كتاب 'في التربية'

يشير الفيلسوف البريطاني برتراند رسل (1872-1970)؛ الحائز جائزة نوبل للآداب سنة 1950، في كتابه “في التربية” إلى أن التربية التي ينشدها المرء لأولاده لا بد أن تتوقف على المثل العليا للخلق الإنساني وعلى الدور الذي يرجو أن يكون لأطفاله في المجتمع إذا كبروا، وأن المؤمن بالسلم لن يبتغي لأولاده التربية نفسها التي يستجديها المؤمن بالحرب، والأفكار التربوية للمؤمن بهذه الفكرة أو تلك لن تكون متماثلة، ويجد أن الخلاف أعمق وأشد من هذا، يصفه بأنه خلاف بين مَن يتخذ التربية وسيلة لتلقين عقائد محددة معينة بالذات ومَن يرى أن التربية يجب أن تغرس في المتعلم القدرة على الاستقلال في الحكم.

الجديد  هيثم‭ ‬حسين [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(150)]

ينوه رسل في كتابه (منشورات التكوين، دمشق، ترجمة سمير عبده 2017) إلى أن ما يطرحه في كتابه هو نتاج ما ألمّ به من حيرة متجددة بشأن أولاده، ويرجو أن يساعد على تطوير الآراء وتوضيح الفكر لدى الآباء الذين واجهوا حيرة شبيهة بحيرته، سواء اتفقوا معه فيما وصل إليه من النتائج أو خالفوه فيها. ويؤكد في هذا السياق أن آراء الوالدين هي على جانب كبير من الخطورة لأنهم كثيراً ما يكونون عبئاً ثقيلاً على خيرة المربين، وأنه إذا رغب الآباء في تربية أبنائهم تربية جيدة فإنه موقن بأنهم لن يعدموا المعلمين القادرين على تحقيق هذه المهمة عن رغبة.

موضوعات جدلية

يدرس صاحب “أثر العلم في المجتمع″ أغراض التربية من حيث نوع الفرد ونوع المجتمع اللذين يصح التطلع بحق إلى أن تصوغهما التربية من المادة الخام الموجودة في الوقت الحاضر، ويشير إلى أنه سيتجاهل مسألة تحسين السلالة عن طريق علم إصلاح النسل أو أيّ عملية أخرى طبيعية كانت أو صناعية لأن هذا في صميمه لا يدخل في المسائل التربوية، بحسب توصيفه.

يعلق رسل آمالاً كبيرة على الاكتشافات الحديثة في علم النفس التي ترمز في جملتها إلى أن خلق الإنسان يتكون ويتحدد بالتربية المبكرة إلى حد أعظم بكثير مما كان يدور بخلد أكثر المربين تحمساً في الأجيال الماضية. ويميز بين التربية لتهذيب الخلق والتربية لتحصيل المعرفة التي يصح تسميتها تعليماً بالمعنى الضيق.

يبدأ بمعالجة التربية الخلقية لما لها من الأهمية الخاصة في السنوات الأولى، ثم يتابعها حتى دور المراهقة، ويعالج مشكلة التربية الجنسية الهامة، ويبحث تالياً التربية العقلية ويناقش أهدافها ومناهجها واحتمالاتها ابتداء من الدروس الأولى في المطالعة والكتابة حتى السنوات النهائية من الدراسة الجامعية. ويلفت إلى أن التعليم الذي يناله الرجال والنساء في كبرهم من الحياة ومن محيطهم خارج نطاق بحثه، ويستدرك بالقول إنه مع ذلك يرى من الملائم أن توضع الأهداف نصب العين في بواكير التربية بحيث تجعل الرجال والنساء قادرين على التعلم من تجارب الحياة.

يخوض في عدد من الموضوعات الجدلية التي يؤدي كل منها إلى غيره، ويتوقّف في بعض النواحي على مسألة النفعي والزخرفي، متسائلاً: هل ينبغي أن يكون عماد ما يتعلمه الطلاب الآداب القديمة أم العلوم الحديثة؟ هل ينبغي أن تصبح التربية بأسرع ما يمكن تعليماً فنياً يعدّ لتجارة أو حرفة؟ هل ينبغي أن يتعلم الأولاد كيف ينطقون ويفصحون ويتحلون بالآداب المستظرفة أم هذه مجرد آثار تخلفت عن الأرستقراطية؟ هل تقدير الفن له قيمة لغير الفنان؟ هل ينبغي أن يكون التهجي تابعاً للمنطق؟

يعبر عن اعتقاده أن الجدل بكامله صوري يتلاشى بمجرد تعريف الألفاظ، وأنه إذا تم التوسع في تفسير ما يوصف بالنافع والتضييق من تفسير ما يوصف بالزخرفي كسب فريق، وإذا تم عكس الأمر كسب الفريق الآخر، وأنه بأوسع معاني النفع وأصحّها يكون العمل نافعاً إذا أعقبته نتائج حسنة، وأن هذه النتائج يجب أن تكون حسنة بمعنى آخر غير مجرد النفع ولما تم الحصول على تعريف صحيح.

كما يعبر عن إمكانية تحسين الحياة البشرية وتعميم نوع من العدالة الاجتماعية من خلال التربية، وأن من الممكن بالتنظيم والعلم إيواء سكان الدنيا كلهم وإطعامهم، لا إترافاً ولكن كفافا يحول دون البؤس، وأن من الممكن مكافحة المرض وجعل السقم المزمن نادراً جداً، وغير ذلك من الممكنات بالاعتماد على التعاون.

تشكيل الوعي

يشير رسل كذلك أنه أصبح بالإمكان الحد من المخاوف الكبيرة التي أظلم بها العقل الباطن للجنس البشري وجرّت في أذيالها القسوة والظلم والحرب إلى حدّ يفقدها أهميتها، كما يذكر ضرورة تعظيم قيمة الحياة البشرية تعظيماً لا يجرؤ معه المرء على معارضة التربية التي من شأنها تحقيقه، وأن من الضروري أن تكون العلوم التطبيقية العنصر الأساسي في مثل هذه التربية، وأنه بدون العلوم المختلفة لا يمكن بناء العالم الجديد، وينوّه إلى أن ذلك لا يتم من دون إيلاء الأهمية للفنون والآداب.

يشدد على دور التنشئة وأهميتها في صياغة الطفل، ويذكر أن رغبات الأطفال الغريزية مبهمة، وتستطيع التربية والفرص أن تصرفها إلى سبل شتّى، وأنه لا الاعتقاد القديم في الخطيئة الأصلية ولا إيمان جان جاك روسو بالفضيلة الفطرية يتفق مع الواقع، وأن مادة الغريزة الخام ليست لها صفة خلقية ويمكن تشكيلها إما للخير أو للشر بتأثير البيئة.

يذكر كذلك أنّ بمقدور التربية الصحيحة أن تجعل العيش على طبق الغريزة ميسوراً، لكنها ستكون حينها غريزة مدربة ومهذبة، لا تلك النزعة الفطرية غير المشكلة، ويجد أن المهذب العظيم للغريزة هو المهارة التي تمد الإنسان بأنواع معينة من الرضى. يقول “أعطِ الإنسان الأنواع الصالحة من المهارة يصير فاضلاً، وأعطه الأنواع الخاطئة أو لا تعطه مهارة ما يصبح فاجراً”.

ينوّه إلى أن من مهام أهداف التربية الخلقية تكوين عادة الصدق، ولا يقصد الصدق في الكلام وحده، بل في الفكر أيضاً، ويقول إن الشخص الصادق في تفكيره لا يمكن أن يعتقد أن من الخطأ دائماً أن يقول ما ليس بحق، وإن الذين يرون أن الكذبة إثم دائماً ما يضطرون إلى تكميل هذا الرأي بقدر كبير من السفسطة ومن التمرّن على الإبهام في القول يخدعون به الناس من غير أن يعترفوا لأنفسهم أنهم يكذبون. ويعتقد أن العمل بغير الصدق يرجع في الكثير من أسبابه إلى الخوف.

يؤكد على أنه يجب أن تتخلل عملية التربية من أول أيامها إلى آخرها إحساسا بالمغامرة الفكرية، ويجد أن الدنيا مملوءة بالأشياء المحيّرة التي يمكن فهمها ببذل الجهد الكافي، وشعور الإنسان بفهم ما كان يحيّره يجد له انتعاشاً ومتعة، وكل معلم جيد ينبغي أن يكون في استطاعته أن يهب الطفل ذلك.

يتناول رسل كذلك نزعات الهدم والبناء عند الطفل، وبدايات تشكل وعيه وتوجهه إلى هذه الوجهة أو تلك، مروراً بمختلف أطوار بناء الشخصية للطفل في مراحله المختلفة، وكيف أن كل مرحلة تفترض تعاطياً مختلفاً بدوره معها، في مسعى لبلورة شخصية الطفل وتوجيهه ليكون بنّاء في مجتمعه.


كاتب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭/ ‬بريطانيا