رشيد مشهراوي.. أفلامي تشبهني

حينما يصبح الفن أرضاً شاسعة للأحلام وتصبح الأحلام ملجأ آمناً للكائن من الحروب والاحتلال والتضييق والخوف والظلم وتصبح الكاميرا آلة فنية ناجعة تحفر في الوعي الجمعي وتسهم في كسر أطواق الأغلال وحالة الحصار تصبح السينما وطناً شاسعاً لا يستطيع أن يحتله أحد، وقلعة محصنة عصية على الأعداء أن يخترقوا أسوارها المسيّجة بالحب والجمال والموسيقى والرقص والغناء والصور المعبرة. هذا ما تعلمنا إياه تجربة السينما الفلسطينية التي تعتبر حالة فنية لن تكرر في السينما العربية. وهذا ما نستخلصه من تجربة المخرج رشيد مشهراوي الذي تعتبر أعماله السينمائية المتميزة ركيزة جوهرية في السينما الفلسطينية الجديدة، ومرجعا فنيا في الصورة المعبرة والسينما الجادة التي نجحت إلى حد بعيد في المزاوجة والمواءمة بين الجانب الذاتي الذي يعبر عن هموم المخرج وأحاسيسه واعتمالاته النفسية، وبين الجانب الموضوعي للفن كمحفز مهم على تصوير قضايا المجتمع وتثبيث الهوية والجذور، لا سيما بالنسبة إلى مخرج فلسطيني. اقتراب جمالي وتعبيري من المحلي الفلسطيني الذي لا يشبه إلا نفسه، وانسجام واع مع الهاجس العربي الذي يعشش في ذاكرة الفنان ومخياله، وانفتاح رمزي على الإنساني القيمي الذي يلخص جوهر الفن والإبداع.

الجديد  ‬عبدالمجيد‭ ‬دقنيش [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(85)]

قدم رشيد مشهراوي، المولود في غزة سنة 1962، أول أفلامه سنة 1986 وكان تحت عنوان “جواز سفر” ثم تلاه “الملجأ” سنة 1989 و”دار ودور” سنة 1990 و”أيام طويلة في غزة” سنة 1991. ويتميز بكثرة نشاطاته فقد أسس سنة 1996 مركز الإنتاج السينمائي في رام الله، ليقدم من خلاله عدة أعمال ناجحة، ويؤسس بعد ذلك مهرجان سينما الطفل والسينما المتنقلة في فلسطين، فخرجت للنور عدة أفلام تجريبية ووثائقية مثل “رباب” و”توتر” و”خلف الأسوار” و”غباش” و”مقلوبة” و”موسم حب” و”من فلسطين بث مباشر” و”قمر واحد” و”أخي عرفات” و”أرض الحكاية” و”رسائل من اليرموك”. ولأنه يؤمن بقيمة الحفر في ذاكرة أجيال المستقبل قدم المخرج سلسلة أعمال موجهة للأطفال على غرار “الأجنحة الصغيرة” في أربعة أجزاء و”حوراء بغداد”. وقد ترك بصمته لدى الجمهور العربي من خلال ستة أفلام روائية طويلة هي “حتى إشعار آخر” و”حيفا” الذي يعتبر أول فيلم فلسطيني يعرض بشكل رسمي في مهرجان كان السينمائي. ثم كان فيلم “تذكرة إلى القدس″ و”انتظار” و”فلسطين ستريو” و”عيد ميلاد ليلى” الذي حصل على أكثر من عشرين جائزة عالمية وعرض في أغلب مهرجانات العالم.

حول تجربته السينمائية الثرية وآخر أفلامه الروائية الطويلة الموسوم بـ”كتابة على الثلج” والذي سيعرض للمرة الأولى على الجمهور في افتتاح الدورة 28 لأيام قرطاج السينمائية التي ستنعقد من 4 إلى 11 نوفمبر، كان لنا هذا الحوار الخاص مع المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي الذي تكلم بصراحة في عدة قضايا سينمائية وثقافية.

قلم التحرير

الجديد: هل مازلت تمارس السينما بروح الهواية بين روح الهواية ودقة الاحتراف، هل هناك معادلة يتبعها المبدع في مغامرته الإبداعية؟

رشيد مشهراوي: أعتقد أنه مع الوقت ومع عدد الأفلام وعدد العروض التي تقام في العالم، شئنا أم أبينا نصبح نأخذ بعين الاعتبار المعلومات العامة والمعلومات الشخصية والأبعاد السياسية كما لا ننسى ردود فعل الجمهور والنقاد بدون وعي. وهذا المخزون من المعلومات يستعمل بلا وعي كلّما تقدمت التجربة وهذا طبعا يؤثر على البراءة وعلى السذاجة التي أحيانا تحتاجها السينما. كذلك يؤثر على التلقائية التي لا يمكن أن يأخذها المخرج الهاوي بعين الاعتبار لأنه ليس لديه إنتاج مشترك مع دول مختلفة وليس لديه مسابقات يتنافس فيها مع سينمائيين من العالم.

فمع كل فيلم جديد من ناحية الطرح والموضوع واللغة السينمائية تكون هناك حالة خاصة في حدّ ذاتها وأحاول أن أخوض تجربة جديدة وتعلم أشياء جديدة. في النهاية كلما تقدم المبدع في التجربة كلما فقد جزءا من عفويته وتلقائيته.

الجديد: كيف يمكن لمخرج محترف أن يتعلّم من السينما الهاوية ومن مهرجانات السينمائيين الهواة على غرار مهرجان قليبية للسينمائيين الهواة؟

رشيد مشهراوي: عندما يكون الأمر متعلّقا بالسينما فأكيد يمكن أن أتعلم، لأن الصورة هي الصورة والإنسان هو الإنسان سواء كان هاويا أو محترفا. ويبقى الاختلاف طبعا في تكوين وطبيعة كل إنسان وهنا يكمن الفرق ويمكن الاستفادة والتعلم. فلو أن واحدا من المبتدئين أو الهواة كان يبحث عن خصوصيته وشخصيته أعتقد أنني سأتعلم منه كثيرا، لأنه سيكون مختلفا عني ولديه رؤية مختلفة أو أفكار مختلفة ومقولة مختلفة ويمكن أن يضيف لي. إذا كان يملك أيضا الفن والتقنية المتعلقة بالسينما لأننا هنا نتحدث عن السينما والسينما يجب أن تكون فنيا وتقنيا في مستوى المشاهدة.

الجديد: لو تحدثنا عن فيلمك الجديد “كتابة على الثلج” ما هو موضوعه، وما هي مناخاته التي يتحرك فيها ومن هم الممثلون الذين اشتغلوا معك؟

رشيد مشهراوي: “كتابة على الثلج” هو فيلم يتناول حكاية وقعت بغزة خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع. وهو كتابة مشتركة بيني وبين صديقي السيناريست الفلسطيني إبراهيم مزين. وليس هناك في الفيلم ذكر لتاريخ العدوان ولا تحديد لزمانه وهذا ليس مهما لأن الاحتلال يمارس القمع والظلم دائما وهو احتلال قديم جديد. ومن خلال خمسة ممثلين محاصرين في بيت بغزة، يطرح الفيلم عدة مواضيع إنسانية وفكرية وسياسية أيضا ويقوم بتجارب في السينما. وفي نفس الوقت يحاول الفيلم أن يتعامل مع موضوع الانقسام الفلسطيني سواء في الفكر أو في العقيدة أو في الدين أو في السياسة.وطبعا هناك إيحاءات وانعكاسات للانقسام العربي مع أن الحكاية تصير فقط في غزة من ناحية المكان والزمان ولكن سينمائيا مشاهد الفيلم يمكن أن تتخيل أنها تحدث في كثير من الأماكن من العالم العربي. ولا أحد يستطيع أن يرى ما يحدث من انقسام وتقسيم في العالم العربي ولا يتأثر، خاصة التقسيم الممنهج الذي يريدون فرضه في العراق وسوريا وليبيا واليمن.

للأسف هناك مجموعات وأحزاب تريد أن تدهن كل البلدان بلون واحد، وترى أن الذي ليس معها هو ضدها وتحاول تحقيق غايتها عبر الادعاءات وسلطة الدين وقوة السلطة والمال.

لا بد من قبول الآخر رغم الاختلاف والفروقات وهذا ما يجعلنا متحدين وأقوياء ونكون مجتمعاً راقياً وديمقراطياً متعدد الألوان والأفكار والرؤى، وهذا ما يقوينا فلسطينيين وعرباً. في هذا الفضاء وهذه القضايا يتحرك أبطال فيلم “كتابة على الثلج” محاولين تبليغ الرسالة الجوهرية للفيلم.

الجديد: أين وقع تصوير الفيلم؟

رشيد مشهراوي: الفيلم صوّر بالكامل في مدينة طبرقة بتونس، حيث تمّ بناء ديكور لحي كامل يحاكي قطاع غزة، وأنجز العمل والتصوير في الحي الذي بنيناه، لنصور ظروف القصف والحرب سواء من الداخل أو الخارج.

الجديد: هل حاولت التصوير في غزة ووقع رفض طلبك؟

رشيد مشهراوي: لا، اختيار التصوير من الخارج كان من الأول، لأني أتعامل مع فكرة وليس فقط مع مكان. أنا من مواليد غزة وصورت الكثير من الأفلام في غزة ومعظم شغلي كان في غزة. وعموما التصوير خارج فلسطين يوفر لي سهولة التعامل مع تقنيين وفنيين من دول مختلفة، بالإضافة إلى كوني اعتمدت في فيلمي “كتابة على الثلج” على ممثلين من دول عربية مختلفة مثل غسان مسعود من سوريا وعمرو واكد من مصر وعرين عمري ورمزي المقدسي من فلسطين ويمنى مروان من لبنان. مع العلم أن طاقم التصوير أغلبه من تونس.

المشكلة في السينمائيين

الجديد: إلى أيّ مدى يعتبر اللجوء إلى جهات إنتاج أجنبية في غياب المنتج المحلي قيداً لا مناص منه كي يقدم المخرج العربي سينما محترفة؟

رشيد مشهراوي: حقيقة الأمر لا يبدو سهلا لأن الإنتاج السينمائي مكلف جدا، والدول العربية ليس لديها صناديق دعم لكي تستطيع أن تنتج. في الغالب يحدث ذلك بصعوبة والأشياء تأخذ وقتا أطول. ورغم ذلك يمكن القول إن “كتابة على الثلج” هو نموذج للفيلم الذي أنتج مئة بالمئة بأموال عربية معظمها فلسطينية، وهو تقريبا إنتاج فلسطيني عربي. أنا لست ضد الإنتاج المشترك، ولا أيّ منتج يشترك في الإنتاج من العالم الغربي، أعتقد أن ذلك سيساعد الفيلم ويساهم في تبادل الخبرات والتوزيع في المهرجانات والدول المختلفة في العالم.

الجديد: ولكن أليست هناك حقيقة إكراهات معنوية وشروط تحد من حرية المخرج في عملية التمويل والإنتاج المعقدة هذه؟

رشيد مشهراوي: أنا من الأشخاص الذين قاموا بإنتاج مشترك في السينما الروائية، وقدّمت في هذا الصدد خمسة أفلام روائية مشتركة، واشتغلت مع ألمانيا وهولندا وبريطانيا والنرويج والكثير من الدول الغربية ولم أتعرض إلى أيّ ضغوط من أيّ نوع. مشكلتنا ليست في الجهات التي تفرض شروطها، مشكلتنا أكبر في السينمائيين العرب الذين يكونون أحيانا متطوعين لتقديم ما يرضي الآخر. يعني يقدمون تنازلات مجانية. لعل المشاهد الأجنبي يريد أن يشاهد السينما برؤية مختلفة، بثقافة مختلفة، بفكر مختلف، وهذا ما يخلق المتعة لديه ويصحح المفاهيم المغلوطة لو وجدت. كثير من السينمائيين، حقيقة، ومن دون ذكر الأسماء هم متطوعون بشكل مجاني، لاعتقادهم بأن الفيلم إذا أنجز بهذه الطريقة يكون تسويقه أحسن، وإذا قدم السيناريو بهذا الشكل يجد دعما أكبر، ويحصل على جوائز أكثر. نحن في السينما الفلسطينية ليست هذه طريقتنا، ولا نؤمن بهذا السلوك، لأن أفلامنا واضحة. الأفلام الروائية السينمائية يكتب فيها السيناريو وبعد ذلك تبدأ رحلة التمويل الشاقة التي يمكن أن تستغرق سنة سنتين وأحيانا أربعة سنوات.

الجديد: هل رفضت التعامل مع منتج ما لأنه حاول فرض شروطه عليك؟

رشيد مشهراوي: نعم حدث ذلك في البدايات أظن في سنتي 1993-1994، هناك منتج أميركي قرأ سيناريو لي وقال لو هناك شخصية أميركية في الفيلم، كأن يكون صحافياً موجوداً مع الفلسطينيين بالمصادفة في حظر التجول سيكون السيناريو جيدا وسأقوم بإنتاجه. ولكن هل إسرائيل ساذجة إلى هذه الدرجة حتى تترك صحافياً أميركياً مع الفلسطينيين خصوصا في حالة حظر التجول؟ ولأنني أحسست أن الأمر سيكون ملفقاً من خلال هذه الشخصية، لم أتجاوب مع رغبة المنتج واقتراحه هذا. قمت بإنجاز الفيلم دون الاستعانة بهذا المنتج الأميركي. وقدمته في الكثير من المهرجانات الدولية، وحصل على عدة جوائز، منها جائزة في مهرجان “كان”. عموما أنا لا أعتقد أن الغرب يريد تغيير سيناريوهات السينمائيين العرب مقابل تمويله. إذا كان هناك من لوم على الأفلام التي نشاهدها والتي تتماشى مع مزاج الغرب وأفكاره فاللوم لا يقع على الغرب، بل على المخرجين والمنتجين العرب.

أن تكون فلسطينيا

الجديد: أن تكون مبدعا أو مخرجا سينمائيا فلسطينيا اليوم، هل هو قدر أم ترف جميل يجلب التضامن، أم لعنة من نوع ما؟

رشيد مشهراوي: ليس هناك شيء اسمه لعنة في الإبداع. الفن شيء جميل وراق، شيء يضيف نكهة جميلة للحياة. الفن يحفز على تثبيت الثقافة والهوية وتثبيت الجذور في الأرض. عموما نحن الفلسطينيين بسبب حالة الاحتلال التي نعيشها نتعامل في معظم أفلامنا مع السياسة وكأنها موجهة ضد الاحتلال وذلك خاصة في الأفلام الوثائقية والروائية التي تتعامل أيضاً مع الحالة السياسية الفلسطينية. الأفلام الفلسطينية فيها لغة سينمائية وبحث جمالي وتعبير مهم. السينمائي الفلسطيني يختلف في وضعه وتطلعاته عن السينمائيين الآخرين. أن تكون فلسطينيا، كما أكرر دائماً، فأنت صاحب قضية عادلة وبلدك واقع تحت الاحتلال وهذا يقدم لك فرصة أن تكون سينمائيا جيدا من طراز خاص، وهذا هو مربط الفرس، فإما أن تكون سينمائيا أو لا تكون. وحين تكون سينمائيا جيدا بالمعنى الجمالي للكلمة فهذا يمكنك من أن تقدم فنا يخدم قضيتك العادلة.

الجديد: إلى أيّ مدى يمكن للمبدع الفلسطيني بصفة عامة أن يخرج من جبة القضية ويكسر طوق الأيديولوجيا التي تحيط بها وبه من كل جانب؟

رشيد مشهراوي: السينمائيون الذين يعملون داخل دولهم هم أيضا يتعاملون مع الحالة الراهنة للحياة في بلدانهم. لذلك من الطبيعي أن يقدم السينمائي الفلسطيني فيلما عن واقعه الخاص وعن قضايا مجتمعه، مثلما يقدم الأميركيون أعمالا سينمائية عن أميركا، والايطاليون عن ايطاليا، والتونسيون عن تونس. نحن ولدنا في ظروف قاسية تحت الاحتلال. عمري 55 سنة الآن والاحتلال مازال موجودا يجثم على ذاكرتي وأفكاري وشخصيتي، وهذه التفاصيل من غير الطبيعي أن لا تنعكس في أعمالي السينمائية. يهمني ويسعدني أن تشتغل السينما الفلسطينية على عمق عميق من القضية الفلسطينية، وأن تطرح قضاياها ومشاكلها وتلامس جوهرها بأدوات فنية راقية وصورة معبرة. حينها فقط سوف تنجح في رسم شخصيتها وتنتج قيمها الجمالية وتياراتها الفنية، وتنافس بقية الأعمال السينمائية في العالم.

الجديد: ما هي الآليات والتقنيات والوسائل الفنية السينمائية التي يستغلها ويستعملها رشيد مشهرواي للتغلب على الحصار المادي والمعنوي والإكراهات والمنغصات التي تواجهه؟

رشيد مشهراوي: السينما والإبداع عموما لهما علاقة كبيرة بالأحلام، وهذه الأحلام هي الأرض التي نمشي عليها وتحفزنا لكسر طوق الحصار والاحتلال في كل أشكاله وتمظهراته. وخلق إبداع سينمائي مميز. السينما بالنسبة إليّ وطن لا يستطيع أن يحتله أحد. هي الأرض والسكن والحلم المنقذ للمعنى الذي يتطلع إليه الإنسان الفلسطيني.

الجديد: ولكن ما الذي تستطيع أن تكتشفه الكاميرا بوصفها آلة تقنية سينمائية وسلاحا فنيا إبداعيا في ظل الشرط الخاص الذي يحيط بك كسينمائي؟

رشيد مشهراوي: شخصيا أحبذ الابتعاد عن اللغة التي تدّعي أن الكاميرا سلاح ومقاومة وغيرها من المصطلحات والشعارات الرنانة، أستطيع أن أترجم بطريقتي الخاصة علاقة الكاميرا بالقوة التي تستطيع أن تتغلب على آلات الحرب والموت. مهمة السينما هي الحفاظ على الذاكرة والهوية وإبرازهما. نحن الفلسطينيين إذا استعملنا الكاميرا بشكل جيد في توثيق حياتنا وتاريخنا وتطلعاتنا بشكل صادق سنثبت أن هذه الأرض لنا وهذا التاريخ لنا. حينما نحفظ التاريخ والهوية والذاكرة والثقافة من خلال السينما فنحن نتغلب على ما تحاول آلات الاحتلال أن تمحوه. نستطيع من خلال الكاميرا والصورة السينمائية أن نثبت أن يافا هي أرض فلسطينية لأننا نملك صوراً موثقة وقصصاً وأشعاراً عن تاريخ هذه المدينة الفلسطينية الجميلة التي تحاول إسرائيل الادعاء بأنها مدينة إسرائيلية. وظيفة الكاميرا والفن والسينما والإبداع عموماً تقوم على الحفر في الوعي والذاكرة والتاريخ بطريقة غير مباشرة، عكس الأسلحة الحربية، لذلك فالأمر يتطلب وقتا أكثر وزمنا أطول حتى تتحقق النتائج.

الجديد: محمود درويش كان يطمح إلى كتابة قصيدة إنسانية مشبعة بالأحاسيس وتبتعد عن الأيديولوجيا، فهل يطمح رشيد مشهراوي إلى أن يكون إنسانيا في أفلامه ولا تقيده القضية الفلسطينية؟

رشيد مشهراوي: هي فرصة لكي أوضّح بعض الأشياء المجهولة في تجربتي، أنا أنجزت عدة أفلام عن العراق والمغرب وسوريا، وقدمت أعمالا فنية سينمائية تجريبية لا تمس الحالة الفلسطينية من قريب ولا من بعيد. هي تنتمي للفن السينمائي فقط، وربما لم تنل حظها جيدا في الوطن العربي، ولم تقدم بالشكل المطلوب في دور العرض والمهرجانات والفضائيات العربية. وعموما قدمت عدة أعمال سينمائية تمس الإنسان في المطلق، من خلال الكثير من المشاركات بفيينا ونيويورك وهولندا.

علاقتي بالسينما أتت من خلال دراستي الأكاديمية للسينما. لكنّني في الأساس فنان تشكيلي، تطوّر مشروعي المتعلق بالرسم والفن التشكيلي ليتحول بشكل تدريجي إلى السينما. في اعتقادي أنه لو قدم أيّ مخرج فلسطيني فيلما عن قصة حب مشوقة وكان الفيلم ناجحا على مستوى عالمي فهذا فيه مردود سياسي كبير لفلسطين، ويشكل مقاومة جمالية ضد بشاعة الاحتلال، ويؤكد في الوقت نفسه أننا شعب ولنا ما لكل الشعوب من تصورات وحقوق وإمكانات وأحلام، ولدينا طرح إنساني ليست له علاقة بالحالة الآنية التي نعيشها قسراً. بالتالي يحق لنا مثل كل البشر أن تكون لنا دولة وكيان مستقل. لا يجب أن نختصر الكائن الفلسطيني في قضية صراعه مع العدو الإسرائيلي وإلا نزعنا عنه إنسانيته.

الصورة الثابتة والصورة المتحركة

الجديد: هل تعبر نفسك فنانا تشكيليا ضل طريقه إلى السينما؟

رشيد مشهراوي: ليس بهذا المنطق تماما، لأنني أعتبر لغة الرسم والفن التشكيلي والتعامل مع الألوان والإضاءة التي كانت من خلال الرسم بالزيت على قطعة قماش، أعتبر هذا تجربة في الصورة الثابتة أتت السينما فحركتها وأعطتها زخما آخر. لديّ أعمال فيديو تتناول تجربتي التشكيلية وهي ليست سياسية، للأسف لم تعرض وتعرف لدى جمهور عربي واسع، هي أعمال عرضت في معارض ومتاحف عالمية. لدي فيلم يدرّس في جامعة هربرت.

الجديد: هل يمكن أن نرى لك مستقبلا تجربة سينمائية عن الفن التشكيلي؟

رشيد مشهراوي: لديّ فيلم اسمه “بيكاسو في فلسطين” أنجزته عن أكاديمية الفن المعاصر المبنية على الفن التشكيلي الموجودة في رام الله. وتتلخص الفكرة أننا أتينا بلوحة لبيكاسو وعرضناها في رام الله وسجلنا ردود الأفعال. وقد كان فيلم “بيكاسو في فلسطين” في افتتاح تظاهرة فنية كبيرة في ألمانيا تسمى “الديكومنتا”، وهي تظاهرة تقام مرة كل خمس سنوات، ويعرضون خلالها أهم الأعمال الفنية التي أنتجت في العالم خلال خمس سنوات.

الجديد: كيف استفدت عملياً كسينمائي من الفن التشكيلي؟

رشيد مشهراوي: الاستفادة كبيرة ومؤثرة حقيقة. فعندما يقدر المخرج حجم اللقطة أو حركة الكاميرا أو الأحداث التي سيصور أو تغيير الإضاءة كأن تختار الكاميرا لون الحائط أو لباس الممثل أو انعكاس الضوء على الشباك، كل هذه التفاصيل آتية عملياً من مكونات الفن التشكيلي ومن عالم الألوان وهي تسكن في لاوعي الفنان التشكيلي.

وبهذه المناسبة دعني أعترف أن طريقتي في التفكير وطموحي الفني وأحلامي السينمائية مختلفة تماما عن السائد، وعلاقتي مع السينما علاقة مخصوصة ومتميزة تنفر من الكليشيهات والمتعارف عليه. عموما كل أفلامي تشبهني، وجزء كبير من أفلامي يحكي عني وعن همومي كمبدع فلسطيني. وهذا موجود في أفلام كثيرة مثل “حوراء بغداد” و”أخي عرفات” الذي أظهر فيه صورة وصوتا. أنجز أفلاما عن الحالة الفلسطينية لكنني في الوقت نفسه أنفتح على نفسي وعلى اهتماماتي الشخصية، لو أزعجني شيء بشكل شخصي وأردت التعامل معه سينمائيا أحاول توظيفه في أعمالي.

الجديد: هل هناك بعض الأفلام السينمائية أو المدارس الفنية التي أثّرث فيك بشكل خاص ونهلت منها في مسيرتك وتجربتك؟

رشيد مشهراوي: هناك أفلام أغنت خيالي بالتأكيد، لكنني كنت وما أزال أطمح من خلال الأفلام التي أنجزها إلى تأسيس سينما فلسطينية ذات لغة خاصة وبناء خاص، سينما لا تشبه إلا نفسها وواقعها. أعتبر أن السينما الفلسطينية حالة لم تكن موجودة ولن تتكرر في السينما العربية ولديها خصوصية عالية.

ميزة السينما الفلسطينية ليست فقط من ناحية القصص والمواضيع والحالات، ولكن من ناحية التجريب والتجديد في الخطاب واللغة والفضاء. وهي من هذا البعد مازال لديها الكثير لتقدمه. الأفلام الفلسطينية تعرض في أكبر المهرجانات العالمية مثل”كان” و”برلين” و”قرطاج” و”القاهرة” و”دبي” وهذا الحضور القوي طبعا ليس بسبب التعاطف مع الحالة الفلسطينية فقط، بل أيضا، وأساسا، بسبب قيمتها الفنية السينمائية.

الطفل الغائب

الجديد: لماذا في رأيك يبرز تقصير إبداعي في كل ما يتعلق بالطفولة سواء في السينما أو في الفن التشكيلي أو حتى في الكتابات الأدبية الموجهة للطفل؟

رشيد مشهراوي: قدمت، شخصياً، بعض الأفلام التسجيلية الموجهة للطفل، وعرضت هذه الأفلام في التلفزيونات. لكن يبقى الزخم ضعيفا وليس كافيا، وغالباً ما تكون نسبة المشاهدة منخفضة جدا. السينما الموجهة للأطفال في العالم متوفرة بكثرة، والعالم الآن أصبح مفتوحا، وأغلب أطفالنا يشاهدون أفلاما مدبلجة من العالم، لكن حبذا لو يشاهدون إنتاجهم المحلي الصادر عن ثقافتهم وبيئتهم. للأسف الشديد هذا الموضوع غائب ليس فقط فلسطينيا بل عربيا أيضا. وهذا التقصير الكبير لا يعود إلى السينمائيين والمخرجين وحدهم، وإنما يعود أساسا إلى المؤسسات الرسمية التي تعنى بالطفل والتي يجب عليها أن تتحمل المسؤولية وتأخذ المبادرة من خلال تصورات وأعمال مركزة وواضحة موجهة للطفل.

إخراجي لأعمال تعنى بالطفولة نابع من قناعتي بضرورة الحفر في وعي الناشئة وفي هذه المنطقة بالذات حتى نضمن مستقبلا مختلفاً لأجيالنا القادمة. للأسف الأنظمة والمؤسسات الرسمية العربية تتحدث دائما عن المستقبل وعن التحضير للمستقبل، لكن لا شيء يحدث. هناك فقط كلام.

الشعوب لا تهزم

الجديد: هل صحيح أن الثورات العربية والارتجاج الكبير الذي وقعت إبّان ما يعرف بالربيع العربي أثّر سلبيا في القضية الفلسطينية وحجب حضورها الإعلامي وجعلها شيئا فشيئا منسية في ذاكرة العرب؟

رشيد مشهراوي: في الحقيقة هناك تفاوت بين الدول العربية من خلال ما حدث ويحدث. لا يمكن إسقاط كلمة ثورة على كل المنطقة. لما كانت بؤرة التوتر الأولى والكبرى هي فلسطين كانت فلسطين تتصدر عناوين الشاشات والإعلام العربي، لكن التوتر والحرب موجودان اليوم في كل مكان عربيا ودوليا أيضا. وهذا طبعا لا يلغي أننا يجب أن نتفاعل مع ما يحدث في العالم العربي والعالم، وأن نشارك كفلسطينيين في هموم العرب وآلامهم. في رأيي أن كل الذي يحدث خاصة في الشرق العربي سببه وجود إسرائيل. وكلما كانت المنطقة متوترة أكثر وفي صراع دائم حافظ الكيان الصهيوني على استقراره ووجوده.

الجديد: ولكن هل يمكن للشعب الفلسطيني أن يقوم بربيعه الخاص وينتفض على النظام وسط هذا التشتت والانقسام والفقر الذي يعيشه؟

رشيد مشهراوي: هذا مؤكد. ويمكن أن يحدث في أيّ لحظة، لأن الشعوب لا تنهزم، الحكومات تنهزم، الجيوش تنهزم، لكن الشعوب لا تنهزم. الشعوب لديها قوة تحمل معينة ولكنها لن تصمت أبدا. اليوم نرى بن علي ترك تونس وهو لاجئ في السعودية، ومبارك في السجن، والقذافي قتل بتلك الطريقة المشهورة، وعلي صالح يتخبط، وغيره أيضا. كل هذا وقع ولا أحد كان يتنبأ أو حتى يفكر بوقوعه، لذلك فكل شيء مكن في أيامنا هذه، خاصة إذا كان المحفز هو الظلم والاستبداد والتهميش والفقر.


كاتب من تونس