المعلم والحروفي والمجرب

المعلم والحروفي والمجرب

ثلاثة رسامين من البحرين
الأربعاء 2018/08/01
لوحة: عبدالجبار الغضبان

الكتابة عن الفن التشكيلي في البحرين هي مناسبة للثناء على رجل فريد من نوعه هو ناصر اليوسف (1940-2006). لم أتعرف على ذلك الرسام الرائد إلا بعد أن فقد البصر، غير أنه كان يومها لا يزال يرسم بثقة. يتلمّس الخطوط بأصابعه لتصل الصور إلى دماغه بكامل شحنتها العاطفية. بطبيعة الحال لم يكن لدي تفسير علمي لما كان يجري. المؤكد أن أصابعه المولعة باختراع الأشكال كانت تتحرّك في منطقة صديقة.

كان كل شيء فيه حيّا، بمعنى ما تنطوي عليه الأشياء من قوة جذب واستجابة. في ذلك الوقت لم يكن لدي استعداد للحكم على أهمية ما كان يفعله اليوسف بناء على القيمة الفنية للصور التي ينجزها. كان يكفي أن أرى يده وهي تخترع خطا بثقة لكي أتأكد من أنه كان يرى بقوة الرسم. كانت الصور تحضر كما لو أنها تنبعث من الورقة. لقد رأيت محفوراته وهي تؤكد خبرته التقنية العالية التي لم تتعثر بسبب العمى.

الحرفة زائدا الخيال وهما طرفا المعادلة التي كان اليوسف مشدودا إليها من غير يأس. كلمني يوم التقيته عن رسومه كما لو أنه كان يراها. كان يراها أفضل مني. إنه يسمع أصواتها ويشم روائحها لأنها لا تزال بعد ملتصقة بجانب خفي من روحه. إنها لا تزال تقيم هناك. اليوسف كان أشبه بالنائم الذي يروي أحلامه. لذلك كان لقائي به حدثا عظيما بالنسبة إلي. يمكن لذلك الرجل المقاوم أن يكون بطلا لرواية عن السهر على الأرواح الهائمة.

كنت محظوظا أولا لأنني التقيت اليوسف شخصيا وثانيا لأن ذلك اللقاء كان تمهيدا صادقا وعميقا لعلاقة ربطتني بالفن التشكيلي في ذلك البلد العريق.

سنوات لها معنى

1948 كُتب أول تقرير رسمي عن الفن التشكيلي في البحرين كان موضوعه معرض أقيم في قصر القضيبية لنتاجات طلاب المدرسة الثانوية.

(1949-1957) شهدت البحرين إقامة عدد من المعارض الشخصية لبعض أفراد الجاليات الأجنبية كان أهمها عرض للفنان الدنماركي كارديفيد عام 1956.

1956 تأسست جمعية هواة الفن التي كانت تقيم معرضا سنويا للفن التشكيلي بعنوان معرض الربيع.

1960 تكوّنت مجموعة فناني البحرين. ثمانية فنانين جمعت بينهم رغبة الرسم في الهواء الطلق.

افتتح أول مكان لبيع اللوحات في شارع الشيخ عبدالله.

أقام عبدالكريم العريض أول معرض شخصي في البحرين.

1966 أقامت شركة كرارييل كرفل هيل معرضا متنقلا لفناني سبع دول من الشرق الأوسط كانت البحرين واحدة منها.

1970 تبنت الحكومة إقامة معرض سنوي للفن التشكيلي. لا يزال ذلك المعرض مستمرا حتى الآن.

1983 تأسست جمعية البحرين للفنون التشكيلية.

المعلمون الكبار

راشد العريفي، يوسف قاسم، عبدالكريم البوسطة، أحمد باقر حسن، عباس المحروس، أحمد قاسم السني، يعقوب يوسف، حسن قاسم السني، ناصر اليوسف، عبدالعزيز زباري، راشد سوار، إسحاق خنجي، عبدالكريم العريض، حسين السندي، أسامة عبدالصالح، سلطان السليطي وعبدالله المحرقي. هل نسيت أحدا؟

هؤلاء هم رواد الحركة التشكيلية في البحرين. يجد المرء في أعمالهم نضج البدايات التي شكلت في ما بعد قاعدة لنهوض الفن على أيدي المبتعثين لدراسته في العراق ومصر والولايات المتحدة. لقد تغيّرت طريقة النظر إلى الفن مع عودة أولئك المبتعثين نهاية السبعينات بتأثير مما تعلموه وعايشوه غير أن مجتمعا لا يزال متمسكا بقيم الوفاء لا بد أن يلتفت إلى ماضيه بقدر هائل من الامتنان. وعلى العموم فإن تجارب أولئك الرواد لم تكن بدائية أو فطرية. كانوا معلمين كبارا وهذا يكفي.

النساء في سحرهن

حضور المرأة في المشهد التشكيلي البحريني ليس علامة فارقة في بلد لا تغيب المرأة فيه عن المشهد العام. اعترف أنني لا أعرف شيئا عن وضع المرأة في القرى غير أنني سعدت بمجتمع مديني في المنامة، للمرأة فيه نصيب في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية. في هذا الجانب كنت محظوظا أيضا فبعد أن بهرتني تجربة بلقيس فخرو التي درست الفن التشكيلي وتاريخه في الولايات المتحدة أسعدني التعرف على تجربتي الرسامتين لبنى الأمين ونبيلة الخير.

فخرو رسامة تعرف معنى أن يكون المرء تجريديا. إنها تخلق لوحاتها لا من أجل أن تريح البصر فحسب بل وأيضا من أجل أن تدفعه إلى أن يتساءل عن لغز الجمال الكامن في تلك العلاقات بين المساحات اللونية. بناء لوحاتها الكلاسيكي يشي بتمكن استثنائي من الصنعة وخبرة خيال درج على خلق حكايات مثيرة من غير كلام.

أما الأمين والخير (قبل أن تتحول الأخيرة إلى التجريد) فقد رسمتا موضوعات محلية بعذوبة شرقية تخطت الوصف إلى سحر تلك الموضوعات. الأشياء لدى الأمين والنساء لدى الخير، كلاهما يتيحان الوصول إلى الشيء نفسه. هناك نوع من الحنين إلى علاقة مفقودة.

لماذا الرسامون الثلاثة؟

سؤال ماكر غير أنه ضروري. ليس المشهد التشكيلي في البحرين كبيرا ولدي أسبابي في اختيار هؤلاء الرسامين دون سواهم. كان من الممكن أن اختار عبدالرحيم شريف وهو صانع أعمال فنية مذهلة غير أنني لا أرتاح لتحولاته الأسلوبية التي يغلب عليها طابع الاقتباس. هناك إبراهيم بوسعد وكان زميلي في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد. مشكلة بوسعد تكمن في أنه بالرغم من صنعته الباهرة لا يزال أشبه بمَن ينتحل أسلوبا ليس له. ذلك الأسلوب هو أسلوبه الذي يكرره وبات سجينا في قفصه.

عبدالجبار الغضبان هو معلم فن الحفر الطباعي (غرافيك) في البحرين. عباس يوسف الذي لم يدرس الفن بل قاده شغفه بالخط العربي إليه هو الأكثر إحساسا بخيال المكان. أما راشد آل خليفة فيده تضفي سحرا على الأشياء والكائنات التي يرسمها. يكفي أن أصفه بأنه تلميذ ماتيس العربي.

عبدالجبار الغضبان المعلم بعصا الموسيقي

لوحة: عبدالجبار الغضبان
لوحة: عبدالجبار الغضبان

بعد أربعين سنة من الرسم يبدو العالم بالنسبة إليه منقسما بين قارتين. قارة تقيم فيها المرأة أو هي المرأة وقارة تقيم عليها كل الأشياء التي لا يمكن أن تُرى إلا من خلال حضور المرأة.

عالم أزرق لنساء متخيلات

لم يرسم عبدالجبار الغضبان إلا نساء، تجمعه بهن عاطفة لا محل للشهوة فيها. ألهمته المرأة رفعتها فصار يهذّب خطوطه وهو حفار عريق بما يعبر عن شعوره بقداسة ما يُرى.

لوحاته التي تشبه الأيقونات توحي برغبته في تطويب نسائه قديسات في زمان ومكان مطلقين، ذلك لأنه لم يلجأ إلى استعمال رموز وإشارات تشير إلى بيئة ثقافية بعينها، بالرغم من أن الناظر إلى تلك اللوحات لا بد أن تغمره تلك اللوعة الشرقية المنغمسة بهذيانات حكاياتها.

كان يمكن أن يكون الغضبان رسام حكايات لولا أنه اعتمد الاقتضاب والشد والتوتر في لغته المنفعلة بظهور فاتناته اللواتي يمارسن سحرهن عليه كما لو أنه لم يتعرّف عليهن من قبل.

أربعون سنة وهو يرسمهن ولا يزال يشعر بأن عالمه لم يكتمل ذلك لأنه لم ينته بعد من رسمهن. لذلك لم يكن غريبا أن يلجأ إلى الأزرق، لون السماء باعتباره الصبغة التي تقرب لغزه من واحد من أعظم معاني مفهومه المطلق.

بالنسبة للفنان البحريني فإن المرأة كائن ينحدر من السماء. رسام نسائه هو، غير أنه كان في الوقت نفسه معلما. لقد تزامنت سيرته رساما محدثا مع سيرته معلما محترفا. لو لم يفتتح الغضبان مشغله للحفر الطباعي “غرافيك” لتأخر ظهور ذلك الفن سنوات طويلة. وهو ما يضعه في موقع ريادي لم يكن يميل إلى تكريسه لا بسبب تواضعه بل بسبب شعوره بأنه يفعل ما يهب حريته معنى.

عبدالجبار الغضبان رسام حر. مديح الجمال بالنسبة إليه هو خلاصة الواجب الذي يؤديه الفنان في مواجهة الوضع البشري. لقد ألهمنا الغضبان فكرته. ليس العالم موجودا إلا إذا نُظر إليه من خلال المرأة.

معلم الحفر وصديقه الرسام

ولد عبدالجبار الغضبان في المنامة عام 1953. في بداياته كان مولعا برسم المناظر الطبيعية وقد تركت علاقته بالرسامين الرائدين ناصر اليوسف وعبدالكريم البوسطة أكبر الأثر في توجهّه الفني. درس فن الحفر الطباعي “غرافيك” في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. غادر دمشق عام 1981 ليعود إليها عام 1989 من أجل إقامة معرضه الشخصي الأول وكان قبله قد شارك في معارض جمعية البحرين للفنون التشكيلية. في العام نفسه أقام معرضه الشخصي الثاني، لكن في البحرين هذه المرة كما أنشأ محترفه الشخصي لفن الحفر الطباعي الذي أطلق عليه اسم “عشتار”.

من خلال محترف عشتار عرفت البحرين لأول مرة ذلك الفن فكان فرصة بالنسبة للفنانين البحرينيين للتعرف عليه وتعلمه. كان عباس يوسف وجمال عبدالرحيم من أوائل الفنانين الذين تعلموا فن الحفر على يد الفنان الغضبان. بعد ذلك ظهرت ثنائية “عباس يوسف وعبدالجبار الغضبان” في معارضهما المشتركة بالرغم من اختلاف أسلوبيهما. وكما يبدو فإن ما يجمعهما من طرق في التفكير في الفن والحياة كان أكبر من أن يقف أمامه اختلافهما الأسلوبي. صداقة فريدة من نوعها عززت موقعهما في المشهد الفني العربي، فأقاما معارضهما المشتركة في مدينتهما وفي الكثير من المدن العربية، وكانا يحضران المنتديات واللقاءات الفنية سوية.

جبار وعباس كانا عنوانا لمغامرة الحفر الطباعي بالرغم من أنهما لم يكفّا عن الرسم. ولأنهما شعرا بأن الظاهرة التي ارتبطت بثنائيتهما باتت في طريقها إلى الأفول فقد قررا أن ينفصلا في الوقت المناسب، بحيث صار كل واحد منهما يعرض أعماله بمعزل عن الآخر في السنوات الأخيرة. وهو من وجهة نظري إنجاز مهم في تاريخهما الشخصي. كانت ظاهرتهما ابنة زمانها الذي مضى.

تتطاير الحكايات في صومعته

تعلم الغضبان الرسم أكاديميا في سوريا، غير أنه حرص بقوة على أن لا يكون ابنا للمدرسة السورية من جهة أسلوبه في الرسم. لقد هضم تقنيات الرسم والحفر الطباعي هناك غير أن ذلك لم يدفعه إلى التأثر بأساليب معلميه. لقد كان مسكونا بمزاج خليجي يختلف كليّا عن مزاج المتوسط.

نساء الغضبان الطالعات من خرافة شعبية يتخذن طابعا رمزيا يوحي بالحكاية ولا يرويها. الوصف كله مشتبك بالشكل لا بالموضوع الذي لو سحبت منه الأشكال المبتكرة لبدا عاديا. يهب الرسام البحريني الوقائع اليومية العادية نوعا من السحر ليلحقها بعالم ما ورائي، يمكن للمرء أن يدرّب حواسه فيه على لذائذ لا تقع كل يوم.

بهذا المعنى تبدو نساء الغضبان كما لو أنهن قادمات من مكان خفي، بالرغم من أن حكاياتهن المسلية والأليفة تسكن أصواتها ذاكرة البسطاء. وفي هذا إنما يخلص الرسام إلى فلسفته في النظر إلى ترف داخلي تعيشه الروح لينعكس في ما بعد على الجسد.

مزاج الغضبان القريب من أحلام الناس البسطاء ينبعث من رغبة عارمة في تحدي فقر أولئك الناس بالجمال الذي تنطوي عليه أحلامهم. وهنا بالضبط تكمن واحدة من أهم عناصر الهوية التي اقترحها الغضبان على الرسم الحديث في البحرين. معلم الحفر الطباعي كان في حقيقته مبتكر لوحة تنتمي إلى المكان رغبة منه في إعادة خلق ذلك المكان بما يتناسب مع حقيقته. كان محترف “عشتار” صومعة لمتمرد نظر إلى الرسم من جهة ما ينطوي عليه من عدالة.

بعصا المايسترو

لأنه حفار فقد كان الخط حاضرا بقوة في لوحاته. كل حيوية في تلك اللوحات إنما تصدر عن الخطوط التي تلهم حساسيتها الرسام طاقة تندفع به في اتجاهات مختلفة. هذا رسام يتبع خطوطه التي تجري بهدوء من غير أن تتقطع. يمتعه أن يرى خطوطه وهي تنبعث من داخل السطح كما لو أنها تذكر بوجودها الذي سبق ظهورها العلني. يهمّه أن يؤكد الخط استقلاله لا باعتباره عنصرا من بين عناصر عديدة تتألف منها اللوحة بل باعتباره مايسترو اللحظة التي تنبعث فيها الموسيقى.

يرسم الغضبان بعصا المايسترو

يكاد الجمالي هنا يمتزج بالتاريخي. فالمعلم هو قرين الرسام. وهما دوران لعبهما الغضبان بأريحية، مخلصا لحرفته. فما تعلمه الرسام من يد الصانع كان قد وضع الإلهام في مكانه الصحيح.

لقد أتيح لعبدالجبار الغضبان أن يضع درسه على الطاولة مباشرة. كانت معادلته تقع على طرفين هما العمل بما يشبه الكدح والإلهام الذي يهب القدرة على التحليق. الرسام التعبيري كان ولا يزال في حقيقته ابن الحرفة التي يهبها الإلهام شفافية عالم في طريقه إلى التشكل.

تعبيري عاشق

يعتز عبدالجبار الغضبان بانتمائه إلى المدرسة التعبيرية. يمكنه بثقة أن يفكر بالنرويجي إدفارد مونخ وفي الوقت نفسه يحن إلى طليعيي النمسا وفي مقدمتهم غوستاف كليمت. غير أن وصفته لم تكن يوما جاهزة. كان ينصت إلى أصوات غامضة تنبعث من أعماقه. ولأن لكل رسام تعبيري حكايته الأدبية فقد مضى الغضبان وراء شغفه بالأنوثة التي هي سلسلة من الحكايات التي تذكر بشهرزاد. تكمن خلاصة الدرس الذي انتهى إليه الرسام في أريحية المعلم الذي لا يزال يتعلم كما لو أنه لم يعرف شيئا عن عالم النساء. صنع عبدالجبار الغضبان تاريخا يتخطى منجزه الإبداعي ليمتزج بصورة الفن في بلاده. شيء منه يقيم في ما اهتدى إليه الفنانون البحرينيون من أساليب حديثة في الرسم.

عباس يوسف في جنائنه الخفية

لوحة: عباس يوسف
لوحة: عباس يوسف

صباح كل سبت تصل بطاقة بريدية منه إلى الأصدقاء. أصدقاؤه موزعون بين أنحاء العالم، لا يمحو مَن توفي منهم من بريده، من أجل أن لا ينسى أحدا. رسائله تصل إلى الأموات أيضا. جزء من وفائه للرسم أن يكون وفيا في الحياة. منذ سنوات وهو يفعل ذلك من غير أن ينضب كرمه. شجرته لا تزال تعد بالكثير من النضارة. لا تزال أوراق كثيرة تقف في انتظار يده.

في عزوفه عن الشائع والمتاح يبدو كما لو أنه استنفد الزمن كله، زمننا وزمنه. زمن الكتابة وزمن الرسم وزمن الأشياء، فصار يلتقط كائناته من زمن لم يعشه، هو زمن ما بعد كل زمن. اللحظة العابرة التي توهمنا بخلودها.

يقول لك “إنه وهم” ولا يقصد ما يُرى وحده بل ما يُرسم أيضا. حملته الحياة الكثير من أوهامها فصار الرسم بالنسبة إليه سلوكا يوميا يفرغ من خلاله أوهامه. يهمّه أن يرى غزله بالأشياء مجسدا من خلال مفردات صغيرة لا تُرى أحيانا أكثر مما تهمه رؤية الأشياء نفسها. يقول لي “لقد وُجدت الأشياء من أجل أن ترسم”. كنا نقول جملا غامضة ونحن نتأمل باب البحرين.

حين يجرب أن يشرح يغويه إيقاع الكلمات فيترك التوضيح ليذهب مباشرة إلى الشعر وهو الذي أفنى جزءا مهما من حياته في التماهي مع الصور الشعرية. لا يقترب عباس يوسف من الشعر إلا من أجل ذلك الجمال الغامض الذي تنطوي عليه لعبة الكلمات التي تصنع الصور. تحيره الصورة الشعرية فيبدأ قلقه التصويري الذي لا يغادر التجريد. لذلك فإن حروفيته هي عالم خاص يغلب عليه تواشج الشعر بالرسم من خلال صورة قد لا تظهر. صورة تشكل محاولة الوصول إليها ذريعة للرسم.

خفة طائر محترف

بين محترفي (رباب) الملاصق لبيته وهو محترفه الشخصي للرسم و(عشتار) وهو محترف الحفر الطباعي الذي يتقاسم فضاءه مع صديق عمره عبدالجبار الغضبان يتنقل عباس يوسف يوميا بخفة طائر، كان قد وزع حياته بين عشين.

رباب وهي زوجته تدرك أن المحترف الذي يحمل اسمها لا يشكل إلا نصف المكان الذي تقيم فيه روح الفنان وهو ما جعلها تسلم أمرها للقدر الذي وهب زوجها صديقا نادرا هو بمثابة ملك النصف الثاني. فالغضبان هو مؤسس فن الحفر الطباعي في البحرين وهو المعلم الذي درس على يديه فنانو البحرين ذلك الفن الذي يمزج بين إتقان الصنعة وترف الخيال.

وإذا ما كان محترف عشتار قد وجد طريقه إلى خارطة البحرين الثقافية، معلما حضاريا هو أشبه بصومعة يعكف فيها المريدون على أحلام أيديهم، فإنه كان في الوقت نفسه ورشة لتهذيب الأخطاء الفنية، وهو ما منح يوسف والغضبان فرصة التعلم المستمر وهي صفة المعلمين الكبار. هناك حيث يكون التواضع نوعا من العرفان والسعي المستمر نحو الجميل.

يلتقيك عباس يوسف كما لو أنه غادر لتوه قاعة الدرس. هو ابن المدرسة التي نشأ فيها بالرغم من أنه صنع شخصيته الفنية منذ زمن طويل. هل تمكنت منه العادة بحيث صار يقيس قيمة الفن بما ينطوي عليه من أخلاق؟

شيء من هذا القبيل يمكنه أن يهبنا فكرة عن جزء من طبائع عباس يوسف غير أنه لا يختصر الطبائع كلها. فالفنان الذي ولد عام 1960 في إحدى قرى المنامة لا يزال كما كان دائما متمرّدا وغاضبا وعنيدا. طبائعه الحقيقة تقيم في رسومه، وهي رسوم تبدو هادئة وخفيفة ومريحة من الخارج غير أن تأملها بعمق لا بد أن ينتقل بمن يراها إلى الضفة الأخرى، هناك حيث يستدعي الصخب شغب كائناته.

ينغم عباس المسافة بين عالميه مثل مهندس سكك حديدية. ربما تكون صفة (سائق قطار) أقرب إليه، ذلك لأنه علّم نفسه أن يهذب المسافات بطريقة تلقائية. هل كان عليه أن يرسم مغمض العينين لكي يكون مخلصا لواقع الحال الذي يضطره يوميا إلى الانتقال من محترف رباب إلى محترف عشتار مسكونا برائحة الأنثى الخالدة؟

الحروفي وعدوه

كان عليه أن يكون خطاطا. يقول لك “عبدالإله العرب هو الخطاط” غالبا ما يستعين بعبدالإله، خطاطه المثالي. يقف أمامه مثل تلميذ. غير أن عباس يوسف كان خطاطا، وهو ما لا يود أن يتذكره. نجح الرسام في أن يمحو ذاكرة الخطاط. يعرف يوسف ما الخط. شيء من التقديس يجعله ينظر بحيطة إلى ما يمكن أن يفعله الخطاطون، غير أنه وقد قرر أن يكون رساما لم يعد مؤهلا لممارسة الخط.

لقد نجح زمنا طويلا في إخفاء الخطاط الذي يقيم في أعماقه من أجل أن يكون رساما خالصا بحيث خلت لوحاته من الحروف، غير أنه في بطولاته لم يكن إلا مكرها، وهو ما تفصح عنه كل لوحة ينفذها على عجل. ففي كل خط يلقيه منفردا على سطح اللوحة هناك إيحاء بحرف. حرف يحضر كما لو أنه استدعي على عجل. الفنان هنا لا يأسر النضارة بقدر ما يقف أمامها مؤنبا نفسه، نادما على تأخره.

من اليسير أن نصفه بالحروفي ومن الصعب أيضا القيام بذلك. فعباس يوسف يثق بالخط العربي كيانا مفرطا في خصوصيته. وهو ما يجعله يشك بالحروفية، كونها من وجهة نظره لن تتمكن من استلهام جماليات الحرف العربي أكثر مما يتمكن الخطاطون من استلهامه. هل كان عباس يوسف حروفيا مخاتلا؟

لم يكن يهمه أن يكون خطاطا، بالقوة نفسها لم يكن يعنيه في شيء أن يكون حروفيا. بالنسبة إليه فإن الحروفية كانت صناعة مؤدلجة. شيء من غريزته كان يقيم في الرسم وهو ما لم يكن التيار الحروفي يعبّر عنه. في آخر أعماله وقد رأيته ينفذها مباشرة كان يخفي عالما ليقيم عالما في مكانه لا لكي يحثنا على النسيان بل ليدفعنا إلى التذكر. هناك دائما شيء يجب تفادي نسيانه. مفرداته الأخيرة لا تخفي بقدر ما تفضح، بالرغم من أنه استعمل تقنية الإخفاء. فهل كان عدوا للحروفية؟

يرسم ويعيش ببذخ

مَن يكسبه صديقا لن يخسره رساما. كان حلمه أن يكون له بيت فيه مساحة لاستضافة الأصدقاء وهو ما أنجزه. في لحظة غير متوقعة سيأتي صديق غامض كما يحصل مع الرسوم. الأشياء بالنسبة لعباس يوسف لا تقع في زمانها ومكانها المرسومين سلفا. علينا أن نرعى الإيقاع الذي يترفق بالخطوات كما لو أنه حارسها.

عرض عباس يوسف رسومه في بلاد بعيدة، غير أنه يأمل في أن تكون رسومه نافذة يرى من خلالها بلاده القريبة. هل كان الرسم فرصة للتأمل الصامت؟ أستعيده في هذه اللحظة رساما كما لو أنني لم أشبع من صداقته. هذا إنسان وفي. ستضحك رباب. سيضحك عبدالجبار الغضبان من سذاجة ما انتهيت إليه. ولكن جنائن الرسام الذي يعرفانه قد لا تكون كلها متاحة لهما. هناك شيء خفي يحتفظ به الرسام من أجل أن لا يكون نفسه دائما. عباس يوسف يفعل ذلك ببذخ.

لن يكون متقشفا لأن مواده قليلة. زهده الحقيقي يقع في مكان آخر. فالحروفية لم تكن له هدفا وهو الذي غادر شغفه بالخط. كان عليه أن يرسم كما لو أنه لم يتعرف على الخط العربي يوما ما. أجمل ما في عباس يوسف أنه لا يسخر الخطاط في خدمته، بل ينظر إليه بإجلال حين يضطر إلى الاستعانة به.

الشيخ راشد آل خليفة في نضارة عاطفته

لوحة: راشد آل خليفة
لوحة: راشد آل خليفة

قبل سنوات، حين رأيت إحدى لوحاته لم يكن أمامي سوى أن أصرخ “إنه ماتيس عربي”. قلت لنفسي “هذا رسام سعيد، في الرسم وقبله في الحياة”، وهي الفكرة التي شدتني إليه وصرت أتابع رسومه القليلة.

الطبيعة بمزاج شخصي

كان الشيخ راشد آل خليفة يرسم الطبيعة بمزاج شخصي. ذلك المزاج الذي يتيح لنا التعرف على خبايا خيال اليد التي ترسم. كانت تلك الرسوم ذات الطابع الحداثوي تحيلنا إلى أسباب للذة، كان الرسم في العالم العربي قد كف عن العودة إليها بسبب انشغاله بالكوارث الإنسانية. راشد آل خليفة كان يعيدنا إلى ما نسيناه من متع بصرية.

وهو في ذلك إنما يقف وحده، لا بين رسامي بلده البحرين فحسب بل وأيضا بين الرسامين العرب. فهو يقيم صلة شفافة ورقيقة بين الطبيعة كما يمكن أن يتخيّلها الرسم وبين ثقافة العين التي تستخرج من المرئيات خلاصة جمالها الخفي. بدت رسومه إليّ أليفة كنداء منزلي وخفيفة كإيماءة محب.

تلك رسوم ضرورية، رسوم تقاوم الواقع القبيح بقوة الرسم وفكرة الجمال وهي في الوقت نفسه تنتقل بنا إلى مناطق لم يغامر الرسامون العرب في الدخول إليها والبحث في تفاصيلها والتعرف على حقائقها. وإذا ما كان الفنان البحريني قد انتقل بأسلوبه منذ سنوات إلى نوع بارد من التجريد فلأنه كان منذ بداياته يميل إلى التجريد.

وقد يكون موقفه الحذر من المدرسة الانطباعية التي لا يخفي إعجابه بها قد وهبه نوعا من الصلابة في مواجهة إغراء العاطفة التي ينطوي عليها الشغف بالطبيعة. وهو ما حدا به إلى أن يسير بتجربته في سياقها الطبيعي منتهيا إلى التجريد، الذي ينطوي على الكثير من الحس الشعري بالرغم من استناده إلى نظام بصري، يتميز بعقلانيته في الوقت نفسه.

المولع بعواصف تيرنر

ولد الفنان راشد بن خليفة آل خليفة في المنامة عام 1952. شغف بالفن في سن مبكرة من حياته. تعود أول لوحة عرضها إلى عام 1966. كانت تلك اللوحة تمثل أحد مساجد المنامة. درس الفن في جامعة برايتون ببريطانيا. وهناك شده الرسام البريطاني وليام تيرنر إلى عالمه الذي هو مزيج من الطبيعة وتجريدها في إطار حساسية بصرية لا تكتفي بالتقاط المرئيات بل تمضي في تأملها إلى درجة تفكيك عناصر الطبيعة الجمالية. وهو الدرس العظيم الذي سعى آل خليفة إلى تعلمه والاستفادة منه في تطوير أسلوبه الشخصي، ذلك الأسلوب الذي لا يمكن العثور على أساس له في التجربة التشكيلية البحرينية بالرغم من غناها.

وبالرغم من ولعه بالصحراء فقد حاول أن يرسم ما يراه بطريقة مختلفة لا تقيم مسافة بين ما هو محلي وما هو عالمي. لذلك يمكن اعتباره طائرا غير منتم لسرب بعينه. أقام معرضه الأول عام 1970 في فندق دلمون بالمنامة. عام 1983 تأسست جمعية البحرين للفنون التشكيلية فكان راشد أول رئيس لها وهو الآن يشغل منصب الرئيس الفخري. أقام الفنان أكثر من عشرة معارض في بلده وفي العالم غير أنه يعتبر نفسه مقلا. لذلك لم يتخل عن لوحاته عن طريق البيع وما يملكه الآخرون من لوحاته جرى عن طريق الإهداء. حكمته في ذلك أنه لا يريد أن ينافس الفنانين البحريين في ذلك المجال. تكفيه متعة شعوره بأنه يمارس الشيء الذي ملك حياته.

فنان العاطفة التي تفيض

تميّز راشد آل خليفة عن سواه من الفنانين البحريين بنزعته التجريبية. إنه ينتمي إلى القلة التي لا تؤمن بأن الأسلوب يشكل ركيزة ثابتة لا تتغير. تجريبيته كانت عنوانا لتحرره من عقدة الأسلوب، بالرغم من أن لوحاته لم تكن تخطئها العين في مختلف مراحله الفنية. أثر يده الواضح يعلن عن هويته في أعمال، غالبا ما تكون مفاجئة من جهة تقنياتها وموادها وموضوعاتها. المفارقة أن هذا الرسام بالرغم من ولعه بالتجريد فقد كان يتلمس طريقه إلى الجمال من خلال موضوعات غاية في البساطة هي جزء من الحياة اليومية التي يغلب عليها طابع الهدوء والترف والانقطاع عن العالم الخارجي. لقد وظف آل خليفة كل شيء في خدمة الرسم الخالص.

فعل ذلك يوم كان يجد في الطبيعة مصدر إلهام لتأملات عميقة، كانت تسلمه إلى حالة من الإشراق، يكون من خلالها على تماس مع العالم التجريدي الذي طمح إلى الوصول إليه. وهو ما شجعه على أن يبقي العلاقة قائمة بين الطبيعة وانعكاساتها التجريدية في رسومه. كانت الأشكال التي يخترعها غير منقطعة عن أصولها إلا إذا نظرنا إليها بطريقة متسرعة. ذلك لأنه لا يرسم ما يراه من أجل الوصف المحايد. هذا الفنان يسعى إلى تحويل المرئيات إلى ممتلكات شخصية قبل أن يرسمها. وهو ما يضفي عليها طابعا شخصيا حين تظهر على سطوح لوحاته.

مَن يرى رسومه بعين خبيرة متأملة تدهشه تلك العاطفة التي تنبعث من الأشكال، كما لو أن تلك الأشكال قد عجنت بالمشاعر المرهفة والرقيقة قبل أن تجد طريقها إلى الخارج. راشد آل خليفة لا يعيد تأليف العالم الذي يراه فحسب، بل هو أيضا يؤثث ذلك العالم بعواطفه الشخصية. أليس من حقه أن يتحاشى الأسلوب الشكلي وقد بلغ تلك الدرجة من التماهي مع عاطفته؟

تغير الرسام، لم يتغير

عام 2010 أقام آل خليفة معرضا بعنوان “اللوحة المحدبة: منظور جديد” ضم المعرض خمسين لوحة. يقول راشد في وصف ما دفعه إلى الانتقال إلى تلك المرحلة التي اعتبرها البعض قفزة في اتجاه المجهول “لقد تغيرت كثيرا، وأنا سعيد جدا، لأن هذه التغييرات تساعد الفنان على التحرك والتطور، ومن لا يفعل ذلك يبقى مكانه، وهذا خطأ، لأنه على الإنسان البحث عن كل ما هو متطور وجديد، وإذا ما نظرنا في تاريخ الفنانين الكبار، مثل بيكاسو، نرى أنه استعمل كل ما يستطيع من أساليب الرسم وأدواته، فرسم على الخشب والسيراميك والورق وحتى أنه استعمل القهوة مادة للرسم. الإبداع في استعمال الوسائل الفنية ليس له حدود، والقاعدة تقول: ابحث… ابحث… ثم ابحث، ولا بد من أن تجد شيئا”.

تلك هي الخلاصة التي انتهى إليها الرسام وهو ينتقل بشكل حاسم إلى التجريد الشامل والكامل. أربعون سنة من الرسم كانت كافية لكي تفقد الطبيعة مسوغها للبقاء باعتبارها ملهما مقيما في العمل الفني. ولم يقع ذلك التحول إلا بناء على حاجة داخلية أملتها ظروف علاقة الرسام بحرفته. قد يُقال “إن راشد تغير” هو ما ورد في كلامه الذي يعود إلى أيام المعرض الذي أعلن فيه عن تحوله النهائي. ولكن المتابع لتحولاته الأسلوبية لا بد أن يكون على يقين بأن الخيوط لم تنقطع بين ما يفعله اليوم وبين ما كان يفعله بالأمس. هذا فنان ينقّب في تحولات المادة بكل ما تنطوي عليه تلك التحولات من سحر وإثارة مثلما كان يفعل تماما حين يتأمل تحولات المرئيات.

لقد تغير فن راشد آل خليفة. ذلك صحيح. غير أن تغيره لم يقع باعتباره انقلابا. كان متوقعا أن يصل الفنان الذي جعل من التجريب طريقا لسيرته في الفن إلى نتائج من هذا النوع. وكما يبدو فإنه تعب من ذلك الصلح الذي لم يعد يغنيه جماليا. راشد آل خليفة هو اليوم واحد من أكثر الفنانين العرب نضارة وشبابا.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.