القاص من خلال هذه النهاية إلى أنّ الاحتفال بيوم النصر يكاد يكون لائقاً باسمه حين يتم التخلص من المستبدّ ويتجرّع الفعل نفسه الذي كان يذيقه لمعارضيه.

يصور الجزائري الخير شوار في قصته “مغلق أو خارج نطاق التغطية” كيف أن القلق يستبد بالإنسان في ساعات معينة، يفقد معها تركيزه، يتشتت، يتحول إلى كائن لا يطيق الانتظار ولا يستطيع الإقدام على أي فعل، يكون مقيداً بصوت مجيب آلي يفرض عليه إيقاعاً ضاغطاً ينبش أحشاءه، يوجب على نفسه التدقيق في ذاته، بحيث تكون لحظة المكاشفة هي لحظة مواجهة معمية، يستعين بمقولة أن الشمس حقيقة لا نستطيع التحديق فيها، ويشحن نفسه بما يلزم من الإرادة، ويستمر في النظر إلى شمس حقيقته. يتحدّى ما كان وما يكون، يقرر المواجهة، يشعر بنفسه غائباً عن محيطه، ليصل إلى نقطة معها بالأرض تضيق عليه وتكاد تخنقه. يصفه بأنه تحوّل إلى عبوة مهدّدة بالانفجار في أيّ لحظة. في إشارة إلى تحوّل الإنسان من جانب المسالمة إلى الشر، أو احتمال التبدّل إلى شرير في وقت قصير، نتيجة ظروف نفسية وأخرى خارجية متقاطعة معها.

ينتقل سعيد منتسب في قصته “ميت عائد من الحرب بسفرجلة” إلى تصوير جانب من العلاقات المتخلخلة بين الناس، بين الأشياء، بين البشر وواقعهم. هناك امرأة تمتطي بقرة تراقب رجلاً يشرب بيرة على الشاطئ، ويعيش محنته الخاصة، تدخل معه في سجال عن الحياة وشجونها التي لا تنتهي، ثم يكون التقارب لدرجة التماهي.. تحضر الأفعى بسلوكها وسمومها بصيغة رمزية، تغير مشهد الشخصيتين الغريبتين، يبلغ التشوه درجة قصوى، بحيث يدفع إلى التصالح والإقرار بواقع يبدو أنه لا مهرب منه.

غابة الدواخل

استعارة صوت الرجل تحضر كثيمة مشتركة بين قصتي “علبَة الرّسائل الصّفراء” لغادة الأغزاوي و”عدوى الحب” لفاتحة مرشيد، وإن كانت هذه الاستعارة تحيل لأمر الانقلاب على الصوت الذكوري وإن كان من خلال استعارته وقلبه ضد الناطق به. تكون الأنثى المختبئة وراء صوت الرجل متحكمة به، لاعبة به بسطوتها وقوتها، ويكون الاستنطاق والتعبير عما يجول في نفوس الرجال كتأكيد على قدرة القاصّة على تقمص شخصية الرجل والتماهي معه.

تختار غادة الأغزاوي في “علبَة الرّسائل الصّفراء” استعارة صوت رجل لتعبر عن مأساته اليومية، وإفلاسه، وتخطّ رسالة إلى الناشر المفترض في الوقت الذي تستعين في الخاتمة بصوت المرأة، الصوت الذي يكون خيط إنقاذ لبطلها المسحوق. المرأة هنا تحمل مفتاح الخلاص، والحل. وهذا ما يلفت إلى أن استعارة ذاك الصوت كان انطلاقاً من رغبة مضمرة ومعلنة في إنصاف المرأة لا إضعافها.

وفي قصة “عدوى الحب” ترصد فاتحة مرشيد حالة التباس يقع فيها شخص تجاه حب مفترض، يكون كاتب رسالة الحب لصديقه عاشقاً خفياً يعلن عن وجوده بعد رحيل صديقه المفاجئ، يقرر إرسال الرسالة إياها بعد إعادة كتابتها بخط يده وتغيير اسم المرسل. وبعد أن يحظى بمحبوبته التي كان يفترض أن تكون محبوبة صديقة الراحل يقر أن الكتابة مصدر حياة وأن من يحسن الكتابة لا يموت. تكون الكتابة غير مجنّسة، متعالية على ذكورة أو أنوثة، قادرة على تغيير المصائر والشخصيات.

وفي قصة “فاكهة الممشى” لمحمد الشايب تكون المدينة المتعبة باحثة عن هويتها المفقودة، عن زمنها الخاص، عن شخصيتها المستلبة، ويكون ذلك مترافقاً مع بحث الشخصية عن ذاتها، ووعيها لذاتها، وقدرتها على الفصل بين ما هي عليه في أوقات بعينها وما تكون عليه في ساعات أخرى.. يكون الاعتراف المضني للشخصية “الحقيقة الوحيدة التي أدركتها أني أنا الشيخ، وأنه أنا، كلانا شخص واحد كان يحاول قطف فاكهة الممشى بطريقة ما، لكن هيهات”.

القاص مصطفى لغتيري في قصته “الجسر” يلفت إلى رمزية الغابة؛ غابة الدواخل، والطريق الوعر إلى أعماق الإنسان، الطريق المحفوف بالمخاطر المتربصة به على مر الزمن. أما في قصة “غافية على ركبة الزمن” للتونسية هيام الفرشيشي فيكون تجسيم الزمن وأنسنته، حيث تؤفلم الفرشيشي الحكاية. تكون الكاميرا وسيلتها لاقتحام الدواخل وتصوير الأرجاء والأزمنة والشخصيات الضائعة في بحر التعارك والبحث عن سبل للفتك ببعضها بعضاً، وكأن الاستعداء سمة العصر التي تصبغ ذاك المكان بصبغة مثيرة. تصل إلى الذروة، إذ تخرج البطلة من مخبئها وتطل عبر الشاشة وتعترف بما كانت تقدم عليه وتفعله.

هذه عينات من قصص الملف الثريّ التي تتكامل فيما بينها لترسم مشهد القصة المغربية المعاصرة، وتبشّر بتجدّد الفنّ القصصيّ الذي يستمدّ جمالياته من تنوّع انشغالات أصحابه واتساع رقعة همومهم وقضاياهم لتشمل جغرافية العالم، بالموازاة مع جغرافية أعماق الإنسان التي تظلّ قارّة يعيد الإنسان اكتشاف جديد فيها مع كل تجربة.


كاتب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭/ ‬بريطانيا