المراهقة كمفهوم منفلت من التحديد

المراهقة كمفهوم منفلت من التحديد

جاء في اللسان أن المراهق هو الغلام الذي قارب الحُلُم، وظل هذا المفهوم التقليدي للمراهقة مرتبطا بالبلوغ، أي عندما تبلغ البنت المحيض وتصبح قادرة على الإنجاب، وعندما يبلغ الولد الحلم ويصبح قادرا على الباءة. أما المحدثون فقد اعتبروا البلوغ مرحلة فرعية داخل مراحل المراهقة، التي هي في نظرهم تغيرات جسدية وعقلية وعاطفية واجتماعية تعتري الطفل بداية من بلوغه الحلم، بينما أكد باحثون من بريطانيا وأستراليا، في مقالة علمية نشرت مؤخرا بمجلة “لانسيت”، أن مرحلة المراهقة تقع اليوم ما بين سن العاشرة والرابعة والعشرين، نتيجة التغيرات الفيزيولوجية والاجتماعية التي نشهدها منذ نصف قرن.
الأحد 2018/07/01
لوحة: شادي أبو سعدة

كل ذلك يقيم الدليل على أن المراهقة لم تخضع لتعريف محدد، لأن الناس دأبوا منذ القدم على تقسيم حياة الإنسان إلى ثلاث مراحل أساسية هي الطفولة والكهولة والشيخوخة، وما المراهقة في تصورهم إلا عملية انتقال من مرحلة إلى مرحلة. ففي الغرب مثلا، ظهر هذا المصطلح أول مرة في أعمال عالم التربية التشيكي يان أموس كومنسكي الشهير بكومنيوس (1552-1670)، ولكنه لم يجر على الألسنة إلا في القرن التاسع عشر إبان الثورة الصناعية، عندما صارت سيطرة الأولياء على المراهقين تمتد حتى سن الزواج، بعد أن كانت في القرن الوسيط مقترنة بالبلوغ، حيث كان المراهقون يخضعون منذ سن الثانية عشرة للأعمال الفلاحية لدى أحد الإقطاعيين، أو للانخراط في ميليشيا أحد الأسياد، بينما يلتحق أبناء النبلاء بالمدارس الداخلية، وليس للبنات بداية من هذه السن إلا الزواج أو خدمة الأرض. ورغم ذلك، ظل المصطلح عصيا على تحديد موحّد، إذ اختلف العلماء في تعريفه باختلاف اختصاصاتهم.

من وجهة نظر علم النفس، يعتبر الأميركيان لي جي ستون وجي تشيرش المراهقة “حالة ذهنية، ونمط حياة يبدأ من البلوغ وينتهي عندما يكتسب الفرد حرية قراره، أي عندما يصبح ناضجا اجتماعيا وعاطفيا، يملك الخبرة والدافع الضروري لتحقيق دور الكهل”. وهي في رأي عالم التحليل النفسي الأميركي بيتر بروس “مرحلة ينصرف فيها المرء عن صور التعلق الطفولي ليتعلق بصور أخرى”. أما عند عالم الاجتماع الفرنسي جيرار لوت فهي “مرحلة تهميش وتبعية مفروضة على فئة عمرية تمتلك كل الخصائص التي تؤهلها كي يُنظر إليها ككهلة”.

ويبقى التعريف الأكثر شيوعا هو ذلك الذي وضعته البريطانية هيلين بي، والذي يلخص المراهقة في كونها “مرحلة انتقالية يتغير الطفل خلالها جسمانيا وذهنيا ومعرفيا لكي يغدو كهلا”، وأضاف إليه البلجيكي ميشيل كلايس التغيرات الحاصلة في علاقات المراهق مع محيطه، مؤكدا أن المراهق لا يقف من تلك التحولات موقف المتفرج السلبي، بل ينخرط كفاعل جادّ حريص على بناء حياته الخاصة.

فكيف تنظر الفلسفة إلى المراهقة، كمرحلة يواجه فيها الفرد وقائع جديدة على المستويات الفيزيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية؟

في “فلسفة أعمار الحياة”، ينطلق إريك ديشافان وبيير هنري طافوالّو، أستاذا الفلسفة بالسوربون، من معاينة جوهرية، وهي أن المجتمعات الحديثة شهدت تحولا ديمغرافيا هزّ سلّم الأعمار، فمعدل طول العمر في فرنسا قُدّر بـ79 سنة عام 2000، بعد أن كان 43 سنة فقط عام 1900، حين كانت الطفولة مدخلا مباشرا إلى الحياة، وكانت الشيخوخة مدخلا إلى الموت، وكانت الكهولة ما بينهما مثال الوجود الحقّ. أما اليوم، فقد بات الكهل محاصرا بالطفولة التي امتدت بشكل غير مسبوق، وبالشيخوخة، أو ما صار يعبر عنه اليوم بالسن الثالثة، التي حازت من المتع والفسح والصحة والراحة ما لم تنعم به الأجيال السابقة. وبذلك لم تعد الكهولة مثلا أعلى تمارس فيه الحرية، بل باتت زمن المشاغل والمتاعب والمسؤوليات.

يبين المؤلفان أن الفردانية، التي تسم المجتمعات الديمقراطية المعاصرة، هي سبب تفكيك سلّم الأعمار التقليدي. ما دام “البشر يولدون أحرارا ويبقون أحرارا ومتساوين في الحقوق”، صار من الصعب جعل تفوق الكهل أمرا مشروعا. والكاتبان يثمنان الدور الفعال الذي لعبه روسو في تفكيك الأعمار، إذ لا وجود عنده لتراتبية، فالطفولة والمراهقة والشيخوخة في نظره تشترك كلها في الإنسانية، بل إنه أول مفكر رفع الطفولة إلى مستوى الكهولة وساهم بوجه ما في خلخلة صورة الكهل، وخلقِ توقٍ محموم إلى الشباب الأبدي، وهيمنة الطفل الملك التي تسم مرحلتنا.

وهما إذ يستندان إلى أعمال لفيف من الكتاب مثل سارتر وسيمون دو بوفوار، يؤكدان على ضرورة إعادة طرح الأسئلة التالية: ما الكهل؟ ما الطفل؟ وما الشابّ؟ وإن كانا يقرّان بصعوبة تحديد الطفل في العصر الديمقراطي، فالطفل مساوٍ ومختلف في الوقت ذاته: إن ألححنا على المساواة أهملنا طفولة الطفل، وإن آثرنا اختلافه حبسنا الطفل في الطفولة. لحل هذه المشكلة، يستعين المؤلفان بعالم النفس البلجيكي جان كلود كنتيل، الذي يؤكد أن الطفل كائن عقلاني منذ ولادته، إلا أن عقلانيته تختلف في نقطة جوهرية وهي المرور إلى البيشخصية intersubjectivité (أي حالة الاتصال بين شخصين) والعلاقة الاجتماعية، لأن الطفل لا يملك قدرة الانزياح عن المركز، فهو من ناحية كهل مكتمل، قادر على التفكير والفعل والرغبة، ومن ناحية أخرى هو نقيض الكهل لكونه لا يدرك البيشخصية، إلا عندما يبلغ المراهقة.

لوحة: شادي أبو سعدة
لوحة: شادي أبو سعدة

ومن ثم فالطفل يعيش في تبعية، أي أنه يتلقى قانون طرف آخر (أهله)، بينما المراهق يملك إمكانية إقامة مسافة بينه وبين ذلك القانون، تجعله قادرا على الاستقلال الذاتي. ولكن إذا كان المراهق معادلا للكهل فلماذا لا تصادف المراهقة الدخول في سن الكهولة؟ والسبب في رأي المؤلفين أن الحداثة ابتكرت الشباب، هذا الزمن الذي يُعدّ المرء لحياة الكهولة، فالشباب ليس مواصلة للمماثل وإنما هو زمن التكوين، حيث يكسب المرء بالتعليم والتربية إمكانية النجاة من مستقبل مرسوم سلفا. بين استقلالية مبكرة ونضج متأخر، تبدو مرحلة الشباب حالةً أكثر من كونها مسارَ تعلمٍ متدرجٍ وبناء هوية عن طريق التجربة.

وإذا كان ديشافان وطافوالّو ينكران تراتبية الأعمار ويؤكدان على الشباب كمرحلة تكوينية تهيئ الفرد لمعترك الحياة، فإن الفيلسوف بول أودي لا يرى في المراهقة مجرد مرحلة مفصلية بين الطفولة والكهولة، بل “مرحلة أزمة، أزمة عميقة تحمل معنى التوقف والقطيعة، الانشقاق والانفصال”. في كتابه “عند الخروج من الطفولة” يبين أودي أن المراهقة تتميز بكونها مأساة ميتافيزيقية مرتبطة بأول مواجهة بين الفرد وتناهي الإنسان. فالفرد يغادر الطفولة وهو واعٍ بأنه “لا يمكن أن يكون سببا في وجوده ذاته، وليس قادرا على اتخاذ القرار، لا فكريا ولا بدنيا، وليس مسؤولا عن مجيئه إلى الدنيا”، ويكتشف عند المراهقة أنه “عاجز لا يملك حيلة في عملية ولادته ولا في بقائه حيا”، ويرى نفسه مدينا في وضع عجز راديكالي عن سداد الدَّين. وما سيفعله المراهق بذلك الدين هو الذي سيحدد دخوله الكهولة من عدمه.

استنادا إلى أمثلة مستقاة من سير الأدباء وآثارهم كجان جينيه وفرانز كافكا وشكسبير ورامبو، يرسم أودي ثلاث طرق لمواجه الدَّيْن: “افتراض الذات”، “الانمحاق”، أو “ارتضاء الحال”، ويستقرئ المواقف الخاصة بالمراهقة، كالخجل والتذمر واليأس، على ضوء تلك المواجهة مع العجز، ليستخلص أن المراهقة هي زمن “قرار يتخذ في علاقة خاصة بالفرد”. هل يختار الاعتراف بالدين أم لا؟ سؤال يجعل المراهقة “اللحظة الإيثيقية الكبرى للوجود” في نظر أودي.

والكاتب لا يختلف هنا عن كثير من علماء النفس والاجتماع الذين نظروا إلى المراهقة كمسرح للحظة أزمة وبحث واكتشاف وتساؤل ميتافيزيقي، حين يلفي الفرد نفسه في مفترق طرق، بين ماض يريد تجاوزه ومستقبل يجهل ملامحه، يحاول التعامل مع وضع ولادته التي تحتكم إليها هويته وتسجيله داخل بنوّة. ولكن هل تنحصر المراهقة في سن البلوغ، المنذور مبدئيا لأن يعبره الفرد ويتركه خلفه؟ ماذا نحمل من هذه الطفولة، عند مغادرتها؟ وأي قرار تفرضه الإيثيقا على المراهق كي يضمن دخوله إلى سن الكهولة؟

من خلال تحليل لصورة هاملت وقراءة لقصيد لرامبو بعنوان “شباب”، يقترح بول أودي ربط خصائص “اللحظة المراهقة” في تصور خاص للتناهي الإنساني. ويحاول في الوقت نفسه وضع مقولة للتحليل النفسي الفرنسي المعاصر تعتبر أن “ما يحدث في سن المراهقة هو استعارة لإشكاليات مجتمعنا”. وفي رأيه أن المراهقة ليست زمن عبور بل زمن توقف، نكتشف خلاله وزن التناهي والواقع، فإذا كانت المراهقة تقاس بمعايير الزمن، فإن زمنها هو الزمن الذي يبدأ مع اكتشاف ذلك الوزن، فيما يتعهد الواقع بالتموقع داخل الانطباع والاضطهاد والإحباط.

فهل المراهقة ولادة ثانية يدخل خلالها المرء سن تأمل تتميز بنمط عيش جديدة، وثورة في العلاقة بالذات والآخرين والعالم، على رأي روسو، أم هي دين لا يحتمل، وسداد مستحيل كما يقول بول أودي؟ سؤال لم يحسم بعد.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.