‭ ‬يطعن‭ ‬الوردَ‭ ‬شاعرٌ

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/10/2015، العدد: 9، ص(17)]

تخطيط لـ حسين جمعان
الشعر الرديء يسيء للقضية، هكذا آمنت منذ أن بدأت بكتابة الشعر، وقررت أن أصبح شاعرًا، ربما لم أفلح حتى هذه اللحظة في أن أصبح شاعرًا، أو على الأقل مثلما أحلم، لكني آمنتُ أن مواجهة الخراب بشعر جيد مهمة لها أهميتها قد تصل إلى مصاف القضايا المقدسة؛ فليس للشاعر سوى قصيدته، إما أن يدنّسها بالسلطة أو يحافظ على نقائها‭.‬

السلطة هنا سلطة أنظمة أم أحزاب، لا فرق، فهي قادتنا جميعها إلى الموت، منّا مَن ابتلعه المحيط الهادئ مثلما حدث مع آلاف العراقيين نهاية التسعينات وبداية الألفية، والمشهد يتكرر لكن هذه المرة في البحر المتوسط، الذي شاعت تسميته الخاطئة “البحر الأبيض المتوسط” وكأنها كلمة أريد منها أن تمثل التناقض، أو للسخرية من بحر كثيرًا ما عبرته جيوش تجعل الدم هو السيد المطلق‭.‬

حينما كَشَفت لي الكتب، الدور التخريبي الذي مارسته سلطة الحزب الأعرق في العراق، التي سلكتُ طريقها لأصل إلى الشعب، آمنتُ أن السياسي هو السياسي، يتوهم مَن يظنّ أن اليساري أشرف من اليميني ومن القومي، فالجناية كانت في المسكوت عنه، أي أن القومي أصبح يعني القومي العربي، في حين نجد انبطاح اليساري أمام سلطة العشيرة الريفية الرعوية المتسلحة بعقلية عنصرية شوفينية إلغائية تزويرية، لمجرّد أنها ليست عربية، مَن يريد أن يعي حجم الخراب الذي مارسه اليسار بعد كارثة شباط 1963 ما عليه إلا قراءة تاريخ العراق ولا سيما التنوع اللغوي والعرقي والقومي‭.‬

إذن لا سلطة نزيهة، والشاعر ابن بار للعزلة، يقي قصيدته من الخراب بالعزلة، يتحسس من المجموع، لكنه مساهم فاعل في تمرد المجموع على القبح والاستبداد، الاستبداد قمة القبح، الاستبداد لغة السلطة، والحرية لغة الشاعر‭.‬ يقف الشاعر مع جوهر الشعر، وجوهر الشعر الحياة وجوهر الحياة الحبّ، والحرية سبيل الحب، لا يتردد لحظة في صناعة الجمال، حرفته الأزلية وهمّها الأول، تتحول اللغة التي هي وطن الشاعر إلى ساحل للحرية، لا ترمي عليه بحار الظلمات أطفالاً وعوائل، لأنّ لا موت في سواحل الحرية، والشاعر لا يخون وطنه، لا يسمح أن يتحول وطنه-لغته إلى ماخور للإيجار، مَن يدفع يدخله، لغة الشاعر يسكنها العشاق فقط، ولا مكان للسلطة فيها سوى الرجم، السلطة تمثل الاستبداد وهذا يخنق الشاعر‭.‬

تقهقرُ الثقافة العربية صنعته أنظمة بمباركة المثقف الطائفي والعنصري، فالسّجون المملوءة بالشعراء الحقيقيين والعشاق والساهرين على الجمال، كان يبررها الشاعر عندما يلقي قصيدته مادحًا، أو مباركًا للسلطة “تصدّيها للانهزاميين والعملاء والجواسيس والخونة والضرب بيد من حديد” هذه التسميات كانت تعني مَن آمنوا أن تحرير القدس وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، والوحدة العربية، لا تتم إلاّ عبر صناديق الاقتراع، والتداول السلمي للسلطة، والتزام مدونة حقوق الإنسان كاملة وبشكل تام‭.‬

لكن الوحدة والحرية والاشتراكية لم تكن سوى خراب عَمَّ الأوطان، وسجون هَرَسَتْ أكثر من الحروب، وتماثيل للقائد الضرورة واختراق لسيادة البلاد، والمخطط مازال فَعّالاً، فعلى هذه الأرض المملوءة بالزنازين، قدرة على الفجائع والمجازر وللآخرين القدرة على المساهمة والتشفي أو في أضعف السقوط الأخلاقي هو التفرج، أصبحنا مسرحًا للفرجة، وحين ضاقت الأرض بالموت الجماعي شاركها البحر، جريمة يشترك فيها الجميع، السلطة والأحزاب والميليشيات ومصالح الدول، والمثقف الطائفي، والشاعر الذي أفاق فوجد نفسه ينتمي إلى وهم الجماعة الفرعية وليس الأمّة أو الوطن، فتراجع إلى هويته الضيّقَة، وبجرأة مَن سقط ماء الحياء عنهم، لا زال يردّد كلمات وجملاً ماتت الروح فيها، مما تعلمه في أرصفة اليسار والأممية‭.‬

الجمال هو ما يعرفه ويجيده ويُبَشّر الشاعر به، والقبح هو ما يرفضه ويعارضه ويناهضه، قصيدته نبض جماليّ يزيح القبح أو يتحداه، القبح بسلطته وعسسه وجبروته ودمويته وغروره‭.‬ من القبح موت الشاعر، في الجمال خلوده؟ أي شجاعة يتحلى بها الشاعر وهو يجعل من اللغة وطنًا يتنفّس الجمال، ومثل صوفي يجذبه الوجد والانخطاف فيصرخ: ليس في الجبة إلا هو، أنا هو وهو أنا، أنا الله والله أنا‭.‬ فيُشير الجميع إلى شطحاته‭.‬ هذا هو الشاعر الذي يتوحد باللغة ولا يتلاعب بألفاظها، ينصهر في قصيدته لأنها جوهر الجمال والنقاء والمحبة، يواجه الخراب بها ويتأسّى لأجل أيّ شيء، لأنه أقرب الناس إلى الطبيعة البكر، يبكي لأن طفلاً نزلت دمعته، لا يبالغ عندما يتأسّى على ضحايا غرباء، بالأسى نفسه الذي يتأسّاه على ذويه‭.‬

لا يَطعن الوردَ شاعرٌ، لا يخنق الطيران، ويُنصتُ جيدًا إلى غناء الطبيعة، هو هوية الأمة بها نستدّل على لغته وقومه؛ لكن اللاعب بالكلمات، النّظّام، يطعن الورد، ويخنق الطيران، يُهرّج ليحجب غناء الطبيعة؛ السلطة ثوبه، متى ما خلعته بان قبحه وقيحه، وشعراء المديح والعنف الدموي، شعراء حروب الطغاة والذين رفعتهم أحزابهم وانتهكت بجريمتها هذه عذرية الشعر ونقائه، جريمة تضاف إلى جرائم أحزابنا التي أدّت إلى هروب جماعيّ، ثم موت جماعي في كل مكان‭.‬ الشعر حافظ على نقائه وأمّا الشعراء-الزَّبَد فذهبوا جفاءً‭.‬


شاعر‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الخرطوم