التاريخ المجني عليه

إن أردت معرفة المتخبط بالتاريخ وأسسه، فهو من يعتمد الطبري وابن كثير كمصدرين لا غنى عنهما. ولكن إن سألك سائل 'بأي كتاب تنصح طالب المعرفة بالقراءة؟'، فلا بد من الإشارة إلى الطبري وابن كثير، ضمن من تشير إليهم: كيف؟ إن الطبري وابن كثير يمنحان قارئ التاريخ المبتدئ رباطة الجأش، والصبر والتحمل على 'الغثيان' الذي تسببه كثرة الروايات وإعادة طرحها بصيغ مختلفة وهو ما يحتاجه الباحث، أي الصبر ومتابعة الحادثة التاريخية، أو الشخصية التاريخية في مصادر عديدة، ومحاولة قراءة الواقع آنذاك، والتدقيق في سلاسل الرواة، مما يمنح قراءة مغايرة تستحق الإشادة، في تراث هو الأضخم بين لغات العالم.

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/07/2015، العدد: 6، ص(76)]

المتخبط بالتاريخ سوف يتشبث بالطبري وابن كثير، التشبث الذي اتفقت عليه جميع الأطراف، فالمذهبيّ ينتصر لهما حسب قراءة مذهبه لما جاء في كتابيهما الشهيرين؛ السُّنّيّ يفخر ويرى أن كل ما ذكره هؤلاء قدّره الله لخير أمّة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن الجرائم البشعة التي دوّناها ودوّنها سواهما هي التجسيد العملي لآيات القرآن الكريم في السيف وهي نتاج معركة الحق ضد الباطل، ودار الإسلام ضد دار الكفر وإلى آخر السردية أو “المحفوظة” التي يحفظها كل سُنّي تقليديّ، بينما نجد الآخر ممن يعترض من أصحاب المذاهب الأخرى، يصرون أن ما جاء في السردية السُّنيّة هو دليل على انحراف الصحابة بعد “استشهاد” الرسول الكريم، فالشيعة الذين يرون أن مؤسس الإسلام لم يمت موتًا طبيعيًّا بل نتيجة تعرضه لسُمٍّ بطيء انتشر بجسده رويدًا رويدًا، يعتمدون على السردية السُّنيّة، لا لشيءٍ إلاّ لإثبات أن الإمام علي بن أبي طالب هو الخليفة الشرعيّ لرسول الله، ومن هذا المنطلق فإن الفتوحات الإسلامية وحروب الردّة لم تكن سوى نتاجٍ طبيعيٍّ ليوم السقيفة “المشؤوم” حيث تمّ اغتصاب حقّ عليّ بن أبي طالب وبالتالي اغتصاب حقّ أهل البيت.

متطرفو الأديان الأخرى اتفقوا مع الملحدين وأعداء العرب والمتثاقفين من دعاة العلمانية وهي منهم براء، مع “الثائرين” على الدين الإسلامي بسبب تخبط عديد فقهائه وحركاته الإسلامية، على النّظر لما جاء في السردية السُّنيّة متمثلة بالطبري وابن كثير كنموذجين اخترتهما، باعتبارها دليلاً ليس على خروج الصحابة عن نهج الرسول وتسامح الإسلام، بل على أن الإسلام هو دين عنف وإرهاب، حتى يُخَيّل للآخر أن البشرية صنعت إمبراطورياتها بماء الورد والمحبة ورمي الزهور وملء بيوت المناطق التي أخضعوها بالفواكه والثمار والذهب والفضة، باستثناء العرب فهم أول وآخر مَن ارتكب العنف واستخدم السلاح والمنجنيقات والمياه الساخنة والقدور التي يُطهى بها الرجال، وأول وآخر مَن استعبد الناس واغتصب العذارى وأوجدَ مهنة الرقيق.

أهمية التفكير في تطوير وعي نقديّ يمكننا من مساءلة التراث وتفكيك الأنساق المعرفية والحوامل الاجتماعية، لا يمكن لها أن تحدث بالتسليم بالسرديات التاريخية، واستخدامها بطريقة تتفق وما نريده، بعيدًا عن صرامة البحث العلمي وحفريات التاريخ، وأعني بالتسليم اعتمادها كوثيقة لا غبار عليها وكمرجعية علمية بعيدة عن الأهواء والظروف التي تحكّمَت بالألسن على مدى عدة أجيال من النقل الشفاهيّ، ومن ثمة بأهواء التدوين. إن تاريخنا وثقافتنا العربية الإسلامية، بحاجة ماسّة لعقل نقديّ فوق الميول والاتجاهات، يعمل بصبر وأناة لإزاحة ما علق بهذا التاريخ من أهواء وعقائد.

سن الزواج حسب الأهواء

تزوج الرسول محمد (ص) السيدة عائشة وهي ابنة الثامنة عشرة وليست ابنة التاسعة، هذه النتيجة التي توصَّلَتْ لها حفريات التاريخ، لم يُكتب لها الانتشار، لأن الجهات التي أشرنا لها في مقالنا هذا ليس من مصلحتها أن تُعمّم هذه النتيجة، فالكل سيخسر، الإسلامي المتديّن سوف يخسر الصبايا اللواتي لم يجف الحليب في شفاههن، والآخر المختلف دينيًّا ودعاة الإلحاد و”العلمانية” لا يودّون الخسارة أيضًا، فمشكلتهم في الحقيقة ليست مع السلبيات التي حدثت حسب السرديّات الإسلامية، لأن هذا يعني أن لا مشكلة لديهم مع دينٍ تؤمن به الغالبية العظمى من العرب، إضافة لمئات ملايين أخرى؛ إنما مشكلتهم في أنهم أبناء بررة لذات الأنساق المعرفية التي رفضوها، سوى أنهم ذهبوا مائة وثمانين درجة نقيضًا، ويصرون على عدم رؤية الإيجابيّ والجماليّ في تاريخنا وتراثنا.

عدم تبني دعاة الإلحاد و”العلمانية” لهذه النتيجة التي في تبنيها ونشرها والترويج لها سحب للبساط من تحت أقدام المتطرفين المحسوبين على الإسلام، وبذلك يتم إنقاذ ملايين الفتيات في عمر الزهور، ومنهن مَن لم تدخل دور المراهقة، أو في بدايته، مما يعني استحالة بناء أسرة على أسس سليمة تتفق ومعايير الحداثة والظروف التي أوجدتها هذه الحداثة. لكن هيهات لمن لم يفقه العلمانية، وإنما تفقه في الإساءة لعقائد أمّته ومجتمعه والحطّ من ثقافتهم وتاريخهم.

روايات بني قريظة

ما ذكرته المصادر الإسلامية عن مجزرة وقعت في وسط سوق المدينة، قام بتنفيذها الإمام علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، أمام أنظار الأوس والخزرج، واختلف الرواة في العدد بين أربعمئة وتسعمئة، هذا الاختلاف العجيب في العدد بما يزيد على الضّعْف، لم تذكره سوى رواية مرسلة يتيمة مصدرها قرظي بحت، ففي مغازي الواقدي “حَدَّثني إبراهيم بن ثمامة، عن المسور بن رفاعة (القرظي)، عن محمد بن كعب القُرظي، قال …” وأبوه من كعب من سبي بني قريظة، وفي سيرة ابن هشام، الرواية مصدرها عطية القرظيّ. أين الأوس والخزرج والمهاجرون؟ لماذا لم يتفوَّه بها علي ابن أبي طالب الذي عاش ما يقارب من خمس وثلاثين سنة بعد الحادثة، وكذلك الزبير بن العوام، ولم نقرأ عن أوسيّ واحد وهم الذين كان بينهم وبين بني قريظة حلف، وكانوا في أشد حالات الحزن والتأثر على حلفاء الأمس.

القراءة المؤدلجة دينية ومذهبية وقومية وإلحادية، تتشبّث بالقشة كي تُثبت ما تريده لا ما هو صحيح ويتفق مع المعايير العلمية لنقد التاريخ وحفرياته، السُّنّي يتشبّث لأن الأمر لديه ينطلق من منطلق مذهبي مؤيد تمامًا لسردياته، على الرغم من تناقضه وهو المتديّن بنظرته لليهود وللفرس، اليهود متمثلين بالقرظيين رواة الحادثة، والفرس بالطبريّ؛ أما المسلم غير السُّنّيّ فتشبّثه كي يُثبت فداحة التخريب للإسلام ولرسوله الكريم في مظانّ هذه السرديات، وبذلك هو يُقدّم السرديات التي تنتمي لمذهبه بديلاً يحمل مصداقية لا تسيء للدين الحنيف. بينما القومي غير العربي مشحون ضغينة ضد الإسلام؛ الهوية الكبرى للعرب ومفخرتهم باعتبارهم حَمَلته ابتداءً من صاحب الرسالة المؤسس الرسول الكريم، وليس انتهاء بالصحابة، من هنا فهو يتشبّث بكل ما يثبت دموية العرب وهمجيتهم وعنفهم، وهل أكثر دلالة على ما يذهب إليه من قتل تسعمئة أسير. الملحد “العلمانيّ” يتشبّث كما القومي غير العربي، ولكن تركيزه على الدين أكثر من القومية، فهو هنا يرى الإسلام وليس العرب.

خالد بن الوليد ومالك بن نويرة

لا أكرر ما ذكرته أعلاه في ما يخص طروحات المؤدلجين من جميع المذاهب الإسلامية والديانات الأخرى والقوميين غير العرب والملحدين دعاة “العلمانية” وهي منهم براء، فالعلماني لا يمكن أن يمارس عداءً لعقائد الناس، ولا يعرف السُّعار ضد تاريخه وثقافته، بل هو محلّل ومفكك لأنساقه المعرفية وحوامله الاجتماعية وسرديّاته بطريقة علمية، تنشد الحلول لأسئلة علمية تؤرقه، ويعي أن تفكيك ثقافته سوف يدفع بها للأمام، وسيّان عنده مَن نظر بعصمة للتاريخ وأراق جهدًا وحبرًا في إثبات أن خلف كل حركة وفعل قام الصحابة والتابعون والفقهاء والخلفاء به هو بأمر إلهيّ وخلفه حكمة ربانية نحن لا نعيها؛ ومَن لعنَ تاريخه وعقيدة مجتمعه وثقافته وكفر بها جميعًا وكأنّ لا وجود لجزر خضر أمام ما يتوّهمه بحرًا من الدماء.

في كتابه “خالد وعمر، بحث نقديّ في مصادر التاريخ الإسلامي المبكّر” يثبت الباحث كلاوس كلِير، “أن مالك بن نُويرة لم يبلغ مثل هذه الدرجة من الشهرة في الحقيقة إلاّ بسبب مراثي أخيه” (ص194). فعلى امتداد عشرات الصفحات فيما يخص قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة، يخرج بالنتيجة أعلاه، مستندًا على أبيات مُتَمِّم بن نويرة، مما يجعل معظم الأحاديث المنحرفة عند المؤرخين تبدو تلفيقًا. وعندئذ تدخل حكاياتٌ مثل أسْرِ مالك بن نويرة، وشهادة أبي قَتادة، والقتل من باب الخطأ، على أساس التباس لغوي، واستجواب مالك عن طريق خالد، والحكم عليه بالإعدام، وحكاية الأثفيّة، وكثير ممّا عدا ذلك في باب الخيال (ص175).

مستشرق أكثر رأفة بنا

إن كلاوس كلِير هذا الأجنبي ابن دائرة الاستشراق، أكثر رأفة ورحمة وإنصافًا للعرب وللإسلام من أهله ممن شرّقوا وغربوا ولكنهم اتفقوا على عدم تخليص السرديات الإسلامية من الشوائب التي ألحقها بها في أحسن الأحوال خيال المؤرّخين، ناهيك عن محاولات إرضاء السلطات آنذاك، فخالد بن الوليد القائد العسكري الذي لم يعرف الخسارة كما تخبرنا السرديات العربية، لا يُنظر له كبطل وقائد فذّ، بل نجد الجميع باستثناء الخِطَاب السُّنّي المبني على الغيبيات والتقرّب إلى الله من خلال الثناء على صحابة رسول الله، ينظر لخالد بن الوليد نظرة سلبية ظلمت عبقريته العسكرية، على الرغم من أن الرجل لم يكن معصومًا، وأن اختلافًا على سلوكه هنا وهناك، عند عديد المؤرخين المسلمين؛ وكثيرًا ما يتم الاستشهاد بقتله المزعوم لمالك بن نويرة ومن ثمة زواجه من أم تميم أرملة مالك، ولا يكتفي كلاوس كلِير بما أثبته عن خالد بن الوليد فيما يخص الأمر الأكثر حساسية ومدعاة للجدل في حروب الردّة، بل وفي فتوحات العراق وبلاد الشام، وإن لم يصل في رأيه لما ذكرته المصادر السريانية، والتي سوف نستشهد بها بعد ذكر رأي هذا الباحث، فهو يقول “ولم تكن المسألة تتعلق في هذا الصدد، إذا ما أحسَنّا الملاحظة، بعدوان على دول مجاورة، بل لهدف إدخال سكان المناطق التي تحفُّ بشبه الجزيرة العربية وبالناطقين بالعربية في مجال سلطان الإسلام. (ص198) إذن لا عدوان في الفتوحات الإسلامية.

ولنقرأ الآن الرواية السريانية المعاصرة للفتوحات “إن الله إله النقمة الذي وحده له السلطان على كلّ شيءٍ، هو الذي يغير الملك كما يشاء ويعطيه لمن يشاء، ويقيم عليه الضعفاء، إذ رأى خيانة الروم الذين ينهبون كنائسنا وأديرتنا كلما اشتدّ ساعدهم في الحكم، ويقاضوننا بلا رحمة، جاء من الجنوب بأبناء إسماعيل، لكي يكون لنا الخلاص من أيدي الروم بواسطتهم. إن فائدتنا لم تكن يسيرة، حيث إننا تحررنا من خبث الروم ومن شرّهم وبطشهم وحقدهم المرير علينا وتمتعنا بالطمأنينة”. (تاريخ ميخائيل الكبير، ج3، ص 301 – 302).

خاتمة

إن نقد التاريخ والمجتمع والثقافة عمومًا، حين يخضع للأهواء فلن يُسهم إلاّ في مزيد من الخراب، إن كان هذا الخراب متمثلاً بكثرة الأحزاب الناطقة باسم الله، أو فَلَتان الفتاوى، أم كان في تلك الردة السلبية حد السعار التي تبحث عن كل كلمة وجملة في تاريخنا تشي بعنف وتحمل رائحة الدم، أو فيما سطّره بعض المستشرقين من مقولات سلبية بحقنا، كي يُمعنوا في وضع السمّ على جراحنا؛ أولئك الذين حين تقرأ لهم تخال أن العالم كان يعيش في الفردوس وجاء العرب بدين الإسلام فمزقوه تمزيقًا.


شاعر‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الخرطوم