السرد والتاريخ

الأربعاء 2021/12/01
لوحة: سموقان أسعد

في الوقت الحاضر أمسى التاريخ علما من العلوم الإنسانية والاجتماعية، له مدارسه ومنهجه وقواعده وتفرعاته، في حين أنه كان التاريخ فيما مضى؛ أي قبل مرحلة ظهور المدارس التاريخية ( التاريخانية، المنهجية، الحوليات…)، عبارة عن أحداث يتم سردها من خلال ما يسمون بالإخباريين، وذلك بنقل أيام السابقين في شكل قصص وروايات، بهدف التعرف على نمط عيشهم وطرق تفكيرهم ونظمهم. يحفل التاريخ الإنساني بمجموعة من الأحداث والوقائع والطرائف واللطائف، التي تم سردها وحكيها من قبل المدونات التاريخية، ولطالما تلازمت ثنائية التاريخ والسرد، فعندما يذكر التاريخ فهو يحيل مباشرة إلى سرد أحداث قد خلت وولت.

يقال إن التاريخ هو سرد وتوال لقصص وعبر الأمم السابقة، ولعل ذلك السرد التاريخي لم يكن مجرد قصص وحكايات يتداولها الكبار ويحفظونها ليسردوها على الصغار، وإنما كانت السرديات التاريخية متضمنة لخطابات ورسائل مبطنة، وتعبر عن حدث ما أو لطيفة معينة.

لعل تلك السرديات التاريخية تحمل في كنفها، عدة رسائل وخطابات مبطنة لها أبعاد معينة. تُرى هل هناك سرديات تاريخية متعددة؟ وهل تنطوي على خطابات ورسائل لها أبعاد أم هي مجرد حكي عابر الغرض منه الدعابة والوقوف على الأطلال أم له أبعاد أخرى تتجاوز النكتة؟ وهل يمكن الحديث عن سردية تاريخية سياسية وأخرى لها علاقة بالمجتمع؟

هذه الورقة محاولة في مناقشة واستنطاق سرديات تاريخية، من المفترض أنها كانت من المسلمات وطبعت الذاكرة التاريخية مدة من الزمن، إذ يبدو أنها ليست سرديات اعتباطية وكلام يطلق على عواهله، وإنما يحمل في طياته وثناياه عدة خطابات ورسائل مشفرة. اخترنا تناول موضوع السرديات من منظور تاريخي، من خلال تقديم مجموعة من الأحداث والوقائع والشخصيات التاريخية في شكل سرديات. بالتالي فقد اعتمد في صياغة هذه الورقة على ثلاثة مناهج، وهي المنهج التاريخي والوصفي والتحليلي.

ثنائية السرد والتاريخ لا يمكن الفصل بين طرفيها، فالتاريخ في صيغته القديمة ما هو إلا سرد للأحداث والسير، إضافة إلى الذاكرة[1] التي تتقاطع والحاضن لبيضة التاريخ، فعند ذكر الذاكرة فهي تحيل مباشرة إلى الماضي، أي تُمثل وتسترجع الأحداث والأخبار التي  جرت في الأيام الخوالي خلال الحاضر.

عموما فالذاكرة تنتقي الأحداث وتتخللها عدة ثغرات، فيصعب على الدارس والباحث رصد المعقول من الأسطوري، في ظل تضارب الآراء والأخبار في الحاضر، فما بالك بأيام السابقين، على ضوء قول الشاعر معروف الرصافي في قصيدته ظلال التاريخ:

نظرنا بأمر الحاضرين فرابنا *** فكيف بأمر الغابرين نصدق[2].

لذلك يظهر أن الباحث والدارس والمهتم بحقل التاريخ، يأخذ حذره من الذاكرة لأنها انتقائية وتحريفية وتحتمل الزيادة والنقصان. بالتالي لا يعتمدها بشكل أحادي وإنما يبحث عن مصادر أخرى ليدعم نظريته.

سرديات تاريخية سياسية

بعد نهاية الخلافة الراشدة وبعد فترة من الشد والجدب بين معاوية بن أبي سفيان وجيشه من جهة وعلي بن أبي طالب وأتباعه من جهة ثانية، انتهت الحرب بين الطرفين بموت الأخير وتنصيب معاوية بن أبي سفيان خليفة للمسلمين في الأرض. عندما تمكن معاوية من العرش، صعد منبر المسجد مخاطبا الناس (الرعية) بنصحه وردّه إلى الطريق المستقيم إن زاغ عنه، فدار حوار بينه وواحد من الرعية، وذلك في “عام خمسة أربعين هجرية، كان رجل يقول لمعاوية والله لتستقيمن بنا يا معاوية، أو لنقومنك فيقول بماذا؟ فيقول بالخشب، فيقول إذن نستقيم”[3].

في هذه الواقعة التي جمعت بين واحد من الرعية وخليفة المسلمين معاوية بن أبي سفيان الأموي، والتي يبدو أنها سردية انطوت على خطاب ما بين السطور، حيث أن المحاورة جمعت بين الجانب الأخلاقي الصادق والجانب السياسي وما يصاحبه من دهاء ومكر، فالرجل أراد التدخل في أمور الخليفة، إن زاغ عن الطريق الصحيح فسيقومه بحد السيف معتبرا إياه في نفس مرتبته حتى وإن كان الخليفة، ولكن معاوية عاجله بسؤال أربكه وأرسل له إشارات تحثه على التفكير مليا فيما يقول، ليتحول الأمر إلى دعابة فعوض تقويم الخليفة بالسيف، أصبح الأمر يتعلق بالخشب.

خد مثالا آخر يورد سردية تُظهر الصراع بين الحاكم والمحكوم، “ولم تتردد هذه القبائل في مبايعته سلطانا على المغرب (بوحمارة)، لأن الناس قد ملت الفوضى التي أحدثها الفراغ السياسي، وهكذا أسس بوحمارة مملكة في المغرب الشرقي والريف، ولم يستطع المخزن[4] الشرعي إيقاف حركته”[5]. هذه سردية ثانية تفيد الصراع بين شخصية عمر بن إدريس الجيلالي الزرهوني، المكنى ببوحمارة[6]، وهو اسم قدحي أطلقته السلطة المغربية، إضافة إلى مؤرخي البلاط، كل ذلك لإرسال خطابات ورسائل للرعية على أن المدعو بوحمارة متمرد مارق شق عصا الطاعة، ويهدد وحدة البلاد والعباد بإقامته مملكة في الريف، ولذلك وجب قتاله والقضاء على حركته. ومن هنا يبدو أن السردية التي تمتلك السلطة والقوة هي من تنتصر وتسود وتقضي على كل السرديات الأخرى.

يظهر أن اسم بوحمارة طبع في الذاكرة المغربية حتى يومنا هذا، فعند ذكر اسم الرجل ينهال عليه البعض باللعنات والسباب، متهمين إياه بالعمالة للفرنسيين زمن الاستعمار، بالتالي يبدو أن السردية التاريخية الرسمية كان لها تأثير في إنسان المغرب في القرن التاسع عشر وحتى في العصر الحالي.

لا يخلوا التاريخ من سرديات تاريخية لها علاقة بالجانب السياسي، تحمل عدة أوجه وتمرر حفنة من الرسائل المشفرة، وتماشيا مع ما قيل حول صراع السلطة والقبيلة في المغرب زمن القرن التاسع عشر، يورد الناصري “ثم لما عاد إلى فاس استعد (المولى عبدالرحمان بن هشام) الاستعداد التام بقصد تدويخ المغرب وتمهيد أقطاره ولم شعته وتدراك رمقه، إذ كانت الفتنة أيام الفترة قد أحالت حاله وكسفت باله”[7].

يسرد أحمد بن خالد الناصري حالة البلاد المفككة والمتردية، نتيجة تمردات القبائل وصراعها مع السلطان، فيفيد إلى استعداد المولى عبدالرحمان بن هشام لقتال القبائل واستئصال شوكتها. حيث يقدم مجموعة من المفاهيم التي تدل على أنه جاء من أجل توحيد البلاد وإعادة الهيبة لها، من قبيل (استعد، تدويخ، تمهيد أقطاره، لم شعته…)، كل ذلك ليبرر أن السلطان على حق وتسويغ قتاله للقبائل المتمردة حسبه. لتبرز هنا سردية القلم والكتاب، أو ما يمكن تسميتها بالسردية المعرفة، إذ يسخّر الإخباريون أقلامهم لتثبيت خطاب معين عوض آخر.

سرديات تاريخية بطولية

تزخر المدونات التاريخية في العهد القديم ، بكثير من السرديات عن الأبطال ورجال تركوا بصمة في الذاكرة والتاريخ، ولا زالت قصصهم تحكى في زماننا، كالقائد القرطاجي “هانيبال” أو “حنبعل” وحروبه المعروفة ضد روما وما يصاحبها من طابع أسطوري عجائبي، إذ أنه وصل إلى عقر دار الرومان وكبدهم عدة هزائم مستعينا بفيلته وجنوده، “ولقد انطلق من قاعدته في إسبانيا، يقود جيشا اجتاز به بلاد ما هو فرنسا اليوم، عابرا عدة أنهار كبيرة، ومجتازا لجبال الألب في طريقه إلى إيطاليا، وقد سحق عددا من جيوش روما بصورة مهينة”[8]. تصف الرواية تخطيط وحنكة القائد هانيبال، الذي استطاع قطع مسافة تبدو خيالية في العهد القديم، فقد انتقل من قرطاجة (تونس حاليا) مرورا بالمغرب ومن ثم إلى إسبانيا، مجتازا جبال الألب بقساوة طقسها وجليدها، إلى أن وصل مجال روما وهزمهم، تبدو الرواية أسطورية وغرائبية تدعو دارس التاريخ إلى الوقوف عندها. ومع ذلك فقد علقت سردية وحدث هانيبال وعبوره لإيطاليا لقتال الرومان، في الذاكرة الجماعية خاصة بشمال أفريقيا، فهو يعتبر بطلا وقائدا بل وأسطورة خلدت اسمها على صفحات التاريخ.

في عهد الدولة المرابطية خلال القرن الثاني عشر للميلاد، وبالتحديد فترة حكم يوسف بن تاشفين، الذي يعتبر من أوائل حكام المرابطين، صوّرته المصادر التاريخية على أنه بطل وقائد، إذ قام بفتح الأندلس مرة ثانية والانتصار على النصارى في معركة الزلاقة[9] عام 1086 م، يسرد أحداث المعركة صاحب كتاب الحلل الموشية، “فالتحمت الفئتان واختلطت الملتان، واشتدت الكرّات، وعظمت الهجمات والحروب تدور على اللعين وتطحن رؤوس رجاله ومشاهير أبطاله، وتقذف بخيلهم عن يمينه وشماله، وتداعى الأجناد والحشم والعبيد للنزال، فأمد الله المسلمين بنصره وقذف الرعب في قلوب المشركين”[10]. يظهر أن هناك تلازما وترابطا بين سردية وحدث وقعة الزلاقة ويوسف بن تاشفين، فعند ذكر أحد الثنائيتين يحضر مدلولها التاريخي الذي يفيد هزيمة النصارى وانتصار المسلمين وفتحهم للأندلس وتوحيدها من جديد بعد فترة حكم ملوك الطوائف.

خلال القرن الخامس عشر في فترة كان فيها المغرب يعاني من تفكك الدولة المركزية، وهجمات البرتغال على البلاد واحتلالها لبعض من المدن الساحلية، بموازاة ذلك ظهرت الدولة السعدية ووقع الخصام بين الإخوة حول الحكم فاستنجد أحدهم بالبرتغال، ليساعدوه في الاستيلاء على الحكم، في هذا السياق دخلت الجيوش البرتغالية بلاد المغرب والتقت بالجيوش المغربية بقيادة أحمد المنصور السعدي، انتهت المعركة التي عرفت تاريخيا باسم “وقعة المخازن” عام 1578 م، بانتصار السعديين بقيادة أحمد المنصور، وخلدت تلك المعركة في الذاكرة الجماعية في المغرب إلى حد الآن، معتبرة أحمد المنصور رمزا وقائدا استطاع قهر الامبراطورية البرتغالية آنذاك.

سرديات تاريخية مقدسة

لوحة: سموقان أسعد
لوحة: سموقان أسعد

المتعارف عليه فيما يتعلق بالجانب الديني والعقدي هناك مجموعة من الثوابت، والمسلّمات التي يبدو أنها لم تنل بحثا ونبشا كبيرين، وتعتبر مجالا لا يحق بل ولا يجب الخوض فيه لعدة محاذير.

خذ مثالا على ذلك فأغلب الدراسات والأبحاث والكتابات والمدونات التاريخية، تفيد إلى أن الديانة المسيحية كان مهدها في فلسطين، وهذا هو الشائع والسائد، لكن هناك من كسر هذه السردية التاريخية المقدسة، معتبرا أن موطن نشأة وولادة المسيح عيسى بن مريم، كان بمنطقة نجران بالبلاد اليمنية، وهي سردية قدمها فاضل الربيعي في كتابه المسمّى “المسيح العربي”، إذ يشير “والنصرانية ديانة عربية ظهرت في أرض العرب (نجران)، وليس في أيّ مكان آخر، وهي مثلها مثل اليهودية، دين عربي دانت به شعوب وقبائل عربية”[11].

يبدو أن فاضل الربيعي أعطى سردية معاكسة ومختلفة عن السردية المتعارف عليها، من خلال روايته تلك التي يقول فيها إن المسيحية دين عربي خالص، وليس منشأها الإمبراطورية البيزنطية، كما يزعم المستشرقون بذلك الذين يفيدون أن البيزنطيين هم من نشروها في منطقة شبه الجزيرة العربية. ويضيف الربيعي مؤكدا فرضيته حول عربية الديانة المسيحية، إذ يفند الآراء والمعتقدات القائلة بأن مهد المسيح وولادته ببيت لحم في فلسطين، “هذا يعني أن معارف العرب القدماء، وهي معارف راسبة في ثقافة ووعي المجتمع لنفسه وتاريخه وقصصه وأساطيره وطقوسه، تؤكد أن النصرانية الأولى ولدت في نجران وليس في فلسطين. أما المسيحية في صورتها الراهنة فهي مسيحية بولس الرسول التي ولدت في فلسطين”[12].

هنا قلب صاحب كتاب “المسيح العربي” الذاكرة التاريخية المقدسة، حيث أشار إلى أن النصرانية أو المسيحية لم تكن بفلسطين، ولكن موطنها الأصلي هو نجران، معتمدا على المدونات التاريخية وعلى الطبيعة والمناخ والأركيولوجيا، مفسرا الآية القرآنية “وهزي إليك بجذع النخلة”، حيث أن النخيل مرتبط بالطبيعة والمناخ الصحراوي. بالتالي يظهر أن فاضل الربيعي قدم سردية تاريخية مقدسة، تخالف السردية المتعارف عليها والمترسخة في الذاكرة التاريخية العربية.

استرسالا للسرديات المقدسة في التاريخ، في أواخر القرن الثاني عشر برزت دعوة أُشيعت بين الناس حول ظهور المهدي المنتظر، إذ ادعى المهدي بن تومرت المهدوية وتبعه خلق كثير في ذاك الزمن. وقد زعم ابن تومرت أنه يكلم الموتى، إضافة إلى امتلاكه مجموعة من الخوارق والمعجزات، إذ “أخذ قوما من أتباعه ودفنهم أحياء وجعل لكل واحد منهم متنفسا في قبره وقال لهم: إذا سُئلتم فقولوا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا من مضاعفات الثواب على جهاد لمتونة وعلوّ الدرجات التي نلنا بالشهادة فجدّوا في جهاد عدوكم، فإن ما دعاكم إليه الإمام المهدي صاحبكم حق”[13].

في سبيل إنجاح دعوته التي كانت في ظاهرها دينية، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح أحوال البلاد والعباد، قام ابن تومرت بصياغة سردية المهدوية، من خلال تكليم الموتى والعديد من الكرامات والخوارق، كل ذلك من أجل أن يجمع المزيد من الأتباع والمريدين، بهدف قتال المرابطين الذين زاغوا عن صحيح الملة والدين وملأوا الدنيا جورا وظلما (حسب ابن تومرت).

يظهر أن هذه السردية الدينية كان لها قع في تحديد مسار التاريخ آنذاك، رغم قضاء (موت) المهدي بن تومرت في معركة البحيرة[14]، إلا أن أتباعه استمروا في صراعهم مع المرابطين إلى أن تمكنوا من السيطرة على العاصمة مراكش، معلنين بذلك قيام دولة الموحدين. يبدو أن السردية التاريخية الدينية كانت عاملا ساهم في قيام دولة الموحدين، من خلال اعتماد الدعوة الموحدية.

سرديات تاريخية اجتماعية

تتسم البشرية بذاكرة تحفظ وقائع وأحداث الماضي، سواء كانت تلك الأخبار والسير يطغى عليها البؤس أو الفرح، فإنها تترسخ في ذاكرة الناس وتصبح ذاكرة جماعية، فتحظر الذكرى السيئة عند وقوع حدث سيء في حاضر الإنسان، كشكل من الإسقاط، وتحفل الذاكرة المغربية بالعديد من الذكريات المحزنة والانتكاسات التي لا زالت تبعث مع كل نكبة وكبوة.

لا زال العديد من السرديات في الزمن الراهن داخل أوساط المجتمع المغربي، يعاد ذكره واسترجاعه من خلال الذاكرة التاريخية، على الرغم من أن الذاكرة متغيرة وغير ثابتة وقابلة للزيادة والنقصان والتحريف – كما ذكر سابقا -. بالتالي فهي سيف ذو حدين وخاصة في علاقتها بالتاريخ، حيث تبدو مسألة الكتابة التاريخية باعتماد الذاكرة (الرواية الشفهية أو الشفوية) عسيرة ومحفوفة بالمخاطر، كحاطب الليل في الغابة لا يخبر الغصن من الحية. قد تتسرب إلى الذاكرة مجموعة من الأحداث والأفكار من نسج الخيال، فتصبح بذلك كشيء من الأسطورة والخرافة.

خلال القرن التاسع عشر عانت بلاد المغرب الأقصى، من أزمات وكوراث طبيعية عصفت بالبشر والشجر وتركت الحجر، فهناك مجموعة من السرديات التاريخية العالقة بالذاكرة الجمعية للإنسان المغربي، خاصة أحداث البؤس والقلة والجوع، فيما يسمى عند المغاربة “بعام الجوع” و”بوكليب”[15] و”بونتاف” وغيرها من التسميات التي لها دلالة وحضور حتى اللحظة في الذاكرة الجماعية.

يقول محمد الأمين البزاز في القرن التاسع عشر شهد المغرب، الكثير من الكوارث الطبيعية (أوبئة، مجاعات، جفاف…)، حيث يفيد في هذا الصدد “فشا الطاعون بالمغرب أول ما ظهر بقبيلة لوداية حتى فني من شاء الله بمحلتهم، ودخل القصبة وفاس الجديدة منتهى جمادى الثانية عام ثلاث عشرة ومائتين وألف (9 دجنبر 1798)، حتى تحيرت الناس وفتنوا (كذا) الأغنياء من كثرة الموتى وجعلت الناس ترمي كواشط الموتى وحوايج لباسهم بين الطرق”[16]. يسرد البزاز عينة من الجوائع التي ضربت البلاد والعباد خلال الفترة المذكورة، حيث تبين السردية حالة الرعب والخوف والهلع التي سادت في أوساط المجتمع، عند زيارة ذاك الضيف غير المرغوب به (الطاعون)، لأنه كان يحصد العديد من الأرواح من مختلف الأعمار ولا يستثني أحدا.

ولكن الفاجعة التي لا نزال راسخة في ذاكرة والوعي الجمعي للمغاربة، هي سنة 1945، أو ما يعرف تاريخيا “بعام الجوع”، “وتبقى مجاعة عام 1945 هي الأخطر على الإطلاق في تاريخ المغرب، من انعدام الأقوات وقلة ما يقيهم العوز من الطعام اتجه المغاربة إلى البحث عما يمكن تسميته بمواد التعويض، فانتشروا في مناكب الأرض بحثا عما يسد العوز من الأعشاب في غياب القمح أو نباتات الحضارة[17]، وتقاطروا من كل حدب وصوب لحفر جذور نبتة ‘إيرني’، حيث كانت تغسل وتجفف تحت أشعة الشمس، ثم تطحن لاستخراج نوع من الطحين يمزج بقليل من طحين الدقيق، بل وأحيانا أخرى يتم عجن وطبخ ‘ايرني‘[18] كخبز يباع في الأسواق”[19].

هذه سردية أخرى تصور الجو القاتم لأحوال البلاد والعباد في المغرب، إذ من كثرة الجوع وندرة الغذاء؛ نتيجة إمساك السماء عن الغيث وهجمات الجراد، شاعت المجاعة بين الناس وجعلتهم يبحثون عن جذور النباتات، وانتشارهم في الأقطار بحثا عن الأعشاب ليسدّوا بها رمقهم وجوعهم، كما أن هناك روايات وسرديات تاريخية تورد إلى أن المغاربة طاردوا القنافد والطيور وأكلوا الجيفة والجراد. وكان العامة أمام هذا الوضع القاتم، لا يجدون تعليلا لما يقع من آفات، فقد اعتبروها “كنوع من عقاب إلهي وإشارة على نهاية العالم”[20].

عموما يبدو أن ما قيل من ممارسات نتيجة الجوع في الأزمنة الغابرة، لا تزال حاضرة في الذاكرة التاريخية المغربية اليوم، وتتجسد على أرض الواقع، فهناك مجموعة من الوجبات التي لها روابط مع عام الجوع، “كالبقولة” وهي وجبة من النباتات التي يتم التقاطها من الحقول، زد على ذلك الطقس الديني المستمر والمتمثل في صلاة الاستسقاء، التي تقام حتى في الزمن الحاضر عندما تمسك السماء عن المطر ومعها بعض الطقوس والممارسات القديمة التي تعود إلى الأمازيع، مثل طقسي “التاغنجا”[21] و”تاسليت أنزار”[22].

خلاصة القول، يبدو التاريخ والسرد متلازمان ومرتبطان بشكل وثيق، فالتاريخ هو تلة من الأحداث والوقائع والظواهر المرتبطة بالزمن والمكان والإنسان، والسردية تحمل معاني ودلالات وفق تتابع وتسلسل زمني لتقديم حدث أو واقعة في قالب قصصي قد يكون واقعيا أو خياليا.

يحفل التاريخ بالكثير من السرديات المختلفة (سياسية، دينية، اجتماعية…)، التي حملت في طياتها وثناياها، مجموعة من الخطابات والرسائل، ولم تكن مجرد سرديات تطلق جزافا، حيث تقوم السرديات التاريخية السياسية في توجيه العامة، حتى تحصل على الشرعية المطلوبة أو إخضاعها بخطابات وسرديات غير مباشرة. كما تزخر كتب التاريخ بالعديد من السرديات التي تحكي قصص الأبطال، الذين تم تخليد أسمائهم، أو شخصيات كان لهم دور في انتصارات مفصلية في التاريخ. ويبدو أن بعض السرديات المقدسة قد تم تفنيدها من قبل بعض الباحثين، كما كانت تنطوي أخرى على أهداف سياسية، كالدعوة التومرتية التي تأسست على إثرها الدولة الموحدية.

يظهر أن السرديات التاريخية تستمر، لأنها ترتبط وتحفظ في الذاكرة فيتم استرجاعها تلقائيا مع كل حادثة مشابهة، وخير دليل على ذلك مجاعة 1945 التي ضربت المغرب، وخلفت الكثير من البؤس والمعاناة خاصة لعامة الناس، ولا زال ذاك الحدث يحضر بين الفينة والأخرى في الوقت الحالي، بل أكثر من ذلك مازالت هناك ممارسات يتم تداولها، من خلال التعامل مع الطعام، حيث إن وجد أحدهم كسرة خبز في الطريق يقوم بتقبيلها ويضعها في مكان عال أو يخبئها في موضع معين، وهذا يفسر تأثير السريات التاريخية على الذاكرة الجماعية.

 

مصادر ومراجع

• ابن خالد الناصري أحمد، الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى، (تحقيق وتعليق، جعفر الناصري ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، الجزء التاسع، 1997).

• ابن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، دار المنصور للطباعة  والوراقة، الرباط، 1972.

• مؤلف أندلسي من أهل القرن الثامن الهجري، الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، تحقيق سهيل زكار وعبدالقادر زمامة، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1979.

المراجع:

     العربية

• الخلوفي محمد الصغير، بوحمارة من الجهاد إلى التآمر، المغرب الشرقي والريف من 1990 إلى 1909، دراسة ووثائق، دار نشر المعرفة، الرباط-المغرب، 1993.

• أسد الله صفا محمد، هانيبال، دار النفائس، الطبعة الأولى، 1987. • البزاز محمد الأمين، تاريخ المجاعات والأوبئة بالمغرب في القرنين 18 و19، منشورات كلية الآداب والعلوم والإنسانية، سلسلة رسائل وأطروحات رقم 18، جامعة محمد الخامس، الرباط، 1992.

• الربيعي فاضل، المسيح العربي النصرانية في الجزيرة العربية والصراع البيزنطي-الفارسي، رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى 2009. • فودة فرج، الحقيقة الغائبة، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الثالثة 1988.

• ناصر هشام، قصص مرعبة فوق الخيال من عام الجوع في المغرب، أنفاس بريس، مجلة إلكترونية، تاريخ التصفح السبت 29 دجنبر 2018.

     الأجنبية

• Braudel Fernand, The structures of everyday life, Vol 1, Translation by Sian Reynolds, New york, 1985.

• Khiari Farid. Au Maghreb, pestes et famines contre les hommes : un combat inégal, Revue d’histoire moderne et

contemporaine, Persée, tome 39, 1992. [1] الذاكرة والتاريخ: أنظر كتاب التاريخ والذاكرة لجاك لوغوف، ترجمة جمال شحيد (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات).

[2] أنظر معروف الرصافي، ظلال التاريخ.

[3] فرج فودة، الحقيقة الغائبة، (دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الثالثة 1988)، ص 75.

[4] المخزن: هو مصطلح له دلالة خاصة في العربية المغربية، ويُصطلح به النخبة الحاكمة في المغرب التي تمحورت حول الملك أو السلطان سابقا. ويتألف المخزن من النظام الملكي والأعيان وملاك الأراضي، وزعماء القبائل وكبار العسكريين، ومدراء الأمن ورؤسائه، وغيرهم من أعضاء المؤسسة التنفيذية.

[5] محمد الصغير الخلوفي، بوحمارة من الجهاد إلى التآمر، المغرب الشرقي والريف من 1990 إلى 1909، (دراسة ووثائق، دار نشر المعرفة، الرباط-المغرب، 1993)، ص: 29.

[6] بوحمارة: وهو عمر بن إدريس الجيلالي بن إدريس محمد اليوسفي الزرهوني، ولد سنة 1860 كان معارضا للمخزن حيث استولى على المنطقة الشرقية من المغرب، توفي في سنة 1909 بعد هزيمته أمام السلطة المركزية.

[7] أحمد الناصري، الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى،  (تحقيق وتعليق، جعفر الناصري ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، الجزء التاسع، 1997)، ص: 9.

[8] محمد أسد الله صفا، هانيبال، (دار النفائس، الطبعة الأولى، 1987)، ص: 18.

[9] معركة الزلاقة: وقعت المعركة عام 1086 م، بين جيش الدولة المرابطية بقيادة يوسف بن تاشفين ضد جيش قشتالة وليون بقيادة ألفونسو السادس، انتهت الوقعة لصالح المرابطين وسيطرتهم على الأندلس.

[10] مؤلف أندلسي من أهل القرن الثامن الهجري، الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، (تحقيق سهيل زكار وعبد القادر زمامة، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1979)، ص: 61.

[11] فاضل الربيعي، المسيح العربي النصرانية في الجزيرة العربية والصراع البيزنطي – الفارسي، (رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى 2009)، ص 57.

[12] نفسه، ص: 79.

[13] ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، (دار المنصور للطباعة  والوراقة، الرباط، 1972)، ص 182.

[14] معركة البحيرة: وقعت سنة 524هـ /1130 م بين أتباع مدعي المهدية محمد بن تومرت ويلقبون أنفسهم بالموحدين، وبين الدولة المرابطية وانتهت المعركة بهزيمة الموحدين ومقتل المهدي بن تومرت.

[15] بوكليب (كوليرا سنة 1834): يعني في الدارجة المغربية الشخص الذي يتقلب، فمثلا يقال تقلب فلان في فراشه، أي لم يغمض له جفن، ولكن المصاب ببوكليب كان يتقلب ويتلوى من شدة المرض، ليفارق الحياة بعد فترة قصيرة.

[16] محمد الأمين البزاز، تاريخ المجاعات والأوبئة بالمغرب في القرنين 18 و19، (منشورات كلية الآداب والعلوم والإنسانية، سلسلة رسائل وأطروحات رقم 18، جامعة محمد الخامس، الرباط، 1992)، ص: 90.

[17] Braudel Fernand, The structures of everyday life, Vol 1, Translation by Sian Reynolds, (New york, 1985), P 107.

[18] إيرني: نبتة تنتشر في الحقول كان المغاربة في عام الجوع يأكلونها نتيجة المجاعة وندرة القوت.

[19] هشام ناصر، قصص مرعبة فوق الخيال من عام الجوع في المغرب، (أنفاس بريس، مجلة إلكترونية، تاريخ التصفح السبت 29 دجنبر 2018).

[20] Khiari Farid. Au Maghreb, pestes et famines contre les hommes : un combat inégal, (Revue d’histoire moderne et

contemporaine, Persée, tome 39, 1992), P 8. [21] تاغنجا: من بين الطقوس التي كانت تعرفها جل مناطق المغرب خاصة عند تأخر هطول المطر، ويقال إنها طقس يعود للأمازيع، تتخذ تاغنجا شكل الدمية، ويحملها الأهالي ويرددون “تاغنجا، تاغنجا يا ربي تصب الشتا”.

[22] والتي تعني عروس المطر، إذ يتم انتقاء أجمل فتاة في القبيلة أو البادية، ويتم تزيينها باللباس والحلي وكل أساسيات الزينة، حتى تصبح في أجمل صورة وحلة، بعد ذلك تخرج في موكب ترأسه النساء، بغرض تقديم الفتاة كزوجة لإله المطر “أنزار”، لكي يرضى عنهم ويُنزل الغيث.

 

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.