ألواح النصوص الأولى

(سيرة أثر)
الجمعة 2019/02/01
لوحة: عبدالوهاب محمد نور

I

البيت كله لأخشابه، وصوت البيت كله له، يستند البيت على يديه، ولأجل فكرته يصير البيت ميناءً للفكرة أو غابةً من الضيوف، وكل ماله حضور وحياة ورائحة وادخار يقف احتراماً لخلوته مع الخشب، وليس في بال الخلوة غير الطريق إلى فكرته.

لا أهدأ.. سأظل أذكر ذلك النجار..

لا ترتاح عيني إلا بتذكّر عيدان أصابعه الدقيقة، خزانات عطر من خشب وماء بين ثنايا الأصابع، أمزجة رطوبة وعرق متداخل، رائحة لوح مركب خشبي يمتزج بملح البحر، ويعجبني أن أكون كأعياد الماء داخل أنسجته حين يعطش أو ينادي في البيت بالغوث، صارم في ارتوائه، يتغير مزاجه كل لحظة مع كل همسة ذهنية للخشب، ينتبه السؤال في عيني ويكتمل إذا ما نشر الخشب إلى نصفين في خط مستقيم، يدهشني الخط المستقيم، وتفزعني حركة ذلك المنشار الذي ينبري بحماس شديد لفصل الأضلاع كي يغدو كل ضلع ذي مسارٍ مستقلٍّ بذاته وقادرٍ على التكيف من جديد ضمن اتحاد آخر.

أتساءل بحيرة: ماذا لو سرتُ في خط مستقيم.. هكذا أبداً، أين سأصل؟

يهدأ المنشار اللامع في يده، وفي عينيه ترتعش دمعة حب قديم: (سترين أولاً مواسم الحصاد والحطب، وسترين الحقول المصفرّة في الشمس.. لكن لا تسيري خلفنا دائماً).

أمي هي، أمي، تسحب الخيط من عين الإبرة وقد صار الخط المستقيم الواحد خيطين متطابقين، ولهما بداية واحدة تشبه نهايتهما، ثم يدمغ كلاهما، يلتحمان بانسيابية، في خط مستقيم داخل نسيج حميم.

تتابع بابتسامة داخلية: (الزواج قادر على فعل ذلك أيضاً، شرط ألا يقع الغدر على الخط المستقيم).

II

حين همّت أسناني اللبنية بالسقوط، دفع النجّار كل ما في جيبه إلى المراكبي، فاندفع القارب الصغير بنا نحو الضفة الأخرى من الخور، طلب من الصائغ أن يحفر أيقونة لقلادة تليق بأمي، وكعادته يشترى من سوق العبرة إزاراً ورداءً جديداً يليقان باحتفالية (المولد) التي ما فتئ يحتفل بها بيتنا كل عيد نبوي جديد، حينها سجّلتْ ذاكرتي وجه قمر الثاني عشر من ربيع الأول المعكوس على خور العبْرة، فأدركت أخيراً ما تعنيه كلمة (عَبْرة).

يأتي صوت الملا الشجي من بعيد: (محمد سيد الكونين والثقلين).

يهبط أبي مع الأجساد المرصوصة إلى الأرض، وفق حركة انسيابية تشبه موج البحر، ويتوحد النشيد مع ضرب الدفوف.

كان بيتنا في الثمانينات أشبه بموجة البحر في عيد المولد، موجة داخل بحر الله، ذرة دوّارة تقفز وتسبح في الشعاع، كان بيتنا اختصاراً لجنّة وضّاءة بعيدة، وما كانت الموجة تعبأ بالخط المستقيم الراكد لذلك الظلام الدامس الذي عمّ البيوت الساكنة، وارتكنت إليه أفئدة الواهمين بالإصلاح.

III

تجنبتُ لسنوات مسافة البوح الفاصلة بين عين النساء وعيني، كي لا تنبتَ تحت قدمي هواجس ومخاوف من سنوات الخرس القادم.. لي خارطتي وحدودي.

حتى وأنا في غمرة تطوافي السرّي بين شعاب البلدة وممرات البحر والمزارع، أشعر بأن سقف الأرض سيسقط على البلدة بوخز النميمة يوماً ما، بدأت كل الأبواب والجدران توصد بالصمت والأسرار والمحظورات والرِّضا بالقدر، بذريعة التديّن.

النجار معتكف في ورشته الصغيرة، وفي الخارج تسقط القرى في حالة تنويم جماعي، ويكبر سياج المرأة بالموروث والمواقف الفقهية، تنمّطت النساء إلى نسخ متماثلة، وتحول الرجال إلى عقول إسمنتية، ذات واحدة منقادة نحو العمى، وُئِدتْ آمال الصديقات، ما عدن يمارسن حقهن الطبيعي في الحلم والعبور نحو الدهشة والسؤال، رُسِم لهن خط مستقيم واحد لا يحدن عنه، شرط ألاّ يقع الغدر على الخط المستقيم، أن يخرجن من السراب إلى المجهول، من ستار إلى وِزر، وبالرجل تستتر المرأة، فمن ضلعه الرمزي المُسيّس خرجت، وإليه تعود، مصفّدة بأغلال الوهم، تحشو رأسها بأدبيات الجماعات الإسلامية المنتشرة في كتيبات دينية بين الطالبات في المدارس وغرف انتظار المرضى في المستشفيات وحتى في محافل الأعراس والزفاف.

برغم الظلام، بقي باب بيت النجّار مشرّعاً في وجه الشمس والناس، الناس الذين بدأوا بالانغلاق داخل ظلامهم شيئاً فشيئاً، يترسبون في وهم الإصلاح المزعوم والصحوة الميتة، بينما يد النّجّار تشق العبور في الخشب، لا يعبأ بالحكّة والركام والصحوة والفوضى وكل ما هو خارج معبده، صمم لنفسه مكتبته الخاصة -بعد أن نحت لنا طاولات الدراسة والأدراج، وأرفف الزينة وبراويز المرايا وطاولة الخياطة لأمي- في بيتنا الكائن بمنطقة جلفار برأس الخيمة، مكتبة من خشب الهند الأصيل يكسوها زخرف الماضي وفن الحاضر، لها رائحة شباب أبي وحكمة صبر أصابعه.

IV

تمرّ السنوات كالريح، وتغلي الحياة بالغلاء المعيشي، لم يكن مال النجّار كافياً لإعاشة أطفاله، وما عاد الناس يشغفون بالشراء من الصنعة المحلية، وما عادت ورشة النجار تشغل فضاء البيت، لقد ترك أخشابه ولحق الجنود، تداخلت الحياة العسكرية في دمه وعَرَقه، بات يرتقي في الرتب ويعتلي منصات القيادة، هكذا فجأة صار بيتنا بلا دهشة.

 كبرتُ وكبر أخوتي السبعة، بعد سنوات سينصرف أربعة منهم للسكن في العاصمة، وحيداً سيكبر بيتنا على الشارع العام، ورأيتُ أبي يكبر عن ذلك النجّار الصامت بكثير، أتعلم منه النظام والجموح والخطة والتدبير، إلا القرار، لم يكن عمر تجربتي كافياً لأتعلم القرار، لم أصل إلى ذلك العمر، وأتصوّر أن كل قرار هو عمر بحاله.

V

أتت الحرب، حرب الخليج الثانية، سمعنا رحاها تطحن البحر من بعيد، حمل النجّار حقيبته العسكرية وغاب في مكتب الطوارئ.

ومنذ ذلك الحين وأمي تغلق باب البيت، في وجه الشمس والناس والحرب ونساء الإشاعات.

بعد خمسة عشر عاماً ستأتي حرب أخرى، أغلق فيها باب بيتي أيضا، في وجه القادمين بأخبارها وفي وجه غواية الضوء، وأعيش وحدتي الخاصة داخل معبد الكتابة.

VI

كبرتُ.. أصغر من مرتبة امرأة، وأكبر من طفلة بقليل. لم تطمئن أمي إلا حين انحشر بنصري اليماني بالمستدير الذهبي المقدّس، واستراحت حين انزوت أصابعي كلها في حجري على استحياء.

سأفتقد مع مرور الزمن حراك خمسة ملايين خلية في جسدي، ثلاثة ملايين منها ممسوخ لفقدان فهم تكوّمي داخل فصول الصمت، وتجلط فهم الآخرين لصمتي وعدم إحساسهم بخيبتي الجسدية.

البقية مليونا خلية متحولة إلى قش لكيان مضطرب مزلزل مبعثر ومشتت لفكر لا ينمو خارج حيزه.

وسأعاند بصمتي، أتكوّم داخل مداري، وأكبر خارج الأرض.

VII

الطيور التي تولد في القفص تعتقد أن الطيران جريمة. 

كنت معية اثني عشر طيراً داخل قفص واحد، رحنا فجأة نفكّر بحفر أرضية القفص، حتى تفجّر مع الأيام بئر الأدب، وخرج ماء الشعر والسرد واللغة، ثم جاء يوم انكسر فيه القفل أخيرا، وحان موعد التحليق والبوح والقطاف، طار بعضنا بأسماء مستعارة وبدت فكرة التحليق مرعبة في البداية. ورغم تدرّج انحسار أفكار الجماعات المتشددة مع بداية الألفية الجديدة، فضلت الكثيرات العودة إلى القفص، الانكفاء على الظلام، ونسيان الأجنحة، الاكتفاء بكتمان الكتابة، ثم سرعان ما بدأ الغياب يلاشي مصير الكاتبات اللاتي اخترن التحليق، يسحبهن الماضي إلى زاويته اليائسة، غياب غامض نحو مصير مجهول.

***

لوحة: عبدالوهاب محمد نور
لوحة: عبدالوهاب محمد نور

ولدنا ما بين عتبتين، ما بين جيلين، ولدنا في السبعينات بمتلازمة الجيل الأوسط الذي وعى على ضوء النهضة والاتحاد والعمران، لكنه في المقابل ودون أن يشعر نشأ على قمع الفكر والسؤال.

وحين فتحنا أعيننا على الوسط الثقافي في أواخر التسعينات، لم نجد إلا فجوة تتسع، وُلِدت معنا عقدة الكاتب الأوسط، الذي يفتش عن منبت وانتماء ويصارع ليحظى بالاهتمام والتكيّف والتعاطف والبقاء على قيد الكتابة، في ظل غياب المنبع والجذور والكثير من الأسماء التي أشعلت روح الثقافة ومهّدت الدرب في السبعينات.

وفي المحصلة حين أتينا، بحثنا عن ذلك الدرب الممهد بالنور، فلم نجد غير جسر مفقود وجزر معزولة بإبداعها الفردي، وأرضية متصدعة وظلام إصلاحي يوهمنا بالنور، وكان الدرب على الأغلب مشغول بصراع التيارات الفكرية والفنية والخصومة وكل يتعصّب لمدرسته ونخبته.

لم نولد في الساحة الثقافية بترف، في البدء لم يكن الدرب مخملياً كما يعتقد البعض، لم يكن هنالك درب ممهد أصلا، وإنما وُلدنا من راسب الخوف الاجتماعي والمعاناة، نحن من جيل ظُلِم فكريا واجتماعياً، وحين نتجالس اليوم لنتأمل الأمس ونعقد مفارقات نجد بأن الكثير من الفرص الفكرية والعملية قد تسربت منا وسُلِبت وقننت لأجل أفكار التديّن والمحرمات.

ولا زال إعلام اليوم يقحمنا في مأزق السؤال رغم أنه كان الوثيقة والشاهد على تتبع مجريات الأحداث: ما سبب اتساع الفجوة الثقافية ما بين الأجيال؟

يتكرر اللوم عبر السؤال المنمذج دونما استقراء حقيقي للنسق الفكري التكويني للأجيال ودونما جهد في البحث عن النشأة الذهنية والعلائق التي ربطت التأسيس الثقافي لكتَاب الجيل الجديد.

والمؤلم حين يتساءل المؤسس القدير عن افتقار جيلنا، الجيل الأوسط، جيل (الفجوة) للجرأة الفكرية، وأحجامنا عن الخوض في مسائل فكرية بحثية جريئة تشاكس الوجود والمعطى الفلسفي وتقتحم الأسئلة الكبرى وتناقش في متاهات الغيب وحول الله والخلق الأول والأبدية!

محض الإجابة المحزنة: لقد وجدنا المدرسة فارغة من معلميها.

كان إبداعهم الحر الأصيل منكفئاً على عزلته واشتغاله الفردي، بل كاد أن يكون نرجسياً، فحين انشغل معلمينا بالتخلي والاعتكاف والانتعاش داخل معبدهم الخاص، انتعش معلمو الظلام واشتغلوا على التلقين، وسيّجوا الساحة الثقافية بالحواجز الفكرية والبُنى القمعية، وها نحن جيل يعيش الصراع القديم، نعوم ما بين الأفكار الضحلة المترسبة المقنّنة، وما بين الفكر التنويري الحر العفوي القادم الآن على وجه الإمارات بصورته التفاؤلية المشعّة.

إننا نحاول الاستشفاء من تلك الرواسب، فامنحونا وقتاً للشفاء، انكسر القفل أخيراً وانفتح الطريق للفكر، لكن المدرسة لا زالت فارغة من مبدعيها الأوائل، رغم التزام حضورنا وتنوع أنشطتنا، ورغم الدعوات والنداءات المرسلة للمبدع المؤسس، إلا أنه لا زال يفضّل الانكفاء على عزلته والاكتفاء بانتقاد المشهد من بعيد، وقد يتهم بعضهم المشهد بالضحالة والنكوص ولمعان الأضواء المزيفة.

أُفكّر… من هو المفكّر الظلامي في عصرنا هذا؟

وإلى متى يظل كل منا يلقي اللوم على الآخر؟

أعرف أن لا وقت للملام بعد أن عثرتُ على نتيجتي الخاصة في درس العمل الفردي، لقد علمني غيابهم ذلك الدرس، تلقائياً وجدتني أعيد تجربة الانكفاء على طاقة صمتي، وأسير إلى معتكفي ووحدتي لأراكم تجربتي، ولأني من جيل الفجوة والوسط، سأكون بين ثنائية خياريّ: الوحدة التامة والذوبان الكامل، تلك هي معادلة توسط المسافة الثقافية.

وبذلك.. لن أنتظر ضوءًا كاذبا أو بيئة وهمية تصلني منها عدوى الإبداع. وأتمنى ألا تحذو الأجيال من بعدي طريق التفرّد كما فعلتُ أنا وأسلافي، بل إني أرى جيلا يتكثّف، يتكاتف، يعبر اليأس بقوة، ينهض بفكره، ويتبنّى مواسم النور الجديد.

VIII

مع القراءة والموسيقى والنبش في أفلاك الحجر والماء والكتب سأستعيد كل ينابيعي وخلاياي المفقودة، بل ستضاف عليها خلايا جديدة تتضاعف في لحظات التمجيد والتسبيح والشكر. شرود عميق غامض، توحد آمن في الصمت، وتدثر حميم مع القلب.

لكن السؤال القديم لا يهدأ بداخلي: ماذا لو سرتُ في خط مستقيم، أبدا؟

***

الأنهار الخالدة في الأرض تسير متعرجة، تقطع آلاف الأميال في سيرها الالتوائي، لا خطّ مستقيم لها، تسير ملتوية، لتحفر الأرض، وتنحت الصخر، وتكسب طاقة تدفقها بانحناءات مسيرها، تنمو الأنهار بصورة متعرجة، لو قدّر لها النمو مستقيمة، لما كان لها طموح الانسكاب الأخير في البحر العميق، ولاستحال النهر مستنقعا.

أريد أن أنمو كالنهر.

الأنهار الأولى، أنهار الأبدية، البعيدة في الصحاري، الأنهار الأولى التي أشرفت عليها المرتفعات الأزلية، كوادي النيل العظيم الذي يشق الأرض السوداء، لم يصر إلى ما آل إليه هذا النهر من المكانة المقدسة والبيئة المنيعة في العصر الحجري الأخير لولا عزلته عن الرياح القطبية وزمهرير البرد الذي قاست منه أنهار شمال البحر المتوسط.

الجفاف الصحراوي المحيط بالنيل هيأ لنشوء معمل تجارب اجتماعي لا مثيل له، ومهد أمام النزوح البشري الأول في رحلة البحث عن مأمن، حتى فاضت الضفاف عن أول أمة زراعية في التاريخ على أرض النيل.

في عزلة الأنهار قوّة، وتستنبت الأرض نفسها من رحم الجفاف.

ثمة نهر هناك، سأتعلم منه أن أتصرف وفق ما تقتضيه اللحظة، أن أكون كالمرآة، أعكس من يقف أمامي طالما هو واقف يتأمل ويراقب ويفتتن بنفسه، وبمجرد أن يبتعد، لن يكون له انعكاس عليّ، ولن أكترث بابتعاده، وإنما سأنشغل بانعكاس لحظة أخرى، انعكاس كل من يمر أمامي متأملاً مشتاقاً لنفسه، حتى وإن أتى زمان لن يمر فيه أحد، سأنشغل بانعكاس الفراغ.

IX

كعادة العيش في بيوت العالم، كان لابد للعالم من باب، بداية لحكاية، لا شيء يضاهي غواية البدايات، ورنة التكوين، كان لا بد من طريق في النظام الصامت، نذهب فيه للضوء مغامرين، لا نعبأ بما يدور خلف الجدران والألم والفوضى، لا نكترث بزحام النهايات.

وكمن يدسّ نفسه في الكثيب الرملي العالي، لا شيء غير مدّ من الرمل والصمت، دسّ النهر روحه بداخلي، بحذر، من ينابيع مجهولة، كعقيدة مهداة من العدم، ومهددة بالعدم. أخبرني النهر مرة أن أصبر على القضبان الحريرية، فالعيش في الزوايا أهم من الأبواب المفتوحة، حين نعيش في الزوايا، تكون النجوم أقرب إلى أعيننا، لذا صار بابي على حافة الفرح، كتمان الفرح، إنها المرحلة العالية في القلق والتوتر والرجاء.

للمرة الأولى أخرج من الليل منتصرة، واخترتُ النهار بعد أن عاش النهر في قلبي، مع النهار أكتشف أن كل الأشياء مختلفة بدرجات حجمها وشكلها وألوانها، بينما الليل يوهمني بأننا جميعاً متشابهون وأن في النهاية ليس هنالك غير خط ضوء واحد.

لم يحن أواني بعد لأنعطف وأختار طريقي، وفي شعوري الداخلي كنت أصر على اسمي واسم أبي وحقيقتي ووجودي وتاريخ بيتنا، كنت بدءاً أخاف الجسور والعبور والتجذّر خارج نطاقي.

***

للمرة الأولى أخرج من صحرائي بسلام.. فرحتُ بالنجاة، لكنه فرح ذو غطاء جديد، فكيف لا أقلق أو أخاف من أفراحي!

ما إن نلتُ ضوءً تلو آخر، حتى فاجأني النهر برحيله من قلبي.

هل غدرتُ به؟

وكنت لسنوات أعيش داخل ظني الجميل، أملي المفرد، لعل النجار يكترث بنجمتي، ينتبه لطريقي الذي ما عدتُ أسير فيه بخط مستقيم خلف أحد. لعله يخرج من غار صمته، ويمد ذراعه مجددا، وتقول ذراعه: لا تسيري خلفنا دائما.

ولأن النهر في قلبي، قد علمني الصبر والتريث قبل انكبابي على الضوء، بقيت لسنوات أنتظر انتباهه، أنتظر تلك الذراع، ذراع أبي.. شرفة الأمل.

ومثل صلاة لم أخشع بها، مثل دين لم يمنحني سلاماً كانت الأضواء والجوائز بالنسبة لي. وكنتُ كمثل ذلك النهر الأخضر الذي عبر الصحراء، وحيدا وصغيرا وممتدا في الفراغ العظيم.

X

في عمل مفتوح داخل إجازة لا نهائية، أعمل في الكتابة والهواء وتجربة الإصغاء، ذلك الإصغاء وتلك الوحدة التي تعلمتُ بداخلها وضع مسافة آمنة بيني وبين العالم، وعبر مسافة الإصغاء تلك أخلق المسالمة والمهادنة مع كل شيء، هناك فرق كبير بين أن تبقى وحيداً متحداً وبين أن تنعزل وتتخلّى، العزلة قاسية، وتعني الفقر والتسول، وأنك تفتقد الآخر، بينما البقاء متحداً في وحدتك يعني أنك قادر على احتواء الحب ورؤية الجمال من موقعك، وأن لا حاجة للآخر، فأنت بشري مُتلطِف مهادن منسجم داخل جزء في الوجود، تبادل الحنان مع الكون وأنت في معتكفك الخاص، أو في موقع أثري قديم وبعيد، تنقطع لتتصل، تبتعد لتكون أكثر قرباً من الحياة وأكثر استقراءً للمسيرة البشرية، تشارك الوجود بطريقة المسافات الآمنة والمهادنة، وهناك فرق بين المهادن والمُداهن، إن اتباع تلك الوصفة المعيشية المهادنة في الاتحاد الكوني والتأمل والامتلاء والتلطف كفيلة بخلق أمانك النفسي وحمايتك من مشاعر الإقصاء والتهميش، حين تأتي أزمنة الانشطار والأقنعة والمداهنة والنفي، الحياة ليست جنرالاً كما يعتقد البعض، وليست حرباً على المقاعد. لن يجتثك أحد من مكانك، ففي الكون وفرة لا تنقص مهما أُخذ منها، تلك الوفرة في خزنة روحك أيضا، وبكل بساطة لأنك لا تكترث بالمركز والحروب، فأنت سر متحد بسر، وتشعر بأنك الفضاء والمدى، وما العالم إلا من صغائر المخلوقات.

لن تخرج من معتكفك إلى المركز وتترك اختلاءك إلا باختيارك، لست منتمياً ولا موجّهاً، أنت من ينتقي اللحظة والخطة والمكان والأوان. وبلا شك، لا بد من تذوق الضجيج أحياناً، خطوة نحو الضجيج، ففي بعض الضجيج دفء إنساني تميزّ عبر تردداته الصاخبة صوتك الخاص، وتحولاته بين الأصوات الجديدة على الأرض، تستشعر به قيمة الهبة التي منحت لك في خلوتك، هبة القدرة على الصمت.

XI

الشجرة الضخمة تقف في وجه الرياح المؤلمة، بفضل قوة تلك الحلقات الصلبة التي تنمو في جذعها سنويا، والتي ربما كانت تنمو منذ قرون وتبقى متأصلة داخل تركيب جذعها العظيم.

يوهمنا جذع الشجرة باستقامته، يوهمنا بنموه المستقيم نحو السماء، لكنه في الأصل ينمو كما ينمو الكون، في حلقات دائرية. لو قدّر لتلك الحلقات أن تنمو مستقيمة، لانكسر الجذع منذ الكينونة. كذلك هو حال آدم، لو لم يرتكب خطيئة الشجرة في الرواية الدينية، لماتت العقدة ومات الشخوص في رواية الوجود البشري العظيم. العقدة استمرار، الخطيئة استمرار، وانتفاء الخطيئة موت للحياة.

أعرف أني أنمو مثل حلقات الشجر الدائرية، لكني أصرّ على تجريب فكرة السير في خط مستقيم، هكذا أبدا.. ماذا سيحدث؟

XII

لم أتفرّس في وجه ميت أبدا، لا أجرؤ، وترعبني هذه الفكرة ولو على سبيل التحقق. لم أفعل إلا حين وقع التباس النوم ذات مرة على وجه أبي، كان وجهه نائماً ولا يختلف ناظر إليه حول إمكانية أن يكون في حالة أخرى.

بعد سبع ساعات عرف الناس بأنه ما عاد موجوداً في هذا العالم، واكتشفتُ أني كنتُ أحدّق في وجه رجل ميت.

وبدأ زمن القلق بالنسبة لي، بدأ السؤال.

ماذا عن الوصول إلى الله؟

قبل أن أقرر البوح والبدء بطرح الأسئلة الكبرى، ها أنذا أدخل الدرب الواسع على الفقد، على العقدة، موت النجار على عتبتي الأولى، موت ملهمي الأول.

لتنتهي دورة نهار كامل من الصمت، تنتهي أولى عتبات النصوص. هل كنت أنتظر موته لأكتشف سحر تعاليمه الأولى وسر إلهامه عبر صمته؟

مازالت صورة جسده المهتزّ تحت جهاز الإنعاش حاضرة بقوة كمشهد أخير مظلم لا ينطفئ من ذاكرتي. لو أنه يأتي من نقطة العدم، لو أنه يأتي في المنام ولو بإشارة، كي تتبدد تلك اللحظة المظلمة وتهنأ روحي.

صار حماس خيالي مخيفا، واندفاعي في وادي الصمت لا حدّ له، وعلى تلك الحال من الحماسة سأخلص للكتابة، أتفانى لها وأتفنن فيها، لي صمت مرعب، أشبه بالذبحة الصدرية، أنا مُنحنى صامت ومنغلق على انحنائه.

أليس مسموحاً لي بالسؤال عن الفناء، عن كل شيء يتناثر بعيداً.. يتوارى.. ينحدر ويسيل إلى الخلف.. أو يرتفع بتلاوته على بقع الضوء الداكنة المتسعة على وشاح الغيب؟

أم أتغاضى عن كل ذلك وأسير في حماسة اللحظة في وحدتي، أعبر المدى الفسيح نحو عتبتي الثانية في خط مستقيم ودون أسئلة؟

ويدهشني السؤال المتكرر للمُنحنى الذي بداخلي: ماذا لو سرتُ في خط مستقيم، هكذا أبدا، إلى أين سأصل؟

أعرف أن كل انحناءة في العالم هي خطوط كفّ أبي، وكل كتابة مروّضة للخشب هي أنا، وأنا صبر الخشب المشدود ظهره للمسامير والعاصفة، يتحمل كل ذلك وهو صامت.

سيقولون: لقد صار النجار بعيدا، وقديما، يعبر المجرى الآخر من الكون.

وسأقول دائما: هو أنا، أتكئ على قلبه وأعبر، ويتكئ على ذراعي، نعبر من شكل إلى شكل. لن نفنى، ولن نُستحدَث، وُجِدنا على الأرض مرة، وسنوجد إلى الأبد.

وكنتُ زمناً أعبر الخط المستقيم دون أن يقع الغدر، لم يغدر قلبي، وها أنا ذا أنعطف في الطريق، واعترف بحيرتي، إنها الشكل الأول للقرار.. للحكمة، وأسرف في السؤال الكبير ويد النجّار تبردان في يدي، تكبران، تصيران سماءً، ويزحف اصفرار مواسم الحصاد سريعاً عليها، تأتي رائحة الخشب المعتق برطوبة الأصابع، رائحة تزاوج الماء بالخشب، رائحة خروج كتاب رطب قديم وأصفر من رفّ علوي منسي، رائحة ذوبان مَرْكب مكسور في البحر، بل رائحة أول الفجر، رائحة جذع يغرق في النهر.. رائحة طين؟

تماماً.. هكذا كانت رائحة النجّار، رائحة طين، حين غاب في الحصاد الأخير، رائحة موته..

 يتسع الكون كله له، لأخشابه، وصوت العالم له، أظنني أخيرا عرفتُ رائحة الروح.

ووفق طبيعتي في العناد أعرف أني لو سرتُ في خط مستقيم، هكذا أبدا، سأصل في النهاية إلى قرية حالمة، تشبه قريتنا، وبيتاً ونجّاراً كوالدي، بل سأرى نفسي، سأعود.

لكن بدايتي ستكون مختلفة تماما، أكثر انتباها، أكثر سؤالا، أكثر انعتاقا…

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.