المثقف النموذجي في عصر النهضة

الثلاثاء 2020/09/01
لوحة: اسماعيل الرفاعي

عبدالرحمن الكواكبي نهضوي كبير، عكس عصره بكل ما يعج به من تناقضات، فجاءت آراؤه السياسية معبّرة عن مثقف إسلامي قومي عربي وليبرالي، بكلمة أخرى، جمعت أفكار الكواكبي بصورة مّا كل مفاهيم النهضة العربية السياسية. عاش الكواكبي (1854- 1902) الجزء الأكبر من حياته العملية في فترة الحكم الحميدي (1876 – 1909)، وهي الفترة التي شهدت استبداداً لا مثيل له في تاريخ الإمبراطورية العثمانية. ومن المعروف أن السلطان عبدالحميد قد تسلم السلطة عام 1876 عبر انقلاب ضد أخيه السلطان مراد، قاده الاتجاه الإصلاحي الذي كان على رأسه التنويري مدحت باشا. في بداية حكم عبدالحميد ظهر الدستور كتتويج لجهود دعاة الإصلاح. وجاء الدستور ليجعل من جميع رعايا الدولة العثمانية مواطنين متساوين أمام القانون، بمعزل عن الانتماء القومي أو الأقوامي أو الديني. وغدت الدولة في ظل الدستور دولة برلمانية، حيث تقرر ضرورة وجود هيئة برلمانية، تتكون من مجلس الأعيان ومجلس المبعوثان. لكن السلطان عبدالحميد سرعان ما عطل الدستور مدة ثلاثين عاماً، ولم يعد إليه إلا مرغماً بعد عام 1908.

خلال ثلاثين عاماً كرس عبدالحميد دكتاتورية فظة، واستبداداً مروعاً يدعمه في ذلك عدد كبير من نخبة العائلات  – الذين استلموا الجهاز الحكومي – من الأكراد والألبان والعرب. وازدادت هيمنة رجال البلاط السلطاني ورجال الدين، واستشرى البوليس السري في جميع الولايات وتوسع جيش المخبرين المأجورين توسعاً كبيراً. وغدا القمع الوحشي الأسلوب الوحيد للقضاء على أصحاب الآراء التنويرية، وتمت ملاحقة المفكرين والمصلحين الذين – بسبب القمع – هاجروا إلى مصر. وكان من بينهم عبدالرحمن الكواكبي. وقد منع السلطان عبدالحميد استخدام مصطلحات الدستور والثورة والاستبداد ومجلس النواب.. الخ. وتحولت المطبوعات في عهده إلى وسيلة من وسائل تكريس الأفكار الرجعية. ولم يبق في سوريا مثلاً من العدد الكبير من الصحف التي كانت تصدر في مرحلة الدستور، سوى تلك التي تمسكت بالتوجهات الرسمية.

وكأي دكتاتور فرض عبدالحميد على الصحف أن تتحدث يومياً عن الأمن المخيم على البلاد، وعن السعادة التي يتمتع بها الرعايا العثمانيون، من أقصى البلاد إلى أقصاها، وكان عليها أن تبتهل إلى الله كي يطيل أيام السلطان (1).

وفي عهد هذا المستبد، انهزمت الإمبراطورية العثمانية أمام روسيا، وفتح الطريق أمام الغرب لعملية اقتسام تركة الرجل المريض، وتنازل السلطان المعظم عن قبرص لبريطانيا، واحتلت فرنسا تونس عام 1881، واحتلت بريطانيا مصر عام 1882.

في هذا المناخ ظهر الكواكبي كداع للإصلاح، إصلاح الدين والأمة والحكم، بداية في حلب التي عرفت ازدهاراً تجارياً، ثم في مصر التي ضمت نخبة المصلحين من جميع الأنواع.

الكواكبي والإسلام

كانت روح التمرد قوية عند الكواكبي، و لم ينتم إلى الإصلاح الديني لدى الأفغاني و محمد عبده.

الكواكبي، مفكر ورجل سياسية من الطراز الرفيع، فجاء خطابه الإصلاحي دون المستوى النظري لتناول النص، وتوظيفاً مباشراً لأهدافه السياسة القائمة على الوقوف ضد السلطة العثمانية التي اضطهدته مباشرة وسجنته وخلعت عن عائلته لقب نقباء الأشراف.

ولكن كان على الكواكبي أن يواجه – كما واجه غيره – الإحراج الكبير، كيف يمكن للإنسان المسلم أن يعادي السلطة العثمانية المسلمة، أو يعادي الأتراك المسلمين، مع الاحتفاظ برابطة الدين والانتماء إلى الإسلام الذي لا يميز بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.

كان الحل الممكن والمناسب في هذه الحالة، هو تأكيد وجود نوعين من الإسلام: إسلام حقيقي وإسلام مزيف، إسلام أصيل وإسلام علقت به الترهات والشعوذات. وانطلاقاً من تقسيم كهذا – أكده الكواكبي – كان من السهل نفي الإسلام عن جزء من المسلمين، والنظر إليهم كخارجين عن الدين الأصيل. لقد أصبح الدين الإسلامي بالنسبة إلى الكواكبي دينين: دين محافظ قائم على الشعوذة والدفاع عن السلطة والتكسب والعداء للعلم، إنه إسلام الدروشة، من جهة، وإسلام الحق والعلم والعقيدة الإنسانية والحرية والعدل، وهو الإسلام الصحيح من جهة ثانية.

والكواكبي كأيّ مصلح ديني يبحث عن أسباب فساد الأمة فيجدها فيما يجد، في فساد الإسلام. ولا نتوقع أن نجد عنده بحثاً عن الأسباب التاريخية والاجتماعية التي أدت إلى تحول الدين إلى حالته المرفوضة وظاهرة معيقة للتقدم الاجتماعي. كل ما في الأمر، أنه وضع يديه على مظاهر التدين السائد في عصره، فوجدها متناقضة مع الأصول، أو مع مرحلة تاريخية محددة هي فجر الإسلام. ولهذا دعا إلى بعث الإسلام الأول إسلام الرسول والخلفاء والنظر إلى المراحل الطويلة من التاريخ المليئة بالمحن والآلام والفساد والانحطاط بوصفها انزياحاً عن جادة الأصول.

إذّاك لا يرى الكواكبي في التصوف والنزعة الجبرية والتعارض بين العقل وبين النقل إلا مظاهر تخفي جوهر الدين الحقيقي وتتعارض معه. إن هذه النظرة وما تنطوي عليه من سذاجة في التفكير ذات دلالة اجتماعية سياسة إيجابية؛ لأنها تقر بعجز الأيديولوجيا الدينية السائدة على التلاؤم مع الواقع الجديد، وتصبح العودة إلى الأصول شكلاً من أشكال الرفض للواقع، وسلاحاً بيد الفئات الأكثر تقدماً والدائرة في فلك الدين. ومن هنا نفهم لماذا طوى الكواكبي مرحلة طويلة من التاريخ الإسلامي تبدأ من صراع علي ومعاوية وتنتهي بالمرحلة التي عاشها، والنظر إليها كخرق للحقيقة الإسلامية. وحتى المذاهب الأربعة لم تنج من نقده وتوجيه اللائمة إليها، وهو الذي لم ير فيها مذاهب يجب أن تفرض على المسلم التزاماً بها.

ببب

لنعد إلى ما أسميناه إسلاماً مزيفاً من وجهة نظر الكواكبي فقد لخص السيد الفراني الأسباب الدينية التي تقف وراء الفتور الحاصل في أوصال الأمة في سيادة عقيدة الجبر، وتفشي الجدل في العقائد، وتفرق الناس في الدين، وفقدان الدين سماحته وسهولته، واستبدال التشدد بالسماحة، وتحول الدين إلى زهد وتصوف وتأويلات متعفنة حتى بدا أن العلوم العقلية تنافيه، وسيطرة التقليد والتعصب لآراء المتأخرين وهجر النصوص.

لكن تقهقر الإسلام ليس جديداً كما يرى الكواكبي، فهو ابن ألف عام. ولا ندري إن كان يقصد ألف عام هجرية أم ميلادية. فإذا كان المقصود ألف عام هجرية وهو الأرجح كما نعتقد، فإن ازدهار الإسلام لم يدم أكثر من ثلاثة قرون. وبعد ذلك ظهر التأويل في التفسير والاختلاف في المذاهب ودخلت العناصر غير العربية الإسلام، وسيطرت على الدولة العربية في الفترة الأخيرة من حياة الحضارة العباسية، والكواكبي لم يخف امتعاضه من العباسيين وتقويمه السلبي لهم حين كتب يقول «وأما الفتنة الثانية، فلم تزل مستمرة وهي أن الخلفاء العباسيين مالوا إلى تعميق النظر في العقائد، فخدمهم من خدمهم من علماء الأعاجم تقرباً إليهم في علم الكلام، وأكثروا من القيل والقال».

الإسلام في المرحلة العثمانية قد دخل تحت ولاية العملاء الرسميين وولاية الجهلة المتعمّمين، وهؤلاء هم المقربون من الأمراء على أنهم علماء، وقد ارتبط القضاء والإمضاء بهم.

وكان الكواكبي يشير إلى حاشية السلطان عبدالحميد من علماء الدين أمثال الشيخ أبوالهدى الصيادي، الذي كان الكواكبي يناصبه العداء لأسباب شخصية وأيديولوجية: لم ينظر الكواكبي في الأسباب التي تجعل من تحول الإسلام إلى دين رسمي أمراً واقعاً. كيف يمكن أن نفهم تحول الدين على أيدي جماعات أو أفراد إلى أداة من أدوات تسويغ ممارسة السلطة السياسية؟ وهل قيام الإسلام بهذه الوظيفة سبب أساسي لفهم أسباب خريفه؟

ولكن الدين الشعبي ليس أقل تخلفاً من الدين الرسمي كما يرى الرحالة (ك). بل إنه رأى الحال الذي وصل إليه السلام لا يختلف في شيء عمّا كان في الجاهلية «فمن المسلمين من استبدلوا الأصنام بالقبور فبنوا عليها المساجد والمشاهد، وأسرجوا لها، وأرخوا عليها الدستور.. ومنهم من استعاضوا عن ألواح التماثيل عند النصارى والمشركين بألواح فيها أسماء معظميهم.. ومنهم ناس يجتمعون لأجل العبادة بذكر الله، ذكراً مشوباً بإنشاد المدائح والمغالاة لشعراء المتأخرين.. وبإنشاء مقامات شيوخية تغالوا فيها بالاستغاثة بشيوخهم والاستمداد منهم بصيغ لو سمعها مشركو قريش لكفّروهم.. ومنهم جماعة لم يرضوا بالشرع المبين فابتدعوا أحكاماً سموها علم الباطن، أو علم الحقيقة أو علم التصوف، علماً لم يعرف شيئاً منه الصحابة والتابعون وأهل القرون الأولى، المشهود لهم بالفضل في الدين ومنهم فئة اخترعوا عبادات وقربات لم يأت بها الإسلام، ومنهم قوماً يعتبرون البلادة سلاحاً، والخمول خيراً، والخبل خشوعاً، والصراع وصولاً.. ومنهم كهنة العرب يدّعون علم الغيب بالاستخراج من الجفر والرمل وأحكام النجوم».

كم هي واضحة هنا اللهجة الحاسمة في نقد الدين السائد. ولهذا جاء احتجاج الكواكبي ضد دين السلطة ودين الشعب، احتجاجاً يندرج في الشكل الأولي والبسيط للإصلاح الديني . فهو لم ير في التصوف إلا شعوذة ولم يكتشف جوهره الاجتماعي، وما انطوى عليه من نزعة إنسانية وتحررية توحد بين الله والإنسان. وربما تكون الحالة التي وصل إليها التصوف من دروشة مسوغاً للنقد الذي وجهه الكواكبي للتصوف.

إن الدعوة إلى العودة إلى الإسلام في براءته الأولى، خارج عملية البدء بالتأويل العقلي للنص، جعلت الكواكبي غير قادر على رؤية الجانب المزدهر جداً من علوم الكلام الإسلامية التي أنشأها المعتزلة. والمفكر الفلسفي الذي أخضع قضية العلاقة بين الله والعالم إلى تناول فلسفي، والتنظير للحقيقتين العقلية والنقلية، وهو لم ير في علم الكلام سوى ثمرة من ثمرات تآمر الأعاجم. واستناداً إلى ما سبق، فإن الكواكبي قد جعل أحد الصفات التي تميز العالم «أن يكون صاحب عقل سليم فطري، لم يفسد ذهنه بالمنطق والجدل التعلميين والفلسفة اليونانية والإلهيات الفيثاغورية، وبأبحاث الكلام وعقائد الحكماء، ونزعات المعتزلة، وإغرابات الصوفية وتشديدات الخوارج، وتخريجات الفقهاء المتأخرين، وحشويات الموسويين، وتزويقات المرائين وتحريفات المدلسين: «مرحى».

ما الذي أبقاه الكواكبي للعالم من صفات؟ لم يبق سوى ظاهر الشرع والواجبات الخمس. ويبدو أن التاريخ بالنسبة إلى الكواكبي عامل إفساد للإسلام. أفسد القرآن وأفسد الحديث. وأن جميع من ذكرهم سلباً عامل إفساد للعامة. وهو بهذا يسد الطريق أمام العقل والاجتهاد، مبالغاً في ذلك أكثر من تهافت الفلاسفة للغزالي، أو نقد المنطق لابن تيمية. وهذه النزعة الموغلة في السلفية، التي ترفض كل إنجاز عقلي وفلسفي بل ديني اجتهادي، ليست إلا شكلاً متطرفاً من أشكال الأوتوبيا ، التي تريد للتاريخ أن يعود القهقرى بقفزة واحدة تتجاوز أكثر من ألف عام. ولهذا لا ينطوي الإصلاح الديني عند الكواكبي على نزعة تقدمية، لأنه يقف عند جانب واحد فقط، هو جانب ضرورة العودة إلى الأصول. ولكن الإصلاح الديني لا يعود للأصول، إلا من أجل البدء بعملية تأويل جديد لهذه الأصول بما يتوافق وحاجات المرحلة الجديدة. وهذا هو بالأصل جوهر الإصلاح الديني عنده عبده .

وما ترحيب العقاد بوجهة نظر الكواكبي إلا دفاعاً منه عن نزعة علموية خالصة، وهو الذي رأى في رفض الكواكبي الفلسفة والجدل علاقة صحيحة، ورأى في استحسانه العلوم الطبيعية نظرة ثاقبة (2).

“وبعد نيف وخمسين سنة من قيام الدعوة الكواكبية، لايزال أساسه القويم الذي اختاره للإصلاح الديني صالحاً للبناء عليه: عقيدة خالصة من شوائب الجهل والسفسطة تؤمن بدينها ودنياها على بصيرة». بهذه الجمل السريعة والسطحية يحوّل العقاد النزعة العقلانية والفلسفة والمنطق إلى جهل

ببب

ترى ما الذي يجعل العقاد مؤيداً للكواكبي في هذه المسألة ؟ يبدو لي أن ما يفكر به العقاد مختلف عما قصد إليه الكواكبي.

كان الكواكبي مؤمن حقاً بأن اللاهوت الإسلامي والتصوف والمنطق والفلسفة والجدل قد أضرت بالإسلام الحقيقي العربي النشأة. وأن الأعاجم قد أدّوا الدور الأهم في صناعة هذه المباحث، التي خلقت التشيع والفرق الدينية الكثيرة، ورأى في التصوف ابتعاداً عن الفعل، وهروباً من الحياة وهو إذ حصر الدين – دون زيادة أو نقصان – في القرآن والحديث، فإنما أراد أن يضيق أكثر فأكثر من حركة الدين ذاته، وتحويله إلى عبادات وقيم أخلاقية بعيداً عن مسائل الحياة السياسية قبل كل شيء. وأفق تفكيره محكوم أصلاً بما أتاح له أواخر القرن التاسع عشر. أما العقاد فإنه مدافع وبصراحة عن المجتمع التقني في شروط منتصف القرن العشرين. إنه ضد الشيوعية وضد الاستعمار ومع الرأسمالية بآن واحدة. ولهذا فهو ضد الفلسفة وضد الأيديولوجيا ومع العلم. والإسلام مقبول بوصفه غير متناقض مع العلم، أي مع الرأسمالية. ودون أن يفسد عملية التحديث والعقاد برجماتي نخبوي من الطراز الرفيع، لا يريد للفلسفة وللأفكار التحررية أن تنتشر بين العامة وأشباه العامة.

أراد الكواكبي أن يسحب الدين من السلطة الاستبدادية، ويهاجم الدين السائد بوصفه أداة من أدواتها. فالسياسيون الإفرنج مصيبون في نظرتهم إلى القرآن بوصفه مؤيداً للاستبداد السياسي أو مؤيداً منه. ومع ذلك فلهم الحق عندما يبنون حكمهم هذا على مقدمات ما يشاهدون من حال المسلمين من استعانة مستبديهم بالدين.

بل إن فقر الأمة وجهلها ليس إلا مظهراً من مظاهر التخلي عن الشريعة الإسلامية كما هي. لقد كتب يقول «إن شريعتنا مبنية على أن في أموال الأغنياء حقا معلوما للبائس والمحروم، فيؤخذ من الأغنياء ويوزع على الفقراء، وهذه الحكومات الإسلامية، قد قلبت الموضوع، فصارت تجبي الأموال من الفقراء والمساكين وتبذلها للأغنياء وتحابي بها المسرفين والسفهاء».

والحقيقة أن إسلام الكواكبي إسلام بسيط وليس معقداً، فالله شعور فطري لا يحتاج إلى دليل عقلي على وجوده. وما حاجة البشر إلى الرسل إلا من أجل الاهتداء إلى كيفية الإيمان بالله كما يجب من التوحيد والتنـزيه. ومحمد عليه السلام بلّغ رسالته ولم يترك ولم يكتم منها شيئاً، وإنه أتم وظيفته بما جاء به من كتاب الله وبما قاله أو فعله أو أقر على سبيل التشريع كمالاً لدين الله.. ولا بد من اتباع ما جاء به ‘الصريح المحكم من القرآن’ والواضح الثابت كما قاله الرسول أو فعله أو أقره أو ما أجمع عليه الصحابة. إن أدركنا حكمة التشريع أو لم نقدر على إدراكها، وأن نترك ما يتشابه علينا من القرآن منقول فيه، كل من عند ربنا وما يعلم تأويله إلا الله».

إن التشديد على أن الرسول قد بلّغ رسالته دون أن يكتم منها شيئاً، يعني سد باب التأويل والاجتهاد العقليين. ولهذا يؤكد أن الزيادة أو النقصان على ما بلّغنا إياه رسول الله أمر محظور.

والحياة بكل أبعادها لا تنحصر بهذا الحيز الضيق من الدين. وهذا ما وعاه الكواكبي، إذ من أصول الدين – كما يرى – أن نكون مختارين في شؤوننا الحيوية، نتصرف بها كما نشاء، مع رعاية القواعد العمومية التي شرعها الرسول وتقتضيها الحكمة الفاضلة «كعدم الإضرار بالنفس، والاعتدال بالأمور، والإنصاف في المعاملات والعدل في الحكم والوفاء بالعهد.. الخ. إن شؤون الحياة هي بلغة معاصرة مجالات الاقتصاد والأخلاق والسياسة وهي مجالات يتضمنها مفهوم أو مصطلح الإسلامية الذي ينطوي بنفس الوقت على الأصول. فالإسلامية مؤسسة على «الإرادة الديمقراطية أي العمومية، والشورى الأرستقراطية أي شورى الأشراف وقد مضى عهد النبي عليه السلام وعهد الخلفاء الراشدين على هذه الأصول بأتم وأكمل صورها، خصوصاً أنه لا يوجد في الإسلامية نفوذ ديني مطلق في غير مسائل الدين».

إذن الكواكبي يميز بين الدين والسلطة المدنية. فالإسلامية فلسفة الحياة إن صح التعبير، الحياة الاجتماعية. ولكنها بالمعنى السياسي استعادة لمفهوم الشورى أو لحالة السلطة زمن الرسول التي لم تكن دينية خالصة.

والشورى بالمعنى الكواكبي، تعزل العامة عن المشاركة في الحياة السياسية لأنها شورى أرستقراطية، شورى الأشراف. أي أن الأشراف هم الورثة الشرعيون لسلطة النبي والخلفاء. وكان الكواكبي يعتبر نفسه من هذه الفئة. والديمقراطية – بهذا المعنى – ديمقراطية فئة تذكرنا بأحرار اليونانيين. فلم يكن مفهوم الديمقراطية عند الكواكبي ذا مضمون شعبي، أو غربي تنويري، بل مضمون مشتق بالأساس من الماضي العربي، وتحقيق الديمقراطية – أصلاً – ليس رهناً باختيار الشعب، وقدرته على تغيير السلطة، بل هو ثمرة حكمة عقلاء الأمة على عنف الدهماء.

هل يتنافى مفهوم الإسلامية مع نزعة الكواكبي ضد الاستبداد؟ ربما، ويجب ألاّ نتوقع من الكواكبي خطاباً خالياً من التناقض .

القومية الكواكبية:

بب

الخلافة العربية والرابطة الإسلامية

يكاد يجمع أكثر مؤرخي عصر النهضة العربية، على أن الكواكبي يعتبر أحد أهم مؤسسي الاتجاه القومي العربي بل العروبة. غير أن قبول هذا الرأي يصطدم في نهاية تحليل فكر الكواكبي في إطار عصره برفض مشتق من فكر الكواكبي ذاته. ويجب أن نميز في واقع الحالبين نزوع قومي بدائي يعلي من شأن العرب – كجماعة – وبين تأسيس نظري لمفهوم الأمة العربية والدولة السياسية العربية. والكواكبي مفكر يندرج في إطار النـزوع القومي البسيط، ونقصد بالبسيط أنه نزوع ما قبل برجوازي، ولا ينطوي على نزعة قومية تحررية علمانية. الكواكبي قبل كل شيء مسلم يكره الأتراك، كحكام متسلطين يحتقرون العرب كما أحس الكواكبي في حينه. في حالة كهذه إنما تقوم المفاضلة بين الأقوام: أيهما أفضل وأحق بالحكم. وهذه حالة ليست جديدة وقد اتخذت في مرحلة من المراحل صفة الشعوبية. إذ ذاك يغدو الموقف معروفاً سلفاً بالنسبة إلى الكواكبي. العرب أفضل من الترك وبهم يجب أن تناط السلطة ولهم يجب أن يكون حكم الدولة الإسلامية.

لقد أورد الكواكبي في أم القرى، على لسان السيد الفراتي، الأوصاف التي أطلقها الأتراك على العرب، ويشير إلى احتقار الأتراك للعرب كقولهم عن عرب الحجاز العرب الشحاذين، وإطلاقهم لقب الفلاحين الأجلاف على أهل مصر، وقولهم في عرب سوريا أدع الشام وسكرياتها ولا ترى وجوه العرب ووصفهم العربي بأنه قذر.. الخ.

وفي رد فعل على هذه الأوصاف التي يطلقها الترك على العرب، لا يجد العربي حرجاً في القول «ثلاث خلقن للجور والفساد القمل والترك والجراد».

ولا يتوقف الأمر عند كره الترك للعرب، بل إن الفراتي لا يرى في الترك أو بكلمة أدق في سلاطينهم حافظين للدين. فالسلطان محمد الفاتح – وهو أفضل آل عثمان – قد قدم الملك على الدين، حيث تآمر على إزالة بني الأحمر مع فردينان ملك الأرغوان، والسلطان سليم غدر بآل العباس واستأصلهم حتى أنه قتل الأمهات لأجل الأجنة، كما أعان سلاطين آل عثمان الروس على التتار المسلمين وأباحوا الربا. ومعاداة العرب معاداة للدين، فلا يبقى إلا أن تنحصر الخلافة بالعرب، لا تعصباً للعرب – كما يقول – بل لأنه يرى ما لا بد أن يراه كل مدقق يتفحص الأمر: من أن الغيرة على الدين وأهله والاستعداد لتجديد عز الدين منحصران في أهل المعيشة البدوية من العرب، والمشيئة الإلهية حفظتهم من تلك الأمراض الأخلاقية التي لا دواء لها. والعرب من المسلمين أقرب من غيرهم للأنفة وحسن المعاملة والثبات على العهد.

والعرب في نظر الكواكبي أيضاً نوعان، عرب الجزيرة والعرب عامة .وعرب الجزيرة هم الذين يعول عليهم الكواكبي قبل كل شيء في قيادة الشعوب الإسلامية، لأسباب جغرافية أخلاقية.

فإلى جانب أن الجزيرة مشرق النور الإسلامي وفيها المسجد النبوي والكعبة العظيمة فعرب الجزيرة مستحكم فيهم التخلق بالدين لأنه مناسب لطبائعهم الأهلية أكثر من مناسبته لغيرهم، وهم أعلم بقواعد الدين وأكثر الناس حرصاً على حفظه. ومازال الدين عندهم حنيفاً سلفياً. وهم أقوى المسلمين عصبية لما فيهم من خصائص البدوية. وأمراء الجزيرة جامعون بين شرف الآباء وشرف الأمهات والزوجات، وعرب الجزيرة أقدم الأمم مدنية وأقدرهم على تحمل شظف العيش، وأحفظ الأقوام على جنسيتهم وأحرصهم من بين الأمم الإسلامية على الحرية والاستقلال، كما أن الجزيرة أنسب المواقع لأن تكون مركزاً للسياسة الدينية لتوسطها بين أقصى آسيا شرقاً وأقصى أفريقيا غرباً، وأفضل الأراضي لأن تكون ديار أحرار لبعدها عن الطامعين والمزاحمين نظراً لفقرها الطبيعي.

أما العرب عامة فلغتهم أغنى لغات المسلمين في المعارف ومصونة بالقرآن الكريم من أن تموت، وهي لغة عامة المسلمين .

والعرب أقدم الأمم اتّباعاً لأصول تساوي الحقوق وأعرقهم في أصول الشورى وأهداهم لأصول المعيشة ال اشتراكية. وأنسبهم لأن يكونوا مرجعاً في الدين.

من الخطأ – طبعاً – أن نتعامل مع هذه الأفكار وفق مستوى المعرفة الراهنة وفي إطار شروطنا التاريخية المعاصرة. ومع ذلك من الخطأ أن نعتبرها موقفاً ناضجاً من قضية العروبة «كما يرى محمد عمارة مثلاً».

فالعروبة مصطلح يشير إلى المذهب القومي العربي في صورته التي أخذها في فترة ما بين الحربين وما بعدها. وهي صورة وجود أمة عربية واحدة لها مقوّماتها الأساسية التي لا تختلف عن مقومات أيّ أمة، وحدة اللغة والتاريخ والأرض والثقافة والمصالح. أمة تنزع إلى إقامة وحدة سياسية، ودولة تضم جميع أبناء الأمة الواحدة بمعزل عن أية رابطة أخرى ولاسيما رابطة الدين.

ولم يكن الكواكبي قادراً في عصره على الوصول إلى ذلك المستوى من التفكير القومي. إذ ظل مفهوم الأمة لديه مفهوماً غامضاً تارة يشير إلى معنى الجماعة، وتارة إلى معنى الرابطة الإسلامية، ولهذا ليس غريباً أن يكون المصطلح الذي قدمه الكواكبي للتعبير عن اتجاهه في الفكر السياسي هو مفهوم الإسلامية.

والعرب لا يشكلون بالنسبة إليه أمة واحدة ولم يصدر في آرائه عن هدف مباشر أو غير مباشر في إقامة دولة عربية واحدة. بل إن قيمة العرب وأهميتهم وضرورة أن يكونوا مركز الدولة الإسلامية وأرستقراطيتها قائمة في كونهم مسلمين أصلاء قبل كل شيء، ولغتهم لغة القرآن، أو بكلمة أدق العرب عند الكواكبي قيمة أخلاقية، ولاسيما الجزء الذي لم يفسد منهم وظلوا على بداوتهم أي عرب الجزيرة .

وعرب الجزيرة في عصر الكواكبي مجموعة من القبائل المتناحرة، تعيش حياتها المجتمعية في مرحلة ما قبل الرابطة الدينية أو القومية. بل إن رابطة القبيلة هي الرابطة الأقوى التي تحدد انتماء العربي آنذاك. وبالتالي حتى الصفات التي خلعها الكواكبي على عرب الجزيرة لم تكن أكثر من صفات موجودة في ذهن الكواكبي فقط، في الوقت الذي كان فيه عرب الشام أكثر إحساساً برابطة القومية وإن كانت هي الأخرى لم ترق إلى مستوى التعبير عن أمة متعينة.

ومن الخطأ الانطلاق من دعوة الكواكبي إلى إقامة خلافة عربية يخضع لها جميع المسلمين إلى الإقرار بنضج فكرة العروبة عنده.

ما يؤكد قولنا، السابق هو حديث الكواكبي عن الشرق الذي يقف مقابل الغرب، وهو في هذه النقطة أكثر إحساساً بشرقيته من انتمائه العربي، شرقية ولّدها العداء للغرب. أي إن الغرب الذي ينظر إليه الكواكبي  نظرة عداء لم ينتج لديه مفهوم العرب أو الأمة العربية بل مفهوم الشرق الذي يضم أقوماً أخرى كثيرة غير العرب.

يجب أن نشير هنا إلى أن كره الكواكبي للغرب لم يصدر عن النظرة إلى الغربيين بما لديهم من صفات عرقية كما ظن هشام شرابي (4) مستنداً إلى نص التقطه من طبائع الاستبداد، أجل لقد كتب الكواكبي يقول «الغربي مادي الحياة، قوي النفس، شديد المعاملة، حريص على الاستئثار، حريص على الانتقام، كأنه لم يعد عنده شيء من المبادئ العالية، والعواطف الشريفة التي نقلتها له مسيحية الشرق، فالجرماني جاف الطبع، يرى أن العضو الضعيف في الحياة من البشر يستحق الموت، ويرى كل الفضيلة في القوة، وكل القوة في المال. فهو يحب العلم ولكن لأجل المال، ويحب المجد ولكن لأجل المال. واللاتيني منه مطبوع على العجب والطيش، يرى العقل في الإطلاق، والحياة في خلع الحياء، والشرف في الزينة واللباس، والعز في التغلب على الناس».

في النص السابق رسم الكواكبي صورة صحيحة جداً للغرب في عصره أي كان حديثه عن المجتمعات الرأسمالية الغربية. إنها صورة الرأسمالي الذي رآها الكثير من الغربيين المفكرين آنذاك. إنه مجتمع خال من القيم النبيلة وقيمة القيم هي المال، التي تحطم العواطف النبيلة، والمال يفسر حبهم للعلم والمجد، وإذ كانت هذه الصورة للغرب صورة صحيحة، فإن الكواكبي لم يكن قادراً على تحليل أسباب بروز هذه الصورة الأخلاقية الكريهة للغرب تحليلاً عميقاً. والمال عنصر أساسي من عناصر تحطيم القيم الأخلاقية العالية بالمعنى الكواكبي. ولكن متى وكيف يصبح المال سبباً لتحطيم القيم؟ هذا ما لم يلتقطه الكواكبي. وإن النقد الأخلاقي للغرب لا يعني على الإطلاق أن الكواكبي وقف موقفاً عدائياً من المجتمع الرأسمالي عامة. بل أدان فقط مظاهر المجتمع الرأسمالي، وتقابل هذه الصورة الأخلاقية الشنيعة للغربي صورة سياسية جميلة له. مما يدل على أن الكواكبي الذي يكره الغرب معجب بنفس الوقت بمستوى الحياة السياسية التي وصل إليها. ولا بأس هنا أن نورد الاختلاف الذي رآه الكواكبي بين الغربي والشرقي فيما يتعلق بوعيهما السياسي.

ببب

“وهكذا بين الشرقيين والغربيين فروق كثيرة قد يفضل في الإفراديات الشرقي على الغربي، وفي الاجتماعيات يفضل الغربي على الشرقي مطلقاً (6). لماذا؟ يقول الكواكبي: الحكماء المتأخرون الغربيون ساعدتهم ظروف الزمان والمكان وخصوصية الأحوال، لاختصار الطريق فسلكوه، واستباحوا ما استباحوا، حتى إنهم استباحوا في التمهيد السياسي تشجيع أعوان المستبد على تشديد وطأة الظلم والاعتساف بقصد تعميم الحقد عليه، بمثل هذه التدابير القاسية نالوا المراد، أو بعضه من تحرير الأفكار وتهذيب الأخلاق وجعل الإنسان إنساناً».

ساعدت في تكوين أخلاق الغربي ظروف الزمان والمكان وخصوصية الأحوال. إذن لا فرق بين الشرقي والغربي من الناحية العرقية. وليس بيننا – ولاسيما عرب الجزيرة – وبين أعظم الأمم الحية المعاصرة فرق سوى في العلم والأخلاق العالية».

والحقيقة أن الغرب يضيء الطريق أمام الكواكبي لرؤية عوامل الإصلاح السياسي في الشرق، والذي لا يقوم إلا بالعلم والديمقراطية، فالشرق أهمل العلم، بل وصار يرمي المتطلع إلى العلم بالزندقة عادة في هذا الشرق «على حين أخذت هذه العلوم تنمو في الغرب وعلى كل القرون ترقت وظهر لها ثمرات عظيمة في كافة الشؤون المادية والأدبية، حتى صارت كالشمس لا حياة لذي حياة إلا بنورها فأصبح المسلمون مع شاسع بعدهم عنها محتاجين إليها لمجاراة جيرانهم ».

وكما يقدم العلم سبل التقدم، فإن نزوع الاستبداد طريق آخر لمجاورة الجيران، فإن دول أوربا وأميركا واليابان قد «أسعفها جدها لتبديد استبدادها، ولذلك نالت الشرف الحسي والمعنوي ما لا يخطر على بال أسراء الاستبداد».

والغرب ذاته – هذا الذي نظر إليه كمواطن العلم والديمقراطية – هو غرب طامع بالشرق وأدرك الكواكبي بصورة لا تخلو من الفطنة وعمق النظر للطبيعة العدوانية الاستعمارية التي ينطوي عليها غرب العلم والديمقراطية. وكشف الأهداف غير المعلنة للتملق الغربي والمستور وراء ضبط سلوكه السياسي في الشرق.

كتب الرحالة (ك) قائلاً «هذا الغربي أصبح مادياً، لا دين له غير الكسب، فما تظاهره مع بعضنا بالإخاء الديني إلا مخادعة وكذبة، هؤلاء الفرنسيون يطاردون أهل الدين، ويعملون على أن يتناسونه، بناء عليه لا تكون دعواهم الدين في الشرق إلا كما يغرد الصياد وراء الشباك».

إن اكتشاف الأهداف الاقتصادية الكامنة وراء تدخل الغرب وأوروبا، في شؤون الشرق في تلك المرحلة المبكرة، وعي متقدم جداً، يميط اللثام عن وجه الغرب الحقيقي الذي بدا للبعض مخلصاً في سعيه لتقدم الشرق، «فالغربي مهما مكث في الشرق لا يخرج عن أنه تاجر مستمتع، فيأخذ مشاتل الشرق ليغرسها في بلده».

والكواكبي واحد من القلائل الذين استخدموا مصطلح الاستعمار للدلالة على الغرب، الاستعمار الذي لا يعينه أبداً أن ينقل حضارته إلى الشرق، فالغربي يعرف كيف يسوس، وكيف يتمتع، وكيف يأسر، وكيف يستأثر، فمتى رأى فيكم استعداداً واندفاعاً لمجاراته أو سيقه، ضغط على عقولكم لتبقوا وراءه شوطاً كبيراً كما يفعل الروس مع البولنديين وكما هو شأن دول الاستعمار».

والطبيعة الاستعمارية للغرب التي شدد عليها الكواكبي، وكان فذاً في ذلك، لم تمنعه من رؤية جانب آخر إنساني يمكن أن يقدمه أحرار الغرب استناداً إلى هذا الجانب، مساعدة للشرق في الخروج من شروره.

كتب مؤلف أم القرى قائلاً «رعاك الله يا غرب.. وحياك وبيّاك قد عرفت لأخيك سابق فضله عليك، فوفيت وكفيت.. وقد اشتد ساعد بعض أولاد أخيك فهلا تنتدب بعض شيوخ أحرارك لإعانة أخيك على هدم ذاك السور، سور الشؤم والشرور ليخرجوا بإخوانهم إلى أرض الحياة فيشكرون فضلك والدهر مكافأة». ما الذي يجعل الكواكبي الذي اكتشف بعمق الطبيعة الاستعمارية للغرب، معتقداً بأن الشرق والغرب أخوان؟

يبدو لي أن في حديث الكواكبي عن الأخوّة التي تجمع الشرق والغرب، تمايزاً مضمراً ينطلق منه الكواكبي بين السلطة الاستعمارية الغربية، وبين المجتمع الغربي الذي لا يخلو من جوانب إنسانية ثقافية. لهذا، لم يخاطب الكواكبي الدولة الغربية ذاتها، بل شيوخ أحرار الغرب، ذوي النـزعة الإنسانية المتناقضة مع الطبيعة الاستعمارية للدولة.

كأنه أراد أن يقول: إنه مهما بدت لنا الطبيعة العدوانية الاستعمارية للغرب واضحة، فإنه لا غنى للشرق إذا ما أراد أن يتقدم عن هضم منجزات الغرب ذاتها. وهذا لن يتم إلا خارج العلاقة التي تفرضها الدولة الغربية الاستعمارية. ونحن هنا أمام إقرار بشكل غامض قليلاً بوحدة التاريخ البشري والتواصل القائم بين الحضارات. فالغرب ذاته – كما يرى الكواكبي – لم يتقدم إلا بفضل الشرق وانتقال علومه وثقافته إلى الغرب فجاء دور الغرب ليرد الجميل إلى الشرق. ولكن التعويل على شيوخ أحرار الغرب نزعة رومانسية لا تستطيع القبض على جدل انتقال الثقافات. فالمسألة مرتبطة في ذهن الكواكبي بموقف أخلاقي أكثر منه بالتقاط الشروط الموضوعية للعملية .

وإذا كانت حاجة الشرق إلى الغرب حاجة امتلاك لتقدمه المادي، فإن حاجة الغرب إلى الشرق ذات طبيعة أخلاقية «يا غرب… لا يحفظ لك الدين غير الشرق، فماذا أعددت للفوضويين إذا صاروا جيشاً جراراً ».

فجوهر التناقض بين الشرق والغرب، بين مصالح الشرق في التحرر والتقدم وبين مصالح الغرب في الاستعمار والاستقلال. وبالتالي ليس تناقضاً دينياً بين الإسلام والمسيحية، هذه من جهة ومن جهة أخرى، فإن الشرق مدعو لامتلاك قوة الغرب، التي رآها الكواكبي في اجتماع شعوب كبيرة، وبارود أبطل الشجاعة، وكشف لأسرار الكيمياء والميكانيك، واكتشاف الفحم وعقد الشركات المالية الكبيرة.

ينحصر تفكير الكواكبي إذن في العمل من أجل مجتمع رأسمالي ذي أخلاق إسلامية طوباوية تريد أن توفق بين ما لا يتوافق . ولكن ما هو هذا الشرق الذي يحمل همه الكواكبي؟ هل هو من طبيعة جغرافية أم قومية أم دينية؟

في نص صريح للكواكبي يقول «ما أحوج الشرقيين أجمعين من بوذيين ومسلمين ومسيحيين وإسرائيليين وغيرهم إلى حكماء لا يبالون بغوغاء العلماء الغفل الأغبياء والرؤساء القساة الجهلاء».

فالشرق بهذا المعنى جامع للأديان الأربعة.. إنه عالم الحضارات القديمة.. إنه مفهوم ذو دلالة ثقافية جغرافية تدخل فيه جميع الشعوب العربية والهندية والتركية والمغولية آنذاك.

ومن المفيد الإشارة إلى أن مصطلح الشرق كان مصطلحاً شائعاً في الكتابات العربية في عصر النهضة. وليس غريباً أن يفرد أديب إسحاق لهذا المصطلح فصلاً خاصاً تحت عنوان “ما هو الشرق”. ويخلص إلى القول أن «تعريف هذا اللفظ عرقي لا ينطبق على حكم علمي، أو حد جغرافي والمشهور فيه أن يطلق على بلاد آسيا من دون القسم الروسي وعلى بلاد الروم من أوروبا والقطر المصري من أفريقية”. ثم يضيف “إن الأوروبيين إن اختلفت آراؤهم في تعريف الشرق وتحديده، فقد اتفقوا على الاعتقاد بانحطاط الشرقيين عنهم في رتبة الوجود (7).

وغالباً ما كان يطلق هذا المصطلح في إطار الرد على الغرب الذي يضم دول أوروبا الرأسمالية. فهو بهذا المعنى ينطوي على معنى حضاري في النهاية.

نخلص إلى القول إن اللغة السياسية التي عرض الكواكبي فيها آراءه لم تتحدد كلغة مفكر قومي يشعر بانتمائه إلى أمة محددة بالمعنى المعاصر لهذه الكلمة . فهو مسلم تارة، وتارة أخرى عثماني، وطوراً عربي، وطوراً آخر شرقي، وإن شئت القول فهو مسلم عثماني عربي شرقي، ولا يحسبنّ أحد أن هذا الانتماء تعبير عن وعي مسبق، بل هو انعكاس لمستوى تطور الانتماء السياسي والثقافي والاثني في ذلك العصر.

تؤرقه حالة المسلمين قاطبة فهو مسلم، يدافع عن دولة تنهشها الأطماع الأوروبية الرأسمالية الاستعمارية فهو عثماني، ويدافع عن حق قومه في الزعامة ضد من سلب الخلافة فهو عربي، وينظر إلى الغرب بوصفه استعماراً فهو شرقي. وهاجسه في النهاية دولة إسلامية شورية متأوربة مدنية، وخليفة شريف ذو أخلاق إسلامية بدوية عربية يجمع كلمة المسلمين.

مرة أخرى، أوتوبيا نشأت وترعرعت في غياب القوى الحية التي تصنع التاريخ.

 

الهوامش:

(1) كرد علي محمد، مذكرات ج 1- 2، دمشق، ص 48 – 51. 

(2) العقاد، عباس محمود، الرحالة كاف، القاهرة، 1959، ص 128 – 129. 

(3)  العقاد، مصدر سابق، ص 132.

(4) شرابي، هشام، المثقفون العرب والغرب، ص 105.

 (5) ديوان النهضة، بيروت، 1982، ص 76 – 97. –

(6) ديوان النهضة، ص 96. –

(7) إسحاق، أديب، الكتابات السياسية والاجتماعية، جمعها وقدم لها ناجي علوش، بيروت، 1982، ط 2، ص 195. 

 

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.