المتخيل السردي

رواية إسماعيل فهد إسماعيل "على عهدة حنظلة"
الاثنين 2024/01/01

تشكل ذاكرة اللجوء، وما تستدعيه من مفاهيم مثل: هاجس الهوية وحق العودة وتاريخ النكبة، عماد السرد في أدبيات القضية الفلسطينية، سواء تلك المكتوبة بأيدي أصحاب القضية نفسها أو تلك المكتوبة بأقلام عربية داعمة لها؛ حيث تمثل القضية الفلسطينية المصيرية ومأساة الفلسطينيين المستمرة رافدا تاريخيا ينهل منه المؤلفون العرب عموما صورا تعبيرية تجسد رؤيتهم للحق الفلسطيني.

مع اختلاف المساحات النصية المتاحة لفعل التخييل، تتنوع مقاربات الكتّاب للقضية عموما ما بين الحث على المقاومة وضرورة الكفاح المسلح وإدانة أوضاع فلسطينيّي الداخل وتمثيل معاناة اللاجئين في دول الشتات، وبين الالتزام بتوريث الحكاية للأجيال الجديدة وتوثيق أحداث التنكيل التي جرت عام 1948 وبعدها وإحياء الرموز الفلسطينية، الأدبية والتاريخية والتي تشكل بذاتها سلاحا في وجه المعتدي وشاهدا على صلابة الهوية.

وقد تنوعت أساليب الأدباء وطرائق سردهم لتأريخ القضية وتحولاتها، فمنهم من عالجها في قصص قصيرة ومنهم من استحضرها في نص روائي طويل أو آخر قصير، ومنهم من وثقّها في سير ذاتية أو غيرية، وغيرها من أجناس أدبية اشتغل عليها روائيون فلسطينيون بارزون مثل: غسان كنفاني وإميل حبيبي وسحر خليفة وغيرهم، وآخرون مناصرون للقضية من خارج فلسطين مثل: رضوى عاشور وإسماعيل فهد إسماعيل وغيرهما، لإثارة تساؤلاتهم الشائكة حول موضوع فلسطين ووضعها أمام الضمير العربي والمسؤولية الدولية. فنسجوا بأقلامهم مدونات أدبية استثنائية تمزج الواقعي بالمتخيل، وتضفر التاريخي بالسردي، وتجمع الثقافي بالإنساني، لإنتاج ملحمة فلسطينية تطرح تفاصيل النكبة وما ترتب عليها من تهجير قسري وانتهاك صهيوني وشتات فلسطيني، وتعزز الرواية المقاومِة التي تفسح المجال لأصوات الضحايا الفلسطينيين وتؤكد حق تمكنيهم من الوطن وتحقيق العودة إليه، لتصبح تلك النصوص إحدى سبل الرد بالكتابة وإعادة حقيقة التاريخ الذي زيفه الاحتلال الصهيوني.

تندرج رواية “على عهدة حنظلة” (2017) للكاتب الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل (1940- 2017)  ضمن النوع الأدبي المعروف بـ”السيرة الغيرية” بوصفها قالبا من قوالب التجريب الروائي الذي يجمع بين المرجعية التاريخية والمتخيل السردي ويقوم على انتقائية الحقائق وإعادة تشكيلها تشكيلا فنيا، وفيها يؤرخ الكاتب لسيرة حياة رسام الكاريكاتير الفلسطيني المعروف ناجي العلي الذي اغتيل في لندن عام 1987، ويستحضر شخصيته الكاريكاتيرية الشهيرة “حنظلة”، ذلك الكائن الافتراضي الذي يحاور مبتكره فيسترجع معه تفاصيل الماضي بداية من قرية الشجرة ومخيم عين الحلوة وحتى وصوله إلى الكويت ثم لندن، ويحكي له عن زائريه الحاضرين بالمشفى اللندني الذي يرقد داخله، في محاولة لحثّه على الإفاقة من غيبوبته واسترداد الوعي.

كتب

هذه الحوارات، التي تقوم عليها بنية الرواية، تكشف للقارئ محطات من تاريخ حياة ناجي العلي وقصة اغتياله، مثلما تضيء له – في الوقت ذاته – جوانب عديدة من القضية الفلسطينية ومشكلات الترحيل والشتات واللجوء والمقاومة وغيرها من قضايا ارتبطت بواقع فلسطينيّي الداخل والخارج منذ نكبة 1948؛ حيث استطاع الكاتب، عبر استحضار شخصيات مرجعية عديدة تربطها علاقات صداقة مع الفنان ناجي العلي، أبرزها: إميل حبيبي وغسان كنفاني وغانم النجار وأحمد الربعي ومحمد جاسم الصقر، أن يمزج بين الهم الفلسطيني – العربي العام والأزمة الخاصة للشخصية المُتحدث عنها، دامجا بين المجالين: التوثيقي والجمالي، ليشكل الكاتب بذلك، كما وصفته الكاتبة العمانية منى بنت حبراس، ظاهرة روائية خاصة، ليس بسبب إنتاجه الروائي الغزير فحسب، ولكن لإخلاصه الفريد للقضية الفلسطينية في عددٍ كبير من رواياته، منوعًا حضورها ما بين موضوعٍ رئيس تارة وموضوعٍ ثانوي تارة أخرى.

ولا ينفصل هذا الحضور عن خلفيته الأيديولوجية التي يصدر عنها، بالإضافة إلى أسباب احتكاكه المباشر بتحولات القضية الفلسطينية في أكثر من قطر عربي أقام فيه، كما لازم طوال مراحل حياته عددًا من الشخصيات الفلسطينية، لاسيما أولئك الذين أقاموا في الكويت زمنًا، أو ممن التقاهم في الشتات؛ الأمر الذي جعله متبنيًا للقضية الفلسطينية، لا على المستوى الشخصي والإنساني فحسب، ولكن على المستوى الفني كذلك. يُضاف إلى ما سبق، أن الكويت مثلّت منذ المرحلة القومية حتى ما قبل الغزو العراقي (1990) وجهة جاذبة للفلسطينيين، شكلوا فيها ثالث أكبر جالية في الشتات الفلسطيني، كما شكّل وجودهم هناك عنصرا ثريا في المشهد الكويتي، خصوصًا مع إقامة شخصيات فلسطينية ثقافية ومناضلة بارزة شاركت في تشكيل نسيجها الثقافي والفكري والعكس، أبرزها: ناجي العلي وغسان كنفاني .

ترتكز بنية الرواية، إلى جانب الأحداث الواقعية التي تم سردها وقت الغيبوبة لتحيل إلى قصة حياة ناجي العلي منذ تهجيره من قريته الشجرة إلى مخيم عين الحلوة بجنوب لبنان وحتى انتقاله إلى الكويت وواقعة اغتياله في لندن، على استدعاء عددٍ من الشخصيات الأدبية الفلسطينية، سواء باسمها أو بنصها، بوصفها من أهم رموز التراث الفلسطيني بما تحمله من دلالات متعددة وطاقات إيحائية، فكان إحياء تلك الرموز الثرية بمثابة أداة تقنيّة يوظفها الكاتب في روايته كي يحافظ على تاريخ الأمة الفلسطينية حاضرا، ويحمي مقومات هويتها دون الحاجة إلى ترديد شعارات أو تكرار إدانات.

فيستقي تجربة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، بوصفه أحد أهم رموز الساحة الأدبية الفلسطينية، عبر استدعاء أجزاء من مقاله عن ناجي العلي – وعنوانه: “ناجي العلي خبزنا اليومي” – المنشور في مجلة “أدب ونقد” عدد فبراير 1984، وذلك بداية من عتبة التصدير بالرواية، مرورا بفواصل تفرق بين فصولها الثمانية وصولا إلى النهاية.

ورغم أن تلك المقولات المكتوبة بقلم درويش كانت بمثابة فواصل للرواية، فإنها في الحقيقة تعد روابط مهمة تصل موضوع النص بهدف كاتبه؛ ألا وهو الإبقاء على الهوية الفلسطينية حاضرة دون بكائيات أو مرثيات بل عبر نجاحات أبنائها من شعراء وروائيين ورسامين ومفكرين، جابهوا بأقلامهم أسلحة العدو ومثلوا خطرا يهدد وجوده.

“أن تكتب 400 كلمة عن ناجي العلي معناه أن تكونه… تكون هذا السر الذي يفضح نفسه يومياً ويبقى سراً… وحده يستطيع أن يقطر، فيدمّر ويفجّر… لا يشبه أحدا، لكنه يشبه قلوب الملايين، لأنه بسيط ومعجزة كرغيف خبز لا أستطيع أن ألتقطه كما يلتقطني… ما أفعله الآن هو النظر إلى ملامح وجهي في حبره الأسود الرخيص، إنه مفجع وسهل كنهار جميل يشهد مذبحة (محمود درويش)” (الرواية ص 8).

أما حضور إميل حبيبي إلى المتن الحكائي فلم يكن فقط باستدعاء نصوصه الشهيرة مثل: “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” أو “سرايا بنت الغول”، بل امتدّ إلى حضوره بنفسه وحديثه إلى ناجي العلي وحكاياته عن صداقتهما الوطيدة ولقاءاتهما المتعددة معا في ركن منزو في مقهى فندق فيتوشا بصوفيا في بلغاريا، حيث يُبلّغ حبيبي ناجي العلي رأي فلسطينيي الداخل فيه وانبهارهم برسوماته وقوة تأثيرها سواء على المحتل الإسرائيلي أو على منظمة التحرير الفلسطينية التي كان ينتقد ممارسات بعض قادتها.

لوحة

“ناسنا في الداخل يعدونك قديساً مجنوناً. لم تجادله في توصيفه، أنصتّ له. كثيراً ما تساءلت وأنا أتابع رسوماتك.. من أين يأتي هذا المجرم المتهور أحيانا بأفكاره المذهلة. لم تستوضحه لماذا مجرم أو متهور. استطرد. أتخيلك وأنت تواجه ورقك الأبيض تنظر في البعيد لدقائق معدودة، فإن خذلتك مخيلتك، دسست يدك في جيبك وطلعت بفكرة غريبة لا تخطر ببال أحد” (الرواية ص 50).

ونجد غسان كنفاني حاضرا عبر استعارة حادثة اغتياله ببيروت داخل سيارة مفخخة مع ابنة أخته في عام 1972، ومقارنتها بحادثة اغتيال ناجي العلي بلندن على يد مجهول رميا بالرصاص في عام 1987؛ حيث الشكوك حول منفذ الاغتيال في المرتين: “مسألة تنفيذ الجريمة في وضح شارع لندني… تتداول احتمالاتك معك، لا تستبعد أن تكون الموساد وراء العملية، تتريث قليلا عند الفكرة، يحضرك فهم شاعرك توفيق زياد. الإسرائيليون لا يهدفون لخلق أبطال ملحميين من بين الفلسطينيين. قالها في سياق حديث عن اغتيال غسان كنفاني” (الرواية ص 70).

وكان المسرحي السوري سعد الله ونوس من الشخصيات الأدبية المستدعاة بالرواية، والتي احتلت مساحة نصية كبيرة بها، فعلى الرغم من كونه سوريا فإن جهده تجاه القضية الفلسطينية جعله واحدا من الرموز الفلسطينية الشهيرة، فاهتمّ الكاتب بإلقاء الضوء على علاقته الوطيدة بناجي العلي وإعجابه بأيقونته الكاريكاتيرية “حنظلة” ودورها المهم في إيقاظ الضمير العربي كله، مما جعله يكتب نصا مسرحيا يولي بطولته لشخصية “حنظلة”، فكتب مسرحيته “رحلة حنظلة – من الغفلة إلى اليقظة” عام 1978 وتم عرضها على خشبة المسرح ببيروت ثم الكويت، ثم توالت العروض على يد مخرجين متعددين بمصر والأردن واليمن، ومؤخرا بالعراق والإمارات والمغرب، حيث تم إعداد المسرحية في رؤى فنية مختلفة وتنويعات من الإسقاط المسرحي، كل بحسب رؤيته لشخصية حنظلة وفهمه لرسالة ونوس.

“لابد أن سعدالله ونوس يجبر ممثله الذي يمنحه اسمي على مواجهة جمهور المتفرجين. قلت له. ذلك أمر حتمي. أضفت. ليس بمقدور ممثل رئيسي أن يؤدي دوره كاملا موليا ظهره للجمهور. على أن لا يكون انتهاكا لخصوصية الرمز” (الرواية ص 143).

وهكذا، أدرك الكاتب إسماعيل فهد إسماعيل أهمية إحياء الروافد الفكرية والأدبية التي أثْرت المشهد الفلسطيني في كافة مستوياته، لتصوير ما حلّ بفلسطين وأهلها من ويلات ونكبات، ولشحن الفلسطينيين بطاقات حيوية تجعلهم يفتخرون برموزهم الحية رغم مساعي تغييبها من قبل الكيان الصهيوني؛ فكان استدعاء تلك الرموز الفلسطينية نصيا أداة طيّعة وظفها الكاتب في روايته كمصدر للمقاومة وحماية الهوية وإعادة نبض الحياة إلى الأمة الفلسطينية في منفاها، هذا إلى جانب القيمة التوثيقية التي يكتسبها النص بحضور تلك الشخصيات. فجوهر القضية الفلسطينية لم يعد سياسيا أو عسكريا فقط، بل يمكن القول إن العنصر الثقافي هو ما يؤدي الدور الأهم في تعزيز سردية النكبة وتوثيق مراحلها على مدار الأجيال، فالمستقبل – لا الماضي وحده – هو الرِهان الأهم في الحفاظ على هوية الشعب الفلسطيني وتعزيز انتمائه.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.