رحلة البحث عن 30 ألف مخطوط عربي

كانت الصدفة وحدها هي التي قادتني إلى جريدة الأهرام المصرية، إذ في ذلك اليوم من شهر آب/أغسطس، تعرفت على الصحفي أيمن السيسي، وحين عرف أنني في حِلٍّ ومرتحلٍ بين البلدان، أخبرني عن رحلته إلى تمبكتو، هذه المدينة الشهيرة التي سجلت حضورًا في مُخيلة المغامرين والمهتمين بالتراث الإسلامي، وبعشاق المخطوطات، وتكرم بإهدائي نسخةٍ من كتابه “من نواكشوط إلى تمبكتو، الكتابة على حافة الموت”.

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(142)]

يُصنّف الكتاب بأنه ضمن التحقيق الصحفي الاستقصائي، وهو نوع من أنواع الكتابة الأدبية، تكاد تكون فقيرة للغاية في ثقافتنا العربية، قياسًا لما عليه الحال في الثقافات الأخرى، لا سيما الإنكليزية والفرنسية وغيرهما من اللغات، ولم أستغرب وأنا أقرأ قرار كل من رئيس مجلس إدارة الأهرام ورئيس تحريرها بإنشاء قسم التحقيقات الصحفية الاستقصائية في صحيفة الأهرام، وتعيين الكاتب أيمن السيسي رئيسًا للقسم.

“الصعلوك المغامر” هذا ما أطلقه عليه صديقه الموريتاني محمد ولد أحظانا، وهذا الرأي كان دافعًا للمؤلف كي يمضي في رحلة يحفُّها الخطر، ولكننا نحن قُرَّاءه حظينا بكتاب ممتع في سرده ومعلوماته.

مقدمة الكتاب شَخّصت الحالة المزرية التي تعيشها دولنا الناطقة بالعربية بعد تسرّب نيران الإرهاب من كتب قديمة وفقه الاتّباع والطاعة التي برزت مع أفول الخلافة الإسلامية، وغروب الحضارة عن مجتمعاتنا وتكالب الغزاة علينا، فكان التشدّد والتطرف سمة لهؤلاء الفقهاء الذين يجب وضعهم في إطارهم التاريخي، وليس الاتكاء على ما ذكروا من فتاوى تتفق وميولنا المتطرفة.

تمبكتو مدينة الذهب، هكذا يُعنون أحد فصوله، فنتعرف على جوهرة الصحراء هذه المدينة-العاصمة، إذ هي من أهم العواصم الإسلامية في غرب أفريقية، واسمها يعود لتلك المرأة التي كانت مستودعًا للأمانات والودائع والأمتعة، فغلب حفظها لأمانات التجار ورجال القوافل، لتتوسع وتتحول إلى مدينة حظيت في الذاكرة الجمعية الثقافية؛ حتى في الشرق البعيد؛ بوصفها مدينة علم وتراث عربي يحوي آلاف المخطوطات.

يُعدّ الرحالة الشهير ابن بطوطة (1304- 1377) أول مَن ذكرها، وقد غزاها المغاربة السعديون سنة 1591؛ طمعًا في الملح والذهب، وفي سنة 1893 احتلتها القوات الفرنسية، حتى الاستقلال في عام 1960.

في فصل “أزمة الطوارق في مالي” نتعرف على مشكلة شمال مالي التي تعدّ تعبيرًا عن التوتر الأفريقي العام الممتد على كل مساحات الدول التي صنعها الاستعمار، وأن النخبة الزنجية؛ التي كافحت الاستعمار من أجل الاستقلال؛ حكمت بنفس نظرة الاستعلاء الاستعماري، فكانت نظرتها إلى المكونات العرقية واللغوية في “أزواد” من عرب وطوارق سطحيَّة وهامشية؛ وفي جزء منها عدائية. ونتيجة العلاقات التاريخية المرتبكة تولدت لدى “الصنغي” مرارة مستمرة وعقدة كراهية الجنوب الزنجي للبيض، غذّاها بيض آخرون هم السادة الجدد من المحتلين “الفرنسيين” عبر محاضرات وكتابات وأحاديث استرقاق الزنوج والتذكير الدائم بها.

إحراق مخطوطات تمبكتو

كقارئ ومهتم بالتراث والمخطوطات كانت قراءتي لما دوّنه أيمن السيسي في كتابه هذا، مصحوبة بألم ومرارة، فحاملو راية الجهل والظلام ومدمنو سفك الدماء والتعدي على حرمات الله قد دنَّسوا تمبكتو ذات الثلاثة والثلاثين والثلاثمئة وليّ بأضرحتهم، و”الفاروق” الرجل الأسطوري الذي يعتقد الأهالي -أو بعضهم- أن روحه تحلّق فوق منازلهم كل ليلة يشارك مع أرواح أوليائها الصالحين في حمايتهم.

لم يكن الحريق الذي تعرضت له “مخطوطات تمبكتو” في “مركز أحمد بابا” سوى حلقة من حلقات الرفض لنوع من البدع الصوفية “الكفرية”؛ كما يراها المتشددون الإسلاميون؛ تمامًا مثل هدم ثلاثة عشر مقامًا من مقامات الأولياء الزاهدين في المدينة. وهذا المركز من أهم مراكز المخطوطات العربية في العالم، والمعروف أن المخطوطات العربية تُعدّ الأولى بين اللغات قاطبة على مستوى الكمّ.

ليس غريبًا أن يستغرب قادة “أنصار الدين” من أن أول طلب للكاتب هو زيارة مركز أحمد بابا التمبكتي، ولم يأبهوا لما قال، وقد آثروا عدم السماح بإكماله والخوض فيه وغلق الحديث بالموافقة السريعة. وبعد يومين من الانتظار، اصطحبه أحد الزعماء، وقبل أن يأمر “الزعيم” رجاله بفتح الباب قال للمؤلف: ابق معنا في “تمبكتو”، احمل السلاح وجاهد في سبيل الدين، وحين نقرأ المحادثة التي جرت، تتضح رؤية هؤلاء الناس الذين تركوا العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية وتشبَّثوا بفتاوى القرون المظلمة.

وكان “أبو مصعب” المسؤول عن تخزين براميل “البنزين” في داخل المركز، قد سمع الحديث، ليتدخل قائلا: لا بدّ من حرق هذه المخطوطات لكفر ما فيها من كتابات وشركيات الطرق الصوفية الكافرة. هكذا يتوحش النسق الثقافي الذي أفرزته قرون الظلام والانحطاط والهزائم، فلا يفقه ما تعني الآثار والمخطوطات والبيئة، وقبل هذا وذاك لا يفقهون ماذا يعني “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ“.

يذكر المؤلف أنه ربما ساعد الوعي الإنساني المتوارث في نفوس التمبكتيين على التنبؤ بذلك، فعملوا على حمايتها، وعلى الأقل حماية لها، مثل أسرة “كوناتي ألفا” التي تمتلك نحو ثلاثة آلاف مخطوط خبأتها عندما دخلها “المقاتلون الإسلاميون” في أول نيسان/أبريل 2012. كما قام علي بن السيوطي إمام وشيخ مسجد سيدي يحيى الذي تضم مكتبته ثمانية آلاف مخطوط بـ”لـَفّ” أغلب هذه المخطوطات بحذر شديد في قماش خشن حفظها في صندوق خبأَه في مكان بعيد لا يصلون إليه.

وتحفل المكتبات الخاصة والأهلية والعائلية في “تمبكتو” بآلاف المخطوطات، وهناك ثلاث عشرة مكتبة تضمّ عددًا مماثلاً لما يضمّ المركز من مخطوطات، أهمها مكتبة حيدرة. والمركز يضم ما يقرب من ثلاثين ألف مخطوط من نفائس الثقافة العربية والإسلامية، وكان سببًا -مع مساجدها العتيقة وتاريخها المزدهر- لأن تضمها “اليونسكو” إلى لائحة التراث العالمي وتخصص مئات الملايين للترميم والحفاظ على آثارها ومخطوطاتها من الفناء.

كلام الشاب العشريني الذي رأى اهتمام أيمن السيسي بالمخطوطات وحزنه وألمه على ما آلت إليه على يد هؤلاء “لماذا كل هذا الاهتمام بالمركز؟ فكل ما فيه لا يساوي عندنا شيئًا” يختصر رؤية الظلاميين الإلغائية والإقصائية والتكفيرية لغيرهم، فسرديتهم للدين هي الوحيدة التي يجب أن تُقبل مع رمي السرديات الأخرى والمفاهيم الأخرى في خانة التكفير والاجتثاث.

تمبكتو التي كانت تضم في القرن السادس عشر الميلادي 180 مدرسة، يدرس فيها ستة عشر ألف طالب، وكانت عاصمة ثقافية إسلامية بحق في عالم وثني؛ يأتي مَن انتقوا من فتاوى ابن تيمية ما يروق لهم لتدمير العالم، مُصرِّين على أنهم فقط الممثلون الشرعيون للإسلام، ويجعلون قتل المسلمين المختلفين معهم في الرؤية والفهم والتفسير أولوية على الآخرين وطريقًا لإبادة أتباع الديانات الأخرى.

قتل الجنود

هذه محاورة جرت بين المؤلف وبين “أبو دجانة” القيادي في “أنصار الدين” تكشف عن هوس هؤلاء بالدماء وضحالة وعيهم بما يدور في العالم، وتُشعرك بأن هؤلاء مجموعة من البشر تم غسل أدمغتهم وإخراجهم من التاريخ. وقتلُ الجنود المساكين عندهم واجب وفريضة، وكأن قتل خمسين أو مليون جندي وشرطي سَتُحرّك عروش الحكام بغض النظر إن كانوا على عروش رفعهم الشعب إليها أم جاؤوا إليها على ظهور دبابات أو بدعم خارجي أو أدّت الصدفة دورها الأعمى معهم.

إنني ككاتب أدب رحلات، لا أجد في كتاب “من نواكشوط إلى تمبكتو.. الكتابة على حافة الموت” تحقيقًا صحفيًّا فقط، بل هو كتاب في أدب الرحلات، ومادته الصحفية تجعل قراءته سلسة ومغرية، على الرغم مما يعلق في النفس جراء ذكر ووصف جرائم الإرهابيين الظلاميين، وكمية الحسرات التي أطلقتها وأنا أقرأ مجازرهم بحق تمبكتو ومخطوطاتها الثلاثين ألفًا؛ وإن كنت أعتقد أن عنوان الكتاب الفرعي أصبح عنوانًا رئيسًا والرئيس فرعيًّا، أي هكذا “الكتابة على حافة الموت.. من نواكشوط إلى تمبكتو”.