دينيس جونسون ديفيز.. الحلم

الاثنين 2021/02/01

دفع جيمس مورفي أجرة الطاكسي بجوار السفارة البريطانية، ثم عبر زحام المرور القادم من ناحية الكورنيش، ونزل الدرجات الأربع إلى داخل محل البقالة. بعد أن اشترى زجاجة من زيت الزيتون ذي اللون الأخضر الغامق، والتي تحمل علامة “إكستر فيرجن” الفاخرة، وعلبة من بسكوت الشكولاتة – المنتج في هولندا عملا بالنصيحة الشخصية لصاحب البقالة، عاد أدراجه مخلفا السفارة وراءه، واجتاز بصعوبة حركة المرور الكثيفة التي كانت تمر في طريقها بأهم الفنادق الفخمة في العاصمة.

كان حر الصيف قد بدأ لتوه. وفي صباح هذا اليوم قرر أنه حان الوقت لكي يرتدي نظارته السوداء، وقبعته الـــ “بنما”، وخلق ذلك لديه إحساسا بالخجل؛ حيث شعر أنه أشبه بسائح، هو الذي عاش في القاهرة ما يقرب من نصف قرن.

سلك طريقه داخل متاهة شوارع جاردن سيتي. وقف البواب النوبي عند عبوره البوابة الحديدية واجتيازه للحديقة المتربة نحو المدخل الرئيسي. وبعد دخوله إلى جو أكثر برودة وصعوده طابقين من السلالم مسح العرق عن جبهته. وصل إلى باب شقته وهو يلهث، ويشعر بدوار خفيف. وبدلا من البحث عن مفاتيحه قرع جرس الباب. فتحه فورا الطباخ “عبدالغفار” الذي كان يعمل أيضا كخادم.

“حر جدا دكتور” قال عبدالغفار وهو يمنح سيده لقب الدكتوراه الذي يمنح في مصر لكثيرين. أومأ سيده بالموافقة، ثم أعطاه المشتريات ودخل فورا إلى الحمام. فتح حنفية المياه الباردة، وغسل وجهه وشعره الأبيض الخفيف. خلع حذاءه المترب في غرفة النوم، ولبس الشبشب، ثم استقر في غرفة المعيشة ومعه جريدة “الإيجبشين جازيت” وخطابان كانا قد سلما للمدرسة في الصباح ولم يقرأهما بعد.

ظهرت هيئة عبدالغفار النحيلة وراء الباب الزجاجي المؤدي إلى غرفة الطعام. وضع على المائدة صينية بها زجاجة بيرة “ستلا” تلمع رقبتها بحبات المياه المثلجة، وكوبا طويلا، وطبقا من الفول السوداني المحمص.

“نعمل حساب حالا دكتور” سأله عبدالغفار.

كلاهما – السيد الخادم – كانا يتحادثان فيما بينهما بلغة تطورت عبر سنوات طويلة هي خليط من الرطانة الإنجليزية المبسطة، وبعض الكلمات العربية التي تلفظ بطريقة خاطئة. كان يقول لنفسه إنه من السخف لرجل تعليم، رجل عاش معظم حياته في مصر، رجل لديه استثمارات مالية في مدرسة لغات، أن يفشل في التعبير عن نفسه بلغة البلاد. عذره – وهو العذر الذي كان يقدمه دائما عندما يأتي ذكر تعلم اللغات الأجنبية في أيّ حوار – هو أنه على الإنسان: إما أن يجتهد جديا لتعلم اللغة بشكل صحيح – أي القراءة والكتابة وما إلى ذلك – أو أن يتركها وشأنها.

“بعدين أبدول جفار” رد عليه مشيرا إلى أنه سيقوم بعمل الحسابات فيما بعد. لم يبذل أيّ جهد في نطق الـ”غ” في اسم خادمه عملا بمبدئه في “ترك اللغة وشأنها”.

“أوكي دكتور” قال عبدالغفار وانصرف إلى المطبخ.

قال لنفسه – وهو يصب البيرة بحرص، ومثلما كان يقول لنفسه عند كل موعد غذاء – إنه مهما كان تناول زجاجة البيرة لطيفا قبل الغذاء – وخاصة في فصل الصيف، ويؤدي دائما إلى النوم ساعة أو أكثر بعد الظهر، والاستيقاظ بطعم في الفم ظل يذكره بالأيام التي كان فيها مدخنا، إلا أنه يجب حصر احتساء الكحول في فترة ما بعد غروب الشمس مثلما اكتشف المستعمرون البريطانيون الأوائل.

نظر إلى رأس الصفحة الأولى من الجريدة، وتأكد أن اليوم هو الخميس؛ وهو اليوم الذي يجيء فيه صديقه القبطي نبيل، مرتين في الشهر للشرب وللعشاء ولعب الشطرنج. لم يكن قد اتفق مع عبدالغفار على مكونات العشاء، ولكنه كان متأكدا أن طباخه لم ينس موضوع العشاء مثلما نسيه هو.

hh

“أبدول جفار” قال مناديا فظهر الرجل بشكل فوري وهو يمسح يده بفوطة صحون. كان أحيانا يتساءل إذا كان عبدالغفار يستطيع قراءة أفكاره. “مستر نبيل ييجي عشا” أبلغه جيمس مورفي، وأومأ عبدالغفار برأسه مسلما بذلك، “ماذا تطبخ أبدول جفار؟”.

“سمك في الفرن” رد عبدالغفار. “بلطي كويس كتير، سمك جديد جدا”. البلطي – كما كان يعرف جيمس مورفي – هو سمك نيلي، كان عبدالغفار يعده بشكل لذيذ المذاق في الفرن مع شرائح البطاطس والبصل والطماطم. كان يعرف أيضا أن كلمة “جديد” معناها طازج.

“والحلو أبدول جفار”؟ كانت ذخيرة عبد الغفار من الحلويات محدودة. “الكراميل كسترد”؟ قال مقترحا.

أجاب عبد الغفار موافقا: “كراميلي كستر”.

و”الطبق الأول؟”.

“كوكتيل الجمبري؟”.

“كويس كويس” رد جيمس مورفي. كان هناك قانون غير مكتوب مفاده أن قائمة الطعام المقترحة غير قابلة للمناقشة.

التفت جيمس مورفي إلى بريده، كان قد بدأ في فتح أحد الخطابين الاثنين اللذين يحملان طوابع بريد أيرلندية عندما تذكر ضرورة أن يضع زجاجة نبيذ أبيض في الثلاجة؛ فالنبيذ الأبيض المصري من الصعب شربه إلا إذا تم إخفاء مذاقه عن طريق التبريد الشديد. وضع الخطاب جانبا، وأخذ زجاجة “كليوباترا” من الدولاب، ووضعها بجوار زجاجات بيرة “ستلا” في الرف السفلي من الثلاجة. لم يكن من المحبين للنبيذ المصري، ولكن ضيفه القبطي كان يتذوقه. أما النبيذ الأجنبي فكان: إما غير متوافر أو باهظ الثمن، كما أنه – ويا للأسف – لم تعد لديه اتصالات داخل السفارة تتيح له الحصول من حين إلى آخر على زجاجة غير خاضعة للرسوم الجمركية.

مر على المطبخ، وأبلغ عبدالغفار أنه وضع زجاجة نبيذ في الثلاجة، وأكد عليه بعدم فتحها إلا بعد تقديم الطبق الأول من وجبة العشاء. وجد طباخه أثناء عملية تقطيع البصل واقفا بجوار طاولة المطبخ وهو يرتدي نظارة الشمس القديمة لسيده ذات الإطار المكسور، ورفع عبدالغفار النظارة للحظات في أثناء توجيه الكلام إليه.

كان من السهل التعرف فورا على خط اليد المكتوب على الخطابين. على واحد منهما كانت الخريشة المتعرجة لجاره في القرية بمنطقة “كيلي” – والتي كان يمتلك فيها كوخا صغيرا – مايكل موريارتي الذي كان يعيش مع أخيه التوأم وأخته الأصغر منه، في كوخ مماثل تماما لكوخه، ولكن على مسافة أبعد في الشارع نفسه، كان قد تولى منذ البداية مسؤولية الإشراف على بيته، وكان كل عام يعترض بإصرار صادق على تقبل أيّ هدية مالية مقابل خدماته. مهمة مايكل الإشرافية كانت تشمل على إشعال النار للتدفئة في الطابق العلوي والطابق السفلي عندما تشتد برودة الجو – وهو ما كان يحدث في أغلب الأحيان – وإدخال رجل الكهرباء لقراءة عداد النور، ووضع سمّ الفئران، كما كان يكتب خطابين أو ثلاثة سنويا إلى “رجل دبلن في القاهرة، مصر” – كما كان يسميه نصف مازح – حيث كان يبلغه بوضع الكوخ، وحالة الطقس، وأيّ إشاعات محلية يرى أنها قد تهمه. في الخطاب الحالي قال إن الطقس كان سيئا للغاية، لكن الكوخ صمد جيدا أمامه، باستثناء فقدان بعض القرميد الذي قام باستبداله.. الحصاد هذا العام لا يبدو مبشرا، ولكن إذا تحسن الجو -بمشيئة الله – خلال الصيف سيتاح لهم جمع التبن.. “بادي” كان يعاني من ظهره وذهب إلى “ترالي” للعلاج، لكن صحة السيد سوليفان، التي تعيش على مسافة أبعد في الوادي وتمتلك فندقا صغيرا كانت في تحسن – شكرا لله – وجاءت ابنة أختها من “أنيس” لتساعدها. لقد أخرج المركب من الماء، وسيقوم بطلائها عندما يتوافر له الوقت. يبدو أن اليومين القادمين سيشهدان طقسا رائعا. هل يريد طلاء الجزء الداخلي بنفس اللون الرمادي إذا كان اللون نفسه متوافرا لدى المتجر.

حالة صيد السمك كانت سيئة للغاية، ولا يتذكر وقتا شهد مثل هذه الحالة من قبل. الجميع يتطلعون لرؤيته قريبا في صحة جيدة – إن شاء الله – كان قد أحضر رجلا لفحص وإصلاح المضخة، كما وضع بعض الجير في البئر.

كانت خطابات مايكل تثلج صدره، وتذكره بأنه عبر البحار، في بلد يختلف تماما عن مصر أكثر من أيّ بلد آخر؛ حيث كان يوجد العقار الوحيد الذي يمتلكه، هذا الكوخ الذي اشتراه في حالة خراب، ونجح في إنقاذه من تغلغل نباتات القراص والعليق واللبلاب. لحسن حظه كان سكان المنطقة قد بدأوا يفضلون السكنى في البيوت ذات الطابق الواحد المبنية حديثا؛ ولذلك نجح في شراء الكوخ، وقطعة من الأرض مقابل عدة مئات من الجنيهات. كانت خطابات مايكل تذكره أن في هذا الجزء المنعزل، المعرض للرياح والمبهر من “رينج أوف كيري” كان له أصدقاء يعتبرونه واحدا منهم؛ فحقيقة كونه أصلا من العاصمة “دبلن” لا يعطيه هذا الحق؛ فالقادم من “دبلن” يعتبر أجنبيا مثله مثل الألمان والهولنديين؛ الذين بنوا لأنفسهم منازل شبيهة بالثكنات في هذه المنطقة.

كان الخطاب الآخر من أخته في “كورك”؛ وهي تصغره في العمر، وكانت قد ترمّلت منذ سنوات عديدة، وانتقلت منذ فترة وجيزة من “دبلن” للعيش بالقرب من ابنتها وأحفادها.

كان في كل صيف يمضي معها عدة أيام قبل أن يستكمل رحلته إلى منطقة “كيري”. جاء خطابها ردا على خطابه الأخير لها، والذي أشار فيه – ولأول مرة – إلى حيرته حول استمرار العيش في القاهرة، وعمّا إذا كان قد حان الوقت لكي يستقر في أيرلندا. رغم تقديرها لحبه للقاهرة بعد كل الأعوام التي أمضاها فيها، إلا أنها أصرت أن لكل إنسان موطنا واحدا فقط، وفي حالته فإن موطنه هو كوخه في منطقة “كيرى”، فليس كافيا – كما أكدت له – أن يكون قد أمضى معظم حياته في مصر. ملاحظتها ذكّرته بأنه سيظل في القاهرة دائما كسائح، وفي النهاية هو أيرلندي، ومن الصواب أن يعود لجذوره. وإذا اتخذ منطقة “كيرى” كمستقر له فليس هناك ما يمنعه في الأوقات التي يسوء فيها الطقس، ويفتقد فيها الشمس أن يقوم برحلة إلى مكان مثل إسبانيا. وهناك العديد من الناس الآن يذهبون في إجازاتهم إلى أماكن مثل إسبانيا وقبرص. الخطابان ملآه بالحنين لنعومة لهجة سكان “كيرى” وعظمة المناظر الطبيعية؛ فكيف لا يكون سوى غريب في بلد يتحدث فيه الناس بأصوات مرتفعة أقرب إلى الشجار، وبلغة لا يفهمها؟ والقاهرة كيف نشأ حبه وتعلقه بهده المدينة، التي تقع عظمتها في الماضي، ولا يميزها الآن سوى التلوث وتآكل مرافقها؟

أصبحت القاهرة موطنه نتيجة مصادفة تاريخية؛ فأزمة السويس التي قلبت حياة العديد من الناس رأسا على عقب لم تمسّ حياته، ولكن حددت مسارها المستقبلي. كان قد تخرج من كلية “ترينيتي” في “دبلن” وبعد أن عمل بالتدريس لمدة عامين في مدرسة إعدادية في مقاطعة “كنت” انتقل إلى القاهرة في سن الرابعة والعشرين، وتعاقد مع الحكومة المصرية للتدريس لمدة عامين. وبالفعل أمضى عامين غير مريحين في مدرسة إعدادية في أسيوط، ثم وافق على الخدمة عامين آخرين شريطة أن يتم نقله إلى القاهرة. وما إن تحقق له ذلك حتى اندلعت الأزمة السياسية التي مزقت حياة العديدين من الأجانب، وهددت سبل معيشتهم في مصر. المدرسون الإنجليز الذين أصبحوا يعتبرون مصر موطنا لهم تسلموا تذاكر سفر باتجاه واحد إلى بريطانيا. توقع جيمس مورفي نفس المعاملة لكن السلطات المصرية ذكّرته بأنه أيرلندي، وأن مصر التي تشارك أيرلندا كراهيتها للإنجليز ستكون أكثر من سعيدة باستمرار بقائه، ونظرا لأن الكثير من الوظائف أصبحت شاغرة بشكل مفاجئ كانت الحكومة المصرية على استعداد لأن تعرض عليه وظيفة في الجامعة. ورغم أن الأجر لم يختلف كثيرا عما كان يتقاضاه كمدرس ثانوي إلا أن ساعات العمل كانت أقل بكثير. في هذه المرحلة بدأ ينظر إلى القاهرة، وإلى عمله كمحاضر في الجامعة باعتباره نظاما ثابتا لحياته أكثر فأكثر.

كان قد اتخذ لنفسه – مقابل مبلغ ضئيل للغاية – حق السكن في شقة من الشقق ذات الإيجارات الثابتة في حي جاردن سيتي؛ وهو حي تقلصت فيه مساحة الحدائق عبر السنين، ولكنه يقع بشكل ملائم في قلب العاصمة سريعة النمو. خلال هذه الفترة عين عبدالغفار للعمل عنده، وهو الخادم النوبي الذي تنقل من مسؤول بالسفارة البريطانية إلى آخر مع انتهاء فترة خدمة كل منهم في مصر.

سنوات الخمسينات والستينات كانت صعبة؛ فقد فرض عبدالناصر على رعاياه المحبين للمتعة نمط حياة صارما ومتقشفا، وفرض حظرا على استيراد ما يسمى بالسلع الكمالية، والتي كانت تضع سلعا يعتبرها أغلب الأوروبيين سلعا أساسية. أصبحت حياة الأوروبيين الذين بقوا في القاهرة دون المطاعم والبارات التي يديرها اليونانيون والقبارصة والإيطاليون حياة رتيبة. فجأة أصبحت خدمات جيمس مورفي كمدرس لغة إنجليزية مطلوبة. كان أحد أهم تلاميذه ممن يدفعون بسخاء رائدا في الجيش وثيق الصلة بحركة الضباط ، والذي وفر له إحساسا بالأمان خلال هذه الأوقات الملتبسة بالإضافة إلى مزايا أخرى مثل هدايا من العالم الخارجي، والتي كانت تأتي في أغلب الأحيان على شكل زجاجة سكوتش.

نظرا إلى أنه لم يكن مواطنا مصريا استمتع جيمس مورفي بميزة السفر إلى الخارج كل عام، والسماح له بأخذ مبالغ من المال كانت تكفيه خلال شهور إجازة الصيف، وخلال إحدى هذه الإجازات اشترى كوخه في “كيرى”.

hhh

عندما جاء السادات إلى السلطة حدث انفتاح مصر مرة أخرى للتأثير الأجنبي وتقلبات الرأسمالية، فأصبحت الحياة أكثر سهولة ولكن أكثر غلاء. لم يتغير الكثير في حياته باستثناء أن عبدالغفار أصبح يعد له وجبات بها قدر كبير من التنوع. خلال هذه السنوات الأولى لحكم السادات أقنعه صديق مصري بالمجازفة بجزء من رأسماله ومشاركته في تأسيس واحدة من أولى المدارس المخصصة للتعليم باللغة الإنجليزية. حققت المدرسة نجاحا فوريا، وفي عامها الثاني كان قد استقال من عمله في الجامعة ليكرس كل اهتمامه لها. فجأة وجد نفسه يحقق دخلا أكثر مما يحتاجه لتوفير متطلباته اليومية. لم يستمتع بهذه التجربة مثلما كان يتصور؛ فقد انتزعت بشكل ما القوة المحركة أو الدافعة للحياة. لم يعد يعرف كيف ينفق دخله الإضافي باستثناء شراء محرك خارجي أكثر قوة لزورقه أو شراء قصبة صنارة جديدة مصنوعة من الفيبرجلاس، أو إضافة جراج ومخزن إلى الكوخ. كان قد رفع أجر عبدالغفار وأعطاه مبلغا من المال لكي يشتري لنفسه أرضا في قريته قرب أسوان حيث تعيش ابنته وزوجها.

كان جيمس مورفي قد تعدى الأربعين عندما دخل الحب والزواج حياته بشكل غير متوقع. كان قد تقبل فكرة أن يعيش وحيدا بقية حياته. ألا يوجد في أيرلندا – كما كان يقول لنفسه – العديد من الرجال الذين يظلون وحيدين طوال حياتهم، يعملون في مزرعتهم الصغيرة لكي يتوارثها من بعدهم أفراد آخرون من عائلاتهم. وألا توجد فتيات يضحين بشبابهن من أجل رعاية أب مسن أو مسنة. كان قد كوّن علاقات في القاهرة مع امرأتين أو ثلاث، ولكن لم يتوافر القدر الكافي من الحماس في أيّ من الجانبين لكي تتطور العلاقة إلى زواج. ومصر في نهاية الأمر ليست بالبلد الذي تطمح فيه غالبية النساء الأجنبيات إلى تأسيس منزل، كما أن هناك نقصا في عدد النساء غير المتزوجات. ومع ذلك ظهرت فجأة في حياته سيدة إنجليزية من “كورنوال” تعمل مدرّسة في مدرسة إعدادية للبنات، وتكبره بثلاث سنوات، وتلبي كافة متطلباته كزوجة؛ فهي تمنحه رفقة طيبة، ويشعر بالمتعة لمشاركتها في فراش واحد، كما أنها كانت تبذل مجهودا لتتعلم صيد السمك، ولم تشعر بالغثيان أو الخوف عندما تهب عاصفة في البحيرة، كما لم تحاول إصدار الأوامر لعبدالغفار، ولكن لم يمض سوى عامين حتى أبحرت عن حياته بنفس الشكل المفاجئ الذي دخلت به؛ إذ وضعت مراسيها وغادرت مغطاة بملاءة بيضاء في مستشفى الأنجلو- أميركان. كان من العبث بل من الوقاحة تجاه ذكراها أن يحاول تكرار تجربة بهذا الكمال. وتحت وطأة هذه الخسارة الفادحة وزّع كل متعلقاتها الشخصية، وعمل ألبوما صغيرا للصور، وعاد إلى حالة العزوبية مرة أخرى.

بكى عبدالغفار – الذي أحس بعدم أحقيته في إعلان الحزن على زوجة سيده – في عزلة المطبخ، ليس من أجل المرأة التي شاركتهم الحياة لفترة وجيزة، ولكن من أجل الحزن الذي أصبح يغلف سيده.

أحس بالارتباك إزاء ضرورة اتخاذ قرار حول رحيله عن مصر؛ وهو قرار ربما كان يجب أن يكون قد اتخذه منذ زمن بعيد حين تم استبعاد زملائه الإنجليز، أو بعد ذلك، حين توفيت زوجته. كان يبدو أن حياته بها بدائل ضئيلة. ربما كانت أخته على حق، وأن الوقت قد حان الآن بعد أن وصل سن الخامسة والستين ليصفّي حصته في مدرسة اللغات كي يمضي ما تبقى من حياته بين أهل بلده، وفي منزل يمتلكه، وفي قرية تتقبل وجوده واحدا من أبنائها.

بعد أن تناول غذاء خفيفا من الجبن والسلطة والبطيخ، وأمامه رواية بوليسية مستندة على إبريق من المياه ظل تفكيره منشغلا بالقرار الذي يجب أن يتخذه. عاد إلى غرفة المعيشة ليشرب فنجان القهوة التركي، وبينما يأخذ آخر رشفة من الفنجان، ويزيل بأصبعه مسحة البن على لسانه انتبه إلى وجود عبد الغفار واقفا عند مدخل الباب.

لم يكن عبدالغفار قد تحرك: كأنه استشعر أن هناك شيئا آخر لم يتم تناوله بعد.

“أبدول جفار، أنا رجل عجوز، أنت رجل عجوز..”.

“نعم دكتور” رد عبدالغفار وهو يبتسم سعيدا بأنه هو وسيده قد نجحا في الوصول إلى هذه المرحلة من العمر.

“كفاية شغل أبدول جفار أنت تعبان، أنا تعبان. الآن وقت راحة”.

رفع جيمس مورفي نظره في محاولة لاستشراف أيّ نوع من رد الفعل يلمّح له، أو يشير إليه بكيفية مواصلة الحديث.

“الراحة غير جيدة، دكتور. الله خلق الإنسان للشغل”.

“لا أبدول جفار، أنا أرجع بلدي”.

“للصيف دكتور، مثل كل صيف. أنت تذهب إنجلن، أنا أذهب قرية”.

“لا أبدول جفار، هذه المرة أنا أرحل بشكل دائم”.

خوفا ألا يفهم ما يريد قوله، أو أن يساء فهمه أضاف “للأبد. أنا أترك مصر”.

اكتسى وجه عبدالغفار الطويل المليء بالتجاعيد بتعبيرات عدم التصديق.

“للأبد؟ كيف للأبد؟ قال سائلا. “دكتور عنده مدرسة كبيرة، تلاميذ كثير”.

هز جيمس مورفي رأسه، كان الأمر يبدو أصعب مما تصوّره.

قال بحزم، وهو يعود في ارتباكه إلى استخدام اللغة الإنجليزية العادية “أنا عائد إلى وطني”.

وأشار عبدالغفار أمامه إلى مساحة الأرضية من الحجرة، التي كانت تفصل بينهما معقبا: “هنا وطن”.

“أنا ذاهب أيرلندا”.

أنا أجد لك شغل آخر، أو أنت تذهب تعيش مع ابنتك.. التفت إلى المائدة الجانبية، وبدأ يعيد الخطابات في مغلفاتها.

“عبدالغفار لا يريد شغل آخر، عبدالغفار لا يريد عيش مع ابنة”.

بدأت الدموع تملأ عينيه المحتقنتين؛ وهو واقف يحاول التعبير عن رعبه من عدم استمرار حياته الراهنة.

قال فجأة في يأس “أنت. أنا. نروح إنجلن”.

هز جيمس مورفي رأسه ببطء من جانب إلى آخر كملاحظة لنفسه أكثر منها إجابة بالنفي للآخر.

“بعدين.. نتكلم” قال وهو يضع نظارته كإشارة إلى انتهاء الحديث بينهما. تردد عبدالغفار للحظة، ثم رفع الصينية وعليها فنجان القهوة وكوب الماء الذي لم يمس. بعدها بنصف ساعة سمع جيمس مورفي الباب الخلفي وهو يغلق، وعرف أن طباخه قد ذهب إلى أحد المقاهي القريبة من القصر العيني، حيث يجتمع الخدم النوبيون الذين يعملون في السفارات والفنادق.

لأنه كان يعلم أن عبدالغفار لن يعود قبل المساء بدأ ينزلق نحو النوم. استرخى في الكرسي وهو يمد رجليه وفمه مفتوح قليلا. أحيانا كان يحلم وخاصة عندما كان ينام عند الظهر. كان يندم لأنه نادرا ما يتذكر أحلامه، لكنه اليوم وهو يمسح اللعاب عن فمه التقط حلما مثل فراشة ترف على زجاج النافذة، ومرره إلى عقله اليقظ.

كان يصطاد في البحيرة في “كيرى”. كان يوما مشمسا، يوم “صعب” كما يقول الصيادون عن فرص اصطياد السمك. كان يصيد بالسنارة على جانب من المركب، ويستخدم سمك الطعم الدوار، المفضض على الجانب الآخر في حين كان المحرك الخلفي يدور ببطء شديد لدرجة أنه تخوّف من احتمال توقفه.

فجأة قفز الحجر الموضوع في أسفل المركب على خيط السنارة إلى الهواء، والتوت قصبة السنارة في شكل قوس مرتعش، وسمع الصوت المثير لخيط الصيد وهو يسحب إلى الخارج. أن تغمز سمكة عندما تكون وحيدا، وتصيد بقصبتين في آن واحد؛ هي عملية دقيقة تحتاج إلى براعة: فيجب أن تحول المحرك إلى السرعة المحايدة، ثم تسحب الخيط الآخر بأقصى سرعة ممكنة، وأنت تتمنى ألا تكون قد غمزت سمكة ثانية، وأن تأمل أن تكون السمكة الأولى لا تزال موجودة عندما تعود لتبدأ في سحبها. بعد أن نجح في لفّ الخيط ورفعه نظر إلى أعلى ورأى عبدالغفار جالسا أمامه على الجانب الآخر وهو يرتدي جلبابه الأبيض وحزامه الأحمر وإحدى طواقيه البيض على شعره الأشيب الجعد. رآه وهو يمسك القصبة بيده اليمنى ويضع أصبع السبابة على الخيط حتى يستمر الضغط على السمكة، ويتدبر أمره كأن لديه خبرة طويلة في صيد السمك بالسنارة بعد أن سيطر على السمكة، أخذها ناحية مؤخرة المركب حتى تكون في اتجاه مجرى النهر؛ وحتى لا تتشابك وتتعقد خيوط الصيد. سحبها تجاهه ورفع قمة السنارة إلى أعلى – وقد كانت ملتوية مثل عصا راعي الغنم – ثم رفع الشبكة في يده الأخرى، ووضع متمهلا السمكة فيها. كانت سمكة رائعة من نوع التروتة البحرية تزن ما بين ثلاثة ونصف إلى أربعة أرطال، وكان قمل البحر مازال ملتصقا بها.

انتهى الحلم وفتح عينيه على الضجيج المكتوم لحركة المرور عبر الكورنيش.

كان دائخا ويلهث قليلا، ربما من القلق الذي انتابه وهو يشاهد عبدالغفار يحاول الإمساك بالسمكة واحتمالات هروبها. بعد أن أصبح الحلم طليقا تسلل من خلال نسيج عقله نحو النسيان.

لثوان قليلة استطاع أن يتذوّق الحلم: لمعة سطح البحيرة تحت أشعة الشمس النادرة، وخرير المياه، وأحضان الجبال؛ التي تنعكس عليها ظلال السحب الطافية. ابتسم لفكرة وجود عبد الغفار معه على البحيرة، وذكره ذلك باقتراح الرجل بان يرافقه إلى أيرلندا – كان هذا غير جائز بالطبع – فكيف سيتدبر أمره مع العواصف المتواصلة للأطلنطي وبرد الشتاء؟ مع من سيتحدث؟ أين القهوة التي سيجلس عليها في ساعات الراحة؟

هل كانت أخته على حق عندما قالت إن العيش أغلب سنوات العمر في بلد ما لا يعني أنك  أصبحت جزءا منها، أو أن تستبعد البلد الذي ولدت فيه، ولكن أليس للمرء أن يختار؟ ليس هناك قانون ينص على ضرورة أن تنتهي من حيث بدأت. المسألة ببساطة هي أن تختار المكان الذي تفضل العيش فيه، والذي قد يكون المكان الذي غرست فيه جذورا جديدة. ولنكن واقعيين، ماذا سيفعل بنفسه في قرية معزولة في أقصى نقطة في “رنج أوف كيرى” بعد انتهاء موسم صيد السمك في أكتوبر؟

إذا أحس أنه يريد أن يمضي وقتا أكثر في كوخه، فلماذا يعني ذلك أن يدير ظهره لمصر؟ ماذا يمنعه من الذهاب إلى “كيرى” مرتين في السنة بدلا من فترة الصيف فقط؟ وهو لديه من المال، ما يكفي ثمن تذكرتين ذهابا وإيابا، خلال سنة واحدة. فبالإضافة إلى شهور الصيف يمكن أن يعود خلال شهري مارس وأبريل؛ وهي الفترة التي يقال إن صيد سمك التروت البحري يكون جيدا فيها، وهل يعتبر الرغبة في امتلاك الأفضل في كلا العالمين مسألة لاأخلاقية؟

مرة ثانية دخلت هيئة عبدالغفار الطويلة. كان يشعر بوجوده إلى جواره، ويسمع إلى صوت الصينية وعليها براد الشاي والفنجان وإبريق اللبن، وهي توضع على المائدة. انتظر حتى لم يعد يشعر بوجود الرجل في الحجرة، ثم مدد جسمه وسمع ركبه وهي تطقطق. تذكر وهو يصب فنجان الشاي أن عليه أن يبلغ عبدالغفار بعدوله عن رأيه.

دخل المطبخ ووجد عبدالغفار يصلي. كان يجلس على قدميه الحافيتين، ويداه الكبيرتان ترتاحان على فخذيه، فجأة انحنى جسده ولمست جبهته طرف سجادة الصلاة. شعر جيمس مورفي؛ الذي نشأ تنشئة دينية محافظة بوخز الضمير لعدم ممارسته شعائر دينه.

 في غرفة المعيشة وقف يرشف الشاي، ويرتب قطع الشطرنج استعدادا لمجيء صديقه. في نفس الوقت ظل منصتا لأيّ إشارة تدله على أن عبدالغفار عاد إلى واجباته الدنيوية، فمن الإنصاف أن يخرجه من تعاسته، ويبلغه أن شيئا لن يتغير في روتين حياتيهما.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.