قصتان

الجديد  هيثم‭ ‬حسين [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(211)]

تخطيط لـ فيصل لعيبي
ماذا كنّا نفعل هناك؟!

كعادتي أستغرق في البحث على الشبكة العنكبوتيّة، أُبقي صفحتي مفتوحة، أضيف أصدقاء، أوافق على صداقات الراغبين بصداقتي الافتراضيّة، أتفاعل مع أصدقائي، أنقر الإعجابات المتتالية.

لا أدري كيف ومتى نقرت إعجابي على جملة قرأتها عن الحرب، ولا سيما أنّنا نعيش آثار الحرب المدمّرة.

ربّما تكون شرارة صداقتنا الافتراضيّة عبارة عن نقرة إعجاب أو اقتراح. لكن ما كان تالياً عمّق تلك الصداقة.

يدخل المرءُ أعماق الآخر حين يكشف أمامه آلامه.

لم أدرِ ما كان يترتّب عليّ فعله أمام ما كنت أُصْدَم به. كان الصمت سلاحاً غير فعّال، وبرغم ذلك اعتمدته على هامش الدردشة التي دارت بيننا.

أخبرتني جيسي؛ صديقتي الفيسبوكيّة، التي كانت متطوّعة في قوات المارينز الأمريكيّة في فرقة شؤون الموتى في العراق، أنّها تطوّعت في تلك الفرقة المسؤولة عن تجميع جثث الجنود الأمريكيّين والمدنيّين العراقيّين في مواقع القتال، إيماناً منها بضرورة احترام الموتى، وعدم معاملتهم كأشياء انتهى مفعولها.

أخبرتني كيف أنّ رائحة الموت لازمتها حين كانت في العراق، قالت «إنّ رائحة الموت قد اخترقت ثيابنا وشعرنا وبشرتنا وأصابعنا، وبقايا الجثث دائماً ما بقّعت لباسنا الموحّد. أمّا ثيابنا المموّهة فبدت رائحتها مختلفة، كانت تتلوّن بشكل مختلف، بأشكال مختلفة في أماكن وظلال مختلفة».

روت لي مفاجآتها المستمرّة بواقع يتسيّده الموت، خلال فترة خدمتها التي لم تتجاوز بضعة أشهر. بألم كبير روت تجربتها والقلاقل التي عاشتها في العراق، وعن معاناتها أثناء الخدمة. أسهبت في الحديث عن فترة الرجوع إلى الولايات المتحدة، ثمّ معاناتها الكبيرة من مشاهد الأجساد الممزّقة ورائحة الموت التي التصقت بروحها.

كانت جيسي تظلّل الأجزاء المفقودة لأجساد القتلى على الرسم البياني الخاص بكلّ قتيل، كان تظليل بعض الرسوم البيانيّة مقتصراً على الأيدي أو الأرجل أو الرؤوس أو أجزاء أخرى من الجسم، ومع كلّ تظليل كانت تشعر أنّ الموت يلازمها، يكاد ينقضّ عليها، ويحوّلها إلى رسم بيانيّ، ولا تدري كم ستكون درجة التظليل. كانت تجد في جيوب الموتى رسائل صغيرة، لكأنّهم كانوا على موعد مع الموت.

- «تغيّرت نظرتي للحياة، بل اكتشفتُ هشاشة الحياة، وكيف أنّ الإنسان ضعيف بقدر القوّة التي يملكها». تكتب لي بمرارة وأسى.

كتبتْ لي عن مشاعرها وهي تراقب المدنيّين العراقيّين وكيفيّة نظرهم إليهم، بعضهم كان يبتسم، خاصة الأطفال، وبعضهم الآخر كان يُسمعهم شتائم باللغة العربية أو بإنجليزية ركيكة. وحتى أنّ البعض كان يرميهم بحجارة، لكن لوقت محدود، لأنّ أسلحة المارينز كانت موجّهة إليهم. وجدت أنّ العراقيين يظنّون أنّه بمجرد خدمة أيّ فرد في المارينز، فإنّ القتل حرفته وليس من رادع يوقفه.

حدّثتني عن الجسد الأوّل الذي قُدِّم إليهم، وكم كان المنظر مثيراً للغرابة والألم. شرحت كيف تسمّروا في أماكنهم، لكأنّ الدماء توقفت في عروقهم، وفقدوا ذواكرهم وجلسات التدريب التي حضروها. أشارت كذلك إشارات عابرة إلى الضغوط النفسيّة والجسديّة التي تتعرّض لها قوات المارينز في مهامها. ولم تخفِ مرارتها المضاعفة وألمها الكبير، وهي تحدّثني عن التحرّشات الجنسيّة التي تعرّضت لها من قبل المارينز الذكور، وعن توجيه اللوم إلى الإناث اللواتي يبتعدن عن الذكور، وكيف تحرّش الجنود بالمجنّدات في العراق، واغتصبوهنّ في مراحيض النساء، كما أنّ عدداً منهنّ انتحرن.

بعد دقائق صمت طالت. أخبرتني أنّ النساء كنّ في خوف من الذهاب في عتمة المساء إلى المراحيض، وأنّهنّ لم يكنّ يشربن السوائل بعد الثالثة أو الرابعة عصراً، خاصة أنّ الأضواء كانت خافتة، وبالتالي كنّ أهدافاً سهلة. كما أضافت بأسى قاهر، إنّ هناك مَن قضت جفافاً.

تجهش بالبكاء، أُفْسِح لها المجال كي تريح نفسها، أكتمُ الصوت من عندي، أكتفي برؤيتها والاستماع إلى نشيجها.

تخبرني بعد دقائق أنّها ذرفت الكثير من الدموع خلال التوجّه إلى أماكن الجثث أو أثناء العمل على علاج أجساد الموتى، فمهما اتّسم متطوّع المارينز في فرقة خدمة الموتى بالصلابة والشدّة، فإنّه يغدو رقيقَ المشاعر، إذ يتصوّر نفسه في كلّ لحظة مرمياً بين فكّي الموت، متهشّماً كما عظام من يعالجونهم من زملائهم ومن العراقيّين.

كما تحدّثني عن الانهيارات التي حدثت لدى بعض المتطوّعين في فرقتهم، كيف كان شبح الموت يسيطر عليهم، ويمنعهم من النوم، كانوا يفزعون في اليقظة، ولا يغمض لهم جفن إلا بتناول حبوب مهدّئة، كان القلق والأرق يصل إلى ذروته عند رؤية الآذان والأنوف والأقدام والأيدي والأصابع الممزّقة والمرمية وسط الصحراء أو في الشوارع. كان المتطوّعون يعيشون حالة التأهّب من هجوم عليهم، فأيّ شيء مريب كافٍ لأن يشلّ كيانهم ويفقدهم توازنهم في أغلب الليالي.

وأنا أحسنُ الإصغاء إليها، تسترسل في حديثها.

روت لي مخاوفها في إحدى الليالي عندما كانت وحيدة، تراءى لها الأموات، خشيت من كلّ حركة حولها، كانت تخاف من نفسها، تخاف من نسمة الهواء إذا هبّت، تخاف من أرواح الموتى، تجد رجالاً أشدّاء يرتجفون هلعاً وخوفاً وأرقاً. وكيف كان كلّ فرد من الفرقة يرسم سيناريو موته بطريقة تشبه سيناريوهات يوميّة يشاهدها، كما كان يفكّر في طريقة معالجة جثته، وهل ستتشوّه أم ستبقى على حالها، ما الأشياء التي سيسجّلونها في ملفّه الخاصّ به.

تستنكر جيسي بشدّة النظرة الذكوريّة الاستعلائيّة تجاه الأنثى داخل الفرقة، وكنت أستغرب ممّا أسمعه، ولا سيما أنّ هناك تصوّراً مُسبقاً عندي حيال التساوي في الحقوق والواجبات، ولم أخفِ عنها تصوّري المُسبق الذي تراكم عندي عبر التقارير الإعلاميّة والمتابعات الإخباريّة، وذلك مع شيء من التشكيك الذي لم يكن يفارقني، وما كان يؤكّد شكوكي، بعض المشاهد في أفلام هوليوديّة، تظهر فيها فتاة المارينز مقموعة من الذكور الاستعلائيّين.

تجتاحها نوبة هستيريّة من البكاء، وهي تتحدّث عن إحدى اللحظات الغريبة، التي مرّت بها عند معالجة جثة أحد أفراد المارينز، والذي يفترض أنه ميّت، لكن عند البدء بتنظيف الجسد ومباشرة العلاج، تكتشف مع زميلها أنّ الشخص الميّت يتحرّك بعض الشيء، تعتقد أنّها تتوهّم أمام منظر الدماء النازفة والأجساد المشوّهة، وتقول لنفسها إنّ أرواح الموتى تحيط بهم في كلّ مكان، لكن عند التأكّد من التنفّس تكتشف أنّه لايزال على قيد الحياة فعلاً. يحضر الطبيب وقائد الفرقة بعد إبلاغهما، لكن أمام حالة الجنديّ الخطرة، لم يستطع الطبيب تغيير أيّ شيء، فقد كان الجنديّ ينازع. يغادر الطبيب والقائد دون أن يفعلا شيئاً. تحتجّ جيسي وتبقى مع الجندي، وماهي إلا دقائق حتى يفارق الحياة. تزدري كلّ قوات المارينز، لأنّهم لم يفعلوا شيئاً لإنقاذ الجندي المصاب.

تخبرني بعد تهدئة صعبة، كيف عاشت اغتراباً مركّباً.

بعد عودتها من العراق، انتابتها مشاعر غريبة، أحسّت أنّها لم تعش في هذا العالم المتلوّن والمتنوّع والمنفتح على جميع الاحتمالات، وليس على احتمال الموت فقط.

حدّثتني عن صديقها السابق، حين كانا يمضيان أغلب أوقاتهما معاً، يتابعان الأفلام معاً ويخرجان معاً للرياضة، كانا عاشقين حقيقيّين، ولكن افترقا بعد تطوّعها، وكانت تحتفظ بصور له، وتتعرّض لأسئلة محرجة جرّاء احتفاظها بصورته. ثمّ حدّثتني عن اللحظات الحرجة، وعن التوتّرات التي كانت تحدث بينهما، حتى أنّ صديقها رماها بساعة زجاجيّة، تكسّرت على جسدها، بقيت حينها هامدة ومستغربة من حالته الرهيبة، ثمّ كيف أنّه خرج وأحضر فأساً معه، يصرخ، راغباً في تدمير وتحطيم كلّ شيء في المنزل، لعلّه يحطّم ويدمّر كوابيس الحرب والقتل، لكن أمام توسّل جيسي وحبّها رمى الفأس، ليعود إلى هدوئه المؤقت.

تتأرجحُ أفكارها بين ما تراه في الواقع وما رسمته في خيالها، بين ما كانت تعرفه في الماضي وما اكتشفته في الحاضر، بين قيم المارينز أيام الحرب وسلوكيّاتهم في الحياة المدنيّة، بين الشكّ واليقين، تتّسع الفجوة، وليس من ملاذ إلاّ الخروج عن المألوف.

تسأل جيسي نفسها الكثير من الأسئلة في حيرتها ووحدتها، والإحساس بعدميّة الحياة التي تحياها، وانهيار كلّ شيء عقدت عليه آمالاً.

في لحظات الضياع والحيرة والتخبّط، تشكّ بكلّ شيء حولها، لا تهدأ روحها المتألّمة، تسوّل لها نفسها أن تعيد التسجيل في الخدمة في العراق، لعلّها تزيح من رأسها تلك الأجساد المتفحّمة للجنود والعراقيّين، أو أن تذهب كمقاولة مدنيّة، لكن لا تجد قرارها صائباً.

من أسئلة إلى أسئلة أخرى أشدّ إيلاماً، تعيش الفوضى، تحاول أن تجمع ذاتها وترتّبها، لتكمل سنيّ العمر المحدود لها، تتساءل وحيدة في شقتها «ماذا كنّا نفعل هناك؟».

تتحدّث عن لجوئها إلى عائلتها بحثاً عن الاطمئنان، لجأت إلى القراءة عن الحرب والسيكولوجيا، كانت ترغب في أن تدعم ذاتها، بدأت تقرأ الأساطير باحثة عن الأبعاد الإنسانيّة فيها. تبحث عن معنى الوجود الإنسانيّ. تقرأ في الفلسفة. تسعى إلى إجابات أسئلة تؤرّقها. لجأت إلى دراسة السيكولوجيا على أمل منها في أن تصبح مستشارة نفسيّة، لتساعد الناس وتسمع همومهم، ولا سيما أنّها عانت من عدم الاستماع إلى آلامها وأحزانها، لم تجد من يطرح عليها الأسئلة فقرّرت أن تمنح من وقتها للآخرين الكثير.

أخبرتها أنّني مستعدّ للاستماع إليها والتخفيف عنها..

قالت: أدعو وأصلّي ألّا تحدث صراعات أو يقتل أبرياء لأجل السلطة والمال، لكي….

وقبل أن تنهي فكرتها انقطع الاتّصال..

أحاول معاودة الاتّصال مرّات ومرّات دون جدوى..

تتصادى جملتها على مسامعي، وهي تكرّر بنوع من التقريع والتأنيب وجَلْد الذات:

ماذا كنّا نفعل هناك؟!

من عهدي أن يدوم لي عهدُ

وفّت بوعدها له وذلك عندما زارته في غرفته يسوقها الشوقُ إليه، وفي الممرّ المؤدّي إلى بابه، قطفت بنفسجة، فظنّ أنّها ستهديها إليه، انتعش لشعوره ذاك، وحاول أن يغافلها ببيت للمتنبّي مفتتحاً بشعرٍ:

- إذا وعدت حسناء وفّت بعهدها..

لكنّها لم تُغافَل، وأكملت متلاعبة بعجز البيت مغيّرة:

- «ومن عهدي أن يدوم لي عهدُ..».

والطريف أنّها انشغلت بكَرْكَبته، فقضمت الوردة وهي تتكلّم منشغلة بما حولها، فصُدم عندما رآها تعلك الوردة، وتذكّر مثلاً لام نفسه على تذكّره، لأنّه لا ينطبق عليها، لكنّه لم يستطع السيطرة على آليات تفكيره، ولم يقوَ على محو تلك الصورةِ ـ النكتة من باله، وهي أنّه عندما «شمّموا حماراً زهرةً أكلها»، ولم يعد إلى واقعه، إلاّ عندما سألته عن جديده، فهمّ أن يقرأ لها ما كتبه لفيروز الحبيبة وعنها، لكنّها اصطنعت زعلاً منه، وادّعت أنّها قد اهتمّت واغتمّت، وغارت من فيروز رغم حبّها لصوتها، مثله تماماً، لكنّ زعلها لم يطل، لأنّه أقنعها، قائلاً:

- «إنّ المتع المفاجئة تدفع إلى الصمت مثل الأحزان». وكلاكما عندي أجمل المتع وأكثرها مفاجأة ومباغتة، فلأحزنْ، فالحزن يليق بي، وهو طهري ونوري..

- يا ليل يا عين..

- هو من إلهامِ صوت فيروز ومن وحي جمالك، أي عَظمة حنجرة فيروز، وعظَمة جمالك..

اصطنعت مرّة أخرى، عندما مثّلت أنّها لم تقتنع بتبريره لكنّها لم تُرد تصعيد الأوضاع معه، ثمّ لأنّها موقنة أنّ فيروز عنده لا تُنافَس، وليست ممّن يُغار منهنّ.. وكانت تشاركه شعوره نفسه، وتطوّقه بالحبّ الغيور، ولا تخفي غيرتها المحبوبة من قبَله عليه، ولا تخجل من ذلك، وترفض أيّ ادّعاء من إحداهنّ حول أنّها قد تركت الحبل لحبيبها أو زوجها على الغارب، لأنّها موقنة أنّه سيعود إلى قواعده سالماً بعد صولات وجولات خائبة دون شكّ، حتّى في الكتابة، تريد أن تكون هي الطاغية على تفكيره، تريد أن ترزح كأيّ محبّ على عرش إبداعه.. لكنّها، عندما قرأ لها ما كتبه، تغاضت للحظات عن غيرتها، وغيّرت رأيها، إذ ارتضت أن تكون الملهمة بالتوافق، وكانت ترضيتها فيما بعد قبلة على الجبين، وغناء مقاطع من قصيدة يا عاقد الحاجبين، للأخطل الصغير، فكان هو يغنّي الشطر الأوّل، وتكمل هي الشطر الآخر:

• يا عاقد الحاجبينِ..

• على الجبين اللجينِ..

• إن كنت تقصد قتلي..

وعندما وصلا إلى المقطع الذي تقول فيه: قتلتني مرّتينِ.. بدّلت ياء المتكلّم بكاف الخطاب، وأشارت بسبّابتها نحوه ، هازّة رأسها، مبتسمة، ولحّنت مقطّعة:

- قتلتكَ مرّتينِ..

ضحكا معاً، حتّى هدآ، ثمّ قرأ لها ما كتبه:

لا يلامس صوتُ فيروز شغافَ القلب، إنّه القلبُ مغموساً بالشغفِ، نحبّ فيروز بإرهابٍ كما يحبّها الشاعر أنسي الحاج، ونردّد معه «في حياتنا لا مكان لفيروز، كلّ المكان هو لفيروز وحدها..».

ولطالما نسمع صوت فيروز فإذاً نحن موجودون..

عندما انتهى من تلاوة بيان عشقه، مسحت دمعةً انحدرت على وجنتيها، اعتذرت مبتسمةً له:

- إنّها تستحقّ أكثر.. إنّها رسولُ العشّاق في زمن يُمحَى فيه العشق.. إنّها الوعد.. إنّها فيروز يا حبيبي.. هذه الفيروز التي لا تكفّ عن الحضور والإسكار.. إنّها تخدّر..

- إنّها تعطّر الأجواء بصوتها الذي أينما وصل أوصل الحبَّ..

أضافت ممازحة على طريقتها التي يموت بها:

- غيّرتُ رأيي.. لن أقبل بكَ ما لم تأخذني إلى حفلة فيروز..!!

ثمّ تماوجت مع أغنية كثيراً ما تدمدم بها في كثير من أوقاتها:

- حامل الهوى تعبٌ/ يستخفّه الطرب/ إنْ بكى يحقّ له/ ليس ما به لعبُ…

وقبل أن تكمل الأبيات الباقية، سارع بوضع أصابعه على فمها، وغنّى لها، مُكملاً ما بدأته:

- تضحكين لاهيةً/ والمحبُّ ينتحبُ/ تعجبين من سقمي/ صحّتي هي العجبُ…

وعندما رفع يده، كانت حمرة شفاهها قد انطبعت قليلاً على أصابعه، لكنّه لم يلحظ ذلك، فأكملا معاً مبتسمَين مُنتشيَين رائقَيْ المزاج:

- كلّما انقضى سببٌ/ منك عاد لي سببُ..

وشكر كلّ واحد منهما مطاوعة اللغة له، ذلك أنّ البيت الأخير كان ينطبق عليهما معاً، وتهاداه كلاهما بحبّ، هو من جهته كسرَ الكاف في (منكِ)، وهي من جهتها فتحته، فقالت (منكَ)، وكان الرضا عامّاً والانتشاء أثملهما معاً..

وعندما أشارت إلى انطباع حمرتها على أصابعه، بدأ بالتهام يده حتّى خشيت عليه ممّا يأتيه، وسحبته نحوها ناهرة بودّ:

- أنا معكَ وأنتَ منشغلٌ بآثاري عنّي.. ما بكَ..؟

- أنت معي.. وأنا في طريقي إليك.. هذه أنتِ يا أنايَ.. وهذا أنا المسيَّر إليكِ بحبّك..

- أحبّ جنونكَ.. أحبّكَ..

وهو يحضنها تهامسا:

- دمتِ لي..

- دمتُ لكَ وحدَك..


كاتب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭/ ‬بريطانيا