ارتعاشات الميموزا

الجمعة 2020/11/06
لوحة: آريا عطي

-1-

أغادر فجرا، أنتزع جسمي من سرير الأرق وأهجر السّكينة مفرشا وثيرا للزّمن التونسي الرّاهن، يلقي بنا إلى شوارع الرّكض المحموم، ويستلقي وهو كسلان عند ظلالنا المائلة، أو فوق مفارشنا المشتهاة.

قبل كلّ القطارات أبلغ المحطّة يوميّا متعثّرة في كبّة أوهام تشتبك على واقعيّة الواقع المفرطة. مذ هجرته ذات سفرة، وأنا أحرص ألا يفوتني أيّ قطار. بلغت من العمر المحطّة المشرفة على القرية المنسيّة.

اقتطعت تذكرة الدّرجة الأولى يسبقني وجهي الموصد كباب حديديّ لا ثقب فيه، تسترق منه الشابّة التي فيّ النّظرَ إلى الحياة بقليل من الجموح المبيد لحشرات التحفّظ السّامّة. أعدّل باستمرار حجابي المعتدل، وأضّيق بأطرافه مساحة وجهي. أثبّت قفّازاتي إلى أصابعي. أجمعني، في كلّ مرّة تفيض فيها ذاتي عن حدودي الضّيقة إليّ أكثر تحت فستاني الدّاكن الفضفاض، وأحكم الانغلاق فيّ وعليّ.

كانا الوحيدين، باستثنائي، لا يُغرقان وجهيهما في شاشة هاتف محمول. المشهد عاديّ، لكنّه الوحيد بما يجعله مستهجنا على نحو ما في عالم استيلاب الافتراضيّ المبهر للوجوه المثقلة بأوزار اليوميّ المنهك. لم يبق العالم قرية في كوكب العولمة، تجزّأ إلى قرى صغرى تشكّل وحدات سكنيّة متجاورة ومنعزلة في آن، وفي كلّ وحدة سكّان يتقاسمون الفضاء نفسه ظاهريّا فيما ينكفئ كلّ على نفسه داخل عالمه الخاصّ. كلّ فرد من ركّاب العربة قرية صغيرة مستقلّة بذاتها وهو ساكنها الوحيد وسورها ذو البوابة الحديديّة المرتفعة في الوقت نفسه. لكنّ مشهد ثلاثتنا، هذا المعلّق على سلّم الزّمن السّائر على السّكّة كنوطة نشاز في لحن النّمط لم يكن، في واقع الأمر، إلاّ لأنّها لن تصرخ لو أحد ما اختطف منها هاتفها، وهو لن يرى سارقه. أمّا أنا فكان هاتفي قديما كمركب عجوز لا قدرة له على الخوض في غير بحر الهموم اليوميّة البسيطة.

وجهُها جملة أفواه متورّدة نُقشت على جدار الرّوح الطينيّ كالنوافذ الصّغيرة، كلمّا تكلّمت يداها فتحتها جميعَها على جذاذات المعنى المخزّنة بالدّاخل، داخلِها السّابح عاريا في بحيرة عينيْها وداخلي المسجون بلا سبب يُخرس الشّغب المحتجّ بين جنبيّ، بيد أنّه لا يُبْدي، فيما بدا لي، خبرة بقراءة العلامات الجسديّة، فتنغلق على نفسها متوتّرة، ضامّة كلّ جسدها إليها كما لتُعلي جدار صدّ يمنع هدير الموج الطّاقيّ المندفع منها إليه، لكنّها، لا تحوّل عنه عينها إلاّ لتعرف المحطّة التي أدركها القطار.

أخجل من كهولتي الباردة إزاء جسدها الخفيف الذي يتكثّف في شفتين مرنتين أحاديّتيْ الصّوتم، ويدين رشيقتين تقولان عنه كلّ تراثه ومنجزه الحديث ومشاريع غده غير المدروسة. أكثرُ من حجاب ينسدل على لغتي. كلّ الصّواتم التي أتقن تعجز غالبا عن سرد معنى واحد سهر الشّوق كل الليلة في تأليفه. أحوّل عنها غيرتي المنقّبة.

منحوتًا بحبّ إلهيّ، يجلس الشّاب قبالتها. هادئا، تتدفّق معادنه الباطنة من فمه الذي ككهف الأنبياء مفعما بالشّمس والأسرار المضيئة التي أقدّر أنّي أعرفها، ولا يني يتردّد باستمرار في رسم ابتسامة يوسّعها ويضيّقها في قلق، ولا يبدو بالمقابل، فيما بدا لي أيضا، أنّها تحسن فكّ شيفرات الرّجفات المتتالية لشفاه متردّدة، فيُسْكِن انفعالاته خلف نظّارات شمسيّة داكنة العدسات، مطبقا فمه كما لو كان يمنع عنها مشاعره التي تفوح من غدّته الصنوبريّة، بيد أنّه، لم يكن بدوره يحوّل سمعه عن ذبذبات جسدها إلاّ ليلتقط إشارات صوتيّة خارجيّة تدلّه على محطّة الوصول التي أدركتها السّفرة.

الهلع الدّاخليّ القديم انتفش بين أضلعي وساعي بريد الغرام يقف معطّلا منتصف المسافة بينهما. في قطار كهذا، في يوم قبل هذا بما لا أريد عدّه، جلس الحبّ إليّ يتودّد إلى أرملة مثقلة كرمتُها بالعناقيد.. كلّ تفصيل في ذلك اللّقاء كان سعادة صغيرة منشطّة لدورة الحياة الدمويّة الرّاكدة.. كلّ التفاصيل مجتمعة سعادة أكبر من نصف القلب المحجوز له..

هل تعطّل بنا القطار يومها؟

ترجّلت منه في منطقة غير مأهولة من العمر، مُطفأة المصابيح، أتلعثم في السّير، فارّة من الفرح الخارج عن السكّة والعيون والأقاويل، المنحرف جهة اليسار من أفق التوقّع.. لم ينقطع بطن القلب عن حمله كجنين نائم في الرّحم، ولم أزل حتى الحين أنطوي على نفسي خوفا من لمسة حبّ أو اهتزاز شجيرة في بستان الخيال. أشمّ رائحته الآن. أتلفّت. هل يكون جالسا خلفي أو مرمى مقعد؟ مناطق مختلفة من جسدي تتقلّص، ترتخي، تتشبّك، تنحلّ، ثمّ تنبسط جميعها مرهقة.. أشفق عليهما، وتحشرني الأمومة المتسلّطة في زاوية الموعظة.

قام النّعي بين جنبيّ يشيّع جثمان الهوى، سيفوتهما الأوان، هما أيضا، كما فاتني كثيرا. كومة صغيرة من تراب الظنون وأحجار سوء الفهم تُعثر طريق ساعي بريد الغرام الغِرّ هذا، سأزيح العقبة وأفتح مسارا مضيئا للتواصل، وسيكملان بقية العمر معا.

كثالث اثنين يختليان بسرّهما، دسست أنفي الفضوليّ البريء في حقل الطاقة الكهرومغناطيسيّة الممتدّ بينهما لأشير إليها، بحركة تمسح الضّوء عن العين، أنّه كفيف، وأهمس له خفية عنها أنّها صمّاء بكماء.

تنفّس ضميري الصّعداء. قاما في الآن ذاته، وعلى القدر نفسه من الانفعال المشعّ، وغادرا القطار متوكّئا على خطاها المبصرة، مهتدية إلى موسيقى العالم بأذنيه..

-2-

لوحة: آريا عطي
لوحة: آريا عطي

على شغف الأمل بأن تتغيّر الحياة يوما، مشيت السّنين، من بعده، منتعلة حذاء يلاصق كعبُه الأرض، حتى لا أثير انتباه اللّحظات المزاجيّة لأشواقي السّريّة وأرعى، كنملة، عناقيدي المتبرعمة.

اِنتصف يوم الحياة ولم تتغيّر ساعة واحدة منه.

لم ينتبني يأس من الأمل، غير أنّ خطّ انحراف الزّمن إلى الزّوال يفتح شبّاك القلب على ريح الفتور. قبل ساعة، قطف السّفر آخر عنقود في كرمة أيّامي الوحيدة. تلك سُنّة منتصف العمر. أخلد إلى الفراغ، ويخلد الأبناء إلى أحضان أحبّة آخرين.

بلغت سكني وأدركتِ الشّمس ضفّة العالم الثانية. على العتبة صندوق مغلّف بورق الهدايا، ودعوة للعشاء.. “أأعْجبك الحذاء؟ حجزت لكِ ليلة خارج حدود اليوميّ…”

لكنّ قدمي لم ترتفع عن الأرض منذ سنين، أنغلق على نفسي كنبتة الميموزا كلّما لمستني يد مغرمة أو فاحت في الجوّ ريح صنوبرة الغرام.. ثمّ إنّه الغروب، وقت لمضغ المسلسلات التركيّة وقزقزة “القلوب” البيضاء.

لمَ لا؟ جرّبي انتعال كعب عال من جديد، ستطول قامة اليوم أكثر وترفل ساق زهرتك الجميلة في أحد فساتينك الأولى. حرّري معانيك من لغتك المرتبكة وذاتك المتخفّية تحت طبقات الثياب الكثيرة ولو مرّة.. جرّبي..

مدّ اللّيل الغاطس في حلاوة النّوم أطرافه خارج الغطاء اللّيلكيّ يهوّي قدميه السّاخنتين. كان مبتسما في توتّر يبسط قسماته ويقلّصها وهو نائم هذا الليل، فيما يرى خيالاته متوهّجة وقد استوت على جمر الكبت أفلاما محمومة مضطرمة.

أنا أيضا، مثله، أبتسم لكن مستيقظة.. اِشتقت إليكِ، كتب، تعاليْ على واجبات تستنزفك، وتعاليْ قليلا إليّ. أنا بانتظارك حيث افترقنا، لنبدأ من جديد..

قِشَر “القلوب” تتكوّم أمامي. بثّ المسلسلات توقّف. والأحلام التي اجتررتها استهلكت كلّ أنزيمات اللّعاب التي بفمي، وصار متعذّرا مضغها أكثر.

أجرّب انتعال الهديّة من جديد، وأتخيّر للسّهرة الفستان نفسه الذي انتقيته من قبل وأعيد الصياغة الحديثة للحجاب على الطّريقة التّركيّة.

نمْل التّعب يشقّ مساربه في تربة القلب والرّكبتين. دمع النّعاس يرسم خطوطا منحرفة على سطح المساحيق. عمّا قليل ينتصف ليلي هنا، وينتصف نهار امرأة أخرى في مكان مشرق ما، ولعلّها مثلي ستتلقّى على باب الغروب دعوة ولا يأتي الدّاعي.. كيف يُغويني به غِبّ أُمّة من الوحدة ثمّ ينكث؟

أعيد قراءة البطاقة جهرا، في أناة مغرضة، لأملأ فم الشكّ العفن بحفنة من تراب.. ماذا؟

ختم البريد بتاريخ السنة المنقضية.

-3-

خبر مرضه الذي تطاير مع الكلام العرضيّ لصديقة مشتركة، هو ما أخرجها إليه من كنف النبتة المنكفئة على نفسها. حين هاتفته ذات حياد إنسانيّ ماكر، هجر مراثي الكبرياء المجروح وجاء يهواها. متأنّقة في الحذاء الذي أهداها إيّاه قبل سنتين، ذهبت معه يتمشّيان يدا بيد في منتزهات ما بعد منتصف العمر، بكامل اعتلاله الصحّيّ، وكلّ تقلّباتها الجويّة.

يتأمّل انعكاس جذعه الأعلى عاريا على المرآة، يمرّر الإبهام على خطّ الجراحة الطوليّ مستشعرا أناملها رقيقةً نحيلة مرتعشة تربّت على وجع القلب فيسكن.. دمعها يغرغر في حلقه، لهفتها تُلبسه قميصه، هشاشتها تسند وهن قلبه، مالها يسدّ نفقات علاجه.. نضجت أنوثتها إلى حدّ مرعب من بعده. صارت جملة نساء في امرأة واحدة يشكّلن حوله طوق حماية لا يُخترق، يجعل قامته الفارعة تمعن في الضّمور أمام حنانها الغنيّ بفيتامينات الأمومة، وتلثغ رغباته الجامحة المتناقضة كطفل في دائرة الحبّ النّاريّة المنغلقة عليه..

يوارب جفنَه دون دمع الأسى. ينعطف عن صورته على صفحة المرآة إلى صورته الجديدة في قطع ثيابه الجديدة: الحذاء، البدلة، ربطة العنق التي تُحبّ، القميص الذي كوته، الساعة الذّهبيّة هديّتُها الأخيرة، والعطر يسابق اللّحظة المتأزّمة إلى يوم زفاف لا يثق تماما أنّه سيبلغه سالما، لكنّه يتأنّق رغم الدّاء، ويقبل على خطبة شابّة صمّاء بكماء في الثلاثين، أقلّ صرامة منها، أكثر انشغالا بنفسها عنه، وأقدر على إثبات حسن سلوكه الجسديّ للمارّة والفضوليّين.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.