العالم البديل، بين الطوباويّة والواقع

الجمعة 2022/07/01
لوحة: فؤاد حمدي

في هذا الظرف الذي مرّ فيه العالم بجائحة عطلت كل شيء، وأعادت الإنسان إلى مخاوف انقراضه تمامًا، وزوال وجوده على الأرض، والذي يشهد اليوم حربا طاحنة تتجاوز الرقعة الجغرافية لروسيا وأوكرانيا وتمسّ العالم كله، ليس من جهة خطر انعدام الغذاء واستشراء الجوع في العالم فحسب، وإنما أيضا من جهة خطر الإبادة بالسلاح النووي الذي يلوّح به الرئيسي الروسي فلاديمير بوتين، يبدو الحديث عن عالم آخر، أي وجه مغاير لهذا العالم الذي نحن فيه، نوعًا من الترف الفكري.

بعد نهاية الاشتراكية الفعلية ونهاية الحرب الباردة، ساد الظن بأن فكرة الانعتاق والتغيير الإرادي الناجم عن عمل مشترك يوجهه مشروع سياسي عملية باطلة لا جدوى من ورائها. فقد جعل أفق “رأسمالية بلا منافس”، بعبارة عالم الاقتصاد الأميركي برانكو ميلانوفيتش، مفهوم التحول الاجتماعي نفسه غير قابل للتصور، إذ حوّل المذهب النيوليبرالي الناشطين الاجتماعيين إلى مشتغلين بذواتهم، غائبين عن سيرورة العالم وبؤس الآخرين، ما جعل مارغريت ثاتشر تقول قولتها الشهيرة “لا يوجد بديل” (There Is No Alternative). أو قول المحللين ساعتها: إن لم يوجد بديل ممكن، فكل البدائل المتهافتة ممكنة، وبذلك يغذي شبح الكارثة القعود الجماعي عن إتيان أي شيء.

ما العمل إذا لاحظنا أن فرضية الكارثة الاجتماعية والإيكولوجية القادمة لا تني تتعزز يوما بعد يوم؟ ماذا نفعل حين نراهن على المستقبل والحال أنه لا يفتأ ينفلت منّا انفلات الماء من بين فروج الأصابع؟ لقد شغل التشوف إلى المستقبل واعتبار تغيير الواقع من الممكنات المفكرين من قديم الأزمنة، ولكنهما ازدادا حضورا بظهور الرأسمالية الحديثة التي تروّج لفكرة “إدارة الممكن” عبر المسح والمعاينة والإحصاء والتنمية الذاتية، وأصبحا في صميم مشاغل النشاط الفكري.

في كتاب “أفق الممكن. كيف نفكر في ما يمكن أن يحدث لنا”، يحلل عالم الاجتماع لوران جانبيير والمفكرة هود غيغين الكيفية التي تناول بها ماركس الممكن، وكذلك ماكس فيبر الذي ننسى أحيانا أنه جعل من اللاممكن – كعلامة لإيثيقا الاقتناع – شرطا لبلوغ مستقبل أكثر واقعية من ذلك الذي يتوق إليه أصحاب إيثيقا المسؤولية. والمعروف أن فيبر كان له أثر كبير في فكرة الممكن حيث حوّلها من العالم الواقعي إلى طرائق المعرفة في العلوم الاجتماعية، حيث صار الممكن فكرة، و”جدول تفكير” أو “قدرة تخييل” بعبارة عالم الاجتماع الأميركي تشارلز رايت ميلز، يتمتع بها ويمارسها الباحثون.

لوحة: فؤاد حمدي
لوحة: فؤاد حمدي

يلاحظ المؤلفان في بداية مصنّفهما أن العلاقة التي نقيمها مع الممكن تكشف عن صعوبات تحويل المجتمع تحويلا عميقا، ذلك أن الممكن، الذي تتحمّس له الرأسمالية في شكل قوة كامنة، ويخلط الذين يواجهونه بالبدائل بينه وبينه المرغوب فيه، ليس في نظر بعضهم سوى حلم، أو حاجز مصير. كما يلاحظان أن القرن الماضي فصل بين اليوتوبيا وعلوم المجتمع والنقد الاجتماعي والانعتاق، وغالبا ما جعلت متواجهة فيما بينها، والحال أنها تبدو موحّدة لدى الاشتراكيين الثوريين. والغاية الآن هي إعادة جمعها لتهيئة شروط الأمل، وهذا في حدّ ذاته ترياقٌ يتوسل بالمعرفة والسياسة في الوقت نفسه لعلاج عجز النقد وقوى اليسار.

لقد اكتفى ذلك النقد اليساري بخطابات معادية للنيوليبرالية لم تأت أكلها ولم يكن لها الأثر المنشود، لكونها خطابية بلاغية أكثر من كونها تحليلية عملية؛ والسبب أن الشعور بالانطواء وإيثار النفس فاقا أفق الحركة، حيث غالبا ما يقنع مناهضو ذلك الوضع بالقول إن عالما آخر ممكن، دون أن يطرحوا البديل، لأنهم لا يملكون في الغالب أدوات تسمح لهم باستكشاف فضاء الممكنات الكامنة.

استند المؤلفان إلى النظرية النقدية، وحاولا تكييفها مع إكراهات الوضع الراهن، ولاحظا أن الشكل الحالي للرّأسمالية يقود الناشطين إلى تبني أفق راهنيّ présentiste (لا يرى إلا اللحظة الراهنة)؛ وأن مفهوم “لا مستقبل” استَبْطنه أولئك الذين يعانون أكثر من سواهم من التحولات الاقتصادية. وفي أفق اتسم بزوال السحر عن العالم، ساهمت العلوم الاجتماعية في تلاشي معنى الممكن، إذ تردى إلى ضرورة ربطه بمعنى الواقع.

يتساءل المؤلفان “كيف نصنع من هذه المعرفة الجديدة الهشة سلاحا للفكر النقدي، ومفتاحا محتملا لعمل جديد يكون عامل تغيير وتحرير؟ ذلك أن الأفق التحريري الذي يقع التعبير عنه في المعجم التقليدي لليسار الراديكالي لا يشتمل على الإشارة المضاعفة لهشاشة المعرفة المنتَجة ولا للطبيعة غير الثابتة لقدرات مفاتيح الأقفال النقدية. ومن ثَمّ فإن إعادة التسلّح النظري التي يقترحها الكتاب تندرج في ما يمكن تسميته بالواقعية التي لا يمكن غضّ النظر عنها، والتي تروّج لها العلوم الاجتماعية بإبراز التحديدات التي تحرّكنا والاحتمال الذي يضفي الشك على سائر أفعالنا، خصوصا لأنّها معرّضة دائما إلى الحياد عن مسارها المرسوم، أو أنّ لها بالضرورة عواقب غير متوقّعة، حسب تعريف عالم الاجتماع الأميركي روبرت كينغ ميرتون، أو ما يسميه بورديو “سياسة العقل الواقعية”.

يستقرئ المؤلفان صفحات من تاريخ الأفكار، لأعلام سابقين من أرسطو إلى لوكاتش، مرورا بماركس وماكس فيبر وكارل مانهايم وإرنست بلوخ، ويستحضران النظرية النقدية على ضوء ما تضفيه على البحث في الممكنات. ولئن وقع استدعاء بيير بورديو وبرونو كارسنتي ولوك بولتانسكي وبرونو لاتور، فإن مدرسة فرانكفورت كانت حاضرة حضورا مميزا، كحاضنة هامّة للفكر النقدي لا يمكن تجاوزها.

وككل مفهوم، لا يزال التعريف المشروع للممكن محل تجاذبات، وقد بني انطلاقا من سلسلة من المفاهيم المضادة كالمستحيل والواقعي والضروري والراهن، غير أن تمفصله مع أضداده يخضع لتنوعات هامة: في أفضل الحالات الممكنة، لا تحمل فكرة الممكن في الكتلة الصّماء للتعريفات أيّ معنى، ولا يكون لها وجود إلا إذا تمّ النظر إليها في فضاء الممكنات، كما بنتها الفينومينولوجيا، وكما استعملها ميرلو بونتي وبورديو في تصور آخر مخالف نوعًا ما.

وإذا كان بورديو يرى في الاختيار وهمًا، ويبين في الوقت ذاته أن الهابيتوس (طريقة انتماء الفرد إلى المجموعة) لا يعدم إرادة فعل ولا خَلقا، فإن ماركس يتناول مفهوم الممكن في حالتين، الأولى في نطاق تحليل لتقابل العمل ورأس المال، حيث لا يمكن أن تحقق صورة العامل الحرّ، بوصفه قوة عمل مجردة، إلا عبر آخَر لها. والثانية تتمثل في ظروف ظهور حركة ثورية، حيث يقيم ماركس تصوره على المفهوم الهيغلي للتاريخ بوصفه سيرورة يظهر فيها الممكن كبعد للواقع، كما يدلّ على ذلك مبدأ “الإمكان الواقعيّ”. فهو مسار تاريخي يعمل على حلّ الوضع الراهن للأشياء ويجعل الممكن هو الوضع الواقعي الجديد. وعلى أيّ حال، فإن الحتمية التاريخية تهيئ لمفهوم الممكن: إن كان الممكن الواقعي هو الممكن الوحيد، إذن لم يعد ثمة إمكانية لممكن. فالتاريخ ينثني في مسار خطي يخالف تحاليل المسارات في علم الاجتماع المعاصر، التي تضع في حسبانها الحوادث والاحتمالات دون الخضوع إلى مضادات التوجيه: يمكن أن نذكر في هذا المجال أشغال عالم الاجتماع الأميركي أندرو أبّوت وكان قد نظر فيها إلى التاريخ كتشابك خطوط بدل سيرورة واحدة لخط يمضي باستمرار. ولذلك سمح تجاوز الماركسية الذي اقترحه كرنليوس كاستورياديس بإعادة إقرار مفهوم الممكن، ومشروعية اليوتوبيا في وجه من الوجوه.

إريك أولين رايت - في الربط بين اليوتوبيا والواقع أفق الممكن إمكانية خلق بدائل حتى داخل المجتمع الرأسمالي
إريك أولين رايت - في الربط بين اليوتوبيا والواقع أفق الممكن إمكانية خلق بدائل حتى داخل المجتمع الرأسمالي

 

لوران جانبيير - الشكل الحالي للرّأسمالية يقود الناشطين إلى تبني أفق راهنيّ
لوران جانبيير - الشكل الحالي للرّأسمالية يقود الناشطين إلى تبني أفق راهنيّ

 

برانكو ميلانوفيتش - أفق رأسمالية بلا منافس جعل مفهوم التحول الاجتماعي غير قابل للتصور
برانكو ميلانوفيتش - أفق رأسمالية بلا منافس جعل مفهوم التحول الاجتماعي غير قابل للتصور

 

تشارلز رايت ميلز - الممكن هو جدول تفكير أو قدرة تخييل
أوليفيي روا - المسيحية تخلت عن معناها الديني لتصبح علامات تراثية

 

أفق الممكن
مايكل سندل - سلطة الدولة صار ينظر إليه كنخب مجتثة من جذورها

 

أما التصور الفيبري لممكن موضوعي فقد ورد في المحاولات اللاحقة لإعادة بناء الماركسية، كما يتبدى في فكر لوكاتش، حيث قام المفكر المجري بإخراج الممكن الموضوعي من إطاره الإبستيمولوجي، وتطبيقه على السياسي، ولمّح إلى خلط ماركس بين النظرية والتاريخ. وصار في الإمكان أن نفكّر في الممكن الموضوعي كأداة معرفية سياسية تتيح تحديد ظروف العمل الثوري. ورغم أن لوكاتش لم يكن راضيا تماما عن هذه المقاربة النظرية، فإنها سمحت لإرنست بلوخ بالتخلصِ من المفهوم السلبي تماما لليوتوبيا بوصفها خللا علميا في الحركة الاشتراكية، ودمجِها في فضاء الممكنات. بينما عمل كارل مانهايم على إعادة الاعتبار لليوتوبيا في الفكر الماركسي، ولكن مع الإشارة إلى هشاشته، حيث توجد علاقة بين الآمال الذاتية والحركات الاجتماعية الواقعية التي تهدف إلى التغيير. بخلاف عالم الاجتماع الأميركي الماركسي إريك أولين رايت الذي رأى في الربط بين اليوتوبيا والواقع إمكانية خلق بدائل حتى داخل المجتمع الرأسمالي، فالواقعية الطوباوية في اعتقاده تفرض أن تقيم قابلية حياة كل مشروع بصفة عقلانية، وأن تقاس ظروف إمكانية تحققها بدقة. وفي رأيه أن قدرة التغيير الخاصة بكل طوباوية واقعية ينبغي البحث عنها في المثالية (إقامة الدليل على أن عالما آخر ممكن داخل العالم العادي) بدل البحث عنها في التحولات الفعلية للرأسمالية.

وصفوة القول إن كتاب “أفق الممكن. كيف نفكر في ما يمكن أن يحدث لنا” يفتح الباب أمام نظرية نقدية جديدة، تعقب نظرية مدرسة فرانكفورت. ومن عبث التاريخ أن يصدر هذا الكتاب قبيل غزو روسيا لأوكرانيا، وهو من الممكنات التي لم يتوقع أحد أنه ممكن، رغم أن مؤشرات كثيرة كانت تفيد بإمكانية حدوثه.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.