السرد غير الواقعي

في رواية المذكرات والسيرة الغيريّة
الاثنين 2022/08/01

كثيرة هي النماذج القصصية والروائية التي تجسد السرد غير الواقعي، ولها أساليبها الخاصة في محاكاة الواقع الموضوعي. والأساس الأهم في السرد غير الواقعي هو “الخيالية” التي بها ينحرف عن أعراف محاكاة العالم التي يعرفها كل من المؤلف والقارئ. وقد يستبعد تلك الأعراف أصلا. وهذا الاستبعاد للأعراف المحاكاتية هو ما وجده كريستوفر دي كيلجور في ثلاث روايات مذكراتية هي “موس” (Maus) لأرت سبيلجمان، و”بيت المرح” و”هل أنت أمي؟” لأليسون بيكدل. إذ على الرغم من وجود عناصر واقعية فيها، فإن الخيالية تتخللها بطريقة غير مألوفة في السرد الأوتوبيوغرافي. مما يفضي بالقارئ إلى عدم تقبلها والاقتناع بأحداثها أو التعاطف معها إلا بعد استدعاء سلسلة من العمليات يتحول خلالها الغموض أو عدم الفهم من اللاطبيعية إلى الطبيعية وتتحقق عملية تبادل نصي في شكل تبريرات أو مفاوضات تفضي إلى الازدواجية بمعنى أنها من جانب توصف بأنها نصوص خيالية غير واقعية ومن جانب آخر تحمل القراء على المشاركة في التفاوض من أجل فهم ما هو غير معقول أو غامض فهما شعريا، فيه يحاكي السرد الواقع الموضوعي.

إن قراءة مثل هذه النصوص الخيالية تحتاج من القارئ استنباطا وفهما لاستراتيجيات التخييل التي تنتهك ـ ظاهرياً ـ عملية المحاكاة أو تتعارض مع الافتراضات المحتملة والحقيقية، ولكن بها يتمكن القارئ من إعادة بناء التجربة بناء متماسكا متجمّلا بأفق توقع يفسر بمنطقية ما يجري من أحداث قصصية. وبهذه العلاقة بين عالم القصة القائم على أسس غير طبيعية وبين القارئ وطريقته في القراءة تحل إشكالية إنتاج عوالم القصص الخيالية غير المتماسكة أو المتناقضة.

ولكن كيف تندرج محاكاة أحداث غير واقعية في نصوص أتوبيوغرافية داخل سرديات المذكرات والسير الذاتية والغيرية التي تعد من أكثر أصناف السرد واقعية وشهرة في القرن العشرين؟

لا شك في أن هذه النصوص تقتضي تطابقا بين المؤلف والسارد أو ما يسميه فيليب لوجون الميثاق السيرذاتي بيد أن ذلك يمكن أن يكون على مستوى النصوص الخيالية كما هو حاصل على مستوى النصوص السيرية والمذكراتية، ومن ثم تكون العلاقة بين النص الخيالي والقارئ علاقة تعاطفية هي غاية في حد ذاتها، تغذي العملية التفسيرية وتسمح للقارئ بإدراك ما في هذه النصوص من مواقف غير معقولة أو مواقف غير موضوعية هشة، يحتمل فيها أن يكون السرد محفوفًا ببعض المعوقات. ولا مناص للقارئ من إعادة بناء أوتوبيوغرافية هذه النصوص الخيالية من الناحية النفسية مثلا أو الاجتماعية بغية فهمها على أنها وقعت بالفعل.

ومن دون إعادة البناء هذه فإن عملية الفهم، تظل غامضة والإشكالية قائمة حول مدى معقولية ما يقع من أحداث وطبيعة تصديق القارئ لما يقرأه من أوصاف، كما أن التطابقات والتناقضات والانتهاكات بين الواقعي والسردي تتطلب من القارئ تأملا وفهما وتقييما سواء في النصوص الواقعية أو النصوص الأوتوبيوغرافية. وما من سبيل للفهم سوى بإعادة بناء عالم القصة مكانيا وبلاغيًا والتي بها نعرف من هو السارد أو من هو المؤلف الضمني أو المؤلف الحقيقي. وما دام الخيال ينشأ في النصوص وينمو في إطار المحاكاة، فإن بإمكان النصوص السيرذاتية والغيرية والمذكراتية أن تكون ممكنة ومنطقية باستعمال تقنيات سردية غير طبيعية حتى لا فرق بين ما هو خيالي وما هو واقعي. ومن ثم لا يجد القراء اختلافا في فهم التجارب النصية الأوتوبيوغرافية التي تحاكي التجارب الواقعية وبما يتفق مع إحساسهم وثقافاتهم.

ومن الأمثلة على هذا النوع من السرد الذي يستعمل تقنيات سردية غير طبيعية منحرفا عن الأعراف المحاكاتية في التعامل مع الواقع الموضوعي رواية “رسائل من أعماق الأرض” لدوستويفسكي وفيها استعمل ساردا ذاتيا يتحدث بضمير المتكلم عن نفسه لكن بلسان شخص متوَهَم هو حي وميت ومريض وعاشق وظالم ومظلوم وعدمي وصوفي ومجنون وحكيم وفي الأربعين من عمره. وعمد إلى توظيف المرآوية كطريقة جسّد من خلالها هذه المتناقضات فغدا السارد شاكا بنفسه منشطرا في صورتين، فهو السائل والمجيب وهو المدين والمدان وهو الشاكي والمعتدي “أنا إنسان مريض إنسان حقود إنسان ممقوت وأظن أن كبدي مريضة.. لا أعرف شيئا عن مرضي.. ومهما يكن الأمر فإنني مثقف إلى حد يكفي ليجعلني لا أصدق الخرافات مع أنني أؤمن بها.. على أنني لا أستطيع أن أوضح إيضاحا كافيا من هو الذي أريد إذلاله بحقدي” (رسائل من أعماق الأرض رواية، دوستويفسكي، ترجمة أنيس زكي حسن – الأردن: الأهلية للتوزيع والنشر، ط2، 2017 – ص17. والطبعة الاوألى كانت عام 1959 عن دار العلم للملايين).

وقد أوصله هذا الإحساس بالانشطار والشك إلى احتقار نفسه التي صار يراها حشرة خسيسة تارة وتارة أخرى يراها فأرا منسحقا. وهنا يعمد المؤلف دوستويفسكي إلى استعمال الخيالية كوسيلة بها يقلب السرد من الطبيعية إلى اللاطبيعية، متخذا من الفأر معادلا موضوعيا لنفسه موظفا ساردا عليما يسرد مذكرات بضمير الغائب، متذكرا وهو على فراش الموت كيف دفن نفسه حيا فيحزن ويقرر ويسأل “هنالك في تلك الحفرة الكريهة العفنة يعيش فأرنا المنسحق تحت وطأة تلك السخرية وذلك الاحتقار منهمكا في صب حقده البارد اللاذع الأبدي ويستمر طيلة أربعين سنة على استعادة تلك الإساءة في ذهنه ويتخيل أتفه تفاصيل ذلك الاحتقار مضيفا إليه من خياله تفاصيل أخرى أشد إهانة وإذلالا معذبا نفسه بذلك الحقد المتخيل” (ص27).

ثم يعود المؤلف في الجزء الثاني من الرواية إلى السرد الطبيعي الأوتوبيوغرافي، مستعملا ساردا ذاتيا يتكلم عن نفسه وهو كاره لها ومريض “كنت في ذلك الحين في الرابعة والعشرين وكانت حياتي حتى في تلك الأيام مشوشة وكنت وحيدا وحدة الوحش” (ص73).

ويشي حديث السارد بأنه رجل ميت “يبدو أن شيئا غريبا حدث في تلك اللحظة كنت معتادا على تخيل كل الأشياء وعلى التفكير في الأمور كما تحدث في الكتب وعلى تصوير كل شيء في العالم لنفسي كما كنت أراه في أحلامي بحيث أنني لم أفهم في البداية معنى ذلك الأمر الذي حدث في تلك اللحظة” (ص189).

هنا يترك السارد تقانة المرآوية ويدخل في تقانة غير طبيعية تتمثل في أن البطل بدا ميتا لكنه يتكلم ويتجول ويعشق ويتحرك، ساردا مذكراته وهو لا يعرف إن كان ما زال حيا أو ميتا، متوهما في كل ما يسرده فكأنه مجنون أو حالم أو حكيم “كنت في ذلك الحين لا أعرف نفسي كما أعرف الآن بالطبع أنني لا أستطيع أن أعيش دون أن أشعر بأن هناك إنسانا واقعا تحت تأثيري تماما دون أن أشعر بأنني حر في أن أطغى على إنسان ما ولكن لا يستطيع المرء أن يوضح الأشياء بالتحليل والاستنتاج ولهذا فإن لا فائدة في أن أحلل وأستنتج” (ص190).

ولكي يجد نفسه التي يدوّن مذكراتها فإنه يتخذ خط الشروع من البحث عما سماه (الحياة الحقيقية) كخط فاصل بين الحياة والموت. وحين يعجز عن بلوغ الحياة الحقيقية، يعترف ـ والاعتراف سمة مهمة في كتابة المذكرات ـ بأن ما حصل كان كذبا “كذبت عليكم في هذه اللحظة بالذات كنت أريد أن أقول: إنني لم أفعل ذلك عن قصد.. لقد فقدنا صلتنا بالحياة إلى درجة أننا لا نملك أحيانا إلا أن نشعر بالاشمئزاز من الحياة الحقيقية باعتبارها عبئا ثقيلا ونحن جميعا متفقون على أن الحياة كما نجدها في الكتب هي أفضل بكثير” (ص198). واعتذار السارد للقراء واعترافه بأن كل ما قيل من صدق أو كذب لا يهم إنما يدلان لا على تطابق ذات السارد مع ذات المؤلف حسب، بل يؤكدان أن القراء أنفسهم هم مثله ميتون.

صورة

وإذا كان البشر يولدون وهم ميتون، فإن السارد متميز عليهم بأن عاد من الموت ليدوّن ذكرياته، متحررا بالكتابة من أي إحساس بالذنب أو شعور بتأنيب الضمير. وفي ختام الرواية يتطابق السارد مع المؤلف تطابقا تاما ليكونا واحدا هو دوستويفسكي الذي رأى نفسه من خلال مذكراته رجلا متناقضا، يكتب سيرته وقد جمع الاوتوبيوغرافية بالخيالية. وفي تأكيد المؤلف أن مذكرات الرجل إنما هي مذكراته دليل على أنها سرد تخييلي بصيغة السرد السيري. والبغية إيهام القارئ بذلك وجعله يصدق أو يقتنع بصدق ما يجري من أحداث.

ومن الروايات العربية التي استعاضت في الكتابة السيرية التاريخية عن الواقعية بالخيالية على شكل مخطوطة رواية “حاكم: جنون ابن الهيثم” ليوسف زيدان، والرواية عبارة عن قصتين إحداهما إطارية يسرد سارد موضوعي بضمير الغائب، بطلها عبد الراضي؛ طالب الدراسات العليا الذي يكتشف في مكتبة جده عبد المحسن (مخطوطة تقع في قرابة المئتين من الأوراق السميكة المصقولة كبيرة القطع الورقة الواحدة صفحتان.. مجلدة الغلاف لا زخرفة فيها) (حاكم: جنون ابن الهيثم رواية، يوسف زيدان – مصر: بوك فاليو للنشر، 2021 ص70). ويعمل مع صديقته أمنية على دراسة هذه المخطوطة التي حولها ستتبأر أحداث الرواية. أما القصة الأخرى فضمنية أوتوبيوغرافية في شكل مخطوطة كتبها شخص عاش في العصر الفاطمي قبل ألف عام اسمه مطيع السهمي وعاصر شخصيتين تاريخيتين عرفتا بالجنون هما الحاكم بأمر الله وابن الهيثم. وفي هذه القصة الضمنية يبدأ السارد متحدثا بضمير المتكلم عن أهمية الصدق في الكتابة السيرية بوصفها شكلا من أشكال كتابة التاريخ “قبل شروعي في تسويد هذه الوريقات البيضاء البريئة بحكاية كل أو جل ما كان، ورواية أهم ما وقع معي أو رأيت من عجائب المعاينات ودقائق المشاهدات فإنني أشهد الله وهو خير الشاهدين على أنني لن أسطر فيما سيأتي إلا ما عاينت ولن أسرد سوى ما صح عندي مما اشتهر أمره أو أستتر ولسوف أقص ما جرى معي منذ ابتدأ شأني الهين” (ص74).

وتتواتر فصول الرواية ما بين القصتين الضمنية والإطارية ومعها يتناوب الساردان الموضوعي والذاتي. وإذا كان السرد في القصة الإطارية طبيعيا وفيه توظف حوارات باللهجة المصرية، فإن السرد في القصة الضمنية/المخطوطة كان تاريخيا وبصيغ بلاغية أعتيد استعمالها في كتب التاريخ والمراسلات الأدبية آنذاك. ولكن ما يجعل السرد الاوتوبيوغرافي خياليا ولا طبيعيا هو أن السارد الذاتي ـ الذي هو نفسه كاتب المخطوطة ـ لا يسرد بوجهة نظر مصاحبة، بل بوجهة نظر خلفية أحاطت بالمشهد ببانورامية “وقد قصصت.. ما سمعته أو صح عندي من وقائع جرت قبل مولدي وخلال طفولتي المبكرة وفيما يأتي سأذكر ما عاينت وما كنت عليه من الشاهدين.. وإن كان ما سبق قصه قد وصل إليّ بطريق الأخبار والحكاية” (ص9).

وهو أمر يستحيل حصوله في السرد السيرذاتي، بما يدلل على تخييلية القصة وأنها ليست سيرة؛ إذ كيف يعود السارد إلى زمن لم يكن عارفا به لأنه سابق على ولادته بأعوام بعيدة تعود إلى زمن فتح مصر على يد عمرو بن العاص ثم زمن جده خلف السهمي وعائلته التي نزلت بالفسطاط ثم رحلة أمه وأبيه إلى الحجاز وكيف تركاه رضيعا لدى عمته تمنّي، وغير ذلك من الأحداث التي من المستحيل أن يكون السارد الذاتي عارفا بها “حدث كل ما حكيته قبل مولدي سنة خمس وسبعين وثلاثمئة لكنه رسم ملامح حياتي وفي العام الموافق للثمانين بعد الثلاثمئة يعني عندما كنت في الخامسة من عمري ذهب أبي إلى الحجاز لأداء المناسك مع قافلة الحجيج المصرية واستجاب لتوسلات أمي فأخذها معه مع أنها كانت حبلى.. وكان يرافق أمي وأبي.. ابن عم أبي الذي لا أذكر الآن كيف كان شكله ولا أتذكر عنه سوى أن اسمه حبيب” (ص97).

وإذا كانت الأعراف في السير ذاتي تقتضي أن يكون السارد الذاتي هو البؤرة السردية في المخطوطة الأتوبيوغرافية، فإن الروائي خرق هذه الأعراف بأن جعل شخصيتي الحاكم بأمر الله والحكيم ابن الهيثم هما البؤرتان السرديتان اللتان حولهما وجه السارد سيرته بطريقة خيالية والغاية أن يعطي للشخصيتين صورتهما التاريخية بوصفهما تعاصرتا وعرفتا بالجنون.

وفي ما عدا مفتتح المخطوطة الذي فيه يتحدث السارد عن طفولته فإن الرواية تأخذ منحى تاريخيا “لم تبدأ قصتي بمولدي سنة خمس وسبعين وثلاثمئة للهجرة النبوية بل رسمت ملامح حياتي من قبل هذه السنة بسنوات قريبة وأخرى قديمة قد يكون أولها هو العام التاسع عشر للهجرة النبوية إذ جاء جدي عمرو بن العاص لمصر غازيا في زمن الخليفة عمر ففتحها أول مرة وأقام الفسطاط ليتفكر فيه جند الإسلام ثم جاء البلاد بجيشه مجددا بعد ثلاثة أعوام فأعاد فتحها في زمن الخليفة عثمان واستردها من الروم” (ص75). ثم تغيب الأتوبيوغرافية تماما حين ينسى السارد الذاتي أنه يدوّن سيرته منغمسا في السرد التاريخي بدءا من تعرفه إلى الخليفة العزيز بالله وانتهاء بما رآه وسمعه عن الحكيم والحاكم.

وتنتهي الرواية نهاية غير طبيعية وقد مات السارد الذاتي مدونا مشاعره ميتا “كل شيء أبيض والعبد عصفور صار أبيض ما هذا الصمت، أين أنا وأين الجميع آه إنه الموت” (350).

ولا خلاف أن استبطان السارد الذاتي دواخل شخصيات لم يعاصرها أو يعايشها عن قرب، جعله يخرق الميثاق السير الذاتي الذي يفترض فيه تطابقه مع المؤلف، كما أن ارتهان عمله بسرد قصة الحاكم بأمر الله وابن الهيثم، الذي أسكنه داره وسماه الحكيم، صيّر وظيفته تاريخية كحكاء راو ينقل أخبارا كان قد نقلها مؤرخو التاريخ الإسلامي ومن ثم لم يكن قصد الروائي التخييل التاريخي وإن جعل لشخصية غير معروفة هي “مطيع” مخطوطة وفيها وثّقت حياتها وهي تعاصر هاتين الشخصيتين. والدليل على ذلك عدم تركيزه على شخصية واحدة كالحاكم أو ابن الهيثم لتكون ساردة قصة حياتها بنفسها، مما فعله الروائي المغربي سالم بن حميش الذي جعل الحاكم بأمر الله في رواية “مجنون الحكم” هو السارد الذاتي مفيدا في تمديد مساحة التخييل التاريخي مما في حياة هذه الشخصية من غموض وتناقض فلم يتقيد بما جاء في المظان التاريخية بعكس رواية “حاكم: جنون ابن الهيثم” التي خضعت لما نقله التاريخ الرسمي عن الحاكم بالله من مسائل دموية فمن تقاليد حكمه الرهيبة والباطشة إلى ادعائه الألوهية واختفائه ثم مقتله وعلاقته بجنون ابن الهيثم.. الخ.

وقد يكون من غير الممكن أن يجتمع السرد التاريخي بالسرد غير الواقعي نظرا لقصدية الروائي في استعمال كل واحد منهما على حدة، ولكن الخيالية كانت هي الطريقة التي حولت مجرى السرد من التاريخي إلى اللاطبيعي كحديث السارد عمن توالى على البلاد من الولاة كعمال للأمويين أو في ما يحكيه عن كافور الإخشيدي وجوهر الصقلبي أو في تحليلاته وتفسيراته واستباقاته الزمانية وهو ما زال يسرد بوصفه طفلا، قائلا “دلت بلايا هذه الأمة على أنها لا تختلف عن بقية الأمم من حيث سعار المتهالكين فيها على الحكم وهوس الساعين إلى السلطة” (ص77). وما استعماله لصيغة “سألت جدي” أو “قال لي جدي..” إلا محاولة لترك الخيالية والعودة إلى السرد السيري التاريخي.

ومن الروايات التي خرقت أعراف كتابة السيرة الغيرية وجعلت الخيالية هي الصيغة التي بها أملى صاحب السيرة الذي هو ميت على السارد الموضوعي قصة حياته رواية “ليالي ابن زوال” لكريم كطافة وفيها تتضح قصدية خرق التاريخية بالخيالية منذ مستهل الرواية التي فيها يقول المؤلف “أخبرني آلان روب غرييه: أنت غير قادر على تثبيت صور من ماتوا فالصور دائما في تحرك مفاجئ يزداد كلما حاولت تثبيتها” (ليال ابن زوال – رواية، كريم كطافة، إيطاليا: منشورات المتوسط، د. ت، ص1).

وتبدأ الرواية بسارد موضوعي هو ليس المؤلف، فالبطل بحار عراقي سافر مضطرا من بلده واسمه مختار “لم يعد يستمع بعد الآن اختار مختار قدره” (ص 8).

وفجأة يتدخل المؤلف مقاطعا السارد الذي ذكر كلمة غجرية متسائلا “غجرية غجرية: ماذا تفعل الغجرية هنا؟”. وتكون المفاجأة أن يظهر الميت وهو يرد  “يا ابن كطافة إنها غجريتي التي قرأت لي مصيري الذي كان مرسوما على خطوط كفي” ثم يسأل المؤلف “وما شأني بمصيرك أنا كنت أتحدث عن نفسي ترد الشخصية كيف أصدقك وأنت كنت تنبش ركامي؟ ومن تكون أنت؟ أنا خالد زوال؟.. لقد نسيتني أعطيك الحق أننا توأمان يا صديقي كنا واحدا حتى مطار فرانكفورت ومن هناك افترقنا هل تريد حقا أن تصبح كاتبا ماذا يعني كاتب في هذا الزمن الأمي؟” (ص 9).

وإذا كانت الخيالية في السرد تتمثل في أن لا خط واضحا بين الحياة والموت والسفر والهروب، فإن الحوارية هي التقانة التي بها تتعزز خيالية السرد السيري، فيتحدث الميت كسارد ذاتي عاد إلى الحياة من بعد أن أهيل عليه التراب “أنا الآخر كنت هاربا من هروب إلى آخر وبعد أن بلغت الهروب الذي لا هروب بعده بعد آخر كومة تراب أهالتها على حفرتنا الكبيرة تلك الآلة الجبارة التي تسمونها شفل، ارتحت من هروبي؛ القبر الجماعي هو نسختنا المحلية التي حاكينا بها بدعة العرس الجماعي لعلك لا تعرف عنها شيئا” (ص 10).

وحين يطلب المؤلف منه أن يكف عن هروبه أو أن يتركه وشأنه يرد السارد الميت قائلا “سأكون نديمك سأنجيك من لعبة الأخيلة وسماجة الفكرة التي تولد لك كائنات مشوهة سأقدم لك بدلها كائنات مكتملة.. لعلك تحسدني على ميتتي قد يكون معك حق أكره ما في الموت أن تترك وحيدا في حفرة على مقاسك أما ومعك المئات في مساحة رحبة من الأرض فهذا ترف لك أن تحسدني عليه” (ص 11).

ولأن المؤلف كان بصدد أن يجعل سارده الموضوعي يتحدث عنه بحارا فإنه يبوح بمشاعره المحبطة وهو يحاول مراوغة الفراغ في هذا المونولوج “الكتب بلا خطة بلا تصميم بلا هدف لم أحصل إلا على كائنات مشوهة.. كائنات جميلة لا تحتاج سوى لمسات قليلة لكني أعجز عن فعلها”، وهنا يستغل السارد الميت/ابن زوال فرصة شعور المؤلف بالإحباط ليعرض عليه عرضا سرديا مغريا وهو أن يترجم له سيرته، قائلا “سيرتي كانت هي الاحتمال الآخر لمصيرك ذهبت أنا ونجوت أنت” (ص 12). ويطلب ابن زوال من المؤلف “انتظرني إذن في الليالي القمرية حاول التحدث عني بضمير الغائب إن استطعت.. أنت في كل الأحوال غائب ستريحني على الأقل من تقمص أناك دع التقمص لي واتبعني كما اتفقنا” (ص 14).

ويصنف المؤلف السيرة الغيرية في شكل ليال كل ليلة يلتقي صديقه الميت مسترجعا زمنا ماضيا ففي الليالي الأولى يستذكر حاله جنديا على ربية، ويصف بخيالية لا طبيعية كيف أن الموت كان يلازمه آنذاك “كان يرى قسيمات وأكفاً تطبق على رقبته ملامح كائن خارج من حكايات الجنود تبرق عيونه دون أن ينجلي شيء من حلكة الليل.. حاول الصراخ غير أن الصوت كان هو الآخر خائفا ومحتبسا في طيات الحنجرة” (ص17).

ويتضح أن اسم سارد السيرة الغيرية صفوان وأنه خرج من العراق بجواز سفر مزور وسمى نفسه مختار هاربا من الحرب ومعه خالد هارب من الحزب. ولأجل توكيد الخيالية في السرد السيري يعمد السارد إلى ترك الاسترجاع للزمن الماضي والعودة إلى زمن القصة الحاضر من خلال حوارات خارجية تجري بين السارد وصاحب السيرة الميت “تذكرت أمرا نسيته الليلة السابقة أو للدقة أنت من أبعدني عنه بقطعك السردي” أو قوله “ها أنت مرة أخرى تريد قطع السرد اتركني يا أخي وشأني. لك ما تريد” (ص 21).

وتتقارب مثل هذه المحاورات من عملية تحضير الأرواح وتزداد مع التقدم في السرد حتى إذا شارف سارد السيرة الغيرية على الانتهاء يتساءل مع نفسه في هذا المونولوج الذي فيه يبتعد السرد عن الواقعية ويدخل في الخيالية فيغدو صاحب السيرة شبحا ومترجمها مجنونا “أفكر الآن ماذا تراني فاعلا لو أنهى ابن زوال روايته وعاد إلى عالم الأرواح تعودت عليه.. من هذا الذي سيصدق هذياني لو حاولت، ماذا تريد أن تقول يا هذا؟ روح تزورك في أنصاف الليالي؟ أنا الآخر لا أؤمن بعالم الأرواح” (ص 178). وتنتهي الرواية بطريقة طبيعية وقد وصل السارد إلى اللحظة التي فيها فارق صديقه خالد الذي قرر العودة إلى بغداد بحثا عن الحنان وقبلة الأم.

مؤدى القول إن السرد غير الواقعي أو المستحيل ليس مقصوراً على النصوص السردية الخيالية إنما يمكن أن يكون في النصوص السيرية والمذكراتية أيضا التي فيها تكون العلاقة المنطقية بين السارد والمؤلف والنص والقارئ علاقة غير معتادة أو غير تشاركية، تجعل صدقيتها هشة وغير موضوعية، مما يتطلب من القراء جهدا في التفسير يمكّنهم من إدراك ما في هذه النصوص من مواقف ممكنة ومحتملة مع أنها تبدو غير معقولة أو غير حقيقية.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.