المتشظي والساخر والمتأمل.. ثلاثة رسامين من سوريا 

المتشظي والساخر والمتأمل.. ثلاثة رسامين من سوريا 

ثلاثة رسامين من سوريا كل واحد منهم يقف يمثلون أبناء عصور أسلوبية مختلفة. كل واحد منهم يقف على كوكبه الخاص. له مصادره ومرجعياته ومواده وتقنياته .
الأحد 2018/07/01
لوحة: سعد يكن

أهم ما يجمع بين الثلاثة هو تمرّدهم على إرث الحداثة الفنية في سوريا. وإذا ما عرفنا حجم وسعة وتنوع مرجعيات ونتائج ذلك الإرث الجمالية يمكننا أن نحكم بصعوبة المهمة التي أنجزها الرسامون الثلاثة وهم يتصدون للقيام بمغامرة خلق وعي حداثوي جديد من شأنه أن يفتح آفاقا عالمية أمام المحترف السوري الذي ظل زمنا طويلا سجين هويته الأحادية.

ما يجمع بين الثلاثة أيضا أنهم تشخيصيون. بل هم أشد حرصا على أن يباشروا الرسم بأدوات تقليدية من أن ينخرطوا في التيارات العدمية التي انتشرت في السنوات الأخيرة رافعة شعارات التعبير الانفعالي من خلال التجريد المتشظي غير المحكوم بضوابط معينة. وهو ما لم يتعرف عليه الفن التشكيلي السوري في مختلف مراحله السابقة.

 هوية شخصية

 ما يفرق بين الثلاثة هو أكثر عمقا مما يجمع بينهم. طريقة النظر إلى الفن والتفكير فيه. إنهم أبناء عصور أسلوبية مختلفة. كل واحد منهم يقف على كوكبه الخاص. له مصادره ومرجعياته ومواده وتقنياته وهو ما قاد بالتالي إلى أن يكون لكل واحد منهم عالمه الخاص. وهو إنجاز صار صعبا في عصرنا، حيث تتداخل الأساليب فيضيع ما هو شخصي في ما هو عام. في أسلوب كل واحد منهم تجتمع تأثيرات فنانين ينتمون إلى عصور متباعدة وهو ما يعدّ مؤشرا على سعة الاطلاع لدى الفنانين الثلاثة. في هذا المجال يمكننا أن نلاحظ تحررهم من المنطق السائد الذي يُغلب المحلية على العالمية بذريعة الحفاظ على الهوية وما يُسمى بالخصوصية القومية. لقد حرص الثلاثة على البعد الشخصي في مسألة الهوية فلم يعالجوها إلا باعتبارها جزءا من مزاج الرسم. فكان لكل واحد منهم هويته القائمة على عناصر مستقاة من التجربة الشخصية في التذوق والشغف وطريقة النظر والمعالجة التي تجمع بين الحرفة والخيال.

 نبوءة الفجيعة

 قبل أن تقع الحرب في سوريا (2003) كان هناك شعور بالفجيعة قد تخلل رسوم الثلاثة بما جعله أشبه بالنبوءة. لم تكن رسوما كئيبة بقدر ما كانت صادمة في ذهابها إلى التقاط مواقع ألم غض ونافر، لم تكن الحياة في سوريا قد انكشفت عليها بطريقة شفافة وعلنية. ذلك الاستشراف أضفى على تجارب يازجي ويكن ودلول معنى المحاولة التي لا تقلد الواقع بقدر ما تسعى إلى تفكيكه من أجل التعرف على مآلاته التي لم تكن مرئية. إنها تجارب تذهب إلى محاولة استجلاء أسئلة المصير وهو الذي صار اليوم ملتبسا. كان البعد الاستفهامي حاضرا بقوة في محاولات الفنانين الثلاثة استدراج الوقائع الجمالية إلى الاعتراف الهامس بما تنطوي عليه من مفاجآت غير سارة. لقد أخلص الفنانون إلى الطابع التشنجي لجمال، هو في طريقه إلى الهلاك. بهذا المعنى يمكننا القول إن مدائح الجمال لدى هؤلاء الفنانين هي في وجهها الآخر مراث لمصيره. كانت الفجيعة كامنة ولم تكن في حاجة إلى الظهور إلا لأصابع تنبش في أرضها بحثا عن صورها.

 تجريبية مضادة

 سوريا هي بلد الانقلابات العسكرية التي لم تهنأ بالاستقرار إلا بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970. أنهى الأسد عصر الانقلابات (لا يزال ابنه بشار يحكم اليوم سوريا بعد وفاته عام 2000). في ظل ذلك الاستقرار الذي تميز بالعنف. وهو عنف سوري بامتياز لما اتصف به من سرية وخفاء وتنوع في حيله. كان ذلك العنف درسا عظيما في الغموض. يومها كانت الثقافة السورية ومن ضمنها الرسم في مكان آخر. مثّلت تجربة الرسام نذير نبعة يومها معادلا موضوعيا لتجربة الرسام فاتح المدرس. الأيقونية الرمزية مقابل رموز الترف المحلي. وهو ما استهجنه رسامو مرحلة ما بعد الستينات وفي مقدمتهم يوسف عبد لكي (1951) الذي أسس لفن سياسي، مادته الحرية المغيبة سواء داخل السجون أو في الحياة المباشرة. كان واضحا حينها أن أيّ تجريبية في المجال الفني لا بد أن تتخطى عقدة الهوية التي اشتبك من خلالها السياسي بالثقافي من أجل الوصول إلى استقرار مموه، شبيه بذلك الاستقرار الذي عمّ البلاد بعد مرحلة مضطربة من الانقلابات. وكما أرى فإن تجريبية الرسامين الثلاثة (هناك رسامون سوريون آخرون يقاسمونهم المحاولة) كانت بمثابة انقلاب في تاريخ الحداثة الفنية بسوريا. تمثل ذلك الانقلاب بتبني أسلوب التعبيرية التشخيصية باعتباره محاولة للتعرف على الذات واختراق مجاهيلها بعيدا عن التجليات الجمالية لمحاولات معالجة المشكلات الاجتماعي. وبسبب طابعها الشخصي الخالص فإن تلك التعبيرية التشخيصية لا تخلو من لحظات تجريد صاف، هو تجسيد لنوع من التماهي الذي يقع بين الفنان وبين ما يصوّره. وهو ما يكسب التجريد طابعا إنسانيا يجعله في غنى عن الأشكال الإنسية.

 فادي يازجي

لوحة: فادي يازجي
لوحة: فادي يازجي

تحولات كائن متشظ

تعرفتُ عليه أول مرة رساما، لكنه الرسام الذي يقف في منطقة تقنية ملتبسة لا تنتسب إلى الرسم تماما. لم تكن المادة التي استعملها وحدها هي السبب بل وأيضا سلوكه الذي يتخطى السطح باعتباره حيّزا نهائيا لما ينتج عن فعل الرسم.

 مسيرات جنائزية

 قبل حوالي عشرين سنة، حين رأيتُ أول عمل له تكوّنت عبارة في رأسي ستكون بعد سنوات عنوانا لكتابي عنه وعن تجربته الفنية “خبز الآلهة”. الرسام القادم من النحت وهو اختصاصه الأكاديمي لا يفكر في الرسم باعتباره مساحة للإلهام الصوري، فكائناته لا تقبل أن ترى صورتها ملساء في المرآة. لذلك تحضر مجسدة من خلال طبقات من الأصباغ التي لا يلغي بعضها البعض الآخر بل يقف إلى جانبه مثلما تفعل تلك الكائنات الخرافية التي استعارها الفنان من مخيّلة أزمنة سحيقة.

يوم كنتُ أتردد على مشغله الواقع في الحي اليهودي بدمشق القديمة كانت تسليني أسئلته الوجودية وتعذبني. دائما كنت أرى في لوحاته مسيرات جنائزية، الضياع عنوانها والتيه هو مجالها الحيوي. “إلى أين نحن ذاهبون؟” سؤال ينتقل مثل عدوى من الإنسان إلى ديكته وخرافه وأرانبه وثعالبه ووحوشه التي استحضرها فادي يازجي من كوابيسه اليومية التي لا تزال تطل من عينيه كلما جلس متأملا.

كانت الحرب التي لم تقع بعد في سوريا نبوءته التي لم يجد لها تفسيرا. في عالمه الفني كما في العالم الذي يعيشه بطريقة استثنائية ليس هناك ما يدعو إلى الاطمئنان والثقة. غير أن ذلك لم يكن مدعاة لانهيار البنى الشكلية في ذلك العالم الذي يسعى إلى إخفاء هشاشته. فمهما بالغ يازجي في تحطيم أشكاله فإنها تظل تحتفظ بقدر لافت من التماسك وهو ما ورثه من عادات النحات الذي لم يفارقه.

 في حضرة الألم

 فادي يازجي رسام ونحات. ولكنه في الحالين لا يصف ما يراه كما يفعل الرسامون ولا يحاكي أبخرة الحكايات التي تتشكل في أعماقه كما يفعل النحاتون. من يتأمل رسومه ومنحوتاته لا بد أن يدرك أن كائناته لا تملك وقتا للوصف أو الكلام أو الإنصات.

لقد ألهمه ذلك الوضع البشري المربك والحائر القدرة على مواجهة الألم والهلع والذعر والفزع الإنساني وهو ما ميّزه عن سواه من الفنانين العرب. ذلك لأن أسلوبه الفني وإن كان قريبا من التعبيرية الرمزية غير أنه لا يلتزم إيقاعا مدرسيا بعينه بسبب إخلاصه للسؤال الوجودي الذي تتعثر به كائناته. فنه هو خلاصة تجربته في العيش في صحراء وجدت تلك الكائنات فيها معنى لتيهها الأبدي.

إنساني بعمق

 ولد فادي يازجي في اللاذقية عام 1966. أنهى دراسة النحت في كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1988. بدأت مغامرته في الحياة كما في الفن حين اختار المشي في طريق موحشة وصعبة. لقد اكتشف مبكّرا أن الفن لا يقبل منافسا لذلك تفرّغ له في تجربة لم تكن مضمونة النتائج. ما لا توحي به رقته الشخصية أن يكون فادي مقبلا على شظف العيش بقوة الكادح الذي يسكنه. يومها اكتشف صلابته وفي الوقت نفسه ذلك الفيض الهائل من الرؤى التي صار يحوّلها إلى أعمال فنية. لذلك لم تكن غزارة إنتاجه مفاجئة إلا لمَن يقدّمون الإلهام على العمل. يازجي من جهته يؤمن بالعمل وحده طريقا للقبض على شعلة الإلهام ولأنه ليس رجل علاقات عامة فقد انصبّ جهده على قيمة ما ينجزه.

ما كان لفنه الصعب أن يُعرض في قاعات عرض راقية بنيويورك ولندن وباريس وبيروت وأبوظبي وقبلها كلها في دمشق لو لم يكن ذلك الفن يمثّل لحظة فريدة من نوعها في تاريخ الوعي الجمالي العربي. مثل فنه لم يكن يازجي على المستوى الشخصي سهل القياد ولا تتشكل قناعاته إلا بصعوبة. يمكنني الحكم بيسر أن كائناته النافرة اكتسبت الكثير من صفاتها منه وربما اكتسب هو في ما بعد شيئا من صفاته منها.

لقد وضع الرجل نفسه في خلاف مع فكرة الهوية السورية للفن. وهو ما كان مزعجا بالنسبة لأتباع تلك الفكرة المتوارثة عن فن سوري بأبعاد شكلية وفكرية متفق عليها. حيوية يازجي وانتشار فنه هما ظاهرتان تقعان خارج ما هو مسموح به بالعودة إلى تلك النظرية. هناك مسحة إنسانية في فن يازجي حاول الكثيرون تضييق الخناق عليها من خلال ربطها بالأحداث التي تشهدها بلاده اليوم. وهو ما لا يمكن نفيه غير أنه لا يمثّل الحقيقة كاملة. فادي يازجي هو فنان إنساني النزعة وهو ما يجعله في موضع المدافع عن قضايا الإنسان في كل مكان. المواطن السوري الذي يسكن يازجي هو ليس هويته المطلقة، وهو ما يسّر لفنه أن يكون عالميا.

 كنزه الخيالي

 من الطين إلى المعادن النفيسة نقل فادي يازجي أصابعه الحساسة كمَن يعزف على لوحة مفاتيح البيانو عينها. تربطه بالمواد المختلفة علاقة ساحرة، هي من بقايا افتنان الإنسان بالطبيعة الحيّة وهو ما يقرب فنه من مفهوم الفن الخام الذي اخترعه الفرنسي جان دوبوفيه. غير أن ما يميّز فن يازجي يكمن في تلك الأصرة التي تجمع اليومي بالأسطوري كما لو أنهما الشيء نفسه. هناك نوع من الانسجام الكوني الذي تتفاعل من خلاله الأشياء بعضها مع البعض الآخر لتنتقل من حيّزها الاستعمالي البسيط إلى حيّز، تكتسب من خلاله هالة اللقى النادرة. كل شيء تمسه يدا الفنان يتحوّل إلى لقية. ومن تلك اللقى يتألف قاموس يازجي الذي هو كنزه الخيالي.

أتذكر منحوتاته التي استلهم من خلالها (الملعقة والسكين والشوكة). لقد وهب الفنان تلك الأدوات الاستعمالية الجاهزة شيئا من خيال الطبيعة حين تجعلها تزهر وتورق وتتبرعم وتثمر. لعبة يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. وهي لعبة فيها الكثير من الإلهام المرح غير أن يازجي وهو صاحب مخيلة واسعة لا يطيق البقاء في مكان بعينه. وهو ما يدفعه إلى الانتقال إلى مناطق جديدة تاركا وراءه مناطق لا تزال نضرة. عادته التي لن يتخلّى عنها وهي سر تجدّده الإبداعي الذي أنقذه من الوقوع في فخ المعنى الشائع لمفهوم الأسلوب الذي يعتمد على تكرار المفردات نفسها. لا يكرر يازجي ما رسمه في وقت سابق وإن مد يده إلى المفردات نفسها فإن تلك المفردات ستظهر كما لو أنها لم تُستعمل من قبل بسبب طريقة الفنان المتجددة في النظر والتفكير تأمليّا. عادة صارت بمثابة أسلوب.

 هوية كونية للكائن

 يملك فادي يازجي كل مؤهلات الفنان العالمي. إنه ينتمي إلى ذلك النوع من الفنانين الذين يتألف معجمهم التصويري من مفردات وجودية ثبتت في الوجدان والعقل البشريين باعتبارها تلخيصا للوضع البشري في مختلف تحوّلاته. وإذا ما كان مولعا في العودة إلى التماثيل والأفاريز التي أنجزت في وادي الرافدين عبر حضاراته فلأنها تمثل بالنسبة له خلاصات لوعي الإنسان الجمالي في واحدة من أهم ذرى تفوقه. لم يكن قصده من وراء ذلك التماهي أن يعلن عن هويته.

كائناته المعذبة بهروبها وخوفها وذعرها ويأسها لا تكترث بسؤال الهوية الذي ظل زمنا طويلا يلحّ على ما سمي بـ”المحترف السوري”. فادي اليازجي مثل كائناته يعرف أنّ هويته الكونية تكفي للتعريف به ولكنها لا تكفي لدفع الكارثة. وهو سؤاله الذي ينفتح به على حقول شاسعة من التجارب التي يليق بالإنسان المعاصر أن يعيشها. فادي يازجي رسام معاصر بكل ما ينطوي عليه مفهوم المعاصرة من معان.

لوحة: سعد يكن
لوحة: سعد يكن

انتحال الألم والسخرية معا

لم يعد معنيا بقياس المسافة التي تفصل بينه وبين الواقع الذي صار يقلد لوحاته. كانت كوابيسه تقع في مكان آخر، مكان لا يصل إليه أحد لأنه جزء من وهم عظيم اسمه الفن فإذا بها تستولي على الحياة وتنشر كائناتها بين مفترقات الطرق. كلما فتح عينيه رأى واحدا منها.

 سؤال الفجيعة

 “أي فائدة لي وسط الخراب والبؤس؟”. وجه آخر للمأساة ذلك السؤال فهو لا يتعلق بمصير فرد يعاني الوحدة والعزل والنبذ وشعورا عميقا باللاجدوى، بل هو الصرخة مجتمعة في لحظة واحدة. تلك الصرخة التي كانت كائناته تكتمها بالرغم من أن كل شيء يوحي بها.

بعد أن نُهب مرسمه وحُرقت مكتبته في ريف حلب وتشظت تجربته بين المتاهات اكتملت مأساته الشخصية بحادثة الخطف التي صار عليه أن يواجهها بضحكة الشبيح المنتحل. لقد خطفه الإرهابيون ذات يوم باعتباره شبيحا وهو التعبير الذي صار متداولا بين السوريين المعارضين تعبيرا عن كون الشخص متعاونا مع القوات الحكومية. حادثة مثيرة للألم والسخرية في الوقت نفسه. ذلك لأن سعد يكن لم يكن يوما قريبا من مؤسسة أو حزب.

قبل هجرته إلى بيروت كان الفنان السوري يحاول اللعب مع أشباحه في وقت ضائع ومستقطع من حياة صارت زهورها تذبل ومصابيحها تنطفئ. هل كان يراهن على الفن باعتباره مخلصا ومنقذا ومبشرا بلحظة الأمل؟ هذا ما كان وما لم يعد ممكنا بالقوة نفسها. لذلك حمل يكن مصيره وأدار ظهره لحلب التي صارت مدينة أشباح.

الفنان الذي لم يخذله خياله حين رسم نبوءاته على القماش خذله الواقع حين سبقه إلى عنف متخيّل طرده من جنة حلبه التي ما كان في إمكانه أن يتخيّل زوالها. وها هو اليوم يقيم معرضا جديدا للوحاته التي فارقتها السخرية في غربته ببيروت بتنظيم من صالة قزح الدمشقية. لقد تبدّل كل شيء. تبدّل العالم من حوله. وتبدلت فكرته عن الرسم. فـ”الفراشة” هو عنوان معرضه الجديد وهو اسم ذو دلالة مقارنة بما يشهده بلده من خراب.

 بين المسارح والحياة الحية

 ولد سعد يكن عام 1950 في حلب من أب تركي وأم سورية. في وقت مبكر درس الفن في مركز الفنون التشكيلية بحلب وتخرج منه عام 1964. أقام معرضه الشخصي الأول عام 1969 قبل أن يلتحق بكلية الفنون الجميلة بدمشق بسنتين. قضى في دراسة الفن سنتين “غادرت في إجازة أسبوعية وحتى الآن لم أعد إلى كلية الفنون الجميلة” يقول يكن. بعد تركه الدراسة تفرغ للفن وأدار صالة فنية بحلب حملت اسم “النقطة”.

عمل يكن في تصميم الديكور المسرحي وشغف برسم المشاهد المسرحية. فإضافة إلى ما شهده مسرح الشعب من خلفيات مسرحية صمّمها يكن لمسرحيات كتبها كبار مؤلفي المسرح السوري مثل وليد إخلاصي وحسين أدلبي وعبدالرحمن حمود فقد عُرف عنه ولعه في رسم الممثلين وهم يؤدون أدوارهم على خشبة المسرح. “كل الممثلين كانوا في نظري هاملت”. أنجز في تلك المرحلة آلاف الرسوم الصغيرة “اسكيتش” شكّلت تلك الرسوم في ما بعد مصدر إلهام لعالمه الذي يضج بالحركة والأقنعة والتداخل بين الشخصيات.

عام 1981 حظي بدعوة من الحكومة الأميركية لزيارة الولايات المتحدة ضمن برنامج فني كان هو العربي الوحيد فيه. عام 1986 بدأ بتدريس الأطفال المعاقين الرسم في دار المبرة بحلب واستمر في ذلك العمل خمس سنوات. انضم إلى الفضائية السورية عام 1996 معدّا ومقدما لبرنامج عن الفنون.

عُرف يكن بغزارة إنتاجه. فبين العام الذي ترك فيه الدراسة بدمشق وعام 1976 رسم يكن ما يقارب 22 ألف “اسكيتش” عن حلب، مقاهيها ومسارحها وأحيائها وأزقتها وباعتها المتجولين. غزارة يكن في الرسم وهي انعكاس لتفرغه الفني كانت مغامرته الكبرى التي أنتجت عشرات المعارض فكان لابن حلب النصيب الأكبر من المعارض الفنية.

 رسم ما لا يُرى

 ذات يوم أقام سعد يكن معرضا بعنوان (100+ 1) في استعارة واضحة من الليالي العربية. نفذ الفنان رسومه الصغيرة بمادة الأكرليك على صحون، يُمكن استعمالها من غير أن تزول تلك الرسوم. مغامرة يمتزج فيها الفن بالحياة. وهو ما تعلمه يكن من حياته التي امتزج فيها الوهمي بالواقعي فكانت الحقيقة هي ذلك المزيج السحري. يكن هو ابن المسرح وابن الحياة معا. كانت حلب بالنسبة له مسرحا كبيرا، ناسها هم الممثلون الذين افترض أن كل واحد منهم هو هاملت. كانت حلب بالنسبة له ملعبا خياليا لأبطاله الذين يستعيرهم من الحياة ومن الفن في الوقت نفسه. يقول الناقد عمران القيسي في تفسير العلاقة التي جمعت بين الفنان ومدينته “عالم مدينة حلب هو العالم المحشو بالتراث، والغناء كموروث سواء على مستوى القدود الحلبية أو التخت الموسيقي وأقطابه مثل صبري المدلل وغيره، لا بد من صياغته تشكيليا خارج إطار الحالة أو الحالات التسجيلية كما في لوحات بعض الفنانين الحلبيين القدامى. ولهذا يذهب يكن صوب خط آخر يعتمد الإذابة التشريحية للجسد”.

لقد رسم يكن الموسيقيين في لوحات عديدة غير أنه لم يلجأ إلى وصفهم بقدر ما حاول أن يستلهم حالاتهم. الحالة التي يبدو فيها الموسيقي ممتزجا بالإيقاع. صورة الإنسان مهمة وضرورية بالنسبة لرسام تشخيصي من نوع يكن، ولكن غلبة التعبير تقدم الإيقاع على الوصف. وهو ما يقودني إلى القول إن يكن حاول من خلال مرئياته أن يرسم ما لا يُرى. الصخب والقلق والمحبة والأخوة والصفاء والخوف والذعر وسواها من الوقائع النفسية التي لا يمكن التقاطها من خلال صورة. سعد يكن هو ابن تجربة فالتة من المعايير الجاهزة وإن كان البعض ينسبه إلى التعبيرية النقدية وهي المقابل الشعري للواقعية النقدية.

 العيش في الجمال

 ترك يكن الواقع المأساوي الذي يعيشه بلده لعدسات التصوير. يقول “الكاميرا الفوتوغرافية هي الأقدر على تصويره بشكل مباشر وهذا ما نجح فيه المصورون نجاحا هائلا لذلك لا يمكن للفنان التشكيلي أن يعمل كمصور فوتوغرافي لنقل تفاصيل الأزمة حرفيا سواء بتصوير الشهداء أو الأم الثكلى أو الخراب والدمار الحاصل”.

في “الفراشة” وهو معرضه الأخير ببيروت حيث يقيم لا أثر مباشر للفاجعة السورية. يبدو الرسام الذي سويت مدينته بالأرض مهتما بتطبيع علاقته بالرسام الأيرلندي فرانسيس بيكون الذي يحبه بطريقة تجعل من ذلك الرسام التعيس سعيدا. لعبة حاول من خلالها الرسام أن يصل إلى هدفه “لقد عشنا ولا نزال قادرين على العيش في أرقى لحظات رقته”. يعرض سعد يكن من خلال معرضه هذا الفن بديلا مخلصا وهو يدرك أنه يتشبث بآخر عشبة من أعشاب الحياة كما فعل جلجامش الذي طالما رسمه.

كان الإنسان موضوعه دائما. استلهم يكن كل تقنياته من حركات الإنسان غير أن سؤاله في الرسم كان يذهب إلى ما وراء الإنسان وواقعه المباشر. لقد غلبت اللعبة المسرحية وكانت الأقنعة مجرد وسيلة اتصال. هناك شيء ما ضائع يشعر به المرء ما أن يلقي نظرة سريعة على لوحات يكن. كل هذه الحشود التي يرسمها تبحث عن ذلك الشيء. لذلك يحرص الرسام على عزلة كائناته. يرسمها مجتمعة غير أن أحدا منها لا يمتّ بصلة إلى الآخر. “لقد كنا أفرادا ضائعين ولا نزال كذلك” فهل ستجمعنا الفراشة في حياة هي نهار واحد؟

لوحة: زياد دلول
لوحة: زياد دلول

العيش على حافات التأمل

 كما لو أنه قادم من عصر الباروك. تذكرت الفرنسي بوسان ما أن رأيت إحدى لوحاته التي تضمها مجموعة زياد دلول ببيروت. شيء عظيم من الترف والرقة والرفعة يحيط بالأشياء والوقائع التي يرسمها. يؤثث الفنان السوري زياد دلول لوحاته برؤاه القادمة من عالم علوي.

تضفي فرشاته على الواقع نوعا من سحر وخيال الأساطير. إنه يرسم الطبيعة ولا يرسمها في الوقت نفسه. ليست علاقته الطبيعة حسية، بل هي نوع من الشغف الداخلي الذي يقفز على ما يُرى ليمسك بقوته الخفية. والمقصود هنا قوة خياله. وهي عينها قوة الرسم.

 عالم اللامرئي

 نزعته التجريدية دفعته إلى مواجهة الغموض الذي تنطوي عليه سعادة أن نكتشف اللذائذ الصغيرة التي تنطوي عليها العلاقة بالجمال باعتباره مفهوما مطلقا. يحتفي دلول بالجمال من جهة كونه سيرة وليس صفة.

تهبنا لوحاته فرصة لإعادة اكتشاف الطبيعة بل لرؤيتها كما لو أننا لم نرها من قبل. بمعنى أن الرسام لا يستعيد بل يخلق. يغمض عينيه على مشهد ليحلمه. وهنا بالضبط تكمن قوة الشعر التي تعين دلول على استخراج لغته الصافية من معجم مستعمل.

هذا فنان يأسر مفرداته من الطبيعة ليهبها نوعا من الرفعة والنبل من خلال الارتقاء بها فوق معانيها المتاحة. إنه يتيح لتلك المفردات الانفتاح على فضاء خيالها، وهو فضاء مغمور بالنعومة ومسحور يتدفق هذياناته.

رسام يعلمنا كيف تنفتح الحرفة على خيالها فيبدو كل ما تصنعه كما لو أنه من صنع الملائكة. فرشاته لا تصف بقدر ما توحي. لقد أملى الرسم على الطبيعة شيئا من طبائعها من خلال لوحاته. “اللامرئي هو العالم الحقيقي للفن” تلك مقولته التي يمكننا من خلالها تفسير تلك الخفة والشفافية وانعدام الوزن الذي تكتسبه الأشياء الصلبة ما إن يلتقطها لتكون جزءا من عالمه. إنه رسام المرئيات التي يُحتفى بها، لكن من وراء حُجب.

 بين الكتب وعاطفتها

 ولد زياد دلول في مدينة السويداء، جنوب سوريا عام 1953. درس الحفر الطباعي في كلية الفنون الجميلة بدمشق وتخرج منها عام 1976 وهو العام نفسه الذي أقام فيه معرضه الشخصي الأول. سافر بعدها إلى الجزائر. عام 1984 انتقل إلى باريس ليكمل دراساته العليا في المدرسة الوطنية للفنون. ومن يومها وهو يقيم ويعمل هناك.

سلوك الحفار أملى عليه عاطفة شدته إلى جوانب حرفية غالبا ما لا يقترب منها رسامو اللوحات ومنها صناعة الدفاتر. ولكن دفاتر دلول لم تكن محاولات مصغرة بل كانت بمثابة انفتاح على عالم، شده منذ بداياته إلى غموضه وهو عالم الشعر. لقد تعاون دلول والشاعر أدونيس من أجل إنتاج العديد من الكتب الشعرية التي وهبها الرسم الكثير من قدرته على اختراق المرئيات. من تلك الكتب “مسيرة الرغبة في جغرافية المدن” عام 1989 و”كتاب المدن” عام 1999.

عام 1994 حصل على الميدالية الذهبية في ترينالي الحفر الطباعي بالقاهرة. يقيم دلول معارضه الشخصية في مدن عالمية مختلفة وفي عام 2004 كان واحدا من مئة فنان عالمي عرضوا أعمالهم بمتحف سول، عاصمة كوريا الجنوبية في معرض من أجل السلام.

 حين يختفي العالم

لوحة: زياد دلول
لوحة: زياد دلول

“التجريد ليس رسما هندسيا، بل هو مفهوم يحول المرئي إلى لا مرئي. واللوحة بهذا المعنى هي عالم مواز لعالمنا المعيش” مقولته التي في إمكانها أن تختزل الأسئلة التي حاول أن يفكك عناصرها ليكون على تماس ما يعتبره لغزا. الوجود باعتباره صلة وصل بين ما يُرى وما لا يُرى. لقد خاض دلول تجربة الانتقال بين حياتين، عبّر عنها من خلال مقارنته بين الضوء الباريسي والضوء الدمشقي وهو ما وهبه القدرة على أن يتماهى مع المكان لا من جهة كونه مأوى بل باعتباره مصدر الهام.

علاقة هذا الرسام بالمكان تدخل في إطار كيمياء اللغة. فهو لا يستعيد بالرغم من أنه يتذكر. لا يخطفه الحنين إلى أماكن عاش فيها في أوقات سابقة من صلته العميقة بالمكان الذي هو فيه. فهو يقيم مختبره اللغوي بناء على تجربته المعيشة، وهي تجربة لا يغلب عليها شعور بالخذلان بسبب ما يخالطها من رغبة في استعادة فردوس مفقود. فردوس دلول الحقيقي يكمن في ما تنفتح عليه لغته من عوالم تجريدية، تجمع ما هو متذكر وما هو متخيّل. وهو ممن خلال المثيرات الحسية إنما يبحث عما يجعله مُقيما عند حافّات المادة. هناك علاقة مختبرية يعرفها الحفار أكثر من سواه من الرسامين هي التي تجعل العالم ممكنا بالنسبة لدلول لكن في حدود ما يختفي منه. تلك هي حصته الشخصية من إرثه الجمالي.

 الكثير من الشعر

 لا يستغني زياد دلول عن الطبيعة الصامتة. إنه يعود إليها بين حين وآخر. وهو ما فعله الرسامون الكبار ممن قبله. محاولة تنطوي على الاعتراف بأن ما لم يُكتشف من أسرار الطبيعة الجمالية لا يزال كثيرا. يسعى الرسام إلى إغناء حياته الداخلية من خلال النظر بطريقة شخصية إلى الطبيعة. ربما تكمن تلك المحاولة على شيء من استفزاز الأدوات. الرسام هنا يستفز أدواته المعاصرة في محاولة منه لقياس المسافة التي تفصله عن الرسام التقليدي. ولأن دلول ينظر باحترام كبير إلى الحرفة فإنه لا يرى في محاولته تلك خروجا على ما يمكن أن ينفعه رساما تجريديا.

لقد صنع هذا الرسام عالما احتفاليا قوامه المادة بصورها المتعددة. وهو عالم لم تتسلل إليه المرويات السردية لا لشيء إلا لأن الشعر كان هدفه. الشيء الكثير من الشعر يمكن العثور عليه في رسوم دلول. فهي رسوم صافية لا ترنو إلى الوصف ولا ترغب في أن تعيد متلقيها إلى أصولها. إنها تنفرد بما تقوله وبما تحدثه من تأثير عاصف.

 عاش متأملا

 يوما ما ستعتبر رسوم زياد دلول من كلاسيكيات التأمل في عصرنا. لقد رسم هذا الرسام من أن أجل أن يُحيي خصلة التأمل في كيانه الذي امتزج بما لم يكن متاحا مما يُرى من الطبيعة. وهو ما جعله مقيما وإلى الأبد في مواقع حساسة تشير إلى إنسانيته. ذلك المفهوم الذي لا يمكن عزله عن ينابيعه الفلسفية التي تقيم في الطبيعة.

زياد دلول هو اليوم رسام تجريدي. هو كان دائما كذلك. غير أن إخلاصه لقيم الرسم الجمالية دفعه إلى أن يقيم مختبره الجمالي قريبا من حافّات الطبيعة. إنه يقتات على خلاصاتها. فهو يحوّل عناصرها الجاهزة إلى مواد قابلة للتأمل في أيّ لحظة رسم. بالنسبة إليه ليست هناك طبيعة جاهزة لتُرسم. إنه يهبنا صورة للطبيعة، هي في حقيقتها مزيج مما رآه ومما انتهى إليه عبر عملية معقّدة من التأمل. دلول رسام تأملي.

في رسومه ما يثير البصر. شهوة تفسير المادة باعتبارها علامة تؤكد الطبيعة من خلالها حضورها ولكن الأمر ليس كذلك دائما. عليك وأنت ترى تلك الرسوم أن تكون مستعدا لمغامرة التعرف على حياة داخلية. سؤال مزدوج من نوع “ما الذي تفعله الطبيعة بنا وما الذي نفعله بالطبيعة؟” يظل حاضرا في استمرار.

تحتاج رسوم زياد دلول إلى قدر لافت من التأمل لكي يشعر المرء من خلاله بتلك العلاقة الخفية التي تجمع الرسم بالطبيعة باعتبارهما حقيقتي وجود.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.