رنا‭ ‬قباني:‭ ‬ ‬الغرب‭ ‬يرفضني‭ ‬والأصوليون‭ ‬أيضا‭!‬

أجري‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬رنا‭ ‬قباني‭ ‬الكاتبة‭ ‬والباحثة‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬التسعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬ونشر‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الكاتبة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬‭(‬1993‭-‬1995‭)‬‭ ‬وشعارها‭ ‬‮«‬مغامرة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬مغامرة‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬المرأة‮»‬‭. ‬وإذ‭ ‬نعيد‭ ‬نشره‭ ‬هنا‭ ‬فإنما‭ ‬نفعل‭ ‬ذلك‭ ‬لاعتبارات‭ ‬عدة‭ ‬سيلمسها‭ ‬القراء،‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬طرحتها‭ ‬قباني‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬بمجملها‭ ‬قائمة،‭ ‬وربما‭ ‬متفاقمة،‭ ‬وأن‭ ‬مكانة‭ ‬المؤنث‭ ‬والأنوثة‭ ‬والمرأة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬والاجتماع‭ ‬شهدت‭ ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬مراوحة‭ ‬مريعة،‭ ‬وظلّ‭ ‬النقاش‭ ‬الفكري‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬حيّياً‭ ‬في‭ ‬يوميات‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬والنقاش‭ ‬المجتمعي‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬حضور‭ ‬المرأة‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬لافت‭ ‬وغير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬والفن‭ ‬والفكر‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الإنجازات‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬المرأة‭ ‬العربية‭ ‬وسمحت‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬أوسع‭ ‬قليلا‭ ‬بالظهور‭ ‬في‭ ‬منصات‭ ‬التعبير‭ ‬الثقافي‭ ‬عن‭ ‬الذات،‭ ‬على‭ ‬أهميتها،‭ ‬لم‭ ‬تقرن‭ ‬بنجاح‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬استعادة‭ ‬مشروعة‭ ‬للجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬حقوقها‭ ‬المغتصبة‭ ‬عبر‭ ‬تاريخ‭ ‬من‭ ‬الإقصاء‭ ‬والتهميش‭. ‬فالثقافة‭ ‬الذكورية‭ ‬المجتمعية‭ ‬ظلت‭ ‬طاغية‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬النساء‭ ‬والرجال،‭ ‬والجوانب‭ ‬الحقوقية‭ ‬الصرفة‭ ‬مما‭ ‬ناضلت‭ ‬المرأة‭ ‬للحصول‭ ‬عليه‭ ‬ظلت‭ ‬ضيقة‭ ‬وباهتة‭. ‬ولم‭ ‬تتمكن‭ ‬النماذج‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬للدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬ورفعت‭ ‬أحيانا‭ ‬يافطات‭ ‬العلمنة‭ ‬والحداثة،‭ ‬من‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬المحتجز‭ ‬تاريخياً‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬المرأة‭ ‬عبر‭ ‬قوانين‭ ‬وتشريعات‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬عنها‭.‬ في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬أيضا‭ ‬تبرز‭ ‬إشكالية‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬نسوي،‭ ‬وخطاب‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬استعماري‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬لقباني‭ ‬أن‭ ‬تستطلع‭ ‬وجودها‭ ‬بين‭ ‬حجري‭ ‬رحى‭ ‬الأصوليين‭ ‬الشرقيين‭ ‬الذين‭ ‬يرفضونها‭ ‬كامرأة‭ ‬متحررة،‭ ‬وغرب‭ ‬يرفض‭ ‬الاعتراف‭ ‬باختلافها‭ ‬كمثقفة‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬شرقي‭. ‬ويمكن‭ ‬رد‭ ‬هذا‭ ‬التشخيص‭ ‬لحالتها‭ ‬إلى‭ ‬دراساتها‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬‮«‬على‭ ‬خطى‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‮»‬‭ ‬للمركزية‭ ‬الغربية‭ ‬واستعلائيتها‭ ‬على‭ ‬الثقافات‭ ‬الأخرى،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتابين‭ ‬لها‭ ‬هما‭ ‬‮«‬أساطير‭ ‬أوروبا‭ ‬عن‭ ‬الشرق‭: ‬لفق‭ ‬تسد‭ ‬Europe’s‭ ‬Mythos‭ ‬of‭ ‬Orient‮»‬‭ ‬و‮»‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬الغرب‭ ‬Letter‭ ‬to‭ ‬Christindom‮»‬‭.‬ أخير‭ ‬يندرج‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬الشيق‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المراجعات‭ ‬والحوارات‭ ‬والسجالات‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬باشرتها‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬منذ‭ ‬أعدادها‭ ‬الأولى،‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬خصصتها‭ ‬لنشر‭ ‬إبداعات‭ ‬المرأة‭ ‬وأفكارها‭ ‬ومراجعة‭ ‬مكانة‭ ‬الأنوثة‭ ‬والمؤنث‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬والاجتماع‭ ‬العربيين،‭ ‬بهدف‭ ‬استئناف‭ ‬حوار‭ ‬جاد‭ ‬وخلاق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مسكوت‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينسجم‭ ‬بالضرورة‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬البيان‭ ‬التأسيسي‭ ‬لـ‮»‬الجديد‮»‬ قلم‭ ‬التحرير

الجديد  نوري الجراح [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(65)]

الجديد‭:‬‭‬ كونك‭ ‬مقيمة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بين‭ ‬ثقافتين،‭ ‬تكتبين‭ ‬بالإنكليزية‭ ‬وتفكرين‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬ثقافية‭ ‬عربية‭. ‬هل‭ ‬تعتبرين‭ ‬نفسك،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المراوحة‭ ‬غير‭ ‬المستقرة‭ ‬بين‭ ‬قطبين،‭ ‬مخترقة‭ ‬ثقافيا؟‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬خطابك‭ ‬يشكل‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منه‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬شعور‭ ‬بانتمائك‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬ذات‭ ‬ثقل‭ ‬كبير،‭ ‬ولكنها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬غزو‭ ‬منذ‭ ‬وقت‭ ‬ليس‭ ‬قصيرا؟‭ ‬هل‭ ‬يتشكل‭ ‬خطابك‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬دفاع‭ ‬أساسا؟

رنا‭ ‬قباني‭:‬ عندما‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬‭-‬وكنت‭ ‬صغيرة‭-‬‭ ‬كان‭ ‬لديّ‭ ‬وجع‭. ‬أحسست‭ ‬أن‭ ‬شيئا‭ ‬هناك‭ ‬فيّ‭ ‬يستدعي‭ ‬منّي‭ ‬أن‭ ‬أعبر‭ ‬عنه‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬الأسباب‭ ‬متكونة‭ ‬كلها،‭ ‬أو‭ ‬متبلورة‭ ‬تماما‭. ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬كتبت‭ ‬بالإنكليزية،‭ ‬وكانت‭ ‬هناك‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتية‭ ‬جعلتني‭ ‬منذ‭ ‬طفولتي‭ ‬أعيش‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬حيث‭ ‬تكونت‭ ‬ثقافتي‭.‬

اختياري‭ ‬الإنكليزية‭ ‬كانت‭ ‬أسبابه‭ ‬كثيرة،‭ ‬أحد‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬والحضارة‭ ‬العربية‭ ‬مجهولتان‭ ‬تماما‭ ‬على‭ ‬الخارطة‭ ‬الحديثة،‭ ‬أيضا،‭ ‬لديّ‭ ‬شعور‭ ‬أن‭ ‬الحضارات‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬معروفة‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬وكانت‭ ‬لعشرين‭ ‬سنة‭ ‬خلت‭ ‬مجهولة،‭ ‬تم‭ ‬لها‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأدب‭ ‬والثقافة‭. ‬مثلا‭ ‬الحضارة‭ ‬اليابانية‭ ‬وصفت‭ ‬واخترقت‭ ‬وأصبحت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬بعدما‭ ‬بدأ‭ ‬اليابانيون‭ ‬يكتبون‭ ‬ويصفون‭ ‬بشكل‭ ‬تعبيري‭ ‬وروائي‭ ‬صريح‭. ‬كتبوا‭ ‬حول‭ ‬علاقتهم‭ ‬بثقافتهم‭ ‬والغرب‭ ‬وعلاقة‭ ‬المرأة‭ ‬بالرجل‭. ‬انفجرت‭ ‬لديهم‭ ‬كل‭ ‬الموضوعات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقع‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬النقاش‭. ‬ولخمس‭ ‬وعشرين‭ ‬سنة‭ ‬تقريبا‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬الياباني‭ ‬مكبوتا‭ ‬تماما،‭ ‬ولديه‭ ‬العجز‭ ‬نفسه‭ ‬عن‭ ‬التعبير‭ ‬الذي‭ ‬يميز‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬الآن‭. ‬كثير‭ ‬من‭ ‬اليابانيين‭ ‬باتوا‭ ‬يكتبون‭ ‬بالإنكليزية‭. ‬وهذا‭ ‬فتح‭ ‬‭-‬في‭ ‬تصوري‭-‬‭ ‬آفاقا‭ ‬مهمة‭ ‬وكبيرة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإنساني‭. ‬للأسف‭ ‬لم‭ ‬يجر‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬فما‭ ‬من‭ ‬كاتب‭ ‬أو‭ ‬كاتبة‭ ‬عربيين‭ ‬‭(‬استطاعا‭)‬‭ ‬القيام‭ ‬بعمل‭ ‬مشابه‭. ‬هناك‭ ‬اليوم‭ ‬ضرورة‭ ‬قصوى‭ ‬لأن‭ ‬يعبر‭ ‬العربي‭ ‬عن‭ ‬‮«‬لحظة‭ ‬العالمية‮»‬‭ ‬بأشكال‭ ‬أخرى‭. ‬في‭ ‬الرواية،‭ ‬في‭ ‬القصيدة،‭ ‬في‭ ‬السينما،‭ ‬في‭ ‬المسرح،‭ ‬حتى‭ ‬يشعر‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬مكانا‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العالمية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬اليوم‭.‬

الجديد‭:‬ العربي‭ ‬اليوم‭ ‬لديه‭ ‬شعور‭ ‬قوي‭ ‬بأن‭ ‬حضوره‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬مقصى‭ ‬تماما‭. ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬وجوده‭ ‬غير‭ ‬فاعل،‭ ‬لأنه‭ ‬غير‭ ‬مسموح‭ ‬له‭ ‬بالفعل‭.‬

رنا‭ ‬قباني‭:‬‭‬ العربي‭ ‬ملغى‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الغرب،‭ ‬كان‭ ‬إسهامه‭ ‬المكين‭ ‬والأساسي‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الحضارة‭ ‬العالمية‭ ‬الحديثة‭ ‬عبر‭ ‬مختبر‭ ‬التفاعل‭ ‬الحضاري‭ ‬في‭ ‬الأندلس‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الشيء‭ ‬ملغى‭. ‬العربيّ‭ ‬قدم‭ ‬شيئا‭ ‬كبيرا‭ ‬جدا،‭ ‬ليس‭ ‬للنهضة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وحسب،‭ ‬إنما‭ ‬تحديدا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يعتبره‭ ‬الأوروبي‭ ‬والغربي‭ ‬مهما‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬حضارته‭ ‬الحديثة‭ ‬اليوم،‭ ‬وما‭ ‬يعتبره‭ ‬إنجازا‭ ‬يمثله‭. ‬مثلا‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬المعلومات،‭ ‬أدب‭ ‬الرحلات،‭ ‬فورم‭ ‬القصيدة،‭ ‬وفورم‭ ‬الأغنية،‭ ‬فكرة‭ ‬الحب‭ ‬العذري،‭ ‬الرومانسية،‭ ‬الطب،‭ ‬الكيمياء‭ ‬وصناعة‭ ‬الأدوية،‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الجماعات‭ ‬الإثنية‭ ‬المختلفة،‭ ‬أدب‭ ‬المائدة،‭ ‬الموضة‭. ‬فزرياب‭ ‬ربما‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬حدّد‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحسن‭ ‬أن‭ ‬يرتدى‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬من‭ ‬ألوان‭ ‬الثياب‭ ‬وخلافه‭ ‬في‭ ‬الشتاء‭. ‬كيف‭ ‬يقص‭ ‬الشعر،‭ ‬وكيف‭ ‬يكون‭ ‬الماكياج‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬كان‭ ‬الأوروبي‭ ‬الأول‭. ‬كلنا‭ ‬نحس‭ ‬هذه‭ ‬العقدة،‭ ‬ونحس‭ ‬بهذه‭ ‬النوستالجيا،‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تسميتها‭ ‬‮«‬عقدة‭ ‬الأندلس‮»‬‭.‬

الجديد‭:‬ هناك‭ ‬إحساس‭ ‬قويّ‭ ‬لدى‭ ‬العرب‭ ‬بسبب‭ ‬أوضاعهم‭ ‬المتردية‭ ‬باستمرار‭ ‬وسوء‭ ‬علاقتهم‭ ‬بالغرب،‭ ‬بأن‭ ‬مأساوية‭ ‬البرهة‭ ‬الأندلسية‭ ‬مستمرة‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬ومظهرها‭ ‬مسلك‭ ‬الإقصاء‭ ‬الغربي‭ ‬للشرقي‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬مسرح‭ ‬التأثير،‭ ‬إحساس‭ ‬فادح‭ ‬فداحة‭ ‬الإقصاء‭ ‬الذي‭ ‬يعطل‭ ‬الفاعلية‭ ‬الخاصة‭ ‬بحضارة‭.‬

رنا‭ ‬قباني‭:‬‭‬ الإحساس‭ ‬النوستالجي‭ ‬الأندلسي‭ ‬سببه‭ ‬لدى‭ ‬العرب‭ ‬اعتقادهم‭ ‬النهائي‭ ‬بأنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬نكرات‭ ‬حضاريا‭. ‬فلماذا‭ ‬يفرض‭ ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬كذلك؟‭ ‬هم‭ ‬ليسوا‭ ‬صفرا‭ ‬‭(‬للمفارقة‭ ‬العرب‭ ‬أعطوا‭ ‬الأوروبيين‭ ‬‮«‬الصفر‮»‬‭ ‬ومفهومه‭)‬‭. ‬على‭ ‬العرب‭ ‬أن‭ ‬يشعروا‭ ‬أنهم‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬العالم‭. ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬تجربته‭ ‬بصفتها‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية،‭ ‬وليس‭ ‬تجربة‭ ‬عربية‭. ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬الأخيرة‭ ‬تدمّر‭ ‬مفهوم‭ ‬العروبة،‭ ‬تفكّك‭. ‬أنت‭ ‬وأنا‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬كان‭ ‬يعتبر‭ ‬العروبة‭ ‬فكرة‭ ‬نهائية،‭ ‬لا‭ ‬تمسّ‭. ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬نرى‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬العروبة‭ ‬أنجزت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬دمارية،‭ ‬ومن‭ ‬الصعب،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬المستحيل،‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬مفهوم‭ ‬العروبة‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬التاريخي‭ ‬المنظور،‭ ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬وصف‭ ‬هذا‭ ‬التدمير‭ ‬وأثره‭ ‬فينا‭. ‬أنا‭ ‬مثلا‭ ‬ما‭ ‬أزال‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬كيف‭ ‬سأستمر‭. ‬لا‭ ‬أشعر‭ ‬أنني‭ ‬وجدت‭ ‬صيغة‭ ‬لاستمراريتي‭ ‬كإنسان‭. ‬ربما‭ ‬الشيوعيون‭ ‬أحسّوا‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭ ‬عندما‭ ‬تدمر‭ ‬مفهوم‭ ‬الشيوعية،‭ ‬ربما‭ ‬حدث‭ ‬للذين‭ ‬كانوا‭ ‬متدينين‭ ‬ثم‭ ‬سقطت‭ ‬معتقداتهم‭ ‬وألغيت‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليهم‭. ‬المهم‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬كبرى‭. ‬ووصف‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬ضروري‭.‬

الجديد‭:‬‭‬ يخيل‭ ‬إليّ‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬ما‭ ‬سقط‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وما‭ ‬جرى‭ ‬تدميره‭ ‬أو‭ ‬تدمر‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬احتماله‭ ‬واستيعابه،‭ ‬وبالتالي‭ ‬من‭ ‬الضروري،‭ ‬الأخذ‭ ‬بفكرة‭ ‬تخصص‭ ‬الأفراد‭ ‬‭(‬في‭ ‬جلسة‭ ‬سابقة‭ ‬لنا‭ ‬تحدثنا‭ ‬حول‭ ‬فكرة‭ ‬المثقف‭ ‬الموسوعي،‭ ‬وضرورة‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬التخصص‭)‬‭ ‬المثقف‭ ‬العربي‭ ‬مثلا‭ ‬ينوء‭ ‬تحت‭ ‬قضايا‭ ‬ومشكلات‭ ‬كثيرة،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬باستمرار‭ ‬أسير‭ ‬حالات‭ ‬مشوشة‭ ‬وهو‭ ‬أحيانا‭ ‬في‭ ‬طروحاته‭ ‬ومقارباته‭ ‬أفقي‭ ‬التفكير،‭ ‬وربما‭ ‬ساكن‭ ‬قشرة‭.‬

رنا‭ ‬قباني‭:‬ التخصص‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬اليهودية‭ ‬مثال‭ ‬مهمّ‭. ‬وهو‭ ‬نتيجة‭ ‬عمل‭ ‬طويل‭ ‬لديهم‭. ‬ولم‭ ‬يتم‭ ‬إنجازه‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬عودتهم‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬إثر‭ ‬خروجهم‭ ‬والعرب‭ ‬من‭ ‬الأندلس‭. ‬انتشر‭ ‬اليهود‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وانتشرت‭ ‬ثقافتهم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬بوقت‭ ‬طويل،‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬مندلسون،‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬والعلماء،‭ ‬الذي‭ ‬أنجزه‭ ‬اليهود‭ ‬هو‭ ‬قناعتهم‭ ‬بضرورة‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الديناميكية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬أي‭ ‬ضرورة‭ ‬التخصص‭.‬

الجديد‭:‬‭‬ ولكن‭ ‬هل‭ ‬تعتقدين‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬على‭ ‬العرب،‭ ‬والثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬القبول‭ ‬بخوض‭ ‬تجربة‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬الآخر‭ ‬‭(‬لو‭ ‬سهّل‭ ‬الآخر‭ ‬ذلك‭)‬‭ ‬بالمشاعر‭ ‬والأفكار،‭ ‬التصورات‭ ‬التي‭ ‬يحملونها‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬وعن‭ ‬الآخر‭: ‬تشكل‭ ‬الذات‭ ‬موقعا‭ ‬متضخما‭ ‬فيها،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬التخبط‭ ‬التي‭ ‬تسود‭ ‬وجودهم‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬هل‭ ‬لديهم‭ ‬استعداد‭ ‬للقبول‭ ‬بتقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬ثقافية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬كبيرة‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬‭(‬لو‭ ‬كان‭ ‬ممكنا‭ ‬أصلا‭)‬‭.‬

رنا‭ ‬قباني‭:‬ هنا‭ ‬أعود‭ ‬إلى‭ ‬سؤالك‭ ‬لماذا‭ ‬أكتب؟‭ ‬هل‭ ‬كتابتي‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬دفاعي؟‭ ‬نحن‭ ‬تعودنا‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬العنيف‭ ‬الذي‭ ‬ربينا‭ ‬عليه،‭ ‬والذي‭ ‬هو‭ ‬رد‭ ‬فعلنا‭ ‬على‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الاستعمار‭ ‬الغربي،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وكذلك‭ ‬على‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بنا‭ ‬كشعب،‭ ‬له‭ ‬تاريخ‭. ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬هذا‭ ‬كان‭ ‬إرهابيا،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفعلي‭ ‬العملي‭ ‬العسكري‭ ‬وحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬يعيد‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬السايكولوجي،‭ ‬العاطفي‭ ‬العنيف‭. ‬مثلما‭ ‬استطاع‭ ‬الغربيون‭ ‬إلغاء‭ ‬وجود‭ ‬بصفتك‭ ‬حاضرا‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬الإرهاب‭ ‬العالمي،‭ ‬فبت‭ ‬غير‭ ‬مدعوّ‭ ‬إلى‭ ‬المائدة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬كذلك‭ ‬الحال‭ ‬لمن‭ ‬استطاعوا‭ ‬أن‭ ‬يقولوا‭ ‬لأدبك،‭ ‬أنت‭ ‬ملغى،‭ ‬ولا‭ ‬مكان‭ ‬لك‭ ‬في‭ ‬العالمية‭. ‬والآن‭ ‬ما‭ ‬العمل؟‭ ‬هل‭ ‬تقبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ملغى؟‭ ‬أنا‭ ‬مثلا‭ ‬أملك‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬العنيف‭ ‬هذا،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أرغب‭ ‬في‭ ‬وصفه‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التعقيد‭ ‬الذي‭ ‬يستحقه‭ ‬الأمر‭. ‬لأنه‭ ‬أصلا‭ ‬معقد،‭ ‬نحن‭ ‬استبطناه‭ ‬لأسباب‭ ‬سياسية‭. ‬ولأن‭ ‬هناك‭ ‬حربا‭ ‬كبيرة‭ ‬ثقافية‭ ‬وسياسية‭ ‬ودينية‭ ‬واجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬مشنونة‭ ‬علينا‭ ‬لكن‭ ‬الصوت‭ ‬العنيف‭ ‬والصوت‭ ‬الدفاعي‭ ‬لا‭ ‬يمكنهما‭ ‬إيقاف‭ ‬هذه‭ ‬الحروب‭ ‬والحقيقة‭ ‬أنك‭ ‬تستطيع‭ ‬اختراق‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬بالكف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مبسطا،‭ ‬لأن‭ ‬الحرب‭ ‬نفسها‭ ‬المشنونة‭ ‬ضدك‭ ‬من‭ ‬ميزاتها‭ ‬الأساسية‭ ‬أنها‭ ‬معقدة‭ ‬كثيرا،‭ ‬ولو‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬المثال‭ ‬الياباني،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬ثقافته‭ ‬منذ‭ ‬شرعت‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬المعقد‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬بدأ‭ ‬الأدب‭ ‬الياباني‭ ‬في‭ ‬تداول‭ ‬العالمية‭.‬

الجديد:‬‭ ‬لكن‭ ‬المثال‭ ‬الياباني‭ ‬يصعب‭ ‬القياس‭ ‬عليه،‭ ‬لأن‭ ‬نهضة‭ ‬الثقافة‭ ‬اليابانية‭ ‬أسّست‭ ‬لها‭ ‬مؤسسات‭ ‬حققت‭ ‬نهضة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وعلمية‭ ‬كبيرة‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭. ‬وفي‭ ‬أغلب‭ ‬الحالات‭ ‬جرى‭ ‬عكسه‭ ‬تماما‭ ‬أي‭ ‬جرى‭ ‬تدمير‭ ‬المؤسسات‭ ‬في‭ ‬حالاتها‭ ‬الجنينية‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬نعم،‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬العربية،‭ ‬وبهذا‭ ‬الصدد‭ ‬لدي‭ ‬تشاؤم‭ ‬كبير،‭ ‬لأن‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬اجتماعي‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬كلمة‭ ‬ثقافي‮»‬‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬ليست‭ ‬لها‭ ‬الدلالات‭ ‬التي‭ ‬تعنيها‭ ‬على‭ ‬رغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬أجيال‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬المتعلمين،‭ ‬ربما‭ ‬لأن‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬وعي‭ ‬مصيري،‭ ‬الفرد‭ ‬العربي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬مشغولا‭ ‬بفرديته،‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬مشغولا‭ ‬بالاستهلاك،‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬لم‭ ‬يدرك‭ ‬تماما‭ ‬أنّ‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يؤديه‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬صغيرا‭ ‬له‭ ‬أهميته‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬صوته‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬مقابل‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬مخيف‭ ‬جدا‭. ‬وهناك‭ ‬إما‭ ‬فقر‭ ‬ساحق‭ ‬أو‭ ‬استهلاك‭ ‬مرعب‭.‬

الإحساس‭ ‬النوستالجي‭ ‬الأندلسي‭ ‬سببه‭ ‬لدى‭ ‬العرب‭ ‬اعتقادهم‭ ‬النهائي‭ ‬بأنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬نكرات‭ ‬حضاريا

الجديد:‬‭ ‬هل‭ ‬تبدو‭ ‬لك‭ ‬فردية‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬تضعه‭ ‬خارج‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬جماعي‭ ‬تاريخي‭ ‬حضاري‭ ‬محتمل‭ ‬ظرفية‭ ‬لكونها‭ ‬ربما‭ ‬متأسسة‭ ‬على‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬دفاعي‭ ‬من‭ ‬الفرد،‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬السلطات‭ ‬والساسة‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬تستقيم‭ ‬علاقتهم‭ ‬به‭ ‬إلا‭ ‬بصفته‭ ‬فردا‭ ‬في‭ ‬قطيع‭. ‬وبالتالي‭ ‬تبرز‭ ‬الأنا‭ ‬المرضية‭ ‬بصورها‭ ‬الفادحة‭ ‬لدى‭ ‬مجموع‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬ميزة‭ ‬تطبع‭ ‬شخصية‭ ‬وثقافتها؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬ربما،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬المرضية‭ ‬مستشرية‭ ‬وموجودة‭ ‬سواء‭ ‬أكانت‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا‭ ‬أنا‭ ‬وأنت‭ ‬كمغتربين‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬‭(‬وفرديتنا‭ ‬مفروضة‭ ‬كضرورة‭)‬‭. ‬أو‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المقيمين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬مثلا‭ ‬عندما‭ ‬أذهب‭ ‬إلى‭ ‬الشام‭ ‬أجد‭ ‬أن‭ ‬الطبقة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬وتنتج،‭ ‬تتحول‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬طبقة‭ ‬استهلاكية‭ ‬فقط،‭ ‬طبقة‭ ‬غير‭ ‬منتجة‭ ‬اجتماعيا‭ ‬وثقافيا،‭ ‬وهذا‭ ‬غير‭ ‬مقبول‭. ‬لأنني‭ ‬عندما‭ ‬أعود‭ ‬وأنظر‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬اليهودية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أجد‭ ‬أن‭ ‬الوعي‭ ‬المصيري‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬لدى‭ ‬اليهود،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬جعلهم‭ ‬يصبحون‭ ‬صوتا‭ ‬مؤثرا‭ ‬فعلا‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

الجديد:‬‭ ‬اليهود‭ ‬ساعدتهم‭ ‬ظروف‭ ‬كثيرة‭ ‬بعضها‭ ‬يبدو‭ ‬استثنائيا‭ ‬تماما‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬بدأت‭ ‬تتحقق‭ ‬لدينا‭. ‬مثلا‭ ‬بعد‭ ‬أحداث‭ ‬بوسنيا‭ ‬نشأت‭ ‬لدينا‭ ‬الظروف‭ ‬نفسها‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الجرائمي‭ ‬ولكن‭ ‬ضد‭ ‬المسلمين‭ ‬العرب‭. ‬المسلم‭ ‬اليوم‭ ‬أصبح‭ ‬إنسانا‭ ‬مهددا،‭ ‬والهولوكوست‭ ‬الحديث‭ ‬بدأ،‭ ‬قبل‭ ‬أربع‭ ‬سنوات،‭ ‬صعق‭ ‬الذين‭ ‬سمعوني‭ ‬أقول: ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬أفران‭ ‬غاز‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬سيكون‭ ‬المسلم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأفران. ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬مقبلة،‭ ‬شروط‭ ‬صناعة‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬المأساوية‭ ‬قائمة‭ ‬الآن‭.‬

الجديد:‬‭ ‬هل‭ ‬ترين‭ ‬أن‭ ‬البنية‭ ‬الحديثة‭ ‬للثقافة‭ ‬العربية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬منها‭ ‬ثقافة‭ ‬عالمية؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬لا،‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬هذا‭ ‬أبدا،‭ ‬لأسباب‭ ‬كثيرة،‭ ‬أولا‭ ‬هناك‭ ‬استعمار‭ ‬في‭ ‬اللغات‭ ‬وفي‭ ‬الثقافات‭ ‬واللغة‭ ‬الإنكليزية‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬اللغة‭ ‬المستعمرة‭. ‬ثانيا‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تترجم‭ ‬إلى‭ ‬الإنكليزية‭ ‬هناك‭ ‬أزمة‭ ‬حقيقية‭ ‬لعلاقة‭ ‬العربية‭ ‬باللغات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وخصوصا‭ ‬الإنكليزية‭.‬

الجديد:‬‭ ‬هل‭ ‬ترين‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الأسباب‭ ‬الأساسية‭ ‬لذلك‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬تفاقم‭ ‬مشاعر‭ ‬العداء‭ ‬الأوروبي‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يمثله‭ ‬العربي‭ ‬كـ‮»‬آخر‮»‬‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬هناك‭ ‬مستويات،‭ ‬المستوى‭ ‬الأول‭ ‬لغوي‭ ‬وتركيبي،‭ ‬العربية‭ ‬كلغة‭ ‬لا‭ ‬تترجم،‭ ‬وإذا‭ ‬ترجمت‭ ‬فالنص‭ ‬الذي‭ ‬تترجمه‭ ‬من‭ ‬العربية‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬نصا‭ ‬مختلفا‭ ‬تماما‭. ‬طبعا‭ ‬هناك‭ ‬أزمة‭ ‬في‭ ‬الترجمة‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬لكنك‭ ‬مثلا‭ ‬عندما‭ ‬تحاول‭ ‬الترجمة‭ ‬من‭ ‬الروسية‭ ‬إلى‭ ‬الإنكليزية‭ ‬أنت‭ ‬تنجح،‭ ‬وعندما‭ ‬تحاول‭ ‬الترجمة‭ ‬من‭ ‬الإسبانية‭ ‬إلى‭ ‬الإنكليزية‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬أزمة،‭ ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬بصدد‭ ‬مترجم‭ ‬مبدع‭ ‬فعلا،‭ ‬مثل‭ ‬غريغوري‭ ‬لاباسا‭ ‬الذي‭ ‬ترجم‭ ‬ماركيز،‭ ‬فأنت‭ ‬تجد‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المترجم‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬صياغة‭ ‬صوت‭ ‬ماركيز‭ ‬تماما‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬أخرى،‭ ‬هي‭ ‬الإنكليزية‭. ‬بينما‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬بين‭ ‬العربية‭ ‬والإنكليزية‭ ‬تلك‭ ‬الأزمة‭ ‬اللغوية‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬معها‭ ‬ترجمة‭ ‬نص‭ ‬عربي‭. ‬مثلا‭ ‬كل‭ ‬الأدب‭ ‬الجاهلي‭ ‬لا‭ ‬يترجم،‭ ‬وبالتالي‭ ‬سيبقى‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬مجهولا‭.‬

الجديد:‬‭ ‬الأمر‭ ‬صعب،‭ ‬حقيقة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المستشرقين‭ ‬عملوا‭ ‬على‭ ‬ترجمة‭ ‬نصوص‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬الجاهلي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬خصوصا‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬صحيح‭ ‬لكن‭ ‬جرب‭ ‬أن‭ ‬تقرأ‭ ‬تلك‭ ‬الترجمات،‭ ‬المستشرقون‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬لم‭ ‬يستطيعوا‭ ‬ترجمة‭ ‬نص‭ ‬جاهلي‭ ‬واحد،‭ ‬دون‭ ‬أذى‭ ‬كبير‭. ‬ونحن‭ ‬نتكلم‭ ‬الآن‭ ‬عن‭ ‬أدب‭ ‬يعتبر‭ ‬الثمرة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لتراكمنا‭ ‬الحضاري‭. ‬خذ‭ ‬مثالا‭ ‬آخر‭.. ‬النص‭ ‬الأدبي‭ ‬المرموق‭ ‬في‭ ‬العربية‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬القرآن،‭ ‬لا‭ ‬يترجم‭. ‬مثال‭ ‬آخر،‭ ‬الشعر‭ ‬الحديث‭.‬

الجديد:‬‭ ‬ربما‭ ‬لأن‭ ‬مسألة‭ ‬الصوت‭ ‬في‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬لها‭ ‬تعقيدها‭ ‬الخاص؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬إذن‭ ‬أنت‭ ‬تؤكد‭ ‬ما‭ ‬أقوله،‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أزمة‭ ‬تركيبية‭ ‬في‭ ‬العربية‭ ‬تجعل‭ ‬النص‭ ‬الأدبي‭ ‬عسيرا‭ ‬على‭ ‬الترجمة‭. ‬هذا‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفني‭. ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الثاني،‭ ‬صحيح،‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬عدائية‭ ‬فظيعة‭ ‬نحو‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬وهذه‭ ‬العدائية‭ ‬قديمة‭ ‬جدا‭ ‬تاريخيا‭ ‬بين‭ ‬الغرب‭ ‬والشرق،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬العدائية،‭ ‬موجودة‭ ‬بين‭ ‬الغرب‭ ‬وثقافات‭ ‬أخرى،‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬أقل‭ ‬حدية،‭ ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الثقافات‭ ‬الأخرى‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬تهذب‭ ‬معها‭ ‬من‭ ‬عدائية‭ ‬الغرب‭ ‬لها‭ ‬وعدائيتها‭ ‬له‭.‬

الجديد:‬‭ ‬ربما‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬ذهبت‭ ‬إليه‭ ‬قبلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬امتلاء‭ ‬بالذات‭ ‬لدى‭ ‬العربي،‭ ‬لشعوره‭ ‬الطاغي‭ ‬بأهمية‭ ‬ثقافته،‭ ‬وبالتالي‭ ‬من‭ ‬الغبن‭ ‬له‭ ‬ولثقافته‭ ‬إخضاعها،‭ ‬بطريقة‭ ‬ما،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬ترجمتها؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك،‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬صحيحا‭ ‬أبدا‭. ‬فالثقافة‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لها‭ ‬موقع‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬أنت‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬وتشتري‭ ‬الكتاب‭ ‬كما‭ ‬تشتري‭ ‬الفيديو‭ ‬أو‭ ‬الأسطوانة‭ ‬الموسيقية‭ ‬أو‭ ‬اللمبة‭ ‬أو‭ ‬الكرسي،‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬سلعة‭ ‬أخرى‭. ‬الثقافة‭ ‬سلعة،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تخصص‭ ‬رصيدا‭ ‬ماليا‭ ‬لثقافتك‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬‭-‬ليس‭ ‬بالمعنى‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬البسيط،‭ ‬وإنما‭ ‬الحقيقي‭ ‬العميق‭ ‬للكلمة‭-‬‭ ‬فأنت‭ ‬لن‭ ‬تعود‭ ‬موجودا‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬الحديثة‭. ‬هذه‭ ‬مسألة‭ ‬أصبحت‭ ‬بديهية‭ ‬تماما‭.‬

وهذه‭ ‬الوضعية‭ ‬لمكانة‭ ‬الثقافة‭ ‬ليست‭ ‬غريبة‭ ‬أبدا‭ ‬عن‭ ‬التقاليد‭ ‬التي‭ ‬أنتجتها‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية،‭ ‬منذ‭ ‬القديم‭. ‬فسوق‭ ‬عكاظ‭ ‬كان‭ ‬سوق‭ ‬القصيدة‭. ‬كان‭ ‬الشاعر‭ ‬يأتي‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬ليقدم‭ ‬قصيدته‭ ‬كسلعة،‭ ‬وعندما‭ ‬يأتي‭ ‬الشاعر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المنبر،‭ ‬فهو‭ ‬يقدم‭ ‬سلعته‭ ‬الجمالية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬لها‭ ‬باعة‭ ‬وشراة‭ ‬ومتنافسون‭. ‬وهناك‭ ‬ألوان‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬السلعة‭. ‬وألوان‭ ‬من‭ ‬الراغبين‭ ‬بها‭. ‬والمزاحمة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬السوق‭ ‬الشعرية،‭ ‬وتصنع‭ ‬الثقافة‭. ‬رسام‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬مايكل‭ ‬أنجلو‭ ‬مثلا‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬يقدم‭ ‬تمثالا‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬تمثال‭ ‬Bernini،‭ ‬كان‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬فنية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬مفهوم‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الكاتب‭ ‬أو‭ ‬الفنان‭ ‬مفصولا‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬هو‭ ‬مفهوم‭ ‬جديد،‭ ‬وأتصور‭ ‬أنه‭ ‬مفهوم‭ ‬وهمي‭.‬

الجديد:‬‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬المسألة،‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬عموما‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأهلية‭ ‬الحرة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬إنسان‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬غير‭ ‬حر،‭ ‬ليست‭ ‬هناك‭ ‬ديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬مجتمع‭ ‬أهلي‭ ‬يزاول‭ ‬حياته‭ ‬بصورة‭ ‬طبيعة،‭ ‬الإنسان‭ ‬مصادر‭ ‬هو‭ ‬وتعبيره،‭ ‬يدرج‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مخالف‭ ‬لإرادته‭ ‬ومحدد‭ ‬بالتالي‭ ‬لقدر‭ ‬لا‭ ‬سيطرة‭ ‬له‭ ‬عليه‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬الثقافية،‭ ‬أو‭ ‬استراتيجيات‭ ‬المجتمع‭ ‬نفسه،‭ ‬مصادرة،‭ ‬ومخطوفة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬صيغها‭ ‬الراهنة‭. ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الخلفية،‭ ‬وفي‭ ‬نسيجها‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬إنتاج‭ ‬ثقافة‭ ‬جديدة‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬العالم؟

عندما‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬أفران‭ ‬غاز‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬سيكون‭ ‬المسلم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأفران

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬التشخيص‭ ‬صحيح،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬والفنانين‭ ‬من‭ ‬ثقافات‭ ‬أخرى،‭ ‬كتبوا‭ ‬ورسموا‭ ‬وأنتجوا‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬صعبة‭ ‬جدا،‭ ‬وكانت‭ ‬أعمالهم‭ ‬دفاعية،‭ ‬ولكنها‭ ‬أيضا‭ ‬مركبة‭ ‬ومعقدة‭. ‬كما‭ ‬طرحنا‭ ‬في‭ ‬الفكرة‭ ‬الأولى‭. ‬لتكن‭ ‬مواطنا‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬بوليسية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬مثلا،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تكتب‭ ‬نصا‭ ‬ضد‭ ‬هذه‭ ‬الدولة. ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬نصك‭ ‬مبسطا‭ ‬كثيرا‭ ‬ودفاعيا‭ ‬وإرهابيا‭ ‬لكونه‭ ‬ثمرة‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬مباشرة،‭ ‬حينذاك‭ ‬سوف‭ ‬تُقمع‭ ‬بالضرورة،‭ ‬لكنك،‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬صاحب‭ ‬نص‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬وتركيبا‭ ‬وإنسانية،‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينطبق‭ ‬عليك‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬معادلة‭ ‬قمع‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬سوف‭ ‬تكسب‭ ‬أمرين‭: ‬تجاوز‭ ‬الرقابة‭ ‬وبلوغ‭ ‬العالمية‭.‬

الجديد:‬‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬الآن‭ ‬قيد‭ ‬الولادة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬وستتأكد‭ ‬ولادته‭ ‬خصوصا‭ ‬بعد‭ ‬خضة‭ ‬سقوط‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬وانكسار‭ ‬المشروعات‭ ‬الكبرى،‭ ‬لأن‭ ‬سطوة‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬الثقافي‭ ‬كانت‭ ‬فادحة‭ ‬في‭ ‬تغييبها‭ ‬للتعبير‭ ‬الشخصي‭ ‬وللمشروعات‭ ‬الشخصية‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬فعلا،‭ ‬سطوة‭ ‬السياسي‭ ‬كانت‭ ‬مرهقة‭ ‬ومدمرة‭. ‬والنص‭ ‬الجديد‭ ‬بدأ‭ ‬يتشكل،‭ ‬لم‭ ‬يلد،‭ ‬ولكنه‭ ‬قيد‭ ‬التشكل‭. ‬وحول‭ ‬نقطة‭ ‬الهيمنة‭ ‬للسياسي‭ ‬كنت‭ ‬أكتب‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬محادثات‭ ‬السلام‭ ‬نصا‭ ‬نشر‭ ‬في‭ ‬الهيرالد‭ ‬تريبيون‭ ‬عن‭ ‬عائلة‭ ‬في‭ ‬الجولان‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭. ‬أذكر‭ ‬أفراد‭ ‬هذه‭ ‬العائلة‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1967‭ ‬لاجئة‭ ‬إلى‭ ‬دمشق‭ ‬ونزل‭ ‬أفرادها‭ ‬ضيوفا‭ ‬علينا‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬قدمت‭ ‬وصفا‭ ‬لهذه‭ ‬العائلة،‭ ‬واكتشفت‭ ‬أثناء‭ ‬كتابتي‭ ‬تلك‭ ‬المقالة‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬مشاعري‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬تأنيب‭ ‬الضمير‭ ‬مصدره‭ ‬أنني‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬لاجئين‭ ‬غير‭ ‬فلسطينيين،‭ ‬وربما‭ ‬كنت‭ ‬شعرت‭ ‬أنني‭ ‬إذ‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬لاجئ‭ ‬الجولان‭ ‬إنما‭ ‬أغيّب‭ ‬بذلك‭ ‬لاجئ‭ ‬فلسطين‭. ‬هذا‭ ‬شعور‭ ‬متعب،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هدفي‭ ‬تغييب‭ ‬أحد‭ ‬وراء‭ ‬أحد،‭ ‬هناك‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬تتعلق‭ ‬بتجربتنا‭ ‬الحقيقية‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬لم‭ ‬توصف‭.‬

الجديد:‬‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬فلسطين‭ ‬وتعقيدها‭ ‬الكبير،‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬حولها،‭ ‬وفتّتهم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬يجر‭ ‬حله،‭ ‬هذه‭ ‬القضية،‭ ‬في‭ ‬اعتقادي،‭ ‬لعبت‭ ‬دورا‭ ‬مميزا‭ ‬في‭ ‬قمع‭ ‬ولجم‭ ‬تطور‭ ‬تاريخي‭ ‬عربي‭ ‬كامل‭ ‬وفي‭ ‬مستويات‭ ‬مختلفة‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬نعم‭.. ‬خذ‭ ‬مثلا‭ ‬شعراء‭ ‬وكتاب‭ ‬فلسطين‭ ‬أنفسهم،‭ ‬إنهم‭ ‬يعون‭ ‬هذه‭ ‬العقدة‭ ‬تماما،‭ ‬يشعرون‭ ‬أن‭ ‬قضيتهم‭ ‬تكبّل‭ ‬طموحاتهم‭ ‬التعبيرية‭ ‬والجمالية‭. ‬يشعرون‭ ‬أنفسهم‭ ‬مقيدين‭ ‬كشعراء‭ ‬وكتاب‭.‬

الجديد:‬‭ ‬الآن،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬موقعك‭ ‬كأنثى‭ ‬من‭ ‬مقعدك،‭ ‬ونظرتك‭ ‬إلى‭ ‬الأشياء،‭ ‬كيف‭ ‬ترين‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التعقيد‭ ‬الذي‭ ‬نقاربه؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬بإزاء‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬طالما‭ ‬أحسست‭ ‬أنني‭ ‬مكبلة‭ ‬وقابلة‭ ‬لهذا‭ ‬التكبيل‭ ‬بالمعنى‭ ‬السياسي،‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬سلمان‭ ‬رشدي‭ ‬آخر‭. ‬قلت‭ ‬هذا‭ ‬لنفسي‭ ‬مرارا،‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬لخيالي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬استفزازيا‭ ‬كخيال‭ ‬رشدي‭ ‬لئلا‭ ‬تستثمر‭ ‬نصي‭ ‬لأهداف‭ ‬سياسية‭ ‬تدرجه‭ ‬بين‭ ‬خطاباتها‭. ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬لنصي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المصير‭. ‬رشدي‭ ‬استغل‭ ‬خطابه،‭ ‬وهو‭ ‬كان‭ ‬أحمق،‭ ‬عندما‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬ذلك‭ ‬مسبقا‭. ‬هو‭ ‬غير‭ ‬مسيّس،‭ ‬موهوب‭ ‬كثيرا،‭ ‬لكنه‭ ‬غير‭ ‬مسيس،‭ ‬لم‭ ‬يفهم‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬عندما‭ ‬يعطيك‭ ‬إمكان‭ ‬النجاح،‭ ‬إنما‭ ‬يمد‭ ‬لك‭ ‬الحبل‭ ‬لتصبح‭ ‬أسيره،‭ ‬وليحركك‭ ‬إذا‭ ‬استطاع،‭ ‬‭(‬ويستطيع‭)‬‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لتشنق‭ ‬نفسك‭ ‬بهذا‭ ‬الحبل،‭ ‬وفي‭ ‬حالتي،‭ ‬أحس‭ ‬حقيقة‭ ‬أنني‭ ‬مكبلة‭ ‬لكوني‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬لعملي‭ ‬أن‭ ‬يستغل،‭ ‬هذه‭ ‬صعوبة‭ ‬كبرى،‭ ‬لكنني‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬تحديدا،‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬لماذا‭ ‬تماما،‭ ‬ألظروف‭ ‬خاصة‭ ‬أو‭ ‬لظروف‭ ‬سياسية،‭ ‬وبسبب‭ ‬آثار‭ ‬حرب‭ ‬الخليج،‭ ‬أو‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬التساؤلات‭ ‬الكبيرة‭ ‬المطروحة‭ ‬بصدد‭ ‬الإسلام،‭ ‬والتي‭ ‬تشغلني،‭ ‬ربما‭ ‬لكل‭ ‬هذا‭ ‬تشكلت‭ ‬عندي‭ ‬أزمة‭ ‬كتابية‭ ‬كبيرة‭ ‬جدا،‭ ‬وأتصور‭ ‬أنني‭ ‬وصلت‭ ‬حالة‭ ‬الانفجار،‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الذي‭ ‬يجعلني‭ ‬أحس‭ ‬أنه‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭ ‬أنا‭ ‬مضطرة‭ ‬لأن‭ ‬أكون‭ ‬صريحة‭ ‬فعلا‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬تجربتي‭ ‬كإنسانة‭. ‬وصلت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭.‬

الجديد:‬‭ ‬من‭ ‬موقعك‭ ‬الجغرافي‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الآن‭ ‬كيف‭ ‬تنظرين‭ ‬إلى‭ ‬مجريات‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬يكاد‭ ‬يصوغ‭ ‬وضعية‭ ‬جديدة‭ ‬للمرأة،‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أنها‭ ‬تسلب‭ ‬منها‭ ‬حقوقا‭ ‬جهدت‭ ‬عبر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعين‭ ‬عاما‭ ‬لتحقيقها‭. ‬والإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬الأصولية‭ ‬الإسلامية‭ ‬وموقفها‭ ‬من‭ ‬المرأة،‭ ‬وبصفتها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أصوليات‭ ‬دينية‭ ‬أخرى‭ ‬منها‭ ‬المسيحية‭ ‬والأصولية‭ ‬اليهودية،‭ ‬وموقفها‭ ‬من‭ ‬المرأة‭ ‬له‭ ‬رصيده‭ ‬من‭ ‬البشاعة‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬أصولية‮»‬‭ ‬‭(‬Fundementalim‭)‬‭ ‬يكاد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬دقيقا‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬المتعصبين‭ ‬دينيا‭ ‬من‭ ‬المسلمين. ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬مصطلح‭ ‬‭(‬السلفية‭)‬‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭ !‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬حتى‭ ‬السلفية‭ ‬مصطلح،‭ ‬ولديّ‭ ‬تحفظ‭ ‬على‭ ‬استعماله‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المعرض،‭ ‬ففي‭ ‬الإسلام‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬سلفيتان،‭ ‬سلفية‭ ‬النبي‭ ‬محمد‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬مثل‭ ‬لا‭ ‬أتصور‭ ‬أنه‭ ‬يتطابق‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يوصف‭ ‬اليوم‭ ‬بـ‮»‬الأصولية‮»‬،‭ ‬وهنك‭ ‬سلفية‭ ‬عمر‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬مثل‭ ‬للأصولي،‭ ‬فسلفية‭ ‬من‭ ‬تقصد؟

الجديد:‬‭ ‬المقصود‭ ‬هنا‭ ‬الخط‭ ‬المتشدد‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬هذا‭ ‬موجود‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭. ‬وصراع‭ ‬علي‭ ‬وعمر‭ ‬مع‭ ‬النبي‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬مثيله‭ ‬الصراع‭ ‬الدائر‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭. ‬لأن‭ ‬الحوار‭ ‬الدائر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البرهة‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬ذاك‭.‬

الجديد:‬‭ ‬تحديدا‭ ‬للسؤال،‭ ‬الذي‭ ‬بدا‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬سبيلها‭ ‬إلى‭ ‬الخروج‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬مدني‭ ‬حيث‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تحتكم‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬وإلى‭ ‬القانون‭ ‬لنيل‭ ‬حقوقها‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬سلطة‭ ‬التعصب‭ ‬لديني‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬مجتمع‭ ‬تتكلم؟

الجديد:‬‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬حيث‭ ‬هناك‭ ‬هيمنة‭ ‬للدولة‭ ‬اللادينية‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬غير‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬مثلا‭. ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أطالب‭ ‬بحقوقي‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬وذهبت‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة،‭ ‬القوانين‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمرأة‭ ‬والعائلة‭ ‬والأولاد‭ ‬هي‭ ‬قوانين‭ ‬شرعية‭.‬

الجديد:‬‭ ‬إنما‭ ‬بسبب‭ ‬علمانية‭ ‬الدولة،‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬المرأة‭ ‬وتلجم‭ ‬فكرة‭ ‬المصادرة‭ ‬الواسعة‭ ‬لحريتها‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬ليس‭ ‬كثيرا‭.‬

الجديد:‬‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬العراق،‭ ‬سوريا،‭ ‬لبنان،‭ ‬الوضع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للمرأة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬بؤس‭ ‬يبقى‭ ‬أفضل‭ ‬نسبيا‭ ‬من‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬عربية‭ ‬أخرى،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬مثلا‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬تونس‭ ‬تبرز‭ ‬كاستثناء‭. ‬هناك‭ ‬حصل‭ ‬تغيير‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬المرأة‭.‬

الجديد:‬‭ ‬تقصدين‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التجربة‭ ‬البورقيبية؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬بورقيبة‭ ‬طبعا‭ ‬له‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬نساء‭ ‬سياسيات‭ ‬عملن‭ ‬فعليا‭ ‬لتنال‭ ‬المرأة‭ ‬حقها،‭ ‬بينما‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬مثلا،‭ ‬لم‭ ‬تحاول‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬القوانين،‭ ‬لم‭ ‬تضع‭ ‬ذلك‭ ‬بين‭ ‬أهدافها‭ ‬العملية‭.‬

الجديد:‬‭ ‬لو‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬السؤال‭ ‬حول‭ ‬وضع‭ ‬المرأة‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬مثلا،‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وفي‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى،‭ ‬الملاحظ‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬مدعوّة‭ ‬إلى‭ ‬العودة‭ ‬تماما‭ ‬إلى‭ ‬بيتها،‭ ‬إلى‭ ‬صورتها‭ ‬التقليدية‭ ‬كـ‮»‬حرمة‮»‬‭. ‬فهي‭ ‬مطلوب‭ ‬أن‭ ‬تحجب،‭ ‬وتختفي‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬ينتجه‭ ‬الاختفاء‭ ‬من‭ ‬دلالات‭. ‬من‭ ‬جهتك‭ ‬هل‭ ‬تعتقدين‭ ‬أن‭ ‬حقوق‭ ‬المرأة‭ ‬مهددة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬بسبب‭ ‬موقف‭ ‬الجماعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬المتطرفة‭ ‬منها؟

في‭ ‬الغرب‭ ‬عدائية‭ ‬فظيعة‭ ‬نحو‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬وهذه‭ ‬العدائية‭ ‬قديمة‭ ‬جدا‭ ‬تاريخيا

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬الملاحظة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬السؤال‭ ‬أنه‭ ‬يتبنى‭ ‬الوصف‭ ‬الغربي‭ ‬للحركة‭ ‬الإسلامية‭ ‬عندما‭ ‬يشخص‭ ‬السؤال‭ ‬الرجل‭ ‬المسلم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬فرض‭ ‬وضعية‭ ‬على‭ ‬المرأة‭.‬

الجديد:‬‭ ‬لم‭ ‬أقصد،‭ ‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أقصد،‭ ‬تحديد‭ ‬أن‭ ‬المسلم‭ ‬الأصولي‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك‭ ‬بصفته‭ ‬رجلا‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬دعني‭ ‬إذن‭ ‬أعتبر‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬يعرض‭ ‬صورة‭ ‬الرجل‭ ‬الأصولي‭ ‬المسلم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬يفرض‭ ‬فيها‭ ‬وضعية‭ ‬معينة‭ ‬على‭ ‬النساء‭. ‬لننظر‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬علمانية‭ ‬مثل‭ ‬سوريا،‭ ‬تجد‭ ‬حركة‭ ‬أصولية‭ ‬نسائية‭ ‬كبيرة‭ ‬جدا،‭ ‬وتجد‭ ‬أن‭ ‬بنات‭ ‬كثيرات‭ ‬من‭ ‬عائلات‭ ‬علمانية‭ ‬تماما‭ ‬مثل‭ ‬عائلتي‭ ‬يتحولن‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬إلى‭ ‬محجبات‭ ‬وأصوليات،‭ ‬وهن‭ ‬أصلا‭ ‬مثقفات‭ ‬طبيبات‭ ‬ومهندسات‭ ‬وأساتذة‭ ‬في‭ ‬الجامعات،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭.‬

الجديد:‬‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬تفسيرك‭ ‬الشخصي‭ ‬لهذه‭ ‬العودة؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬لعلها‭ ‬مظهر‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬السياسي،‭ ‬فأنت‭ ‬كفرد‭ ‬عندما‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬بلا‭ ‬مقدرة‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬سوف‭ ‬تتولد‭ ‬لديك‭ ‬ردات‭ ‬فعل،‭ ‬وأحيانا‭ ‬ما‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬بانكفاء‭ ‬نحو‭ ‬الداخل،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭.‬

الجديد:‬‭ ‬لماذا‭ ‬‭-‬في‭ ‬رأيك‭-‬‭ ‬لم‭ ‬يتطور‭ ‬الخطاب‭ ‬النسوي‭ ‬في‭ ‬المشرق،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬المغربي‭ ‬العربي‭ ‬مثلا،‭ ‬باستثناء‭ ‬لبنان‭ ‬حيث‭ ‬نجد‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭. ‬هل‭ ‬بسبب‭ ‬إمكانات‭ ‬التعبير‭ ‬وظروفه‭ ‬فقط،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أسبابا‭ ‬أخرى‭ ‬تتصل‭ ‬بمكونات‭ ‬أخرى‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬ضعف‭ ‬الحركة‭ ‬النسوية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬كما‭ ‬أتصور‭ ‬سببه‭ ‬وجود‭ ‬حزب،‭ ‬والحزب‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يأكل‭ ‬كل‭ ‬شيء. ‬والمرأة‭ ‬المسيّسة‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬الحزب‭ ‬تتحول‭ ‬انشغالاتها‭ ‬وهمومها‭ ‬إلى‭ ‬هموم‭ ‬حزبية،‭ ‬ويتحول‭ ‬نضالها‭ ‬كامرأة‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬نضال‭ ‬الحزب،‭ ‬ويتأسس‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭ ‬اتحاد‭ ‬نسائي. ‬كيافطة‭ ‬فهو‭ ‬يحمل‭ ‬على‭ ‬عاتقه‭ ‬كمنظمة‭ ‬جماهيرية‭ ‬مهمة‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬تحرّر‭ ‬يتم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬غير‭ ‬فردي. ‬حركة‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الستينات‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬والغرب‭ ‬تدلنا‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬إنساني‭ ‬ونسائي‭ ‬شامل،‭ ‬على‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬ربين‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنهن‭ ‬سيكنّ‭ ‬أمهات‭ ‬يربين‭ ‬أولادا‭ ‬ويطبخن‭ ‬ويعملن‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬ويقبلن‭ ‬الرجل‭ ‬ويقبلن‭ ‬المفروضات،‭ ‬وفجأة‭ ‬انفجرن‭ ‬تماما‭. ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬انفجر،‭ ‬وقال‭ ‬لا‭.. ‬لا‭ ‬أقبل‭ ‬هذا‭. ‬طبعا‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬كان‭ ‬عنيفا‭. ‬ولكن‭ ‬خطابات‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬مرّ‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬التعقيد‭ ‬الضروري‭ ‬لها‭. ‬الآن‭ ‬فقط‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬إعادة‭ ‬كتابة‭ ‬الـFeminism‭ ‬وإعادة‭ ‬كتابة‭ ‬للحركة‭ ‬التي‭ ‬خاطبتها‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬والذي‭ ‬يبدو‭ ‬وفق‭ ‬بعض‭ ‬الخطابات‭ ‬النسائية‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬إذا‭ ‬أرادت‭ ‬أن‭ ‬تتحرّر‭ ‬فإنه‭ ‬أولا‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬كالرجل،‭ ‬وثانيا‭ ‬كالرجل‭ ‬الغربي،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬العنوان،‭ ‬أو‭ ‬الشعار‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مطروحا‭. ‬بالنسبة‭ ‬إليّ،‭ ‬أحس‭ ‬أنني‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬أخرى،‭ ‬ولا‭ ‬أرغب‭ ‬أو‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬مثل‭ ‬الرجل،‭ ‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬الرجل‭ ‬الغربي. ‬هناك‭ ‬نماذج‭ ‬كثيرة‭ ‬اضطرت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تُكسر‭. ‬النساء‭ ‬من‭ ‬حضارات‭ ‬أخرى‭ ‬كالكاريبي‭ ‬أو‭ ‬الهند‭ ‬أو‭ ‬باكستان،‭ ‬اللواتي‭ ‬يكتبن‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬إنكلترا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬أضفن‭ ‬أشياء‭ ‬مهمة‭ ‬كثيرة‭ ‬إلى‭ ‬الخطاب‭ ‬النسائي‭.‬

هناك‭ ‬اليوم‭ ‬مدّ،‭ ‬وحتى‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬خلت،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬تفسير‭ ‬مبسط‭ ‬كثيرا‭ ‬للحضارات‭ ‬الأخرى،‭ ‬ولدور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الحضارات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وخصوصا‭ ‬لدور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الحضارات‭ ‬الإسلامية‭.‬

الغربيات‭ ‬مثلا،‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬النسائية‭ ‬يطرحن‭ ‬علينا‭ ‬التالي‭: ‬نحن‭ ‬من‭ ‬سيحرّركن‭ ‬من‭ ‬حضارتكن،‭ ‬ومن‭ ‬الإسلام‭. ‬وهذا‭ ‬الطرح‭ ‬هو‭ ‬تماما‭ ‬طرح‭ ‬استعماري،‭ ‬وكان‭ ‬سائدا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ ‬اللورد‭ ‬بانغ‭ ‬إنه‭ ‬سيحرر‭ ‬نساء‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬الإسلام،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬ضد‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬إنكلترا،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬حاربوا‭ ‬المطالبين‭ ‬بحق‭ ‬التصويت‭ ‬للمرأة،‭ ‬في‭ ‬بلاده‭ ‬كان‭ ‬‭(‬ضد‭)‬‭ ‬وفي‭ ‬مصر‭ ‬كان‭ ‬‭(‬مع‭)‬‭ ‬لماذا؟‭ ‬لأن‭ ‬حركة‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬أثناءها‭ ‬كانت‭ ‬حركة‭ ‬علمانية‭ ‬مفتونة‭ ‬بالغرب‭ ‬وضد‭ ‬الإسلام‭.‬

وتبدو‭ ‬لي‭ ‬فاطمة‭ ‬المرنيسي‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬عندما‭ ‬تخاطب‭ ‬الغرب‭ ‬ونساءه‭: ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أرفض‭ ‬ديني،‭ ‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬غربية‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬إنسانا،‭ ‬ولي‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬وحضارتي‭ ‬وثقافتي‭ ‬وديني‭ ‬يسمحون‭ ‬لي‭ ‬بأن‭ ‬أكون‭ ‬إنسانا‭. ‬لكنني‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬ديني‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وديني‭ ‬ليس‭ ‬المطروح‭ ‬الآن،‭ ‬وليس‭ ‬الدين‭ ‬الذي‭ ‬تريدون‭ ‬منّي‭ ‬إلغاءه،‭ ‬والذي‭ ‬تطالبونني‭ ‬إما‭ ‬بإلغائه‭ ‬لأستحق‭ ‬القبول‭ ‬من‭ ‬جانبكم،‭ ‬أو‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬فضائه‭ ‬الحضاري،‭ ‬وبالتالي‭ ‬اتهامي‭ ‬بالأصولية،‭ ‬هناك‭ ‬حلول‭ ‬أخرى،‭ ‬وأصوات‭ ‬أخرى،‭ ‬غير‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يرغب‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬الإعلاء‭ ‬من‭ ‬شأنها‭.‬

الجديد:‬‭ ‬بمعنى‭ ‬أنك‭ ‬غير‭ ‬مقبولة‭ ‬لدى‭ ‬الآخر‭ ‬الغربي‭ ‬إلا‭ ‬بانتمائك‭ ‬الكلي‭ ‬إلى‭ ‬الغرب،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الذوبان‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري،‭ ‬أي‭ ‬الفناء‭ ‬فيه‭.. ‬أهذا‭ ‬ما‭ ‬تحاولين‭ ‬تصويره؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬نعم،‭ ‬وقطعا‭. ‬ربما‭ ‬أكون‭ ‬مقبولة‭ ‬كمهتمة‭ ‬بثقافتي‭ ‬العربية‭ ‬كثقافة‭ ‬أكزوتيك‭. ‬ولكن‭ ‬لو‭ ‬قلت‭ ‬أن‭ ‬لديّ‭ ‬بعدا‭ ‬سياسيا‭ ‬ولا‭ ‬أرغب‭ ‬كمسلمة‭ ‬في‭ ‬إلغاء‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬فيّ.. ‬يصبح‭ ‬الأمر‭ ‬حساسا‭ ‬جدا. ‬وربما‭ ‬يجعلني‭ ‬موقفي‭ ‬هذا‭ ‬أتّهم‭ ‬بالأصولية. ‬وفي‭ ‬واقع‭ ‬الحال‭ ‬أن‭ ‬الأصوليين‭ ‬يرفضونني‭ ‬بمقدار‭ ‬ما‭ ‬يرفضني‭ ‬الغربيون. ‬أحس‭ ‬أنني‭ ‬بين‭ ‬حجري‭ ‬الرحى‭ ‬هذين‭.‬

الجديد:‬‭ ‬وهكذا،‭ ‬تجدين‭ ‬نفسك‭ ‬تقفين‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬ثالثة‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬نعم،‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬ثالثة‭. ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬الثالثة‭.‬

الجديد:‬‭ ‬هل‭ ‬تقدّرين‭ ‬أن‭ ‬حالتك‭ ‬مقرونة‭ ‬بحالات‭ ‬حضارية‭ ‬أخرى‭ ‬تقيم‭ ‬في‭ ‬ظهراني‭ ‬الغرب،‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬ازدواجية‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الغربي‭ ‬الذي‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬التعدد‭ ‬والاختلاف‭ ‬والتسامح،‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬بالاعتراف‭ ‬بهذا‭ ‬الثالث‭. ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعترف‭ ‬للآخر‭ ‬الثاني،‭ ‬الموصوم‭ ‬بالدكتاتورية‭ ‬تارة‭ ‬وبالأصولية‭ ‬تارة‭ ‬أخرى‭ ‬إلا‭ ‬بعلاقة‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬صراعي‭ ‬مأساوي؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬بالتأكيد‭. ‬الغرب‭ ‬أصولي،‭ ‬والأصوليات‭ ‬التي‭ ‬نتكلم‭ ‬عليها‭ ‬ليست‭ ‬دينية‭ ‬وحسب،‭ ‬هناك‭ ‬أصولية‭ ‬علمانية‭ ‬قوية‭ ‬جدا،‭ ‬الكاتب‭ ‬الباكستاني‭ ‬شبري‭ ‬أختار‭ ‬سماها‭ ‬‭(‬The‭ ‬Liberal

Inquisition‭)‬‭ ‬‮«‬محاكم‭ ‬التفتيش‭ ‬الليبرالية‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬موجودة‭ ‬فعلا‭.‬

الجديد:‬‭ ‬ثقافة‭ ‬المثقف‭ ‬العربي‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ ‬صيغت،‭ ‬تقريبا،‭ ‬لتجعله‭ ‬قابلا‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬يكون‭ ‬أوروبيا‮»‬‭ ‬والثقافة‭ ‬العربية‭ ‬جرى‭ ‬تلقيحها‭ ‬عبر‭ ‬الترجمة‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬نشطت‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭. ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬تسللت‭ ‬خطابات‭ ‬المستشرقين‭ ‬نحو‭ ‬المرأة‭ ‬العربية،‭ ‬وكذلك‭ ‬الصورة‭ ‬الأوروبية‭ ‬للمرأة‭ ‬وإشكاليات‭ ‬وجودها؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬هناك‭ ‬مسألة‭ ‬مهمة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالاستشراق،‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬تطرح‭ ‬كثيرا‭. ‬نستنتج‭ ‬أن‭ ‬الاستشراق‭ ‬حنّط‭ ‬التقليدية،‭ ‬وأخذ‭ ‬من‭ ‬الحضارتين‭ ‬الإسلامية‭ ‬والعربية‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ضد‭ ‬المرأة،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يتجنّى‭ ‬على‭ ‬المرأة. ‬لماذا؟‭ ‬أولا‭: ‬الاستشراق‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وحتى‭ ‬الآن،‭ ‬لم‭ ‬يتطور. ‬الذي‭ ‬تغير‭ ‬فيه،‭ ‬أنه‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬فيديو،‭ ‬وفيلم‭ ‬وأغنية‭ ‬وموضة،‭ ‬وفوتوغراف‭ ‬وبوستر‭ ‬سياحي،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭. ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬تجاوز‭ ‬أسوار‭ ‬الجامعة‭ ‬والأكاديميا،‭ ‬ووزارة‭ ‬الخارجية،‭ ‬وتعددت‭ ‬أهدافه،‭ ‬وتشعب‭ ‬حضوره‭.‬

هناك‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬تتعلق‭ ‬بتجربتنا‭ ‬الحقيقية‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬لم‭ ‬توصف

أما‭ ‬لماذا‭ ‬اختار‭ ‬الاستشراق‭ ‬أن‭ ‬يصوغ‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬نحو‭ ‬المرأة‭ ‬العربية‭ ‬والمسلمة،‭ ‬فلأن‭ ‬النظرية‭ ‬الغربية‭ ‬للمرأة‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬كانت‭ ‬كذلك،‭ ‬وبالتالي‭ ‬وصل‭ ‬الغربيون‭ ‬إلى‭ ‬منطقتنا‭ ‬قادمين‭ ‬من‭ ‬حضارات‭ ‬أبوية‭ ‬ومعادية‭ ‬للمرأة. ‬مثلا‭ ‬اليوم‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬الطرح‭ ‬الغربي،‭ ‬خصوصا‭ ‬النسائي‭ ‬منه،‭ ‬حملة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬الختان‭. ‬ونحن‭ ‬نعرف‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬إنكلترا‭ ‬وأميركا‭ ‬كانت‭ ‬تتم‭ ‬عمليات‭ ‬الختان‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬واسع،‭ ‬وأيّ‭ ‬امرأة‭ ‬متحررة‭ ‬قليلا‭ ‬ولديها‭ ‬ميل‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬حرة،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬ترفض‭ ‬الدور‭ ‬الصغير‭ ‬المعطى‭ ‬لها‭ ‬كانت‭ ‬تجرى‭ ‬لها‭ ‬عملية‭ ‬ختان،‭ ‬هذا‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬إنكلترا‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬والدكتور‭ ‬كوشنغ،‭ ‬وضع‭ ‬مؤلفات‭ ‬عديدة‭ ‬حول‭ ‬الطريقة‭ ‬الوحيدة‭ ‬ليضبطوا‭ ‬النساء‭.‬

كان‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬عاديا،‭ ‬وعندما‭ ‬كتب‭ ‬المستشرقون،‭ ‬امتدحوا‭ ‬الطرق‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يتّبعها‭ ‬الشرق‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬النساء،‭ ‬واعتبروها‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬طرقهم،‭ ‬وبالتالي‭ ‬جرى‭ ‬تثبيت‭ ‬هذا‭ ‬الشيء‭.‬

أيضا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬سبب‭ ‬آخر‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬الغربي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬التحرر‭ ‬وتحرير‭ ‬نسائه،‭ ‬لذلك‭ ‬أوجد‭ ‬مشروعية‭ ‬لقوله‭ ‬إن‭ ‬الغربيين‭ ‬يعاملون‭ ‬نسائهم‭ ‬بأفضل‭ ‬مما‭ ‬يعاملها‭ ‬الشرقيون‭ ‬في‭ ‬الشرق،‭ ‬وبالتالي‭ ‬بالغ‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬إجرامية‭ ‬الشرق‭.‬

الجديد:‬‭ ‬لو‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬شخصية‭ ‬المثقفة‭ ‬العربي‭ ‬وموقفه‭ ‬من‭ ‬المرأة‭.. ‬نحن‭ ‬طالما‭ ‬وُوجهنا‭ ‬بحالات‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬ازدواجية‭ ‬صارخة،‭ ‬وكأن‭ ‬ثقافة‭ ‬المثقف‭ ‬هي‭ ‬طموح‭ ‬يقمعه‭ ‬سلوكه‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬كلما‭ ‬جرب‭ ‬أن‭ ‬يتغير‭ ‬عبر‭ ‬الفكر؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬أنا‭ ‬كفرد‭ ‬لديّ‭ ‬أزمة‭ ‬كبيرة‭ ‬مع‭ ‬المثقف‭ ‬العربي،‭ ‬وربما‭ ‬لأنني‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬أخرجت‭ ‬شاعرا‭ ‬عربيا‭ ‬كبيرا‭ ‬هو‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬ولأن‭ ‬ظروف‭ ‬حياتي‭ ‬جعلتني‭ ‬أحتكّ‭ ‬كثيرا‭ ‬بكتّاب‭ ‬وشعراء‭ ‬عرب،‭ ‬الحقيقة،‭ ‬أحس‭ ‬أنهم‭ ‬ضعفاء‭ ‬وهشون‭ ‬في‭ ‬موقفهم‭ ‬من‭ ‬المرأة‭. ‬الكاتب‭ ‬العربي‭ ‬رجل‭ ‬وليس‭ ‬إنسانا‭. ‬بصراحة‭ ‬وما‭ ‬دام‭ ‬الكاتب‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬يفلح‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬رجل،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬يبدو‭ ‬سببا‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أسباب‭ ‬تجعلني‭ ‬غير‭ ‬معنية‭ ‬بكتابته‭ ‬عمليا‭. ‬مثلا‭ ‬عندما‭ ‬يكتب‭ ‬نزار‭ ‬قصيدة‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬اليوم‭ ‬تبدو‭ ‬ساذجة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ،‭ ‬إنها‭ ‬تمثل‭ ‬شيئا‭ ‬لا‭ ‬يهمني‭ ‬أو‭ ‬يمسني. ‬تمثل‭ ‬مراهقا‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1920‭ ‬في‭ ‬دمشق‭.‬

الجديد:‬‭ ‬هل‭ ‬ينسحب‭ ‬توصيفك‭ ‬مثلا‭ ‬على‭ ‬شاعر‭ ‬كبدر‭ ‬شاكر‭ ‬السياب؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬بدر‭ ‬شاكر‭ ‬السياب‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬شعراء‭ ‬العرب‭ ‬الحديثين،‭ ‬يبدو‭ ‬الوحيد‭ ‬الإنسان،‭ ‬وأسباب‭ ‬ذلك‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬حياته‭.‬

أولا‭ ‬الفقر‭ ‬والمرض‭ ‬اللذان‭ ‬عاشهما،‭ ‬ثم‭ ‬لكونه‭ ‬كان‭ ‬يتيما‭ ‬بلا‭ ‬أم،‭ ‬وهذا‭ ‬أثّر‭ ‬في‭ ‬شخصيته،‭ ‬وفي‭ ‬موقعه‭ ‬من‭ ‬المرأة‭ ‬كثيرا‭. ‬خذ‭ ‬لؤي‭ ‬كيالي،‭ ‬مثلا،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الرسامين‭ ‬العرب،‭ ‬حياته‭ ‬تشبه‭ ‬في‭ ‬مأساويتها‭ ‬مأساوية‭ ‬حياة‭ ‬السياب‭. ‬وهو‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬صيغته‭ ‬كرجل،‭ ‬ونحن‭ ‬نجد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬قلقه‭ ‬الوجودي‭ ‬ثم‭ ‬ألوانه‭ ‬وموضوعاته،‭ ‬وجملة‭ ‬معالجاته‭ ‬الفنية‭.‬

الجديد:‬‭ ‬وأنسي‭ ‬الحاج،‭ ‬أما‭ ‬تعتقدين‭ ‬أن‭ ‬شعره‭ ‬يتيح‭ ‬لنا‭ ‬قراءة‭ ‬تستدرك‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬تقصدين؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬أنسي،‭ ‬كما‭ ‬أتصور،‭ ‬ظل‭ ‬أسير‭ ‬قالب‭ ‬رومنطيقي،‭ ‬لكنه‭ ‬غير‭ ‬مؤذ‭ ‬في‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬المرأة‭. ‬أهميته‭ ‬أن‭ ‬لديه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬الحقيقة،‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فجوة‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬تجربة‭ ‬الرجل‭ ‬العربي،‭ ‬وبين‭ ‬تعبيره‭.‬

الجديد:‬‭ ‬كيف‭ ‬تنظرين‭ ‬من‭ ‬الزاوية‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬في‭ ‬شعره،‭ ‬ولعل‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬محرجا،‭ ‬لكونكما‭ ‬كنتما‭ ‬مرتبطين‭ ‬في‭ ‬زواج؟

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬محمود‭ ‬شاعر‭ ‬لدية‭ ‬قدره‭ ‬على‭ ‬وصف‭ ‬تفاصيل‭ ‬علاقته‭ ‬بالمرأة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬تحضر‭. ‬شاعر‭ ‬حساس‭. ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يتطور‭ ‬كرجل،‭ ‬ربما‭ ‬هو‭ ‬أبويّ‭ ‬النزعة‭.‬

وبكل‭ ‬محبة‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬محمود‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬العمل‭ ‬العظيم‭ ‬الكامن‭ ‬داخله‭.‬

عندما‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يصف‭ ‬تجربته‭ ‬الحقيقية‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬بتفاصيلها‭ ‬الجميلة‭ ‬والبشعة‭ ‬والمريرة،‭ ‬وبالصدمات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬بشكل‭ ‬حقيقي‭ ‬وصريح،‭ ‬سوف‭ ‬يقدم‭ ‬عملا‭ ‬عظيما‭. ‬أتذكر‭ ‬مثلا‭ ‬قصيدته‭ ‬‮«‬النهر‭ ‬غريب‮»‬‭. ‬قصيدة‭ ‬مؤثرة،‭ ‬تصف‭ ‬موت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭. ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يصف‭ ‬هذا‭ ‬الموت‭ ‬بشكل‭ ‬شفاف‭ ‬ودقيق‭.‬

أذكر‭ ‬حديثا‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬سبعة‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ ‬كنا‭ ‬إلياس‭ ‬خوري‭ ‬ومحمود‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬عشاء‭. ‬وكان‭ ‬الحديث‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬الشاعر‭ ‬الفرنسي‭ ‬صاحب‭ ‬عيون‭ ‬إلزا. ‬إلياس‭ ‬كان‭ ‬يقرأ‭ ‬أراجون،‭ ‬ويصف‭ ‬وصف‭ ‬أراجون‭ ‬لإلزا،‭ ‬وكان‭ ‬متأثرا‭ ‬جدا‭ ‬بهذا‭ ‬الوصف،‭ ‬فالتفت‭ ‬محمود‭ ‬نحوه،‭ ‬وقال‭ ‬ساخرا: ‬ما‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬امرأة‭ ‬موضوعا‭ ‬كليا‭ ‬له؟‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المرأة‭ ‬موضوعا‭ ‬نهائيا‭ ‬للشاعر! ‬قالها‭ ‬بعنف‭ ‬شديد،‭ ‬إلياس‭ ‬صدم‭. ‬ونظر‭ ‬نحو‭ ‬محمود‭ ‬قائلا:‬‭ ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬موضوع‭ ‬كبير‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬العالم،‭ ‬فأنت‭ ‬إذن‭ ‬مازلت‭ ‬لم‭ ‬تنضج‭ ‬كفنان،‭ ‬طبعا‭ ‬وقع‭ ‬صدام‭ ‬كبير‭ ‬بينهما‮…‬‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬كان‭ ‬مميزا‭.‬

الجديد:‬‭ ‬أراجون‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬هي‭ ‬مستقبل‭ ‬العالم‭. ‬ربما‭ ‬هو‭ ‬يرى‭ ‬ذلك‭ ‬لأنها‭ ‬مقصاة‭ ‬من‭ ‬حاضر‭ ‬العالم‭ !‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬أنا‭ ‬أضيف‭ ‬على‭ ‬أراجون‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬هو‭ ‬الماضي‭. ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬الماضي‭ ‬حقيقة. ‬الرجل‭ ‬يمثل‭ ‬الحروب،‭ ‬ويمثل‭ ‬التفرقة‭ ‬العنصرية،‭ ‬يمثل‭ ‬الاستعمار،‭ ‬يمثل‭ ‬المجازر،‭ ‬يمثل‭ ‬بيع‭ ‬الأسلحة،‭ ‬يمثل‭ ‬البورنوغرافي،‭ ‬يمثل‭ ‬العنف،‭ ‬يمثل‭ ‬تدمير‭ ‬الكون‭ ‬والأرض‭. ‬الرجل‭ ‬يمثل‭ ‬هذه‭ ‬الأشياء‭ ‬البشعة‭ ‬كلها‭ ‬وغيرها‭ ‬أيضا‭.‬

الجديد:‬‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬المرأة‭ ‬هي‭ ‬المستقبل‭. ‬والرجل‭ ‬هو‭ ‬الماضي،‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬المفارقات‭ ‬المأساوية‭ ‬سيكون‭ ‬هناك‭. ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يعي‭ ‬الرجل‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬الحقيقة‮»‬‭ ‬المقترحة‭ ‬لصورته‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬جيلي‭ ‬هو‭ ‬جيل‭ ‬بداية‭ ‬الأزمات‭ ‬الحقيقة‭. ‬علاقة‭ ‬الرجل‭ ‬بالمرأة،‭ ‬والمرأة‭ ‬بالرجل‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬كونية‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭. ‬الآن‭ ‬وصلت‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬إلى‭ ‬مفترق‭. ‬لماذا؟‭ ‬حدثت‭ ‬تطورات‭ ‬كثيرة‭ ‬مكنت‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬أمرها‭. ‬حبوب‭ ‬منع‭ ‬الحمل‭ ‬مثلا‭ ‬أتاحت‭ ‬للمرأة‭ ‬فرصة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬جسمها،‭ ‬بينما‭ ‬أتاح‭ ‬انخراط‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬واسع،‭ ‬فرصة‭ ‬للتحرر‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فُتح‭ ‬لها‭ ‬الباب‭ ‬واسعا‭ ‬للاستقلال‭ ‬عن‭ ‬الرجل،‭ ‬في‭ ‬وسعها‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬لا،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬تستطيع‭ ‬المرأة‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬لا.. ‬ومن‭ ‬قبل،‭ ‬حتى‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬كن‭ ‬ينتمين‭ ‬إلى‭ ‬أسر‭ ‬غنية،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬عائلات‭ ‬حاكمة،‭ ‬كن‭ ‬يحبلن،‭ ‬كن‭ ‬مضطرات‭ ‬إلى‭ ‬ذلك. ‬الآن‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬وسعهن‭ ‬أن‭ ‬يحملن‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يحملن‭ ‬أو‭ ‬يتبنين‭ ‬طفلا،‭ ‬أو‭ ‬ينجبن‭ ‬طفلا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬رجل‭. ‬باتت‭ ‬هناك‭ ‬إمكانات‭ ‬كبيرة. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬فرق‭ ‬بايالوجي‭ ‬حاسم‭ ‬التأثير‭.‬

‬في‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬علمانية‭ ‬مثل‭ ‬سوريا،‭ ‬تجد‭ ‬حركة‭ ‬أصولية‭ ‬نسائية‭ ‬كبيرة‭ ‬جدا

الشيء‭ ‬الآخر‭ ‬مادامت‭ ‬المرأة‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬معاشها‭ ‬من‭ ‬عملها،‭ ‬فهي‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬البيت،‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬خيارات‭ ‬عديدة. ‬سطوة‭ ‬الرجل‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬انتهت،‭ ‬فعليا‭ ‬انتهت. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬أمامنا‭ ‬مئة‭ ‬سنة‭ ‬حتى‭ ‬تتحلل‭ ‬هذه‭ ‬السطوة‭ ‬نهائيا. ‬ولهذا‭ ‬في‭ ‬رأيي‭ ‬هناك‭ ‬أصولية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬اليوم. ‬ما‭ ‬أراه‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أصولية‭ ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬أو‭ ‬الدينين‭ ‬اليهودي‭ ‬والمسيحي،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬المرأة‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬رادع‭ ‬للمرأة،‭ ‬فالمرأة‭ ‬كسرت‭ ‬كل‭ ‬العلب‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬فيها‭ ‬والأصولية‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬الديناصور. ‬وهو‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬هجمته‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬فنائه‭.‬

الجديد:‬‭ ‬ألا‭ ‬ترين‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬للمرأة‭ ‬والرجل‭ ‬معا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البرهة‭ ‬التاريخية‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬حول‭ ‬المستقبل،‭ ‬يعاد‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬منه‭ ‬ترتيب‭ ‬طابع‭ ‬مختلف‭ ‬للعلاقة‭ ‬والمساكنة‭ ‬والعيش‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬الآن،‭ ‬لا. ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬حوار‭ ‬الآن‭. ‬لماذا؟‭ ‬المرأة‭ ‬غير‭ ‬مضطرة‭ ‬للحوار‭ ‬مع‭ ‬الرجل. ‬الرجل‭ ‬هو‭ ‬المضطر‭ ‬كثيرا‭ ‬للحوار‭ ‬معها. ‬لكنها‭ ‬لن‭ ‬تحاور‭.‬

الجديد:‬‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬مادة‭ ‬الحوار‭.‬

رنا‭ ‬قباني:‬‭ ‬ربما‭ ‬تحاور‭ ‬رجلا‭ ‬في‭ ‬التفاهات‭. ‬أما‭ ‬الأشياء‭ ‬المهمة،‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬حوار‭ ‬فيها،‭ ‬والسبب‭ ‬بسيط‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬ملغى‭ ‬من‭ ‬مستقبل‭ ‬العالم‭. ‬الرجل‭ ‬انقرض،‭ ‬واستعمل‭ ‬مفردة‭ ‬الرجل‭ ‬هنا،‭ ‬والرجل‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يخلع‭ ‬عنه‭ ‬رجولته‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬إنسان‭ ‬له‭ ‬استمراريّته‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

أجرى‭ ‬الحوار‭ ‬في‭ ‬لندن‭



مقالات أخرى للكاتب:

  • يا له من سؤال!
  • الخُرُوجُ مِنْ شَرْقِ المُتَوَسِّطِ
  • عقدة‭ ‬قتل‭ ‬الإبن
  • ما في الكون من رجل
  • بلاغة النشيد الكوني
  • ثقافة‭ ‬تحطيم‭ ‬الأجنحة
  • نَهْرٌ‭ ‬عَلَى‭ ‬صَلِيبْ
  • العبد‭ ‬التكنولوجي
  • الأمة المرجأة والروح الحائرة
  • النخب إلى الصراع والجموع إلى المصارع
  • اغترب‭ ‬تتجدد
  • أُنْشُودَةُ‭ ‬يُوسُفْ
  • بحيرة العجائب السبع وضفاف الثقافات
  • كبوة‭ ‬الآباء‭ ‬ونهوض‭ ‬الأبناء
  • الشعر أسطورة العشاق والشعراء فرسان أزليون
  • القصيدة ما بعد الأخيرة
  • الديني والدنيوي والصراع على الأجيال الجديدة
  • حدث‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬كأنه‭ ‬لم‭ ‬يحدث
  • سماء عامرة بالنجوم في صيف لا ينتهي
  • الإقامة‭ ‬في‭ ‬جغرافية‭ ‬المتاهة
  • ربيع‭ ‬محترق
  • القصيدة كائن يتيم والديوان ملجأ للأيتام
  • أصوات المسرح أصوات المجتمع
  • أهو‭ ‬حقا‭ ‬صراع‭ ‬سرديات‭ ‬أم‭ ‬عبث‭ ‬بالهويات‭!‬
  • الحرائق تكتب والأدب يتساءل
  • حملة‭ ‬الأقلام‭ ‬وحملة‭ ‬التوابيت
  • ثقافة‭ ‬الماضي‭ ‬وثقافات‭ ‬المستقبل
  • قارب‭ ‬إلى‭ ‬لسبوس
  • الآخر مرآة الأنا
  • عام على ولادة مجلة “الجديد”
  • لغة‭ ‬الأسئلة‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الإبادة
  • هواء‭ ‬خفيف
  • الشعراء‭ ‬سارقو‭ ‬النار
  • في وصف ما يحدث على أرض العرب
  • سلمى الخضراء الجيوسي: أمة عربية يتيمة
  • أرض‭ ‬الشعر‭ ‬وأرض‭ ‬الآلام
  • قنطرة عربية
  • مراثي هابيل
  • العرب يكتبون القصص
  • هالة المستبد وقناع المثقف وفراشة الحرية
  • لاعاصم إلا الثقافة
  • من‭ ‬حدائق‭ ‬الصور‭ ‬إلى‭ ‬حرائق‭ ‬الخارطة