طغيان السوداويّة

آية سوداوية تستدرج الكاتب في مختلف أرجاء العالم العربي إلى التعاطي معها، وربما الاستكانة لتأثيراتها المحبطة؟ هل هذه الحالة وليدة الزمن العربي الراهن وصدى للوقائع والممارسات هنا وهناك؟ ألا يفترض بالكاتب تحدي الإحباطات وتثوير الأمل لدى القراء بغد أفضل؟ لكن من ناحية أخرى هل يُطالب الكاتب بترميم مآسي الواقع والشروخ التي يخلفها في محاولة للالتفاف على الجروح التاريخية النازفة؟ بالإطلاع على بعض القصص والنصوص التي نشرتها مجلة 'الجديد' اللندنية في عددها الخامس والثلاثين يلاحظ القارئ كمّا مرعبا من مقاربة اليأس وملامسته من جوانب مأسوية مفضية إلى موت عبثي يتبدى انعكاسا لصور الواقع البائسة، ولعل الكتاب هنا يشهرون الكتابة بوجه اليأس، ورمزا لحياة مأمولة، وإن كانت مفعمة بالفجائع، لكنها تظل حاملة بذور الأمل في خبايا اليأس المستفحل.

الجديد  هيثم‭ ‬حسين [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(104)]

يحاول المغربيّ ميمون حرش في قصته “اعترافات منتحر” تشريح دواخل شخص مقدم على الانتحار، يهجس بوساوسه التي تقلقه، وتدفعه إلى المضي في طريق انتحاره المفترض، ويكون الجمع بين الاعترافات والانتحار صيغة من صيغ متكررة كثيراً في عالم القصة والرواية، ولا سيما أن المقبل على نهايته يبوح بما يجول في صدره، وما يفترض أنّه قد يحمل عبراً للآخرين الذين ينتظرون دورهم للانتقال إلى العالم الآخر.

يخاطب حرش المنتحرين اللاحقين والسابقين، أولئك الأحياء الذين يعيشون موتاً يومياً، ويتبدّى في صيغة خطابه متوتّراً، غير مستقرّ على أسلوب بعينه، تارة يستعمل مفردات ذات صبغة دينية غير مستخدمة غالباً في صيغ الخطاب المألوفة في اللغة المتداولة، وأخرى ذات صبغة أقرب للعامية، وذلك في جمل متفاوتة بين مقطع وآخر.

يتوجه إلى ذاته من خلال الآخر، أو العكس أحياناً، يعبّر عن قلق متجدّد، عن حيرة تغرقه، عن خشية ممّا كان ويكون، يصبح الليل ثقيلاً عليه، جالباً مآسيه ومحرّضاً إيّاها، تراه يستهل بالليل وبقوله “الليلُ كلما مد أطنابه وأصماني بسهمه أحاول دون جدوى أن أتصالح معه، ولكنه يصر من جهته كلّ مرة على أن يتحدّاني؛ فينام “على جفوني ويجفوني”..

يتبدى التلاعب اللغويّ الذي يسم القصة في عدة مقاطع غير متلائم مع تركيبة الشخصية النفسية، وربما يكون ترفاً بالنسبة إلى امرئ يقدم على الانتحار، ويعيش سوداوية مريعة، وكآبة قاتلة، وهذا ما يحسن القاصّ نسجه وإقناع قارئه به. كما يتبدّى القاصّ متأثّراً باللغة الشعرية التي أثقلت كاهل قصّته القصيرة وحالة بطله معها، يناور في إعادة صياغة معانٍ وصور مكررة واردة في قصائد شهيرة.. كقوله “يا لهف نفسي على غــد!”.. ويخطر للقارئ مباشرة تعبير من قصيدة “أغداً ألقاك” الشهيرة للهادي آدم، تلك القصيدة التي غنتها أم كلثوم، وفي مستهلها “أغداً ألقاك.. يا خوف فؤادي من غدٍ.. يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد”.

تتحوّل الاعترافات هنا إلى لعبة من ألاعيب القاصّ الشعريّة، تفقد هيبتها وسريتها ورونقها مع تخبّط بطل القصّة، وفزعه من ليله ووضعه، وحتّى من أفكاره، ولجوئه إلى تمنّي النوم، أو الراحة الكامنة في الانتحار الذي يهرب منه وإليه في الوقت عينه.

بطريقة مختلفة، وأكثر قرباً من دواخل المرء وتعبيراً عمّا يدور فيها من وساوس وهواجس، تختصر الإماراتية مريم الساعدي في قصتها “تلويحة يد” مأساة الانتحار أو الموت، تحكي عن -وتخاطب- امرأة تعاني غربة فظيعة تدفعها إلى قهر قاتل، تعيش محنتها بطريقتها الخاصّة، تحاول التأقلم مع الغربة المتعاظمة التي تشكّل سجناً مدمّراً لها، تتخفّف من عاداتها في سؤال زوجها عن انشغالاته وتفاصيل عمله وخروجه ورجوعه، وذلك بعد أن يقمعها بطريقة مخزية. تتركه لحاله، تهمله كما أهملها، تبني عالمها وسط الإهمال والإقصاء والتهميش الذي يغرقها.

تخاطب الساعدي امرأة مجهولة، راحلة، لتكون بطلة قصتها، تشرح لها واقعها الذي بدا لها واقع امرأة أخرى، تحدّثها عن نفسها وما كان يعترك في وجدانها حين كانت تعيش حياتها البائسة. يكون البوح جسر القاصّة لترميم دواخل الشخصيّة التي توضع في أزمة لم تخترها، ويكون تشريح واقع الحال وسوء المآل جزءاً من إتمام لعبة القصّ والإدهاش.

توجّه بطلة القصة اهتماماتها صوب أمور لم تكن ذات قيمة لها، وذلك كي تملأ فراغ حياتها الموحشة. وتكون مأساتها متجسّدة في رغبة ابنتها عنها، وتعلقها بوالدها، بحيث بدت كأنّها فقدت ابنتها التي كانت تبقيها صابرة قوية في مواجهة محنة زواجها الفاشل، وتصرفات زوجها غير اللائقة معها. تختار طريقة موت مفجعة.

تراها وهي ترافق ابنتها إلى مدرستها، وبينما تقف ملوّحة لها بالوداع، تفقد سيطرتها على نفسها من دون أن تقرّر ذلك، وربّما تفسح للاشعورها المجال ليقودها ويقرّر بالنيابة عن عقلها الواعي. تتضارب الآراء حول نهايتها، وتكون الإشارة إلى التضارب نوعاً من مضاعفة مأساتها الشخصيّة كذلك.

تكتب القاصّة “يقول تقرير الشرطة إن سيارتكِ اتجهت مباشرة إلى تحت الشاحنة الضخمة، إن الشاحنة كانت تسير في طريقها دون أن تحيد عنه، وأنكِ سرتِ متعمدة ودخلتِ بسيارتك الصغيرة إلى تحت عجلاتها الكبيرة، فهرستك”. وتكون الخاتمة التي توجّهها القاصة إلى بطلتها الميتة مريرة بدورها “يقول التقرير إن كل ما وجدوه من بقاياك لم يكن يكفي ليشكل جثة. لكنك لا تذكرين إلا أنكِ كنتِ تقفين هناك، أمام بوابة المدرسة، ملوّحة لابنتك بالوداع″.

أمّا المصريّ عمرو أبوالعطا فيصوّر في قصّته “الخرساء” صورة من صور الانتقام الغرائبية. يفتتح قصته بمشهد رجل غارق في ترعة، ثمّ ينتقل إلى التذكير بفتاة خرساء قضت في الترعة نفسها سابقاً، تلك الخرساء التي كان أهل القرية يؤذونها كثيراً بتصرفاتهم معها، لم يحترموا إعاقتها، ولم يراعوا بؤسها وفقرها، ودفعوها إلى الانتحار، إذ أقدمت على إغراق نفسها في الترعة، وذلك بعد أن أصيبت بحالة اكتئاب شديدة، لكن جثتها اختفت من المشرحة بشكل غامض.

يرمز أبوالعطا إلى كيفية نيل الشرور من أصحابها، والعودة بصيغ وحشية فانتازية غير متوقّعة، حيث ينتشر الرعب في القرية، يزداد القتل، تقطع ألسنة الجثث، يتم التنكيل بها. الأب المتألّم المفجوع يعلم بأن ابنته الخرساء عادت لتنتقم، يكون علمه بذاك محمّلاً برغبته أكثر من الواقع، لكن في عوالم الغموض والرعب ينشط الخيال ويشتطّ. وتحمل خاتمة القصة تفكيكاً للغز، وتأكيداً من قبل القاصّ أنّ الخرساء هي المنتقمة وذلك بقوله “عندما ترى الخرساء لا تصرخ.. الخرساء تسرق اللسان لتتكلم به وتغرق صاحبه”. وربّما لو أنّه أبقى الأمر قيد التخمين من دون الإحالة إلى إخبار أو تأكيد لأبقى التحفيز مستمرّاً وأكثر تأثيراً.

في نصّه “غجر شارع الثلاثين” يختصر الفلسطيني أحمد سعيد نجم في تأريخه الاجتماعي مرحلة من الحياة الاجتماعية في دمشق وبعض ضواحيها، والنظرة تجاه الآخر المتمثل بالغجري، تلك النظرة التي لا تخلو من عنف ينهل من مستودع الذاكرة، ومن فجائع الواقع نفسه، وكيف أن تلك النظرة استمرت وتجدّدت بفعل المستجدات التي شهدتها المدينة، كما أنها لازمت الكاتب في رحلة نزوحه.

يستعين نجم بالتوثيق التاريخي بما أورده المؤرّخ الإسلامي أبو عبدالله حمزة بن حسن الأصفهاني في كتابه “تاريخ سنّي ملوك الأرض والأنبياء” عن الغجر، وأخذها عنه الفردوسي في “الشاهنامة”، محيلاً إلى توارث الغجر للعادات التي تكون عابرة للأزمنة والأمكنة.

تكون المفارقة التي يختم بها نجم حكايته التي يتداخل فيها التاريخ الشخصي بالعام، وذلك حين زار إحدى قرى الغجر برفقة أصدقاء له في منتصف الثمانينات في هنغاريا، وكانت المفاجأة المثيرة كامنة في نظرة الغجر إليهم، وتوصيفهم بالغجر بدورهم. ويذكر قبلها بأنها لم تكن المرة الأولى التي ينعتون فيها بالغجر، أو يظنّ بعض مَن يقابلهم أنّهم غجر. ربّما الأشكال والهيئات والسلوكيات، وربّما حالة التشرّد والصعلكة التي تظهر عليهم.

يرمز نجم إلى وحدة الحال بين الغجر وشرائح من السوريين الذين اضطروا لترك بيوتهم، وكيف أن هناك نظرة تسجنهم وتبقيهم غجراً في أعين مَن يحاول النيل منهم بطريقة ما. يتحوّل العنف إلى صاحبه، ويكون اقتصاص الحياة والزمن بإبقاء الحالة الغجرية مرتحلة من مكان إلى آخر عبر الحقب.

أمّا قصة “العادة الشهريّة” للتونسيّ محمد ناصر المولهي فتكون محمّلة بدلالات وإشارات اجتماعية واقتصادية ونفسية، فالموظّف الذي يعاني طيلة الشهر، يسعد براتبه الشهريّ الضئيل، يحاول منح زوجته سعادة مؤقّتة، يكون الحب لديه كالعادة الشهريّة، ولك بحسب توصيف زوجته الساخر له.

هنا يكون الإيحاء بالعادة الشهريّة للمرأة، لكن عادة الرجل الشهريّة تكون عنيفة وقاهرة له، يظلّ ينوح، ويعيش محنته المتجدّدة، يبحث عن زوجته وفاء وابنته لكنّه لا يعثر عليهما. يجدّ في البحث عنهما في كلّ مكان، يجد نفسه متورّطاً في الاعتداء على شرطيّ من دون أن يكون واعياً لذلك، كما يجد نفسه مسجوناً في زنزانة باردة تثقل عليه وتزيد كآبته ووحشته.

تتعقد خيوط المأساة بالنسبة إلى الشخصية الهاربة من مآسيها، تلك التي أصبحت عادات شهريّة، وربّما يومية له، يعود إلى بيته الذي يكون أكثر قسوة من السجن عليه، يصدمه الفراغ مرة أخرى، ويكون التنويه على لسان جارته “يا لذلك المسكين، لم يصدّق بعد موت ابنته الرضيعة وفرار زوجته منذ ثلاث سنوات أو أكثر، وما زال في رأس كلّ شهر يهيم في الشوارع بحثا عنهما”.

لم يغرق المولهي، وهو الشاعر، لغته القصصيّة في لعبة الإغواء الشعريّة، يوظّف التكثيف في “العادة الشهريّة” بطريقة لافتة، ذلك أنّ بؤس حال الموظّف يتسبّب له في كوارث عائليّة، يصيبه الفقدان في مقتل، يفقد ابنته وزوجته وطمأنينته وعقله، وما بحثه المستمرّ المتجدّد إلّا محنة مضاعفة له، وعادة من عاداته التي تشعره بوجوده الكارثيّ في واقع لا يرحم.


كاتب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭/ ‬بريطانيا