سؤال الفتاة وجواب المفكر

كانت هوايتي لقراءة الحوارات التي تجرى مع المثقفين، قد ترسخت يوم قرأت كتاب “أسئلة الشعر” لمنير العكش، كنتُ غَضًّا والكتاب منحني الكثير في حينِهِ، اتَّجهت إلى تتبع الحوارات، فهي خلاصة ثقافة وتجربة الكاتب، وأفضل الحوارات تلك التي يتمكن المحاوِر من استخراج مكامن التجربة وجمرة القراءات من المحاوَر، لمثل هذا وجدتني مشدودًا للحوار الذي أجراه من دمشق عَمّار المأمون مع المفكر السوري جادالكريم الجباعي، وهو حوار يقف على جملة من القضايا التي فجرتها أسئلة الانتفاضات العربية، وما طرحه الحراك الشبابي العربي من تحديات أمام حركة الثقافة العربية.

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/05/2015، العدد: 4، ص(104)]

تفصيل من تخطيط لفيصل لعيبي
السؤال الأول في الحوار يُعدّ مفتاحًا ليس للدخول إلى عوالم المحاوَر بل هو الباب الذي يقود إلى سلسلة أسئلة يكون السؤال الأول منبعها ومحفّزها، وكهذا كان سؤال المحاوِر. لندخل إلى رؤية المفكر الجباعي، فالرؤية العامة للكون تربط ما بينها أوثق ارتباط العلاقات الاجتماعية والإنسانية وسائر القيم المعيارية والأشكال المؤسسية، ومدى انفتاح هذه الرؤية على واقع التنوع والاختلاف، التي تَقوَّضَت أمام الأيديولوجيات الشمولية. كتبتُ في مقالتي (منابع مأساة العراق وإشكالاته.. مراجعة نقدية): أن الآية القرآنية “وكنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر” واضحة في إحالتها للمؤمنين العاملين الزاهدين الذين كانوا يحيطون بالرسول، ولكن التعصب القومي العربي المؤدلج هو الذي فسرها على أنها تشمل العرب جميعًا. ولا نقصد هنا الانتماء العربي الذي يمثل حضورًا عفويًّا مشروعًا في نفس كل عربي، شأنه شأن أيّ إحساس قومي عفوي، نشأ بفعل عوامل تاريخية ولا يتعدى حضوره الهوية الثقافية والوجود الذي يعتز به الإنسان. بل نقصد به التوظيف السياسي الذي سعى إلى نمذجة هويته لتعلو على سواها من الهويات الأخرى مستغلاً التاريخ والدين والثقافة، لتنتهي ممارساته إلى حالة من التعصب والتآمر والإفلاس غير المسبوق للعرب، لتؤدي إلى كفر الناس أنفسهم بها.

من هنا لا يمكن لمن يعتقدون بفكرة “شعب الله المختار” وبأن الأمة الإسلامية خير أمّة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أن تؤمن بتساوي الشعب تمامًا أمام القانون مهما اختلفوا دينًا ومذهبًا وقومية وإثنية ومناطقية وجنسًا، لأنهم يرفضون حقيقة أن العدالة تدبير بشري للكون الاجتماعي، لا تدبير إلهي للكون. هذه الرؤية الكوسمولوجية تُسترجع دومًا في الوعي واللاوعي، وحين ممارسة الطقوس والشعائر، وهي مبثوثة في العادات والتقاليد والأعراف، علاوة على التراث، ولكنها تغدو متوترة في أوقات النزاع، وتُشكّل أساس الخطاب الأيديولوجي.

أعتقد أن لا غبار على ما ذهب إليه المفكر جادالكريم الجباعي، ولكن ثمة ميزة في شعوبنا وهي التآلف والتعايش، وهي نتيجة طبيعية لاندماج المنطقة وتزاوجها العرقي واللغوي والعقائدي، مَهّدَ لنبتة التعايش أن تسود، وإلاّ لما كان في منطقتنا مَن يدين بغير الإسلام ومَن يتكلم بغير العربية؛ وعلى الرغم من أن الشائعة التي تحولت إلى حقيقة عند غالبية المثقفين والتي تقول إن التطرف الديني جاء من شبه الجزيرة العربية ونجد بِعينها، لكن الحقيقة أن أعلام التطرف هم ممن ولد خارجها وفي مناطق الوفرة، مثلاً ابن تيمية ولد في حرّان وفي السادسة من عمره انتقل مع عائلته إلى دمشق، أي أن تنشئته مدينية دمشقية خالصة، وتلامذته ممن ولد في دمشق أو سواها من المدن السورية.

أعلام التطرف والأصولية هؤلاء فرضوا خطابهم، وكأني بهم جبّوا ما قبلهم، ونسخوا إسلام التسامح الذي كان منقذًا للمنطقة حسب الرواية السريانية “إذ رأى (الله) خيانة الروم الذين ينهبون كنائسنا وأديرتنا كلما اشتدّ ساعدهم في الحكم، ويقاضوننا بلا رحمة، جاء من الجنوب بأبناء إسماعيل، لكي يكون لنا الخلاص من أيدي الروم بواسطتهم. إن فائدتنا لم تكن يسيرة، حيث أننا تحررنا من خبث الروم ومن شرّهم وبطشهم وحقدهم المرير علينا وتمتعنا بالطمأنينة. (تاريخ ميخائيل الكبير، ج3، ص 301 – 302)، ليؤسسوا لإسلام ينهض دمويًّا عند الجميع، فيحفر عميقًا في الوعي الجمعي، إذ أننا في ضوء التوتر الحاصل، من الصعب تعيين الحد الفاصل بين القراءة الأصولية للنصوص التأسيسية وما يسمى القراءة المعتدلة، فالأصولية قاسم مشترك بين القراءتين أو التأويلين، وحسب المفكر جادالكريم الجباعي، ما الفرق بين قراءة تنظيم دولة الخلافة في العراق والشام وممارساته الهمجية، المستندة إليها وبين فتوى الأزهر، رمز الاعتدال، في جواز حرق أعضاء هذا التنظيم وتقطيع أوصالهم، ردًّا على إحراق الطيار الأردني، الذي يقاتل في صفوف “الصليبيين” وحلفائهم.

مكاشفة النفس

يقول الجباعي: سألتني في بدايات الثورة السورية صبية، تعرف أنني معارض مرّ: لمَ لا نراك في المظاهرات والاعتصامات؟ فأجبتها ببساطة، لأني أعتبر هذه الثورة ثورة عليّ وعلى أبناء جيلي، وليس من حقي وحق أمثالي أن يركبوا موجها..”، مكاشفة الجباعي، تقودنا إلى عقود من الأيديولوجيات التي كانت تتصارع من أجل السلطة، ولم تُفكّر في الارتقاء بالمواطن وكانت صراعاتها فيما بينها قد بذرت بذور الكراهية بين طبقات المجتمع وزرعت الخوف والتوجّس والريبة والتملّق. قرأت مرة للرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ، أنه حَذّرَ من طائفية الجيش في بلاده، وهذه حالة يجب أن تُدرس، مثلما يُدرس التشابه بين العراق وسوريا، ثمة جوانب عديدة يشترك فيها البلدان، فهما وقعا تحت حزب واحد وشابَ حكمه العديد من الخروقات ولم يتم بناء مؤسسات مجتمع مدني وتداول سلمي للسلطة، وما حذّر منه أمين الحافظ، نجده في الجيش العراقي الذي كان لمولود مخلص باشا دور كبير في إيجاد تكتله الطائفي، وكأنه يجب أن يكون السنة العرب على رأس الجيش في العراق والعلويون على رأس الجيش في سوريا. ولو نظرنا للأحزاب سنجد السنة العرب قوميون عروبيون في حين الشيعة شيوعيون، يقود السّنة أطرافها وهوامشها، فأغلب القيادات البعثية والقومية في العراق ليست من بغداد وأما الشيوعيون فيقف الأكراد أولاً على رأس القيادة ثم غير المسلمين، والشيعة غير العرب بالدرجة الثانية.

ماذا لو أن الفئات الأخرى كانت لها مواطئ قدم ثابتة وقوية في الحكم، هل سنجد الخريطة الحزبية والعسكرية في سوريا والعراق هي نفسها؟ سؤال لا بدّ وأنه مرّ على كثيرين غيري أيضًا؛ الأخطاء التي رافقت بدايات تشكل الأحزاب، والترحيل العشائريّ والمناطقيّ والمذهبيّ لهذه المؤسسات التي من المفروض مهمتها بناء مجتمع مدني يخلو من أدران الماضي وسلبياته؛ قادتنا في آخر المطاف إلى مجتمع مفكك تنخره الطائفية والعداء للعروبة التي هي هوية ثقافية ساهم الجميع في إيجادها. إن اعتراف المفكر جادالكريم الجباعي بأنهم مسؤولون عما وصلت إليه بلادنا من فقر وحرمان واستبداد وطغيان؛ وعده أن لا فرق بين أحزاب سلطوية تدافع عن سلطة قائمة ومكاسب وامتيازات فعلية، وأحزاب معارضة تناضل من أجل سلطة ممكنة ومكاسب وامتيازات ممكنة. وكل واحد من هذه الأحزاب ملة ناجية قائمة بذاتها، وله مشروعه الخاص لوطن لا يتسع لغيره، وشعب هو شعبه الخاص، كشعب الله المختار، على حدّ قوله وهو مصيب باعتقادي.

الاستبداد آفة تتسبب في هزال النخبة الثقافية وعجزها، فإما مثقف تابع أي سلطويّ، يجيد التصفيق كثيرًا، وإما مبدع خلاّق يدمن عزلته ويتكسر أمام صمته أو كأسه

إن تسيّد ثقافة شمولية نتيجة سلطة عسكرية أو مؤدلجة، نتج من ذلك مثقف سلطة هو أقرب للمخبر، ولا يمكنها إنتاج مثقف عضويّ، لأن ثمة علاقة عكسية بين الطبقة التي تحكم المنطقة منذ نصف قرن، وبين إنتاج نخبة تتحصن بالمعرفة والحرية مثلما تجيد وضع مبضعها الثقافي في جسد المجتمع لشفائه. فكان ولا بدّ من تحصن المثقفين بأبراجهم العاجية، وعزلتهم التي أجبروا عليها، فكثير من المثقفين اضطرّوا اضطرارًا للعزلة والتقوقع خشية أذى السلطة الشمولية. يقول الجباعي: أتفهم الخوف البشريّ، لأنني أخاف، ولا أدين الخائفين، بل أدين الشروط الاجتماعية والسياسية والدينية والنظم الاستبدادية، التي تنتج الخوف وثقافة الخوف.

الاستبداد آفة تتسبب في هزال النخبة الثقافية وعجزها، فإما مثقف تابع أي سلطويّ، يجيد التصفيق كثيرًا، وإما مبدع خلاّق يدمن عزلته ويتكسر أمام صمته أو كأسه، أو يجازف بالهروب إلى المنفى، ليتنفس هواء يخلو من الاستبداد، لكنه ليس باستطاعته الصراخ وتعرية الاستبداد إلاّ بخطوط وضعها النظام، وإلاّ فالأهل رهينة، وهنا تحضرني مفارقة فجائعية؛ كان رجال الأمن يستدعون عمّي للسؤال عن ابنه، وكنا جميعًا نظنّ أنه غادر العراق، وكهذا استمر الاستدعاء، وبعد سقوط نظام صدام حسين، اكتشفنا أنه مع ابنَي عمتي قد تم إعدامهم في رمضان سنة 1991 م. هذه المفارقة لا أشكّ في أنها تكررت كثيرًا في الأنظمة الشمولية.

يتطلع جادالكريم الجباعي إلى دولة وطنية، ويحلم بسوريا “فيدرالية” مؤكدًا أن تعبير الدولة التعددية مراوغ وتعبير الدولة المدنية ينمّ عن جهل العلمانيين ومكر الإسلاميين. أعتقد أن الدولة الوطنية الحقيقية حلم الجميع، لكن من المعروف -إن لم يكن من البديهي- أن الدولة الفيدرالية تنشأ بين دولتين، في حين ما حدث وفُرض على العراقيين هو مخالف للتجارب السابقة كلها أعني الفيدرالية، وما يؤمن به الجباعي عن سوريا لا يختلف في مخالفته لهذه التجارب، فسوريا مثل العراق كونها إقليم جغرافي معروف، وهي أرض قائمة بل قل وطن قائم وإن كان لفترات طويلة جزءًا من إمبراطوريات، وما يحلم به القوميون العرب هو تحويل سوريا والعراق إلى جزء من كل؛ وأن سوريا والعراق كلاهما غُبنا بمعاهدة سايكس-بيكو (1916 م).

أرى أن الجباعي وقع فيما وقع فيه العديد من مثقفينا ومنظرينا ومفكرينا. إن الفيدرالية ليست النظام الأوحد بالعالم، فبلدان مثل نيوزلندا وفرنسا والسويد وعشرات أخرى لا تعتمد النظام الاتحاديّ، وجميعها ترفل بالتقدم والدولة الوطنية الحقة التي يتطلع لها جادالكريم الجباعي وسواه. أظن أننا بحاجة ماسة قبل الشروع بالحديث عن حقوق هذه الفئة وتلك القومية واحترام هذه العقيدة وذلك المذهب، علينا أن ندرس دراسة مستفيضة الواقع التاريخي والثقافي والاجتماعي لهذه الفئات، قبل المصادقة على مطالبها وتأييدها، لأن العقلية التي منحت الحق للأنظمة الدكتاتورية أن ترتكب انتهاكاتها الصارخة بحق الدولة الوطنية والأمة، هي ذاتها العقلية التي تنطلق منها الأحزاب المعارضة إن كانت تنتمي للغالبية أو للأقليات لا فرق، وهذه العقلية مبنية على الإلغاء والإقصاء والاستحواذ، وإشاعة سردية الحق الإلهي أي أن ثقافة “الفرقة الناجية” هي التي تتحكم بالجميع، ومن هنا يتطلب التدقيق والتأني بخطاب المعارضة قبل القبول به، ولو تأملنا جواب الجباعي نفسه “الذين يتحدثون عن تفكيك المؤسسات وبناء مؤسسات جديدة، وهو حديث حماقة، لا ينم عن معرفة بما هي الدولة وما هي المؤسسات، ولا ما هو المجتمع المدني وانتظاماته الحرة ومنظماته المستقلة. هؤلاء عينهم على مؤسستَي الجيش والمخابرات. فلا أحد من هؤلاء يتحدث عن تفكيك البنك المركزي والنظام المصرفي مثلاً، أو وزارة التربية والتعليم العالي أو وزارة الزراعة أو الصناعة.. إلخ، وكلها مؤسسات فاسدة” نجده قد تحقق في العراق، فكان إلغاء الجيش والمخابرات من أجل الاستحواذ عليهما طائفيًّا عند فئة وقوميًّا عند فئة أخرى.

لم يتم تفكيك الوزارات الأخرى في العراق وطرح مناهج دراسية تتخلص من الإرث الذي عانى منه الشعب، وليس مستغربًا أن وزارة الثقافة في العراق يحمل حقيبتها شرطي ومن ثمة إمام جامع أصولي متهم بالإرهاب وثالثًا وزير الدفاع ذاته. ما يجري في العراق أتمنى أن لا يتكرر في أيّ بلد، لأن المحاصصة مدمّرة للأمة وتحول دون تطورها، وإذ أعتقد أننا ننطلق من ثقافة “الفرقة الناجية” التي تبني سردية نقائها ومظلوميتها وتطرد الآخرين من جنة الوطن إلاّ مَن قبل التبعية لها وصفّق لأوامر الحزب القائد، عليه فلا الفيدرالية ولا الحكم الذاتي ولا حق تقرير المصير ولا التعددية ما نحتاجه، بل نقد وتفكيك ثقافة الفرقة الناجية التي شكّلها الانهيار الحضاري ما بعد القرن الثالث الهجري ومنحها صفة السردية المقدسة من القرن السادس الهجري وما تلاه.

ثقافة الفرقة الناجية، جميعنا أبناؤها المخلصون، مهما اختلفت أعراقنا ولغاتنا ودياناتنا ومذاهبنا ومناطقنا، فهي القاعدة التي بنى الجميع سردياتهم الحديثة وخطابهم السياسي وأدبيات أحزابهم عليها. من هذا الفهم أراني أختلف مع المفكر جادالكريم الجباعي وسواه في رفضي للفيدرالية ولسواها، مؤمنًا بأن النقد يجب أن يشمل الجميع غالبية عربية وأقليات غير عربية، غالبية إسلامية وأقليات غير إسلامية؛ لا استثناء لخطاب سياسي على الإطلاق، عندها سوف نعي خطورة جهلنا بتنوعنا ومن ثمة بخطاب الفرقة الناجية التي تنطلق منها سرديات الآخرين ممن يشكلون شعوب هذه المنطقة؛ والتي بلا أدنى شكّ ما كان لها أن تغرف من المستنقع نفسه لولا سيطرة الدكتاتوريات العربية وأجهزتها القمعية، التي نجحت في تجهيلنا جميعًا وفي زرع الشكّ وتضخيم الأنا والأوهام عند الآخرين، هؤلاء الآخرون الذين قاموا بدوٍر رائٍع في حضارتنا وثقافتنا وظُلموا مرتين، مرة من قبل الخطاب القومي العربي الاستبدادي ومرة من مثقفي الأمة الذين تحالفوا بلا وعيٍ مع الأنظمة العربية حين لم يخصصوا وقتًا كافيًا لفهم تاريخ هؤلاء وثقافتهم ومنجزهم.


شاعر‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الخرطوم