لماذا‭ ‬لم‭ ‬نستلهم‭ ‬تراث‭ ‬بابل

سؤال طالما تردد على الألسن‭:‬ لماذا لم نستلهم تراث بابل؟ وهو سؤال حقّ ولكن معظم مَن تصدّى للجواب كان يبتعد عن الدقة والصواب؛ وعليه سأستعرض طبيعة الأجوبة ومدى معرفة مطلقيها بالتاريخ، وكيف أنها أجوبة تُطلق بلا شعور بالمسؤولية، ثم أجيب على السؤال، موضحًا رأيي في الأمر‭.‬ أبدأ القول إن الحديث في التاريخ سماعيًّا هو أحد الآفات، وأعني بالسماعيّ ما نسمعه ولا نمحّصه ونعود للكتب بحثًا عن الحقيقة قبل أن ننقل المعلومة ونشيعها لتترسّخ “حقيقة” عند متلقيها لا يمكن نقضها‭.‬

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/04/2015، العدد: 3، ص(76)]

الآفة الثانية هو تناقل ما ذكر على لسان الأولين أو ما ذكرته كتب التاريخ من تمجيد لأمّة والإساءة لأمة أخرى، وأقرب مثالين لدينا هو تمجيد الفرس أصحاب الحضارة العظيمة والإساءة للعرب البدو سكان الصحراء؛ والتأكيد دائمًا على اقتران الفرس بالحضارة والمدنية والعرب بالبداوة والهمجية، الإطناب في مدح الفرس والإطناب في ذَمّ العرب أيضًا، ناهيك عن أن جميع الفئات أصبحت أكثر رُقيًّا من العرب في الوعي الجمعي، وأصبح الحديث بعقلانية وعلمية عن هذه الأقوام يُعدّ عنصرية عربية “قومجية” كما يحلو للقوميين العنصريين غير العرب أن يصموا كل متحدث بإيجابية وعلميّة عن العرب؛ وكان لإدخال الشائعات في الدين الطريق السالكة التي مهدت لاستقالة العقل الجمعي في المنطقة وسواها، مما جعل التحريم وربما التكفير يلحق بمن تؤدي حفرياته لنقض هذه الآفات والشائعات والأكاذيب‭.‬

الآفة الثالثة، وهي ثالثة الأثافي أن معظم مَن تصدى للحديث عن العراق والعرب والإسلام وحقوق الأقليات كانت معرفتهم لا تتعدى معرفة فلاح بسيط أو بائع فقير لا يقرأ ولا يكتب ويحدثك عن الدين والحلال والحرام وإلخ من خلال إمام الجامع أو قُرّاء المنابر الذين لا تزيد معلوماتهم كثيرًا على مستوى الأميين الذين يفتون لهم؛ فهؤلاء أعني مَن تصدى للأمر، تلقّوا معلوماتهم من المسؤول الحزبي أو من مؤدلج ينتمي للأقليات لا يعرف حديثه المحبة وإنما يعتقد أن الإساءة للعرب والإسلام وتضخيم افتراءاته عليهما يحقق له أوهامه التي يظنها حقوقًا مشروعة، مُقَلّدًا السردية الصهيونية فيما يخص المظلومية التاريخية والتي جعلت الإنسان الغربي يشعر بعقدة الذنب أمام اليهود‭.‬

شخصيًّا أرى أن الأقليات في العراق والعالم العربي نجحت في منع المثقفين العرب من نشر ما توصلوا إليه من خلال حفريات التاريخ والتي تقول عكس أوهامهم ولا أقول حقوقهم المشروعة في الحفاظ على خصوصيتهم وواجبنا الاعتزاز بها‭.‬ فمن يستطيع الآن في العراق على الأقل أن ينشر بحوثًا عن أكاذيب الأقليات وأوهامهم وعن حسن المعاملة العربية لهم عبر التاريخ قياسًا بمعاملة الفرس والأتراك والإنكليز والفرنسيين والأسبان والبرتغاليين للأقليات؛ ومَن بإمكانه التحدث بعلمية عن حضارة عربية سبقت الإسلام كانت على نهري دجلة والفرات من منابعهما وحتى مصبهما وعلى أنهار بلاد الشام وسواحل البحر المتوسط ودلتا النيل، ولا يُتهم بالعنصرية العربية و”القومجية” بينما بإمكان متطرفي الأقليات الحديث في كل شيء مهما كان عنصريًّا مسيئًا للعرب وللإسلام بلا حذر‭.‬

تتعرض الشعوب لمسح ومسخ الكثير من تراثها وثقافتها حين تنوء تحت احتلالات متنافرة متصارعة همها تحويل الشعب إلى عمالة كادحة أقرب للعبيد لتنتفخ خزائن الغزاة، وأطول فترة مرت على الشعب العراقي كانت تحت الهيمنة الفارسية والتي ابتدأت منذ لحظة سقوط بابل 539 ق‭.‬م‭.‬ حتى الفتح الإسلامي، باستثناء فترة الهيمنة اليونانية والتي فرضت لغتها وثقافتها، ثم ذابت في النسيج العراقي، لكن الهيمنة الفارسية لم تكن تحمل معها ثقافة كما الإغريق، وعليه وجدت في العراق خزينة تدرّ عليها ما يشبع جشع السلطات ونهم الجيوش وإدامة الحروب‭.‬

حين نتحدث عن الثقافة اليونانية، فنحن نستحضر عشرات الأسماء التي كتبت بهذه اللغة وتراثها مازال ماثلاً أمامنا مُترجَمًا لعديد اللغات العالمية، ومثلما أضاع الزمن تراث الكثير من الشعراء والأدباء الذين كتبوا بالعربية ولكن تراجم ومعاجم الأدباء ذكرتهم من خلال الإشارة إليهم، كذلك ذكر التاريخ لنا أسماء كتبت باليونانية ولم يصل نتاجها، لكن ما حدث مع الفرس هو أننا نقرأ عن حضارة فارسية عظيمة وعن حرق العرب لمكتبة الريّ التي تضم مليونَي كتاب، ولكن لا نعثر على شاعر واحدٍ قبل أبي القاسم الفردوسي المتوفى سنة 1020 ميلادية، ووصلنا كتابه الشهير الشاهنامة؛ أي بعد أن أنجز العرب منظومة ثقافية حضارية ثرية للغاية أضحت تراثًا لو اتفقنا على أن التراث هو كل ما كان عمره يزيد على مئتي سنة، أي المنجز الذي سبق عام 820 أو 800 ميلادية‭.‬

من المعروف أن الألواح الطينية في مكتبة آشور بانيبال، لها ما يماثلها في أماكن أخرى ولكنها متفرقة، بينما مكتبة آشور بانيبال فيها الألواح مجتمعة، فكيف يتم حرق مليونَيْ كتاب في مكان واحد، ولم نعثر على أيّ كتاب في عموم المنطقة بل العالم؟ إن مليونَي كتاب تعني بلا أدنى شكّ أن عددًا مماثلاً على الأقل موزّع في أماكن أخرى منها بيوت المؤلفين ومدنهم وتلامذتهم وقصور حُكّام المناطق التي عاش فيها هؤلاء الأدباء الذين لم يُسعف الحظ مَن أطلق كذبة حرق العرب لمليونَي كتاب أن يذكر لنا أسماء ولو عُشْرهم؛ بل لم نعثر حتى على نقوش كثيرة باللغة الفارسية، بينما ما عثرنا عليه من نقوش عربية في العراق وسوريا وبقية منطقة الهلال الخصيب والحجاز واليمن ومناطق أخرى هوعدد يُعدّ بالآلاف والتي من خلال قراءتها اتضحت حقائق كثيرة عن حضارة عربية وإن لم تبلغ مقدار ما وصلت إليه بعض الشعوب وما أصبح عليه العرب في الكوفة والبصرة ودمشق وبغداد والقاهرة، لكنها كانت القاعدة التي بُنيت عليها الحضارة العربية الإسلامية، وفي ذات الوقت تنفي الجهل والبداوة عن العرب‭.‬

سيبقى مثال الورود وما كانت تدرّه تجارتها على خزينة بغداد في العصر العباسي، دليلاً ليس على رِقَّةِ العراقيين وتبغددهم، بل على أن الحروب والاحتلالات والطغيان تفعل فعلها في شعب لتحوله من شعبٍ أسَّسَ لثقافة اقتناء الورود وتقديمها إلى شعبٍ صاريرى في تقديم المال أو الفواكه والحلويات في المناسبات أكثر قيمة من الورود، أليس انتفاء ثقافة اقتناء الورود عند العراقيين بعد الاحتلال المغولي والتتري دليلاً على ما نذهب إليه، وهي أن القطيعة سببها الغزاة والطغاة وليس ادعاء أن العراق كان يخلو من العرب وفجأة دخلوه من أسطورة اسمها صحراؤهم ليفرضوا ثقافتهم “البدوية” ثقافة الندرة التي تعني الخشونة‭.‬

من هنا نرى أن طول فترة الهيمنة الفارسية وحروب الفرس والروم أدّت إلى ضياع تراث بابل وعدم مقدرة عرب العراق رغم عراقة تواجدهم في منطقة الهلال الخصيب على تَمَثّل هذا التراث بما يستحق وهم الأجدر بتمثله باعتبارهم الوارثين الأكثر أصالة‭.‬ لكن لا يخفى أن تراثنا البابلي لم يذهب أدراج الرياح تمامًا، فثمة ما يؤكد وجود هذا التراث ولو بنسبة بسيطة ابتداء من المطبخ العراقي حيث كشفت ألواح طباخ الملك حمورابي أننا مازلنا نتناول بشهية عالية وصفاته في إعداد المائدة العراقية، وليس انتهاء بتلك الخيوط التي تربط عاداتنا وتقاليدنا والتي نجدها بطريقة أو بأخرى لو قرأنا كتبًا مثل الحياة اليومية في بابل وآشور، وعقائد ما بعد الموت عند العراقيين القدماء.


شاعر‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الخرطوم