مرح الآلهة

مونيكا بيلوتشي تبطل صلوات الهندوس.. في ريشكش، رأيت الله مرتين
الجمعة 2022/07/01

حين ضاعت أموالي، فهمت لماذا لم يحذر ابن بطوطة من شيء في بلاد الهند والسند قدر تحذيره من النَشْل والنشَّالين، شكوت من السرقة في المعابد وأقسام البوليس، وتضرَّعت إلى الآلهة لكي تعود ونذرت لها الورد والفودكا وجوز الهند، فقالوا: كل إله في الهند له دور، عليك وعلى الإلهة سارسفاتي ستدلك على مكان محفظتك، وإذا لم تجدْها، اذهب إلى لاكشمي، إلهة الثروة، ستملأ جيوبك بلا حساب.

قصدت باب الأولى، داعيًا ومقدّسًا ومشعلًا أعواد البخور والشموع، وذهبت إلى الفندق، ونمت، وقمت لأجد المحفظة بالكامل تحت مرتبة السرير؛ خبأتها من عامل الروم سيرفيس الهندي الفحل، الذي وجدته يعبث بكل شيء، ونسيت.

دعوت الثانية ومسحت بيدي على تمثال صغير لها في أحد المعابد، على أمل أن تمنحني ثروة فاحشة تثير حفيظة الناس، فلم أنتبه للمسة يدها الحنون إلَّا في آخر أيامي بالفندق حين عرض عليّ مديره ألَّا أدفع، اعتذارًا منه على انزعاجي لفقدان أموالي “ربما كان السبب عمَّال النظافة”.

انتهزت الفرصة ولم أحاول إقناعه بأنّ ذلك حقه، فالخدمة والفندق كانا سيئان؛ لا شيء جميلا سوى أنه يطلّ على أمواج نهر الجانج المندفعة – من السماء إلى الأرض – حتى تكاد تجرفه من طريقها.

مدينة الرب

من قال إن الطريق إلى الله سهل؟

سألت أغلب المرافقين في دلهي: أريد أن أقترب من الله حتى أراه فماذا أفعل؟

كانت الإجابة جاهزة على جدار الهوستل، الذي يحمل خريطة الهند بأقاليمها السبع: إذا كنت تريد القربى من الإله فشنو اذهب إلى الهيمالايا، ولو كانت سكنى قلب الإله براهما (الخالق) تشغلك، خذ الباص إلى بوشكار، حيث يقع معبده الوحيد، وإذا أردت أن تقترب من شيفا، وتغتسل بالمياه المقدّسة، اذهب إلى إحدى مدن الجانج المقدّسة، لا أظن أن بلادك أو دينك يحبذان عبادة الفئران، لكن اطلع على جايبور للتجربة، هناك معبد يضم 20 ألف فأرًا مقدَّسًا.

“جوجل” قال رأيه: فارناسي مدينة للموتى، الله أباد بعيدة، هاريدوار صغيرة، اذهب إلى ريشكش، فالله هناك على بعد 14 ساعة فوق الجبال.

بحثت عن شخص يرافقني في ريشكش، فكان “أمانج”. شاب صغير، يحبّ الحياة، يعبد الآلهة كلها ولا يفرّق بينها، بيته يشبه دوَّار العمدة في مصر، ربما لأن جدَّه كان شيخ حارة، لكنه في الثمانين أصبح قعيدًا بالبيت، جدته صامته كتماثيل المعبودات القديمة ولا تطلب شيئًا.

أمه قدَّمت لي مكسرات، وشايًا هنديًا مخلوطًا بالقرفة واللبن والمسالا. بدأت أرتَّب أمور إقامتي في غرفته، فعاجلني بأن أقاربه على وشك الحضور “يمكن أن أحجز لك في فندق أو هوستل أو الأشرام”.

تبادل مع أمه حديثًا بلغة غير مفهومة كان مفادها “إقامته معنا غير ممكنة”.

بالنسبة إلى الرحَّالة، هناك من يعرضون بيوتهم للإقامة، لتبادل الخبرة والثقافة واللغة، مجانًا. “أمانج” واحد منهم، لكن ظروفه لا تسمح الآن بحجة الضيوف.

الكذب يقفز من عين أمانج، لكنه قدَّم دعوة لاستكشاف المدينة بالأسكوتر “تعال إلى الأشرام”.

لم أفهمْ ما هذا، وحين وصلت، عرفت أنه معبد ملحق به فندق “زاهد” مجهَّز لاستضافة الحجاج الهندوس إلى أرض الله، ريشكش، بلا مقابل، فالرجال يتمدَّدون معًا على الأرض، مكوَّمين في غرفة واحدة، متحمّلين التعب والمشقة والنوم بلا غطاء ولا حمَّام ساخن في المدينة الباردة من أجل دخول الجنة.

ألا تريد أن تدخل الجنة يا مهدي؟

“لا. أريد سريرًا”.

جثث في النهر

صور

غازات وأبخرة تتصاعد من البيوت والدكاكين والتراب، فالأحياء والموتى تنبعث منهم روائح متفاوتة تعبر عن أنشطة إنسانية لن تجدها خارج حدود الهند.. عربات تقطيع الفواكه، وسلق وطهي البيض بألف طريقة، وإعداد الخبز “الروتي”، وشي لحوم الخنازير والأغنام وصَعْق الدجاج طبقًا للشريعة الهندوسية، وتقديم سندوتشات على كل الأذواق، بينما من يموت في الشارع يتركونه، فبعض أديان الهند تحرّم دفن الموتى في التراب، وتترك الجثث للصقور والنسور تنهش لحمها وتأكلها أو تطير بها لأعلى فتدفن في بطون الطيور.. والبعض الآخر يؤمن بحرق الجسد.. فمن يموت يحرق بالزيت.. وتتطاير من جثمانه الدهون، والروائح، وفي كل الأحوال، فالهند مخزن روائح متنافرة لا يمكن نَسْج علاقة بينها.

تتشابه في الروائح كل المدن.. دلهي وجايبور ودارمسالا.. لكن ما يزيد في ريشكش هو رائحة الموت، والدم، ورذاذ نهر الجانج، الذي لم تطهّره قداسته من رائحته القذرة أو مياهه المحمَّلة برماد حرق الموتى من البشر والقرود والبقر والخنازير، فمن أين له تلك القداسة؟

بدأ أمانج يغتسل بمياه الجانج، ويدعوني لبلّ قدمي لعل رحمة الآلهة تسري في جسدي، وحين لمسته سرت رعشة خفيفة غمرتني بالرعب من رؤية الله بين موجات النهر المقدس، فطبقًا للعقيدة الهندوسية من هنا بدأت الحياة وهنا ستنتهي، فأنا أمدّ قدمي في نهر من أنهار الجنة “منذ قرون، قامت معركة بين الآلهة والشياطين التي كانت تحتمي بالمحيط ليلًا ثم تهاجم الآلهة صباحًا”.

لجأت الآلهة إلى أحد الحكماء فشرب حتى أفرغ المحيط من مياهه حتى قضت الآلهة على الشياطين، وطالبته بأن يستفرغ مياه المحيط مرة أخرى، لكنه رفض وتحجج “شربته وهضمته”.. بعدها، اقترب الإمبراطور “ساجارا” من احتلال العالم، وفي المعركة الأخيرة احترق أولاده (ستون ألفًا)، فأراد أن يطهّر أرواحهم بالمياه المقدسة التي تجري في السماء ليدخلوا الجنة. دعا براهما أن ينزل نهر الجانج إلى الأرض لكن النهر رفض، وهدد أن يندفع بقوة فيدمر الأرض.

كيف مرَّ الجانج من هنا دون أن يدمر الأرض؟

تدخَّل الإله شيفا، غسل رأسه بمياه الجانج، فانساب النهر من بين خصلات شعره ثم نزل الأرض على مهلٍ. طهَّر أرواح أبناء الحكيم، وبدأ يجرف باندفاعه رماد الموتى إلى الجنة، وكل هندوسي يتمنَّى بعد موته أن يحرق بجوار الجانج، وينثر رماده في النهر المقدَّس الذي يأخذه إلى الجنة دون حساب أو عذاب، فقد شفع له الإله شيفا، وزوجته “جانجا” التي ورث النهر اسمها.

“من تشفع له الآلهة لا يمسسه الغضب ولا العذاب”.. قالها أمانج قبل أن أدعو له بأن يُحرَق قريبًا، هذا دعاء غرضه أن يدخل الجنة ولا تضلّ روحه الطريق وتدخل النار.

على درجات السلم المؤدية إلى النهر، حمل شباب عائلة جسدًا على المحفة، وزيَّنوه بما تيسَّر: ورد أحمر، شال بلون الزعفران، أرز، ألوان حمراء، روث بقرة، طوق فل حول رقبته، ورطَّبوا الجسد بعصارة جوز الهند.. ثم لفَّوه بالكفن الأبيض، وبدأت مراسم الحرق: الموسيقى والدعاء والابتهال للنهر ليقبله ويرفق برماد جسده في رحلته.

الرحلة المقدسة لا تنتهي بالموت بل تبدأ، فالروح ستنتقل من جسد الميت إلى جسد إنسان أو حيوان أو طير وتستمر الدورة إلى ما لا نهاية.. إلى الأبد.

“ممنوع البكاء، ممنوع التصوير، ممنوع حضور النساء”.

الدموع إذا سالت لتخالط مياه النهر لحظة حرق الميت تعطّل انتقال الروح إلى الجنة مثل فلاش الكاميرا، الذي يسرقها، فيصبح الميت معلّقًا بين السماء والأرض.. اسمه ميت، لكن السماء لا تفتح له أبوابها.

ومن تقاليد الهندوس أن من يموت في فاراناسي (بنارس) ويحرق فيها يبلغ الخلاص “الموكشا” مباشرة، ولا يمرّ بدورة الموت، فالحرق يخفف عنها الذنوب والخطايا في تلك اللحظة المباركة، وإن كان المسلمون يحتفلون بلحظة الولادة لأنها بداية حياة جديدة، فالهندوس يحتفلون بلحظة الموت.. فالروح ستخرج من الباب لتدخل بابًا آخر لتستمر الحياة، وإذا شهدت الأعمال الطيبة للميت سيحصل على حياة جديدة أفضل، ربما تنتقل روحه إلى جسد قرد مقدّس، أو فأر من العشرين ألفا من النزلاء في معبد الفئران، التي يحفى الناس في الطريق إليها لأجل كوب واحد من الحليب الذي اغتسلت به أو الخبز الذي بقى من أكلها.

ولو شهد لوح أعمال الميت عليه، لذهبت روحه إلى جسد فأر جبلي يعيش فوق الهيمالايا والبرد ينخر عظامه.. أو ذهبت إلى جسد طفل وُلِد تحت كباري دلهي، سيعيش ويموت لقيطًا ولن يجدَ من يمنحه بطانية، أو يحرق جسده، أو يصلي عليه.

لم يتمالك الجميع أعصابه إزاء هيبة الموت غير أنّ الرماد الذي تبقى من الجسد عفَّر الوجوه وهو يلقَى في النهر.

ربت على زوجة المتوفي (كانت تقف بعيدًا)، التي ماتت الآن فعليًا، فلا يجوز لها أن تتزوَّج، أو تخرج من البيت، ويمكن أن تنفى إلى مدينة للأرامل فقط؛ بعض الزوجات تطلب أن تحرق مع زوجها، فقد انتهت حياتها وسيغيب عنها الفرح إلى الأبد.. ولن ترتدي بعد الآن إلَّا اللون الأبيض، لا فساتين مبهرجة، ولا ساري ملوّن.

اعتبروني متحرِّشًا وأبْعَدوني عنها “ممنوع لمس الأرملة ثم إنك غريب”.

“الحرق بعيدًا عن فاراناسي ممنوع”.. لم ألتفت إلى تلك التعاليم قبل دقائق.. فهل الميت مطرود من رحمة الآلهة؟

النهر واحد.. لكن كيف حرقوه خارج مدينة الله؟

منحت أحد الرهبان دولارًا ونصف وجبة الغداء (نودلز بالخضار)، وسألته، فقال: لا ترهق نفسك بالتفكير.. الرب يرحم عبده ولو حرقوا جسده في باكستان.

لكن.. “في فاراناسي، هناك ثلاثة أماكن لحرق الجثمان بعد الموت، مكان للأغنياء وآخر للطبقة المتوسطة وثالث للفقراء. بعض الهنود أفقر من نقل الجثمان إلى هناك، فيحرقونه في أقرب نقطة من نهر الجانج. عليّ أن أمنع ذلك باعتباري راهبًا، لكن الرب ربما يتقبّل عَشَم الفقراء”.

تعبيرًا عن الخشوع، غمس الراهب يده في طبق ونثر رمادًا غطَّى رأسي: أنت لست هنديًا.. لكن الرب اصطفاك.

كان في ردائه البرتقالي، يركع ويسجد ويغتسل بمياه النهر، ويمارس رياضات روحية بشكل استعراضي كبهلوان يتمرَّن في سيرك.. لكن الحقيقة “أدرَّب روحي على أن تصبح أخفّ لتنتقل إلى السماء بسرعة”.

ليس سهلًا أن تصبح راهبًا.. ستدخل مدرسة وتتعلم، وتقرأ وتحفظ كتبًا وأورادا وحركات وتقضي حياتك في عبادة الآلهة التي لا تعرف لها عددًا، لتصبح متشرِّدًا في النهاية.

وسط رواية الراهب، الذي لا أعرف اسمه، سر الموت وانتقال الروح إلى الجنة لم يخفِ أن “كل شيء خارج فاراناسي بلا قيمة”. لم أستفسر عن السبب، فبدا أكثر حماسًا لشرح ما لديه طمعًا في دولار آخر: هل تعلم سر فاراناسي؟

“لا.. قل لي”.

“هات دولار”، كان يتكلم بلغة الإشارة، يشير بإصبعه السبابة فأعرف أنه يريد دولارًا، يشير بالوسطى فأظنّ أنه يشتم، واكتشفت أن الموضوع مختلف.. الوسطى للإشارة إلى الطريق لفارناسي “الإله برهاما كان له خمسة رؤوس ينظر بها إلى كل الاتجاهات وحين خلق شيفا ذهب ليستريح، فغدر به، وقطع أحد رؤوسه.. سقط الرأس الخامس في فاراناسي، فأصبحت أرضًا مقدسة”.

الإله الغدَّار

لنتتبع شيفا. نحن الآن في دلهي.

معبد صغير على حافة الطريق، يبتعد قليلًا عن جامع مسجد ومنطقة نظام الدين.. يشير فقط إلى أن تلك المناطق الإسلامية تحت حكم هندوسي.

وقفت أمام التماثيل المفروشة على شال كبير مزخرف بعلامات ورسومات تطلّ من أساطير الهند، وضع زوَّار المعبد بداخلها تماثيل صغيرة للآلهة.

في الخلفية، ثلاثة تماثيل كبيرة للآلهة الأولى: براهما (إله الخلق)، وشيفا (إله الدمار)، وفيشنو (إله الحفظ).

وبراهما هو الإله الخالق في الديانة الهندوسية، خلق الكون وكلف الإله فيشنو بمهمة الحفظ، والإله شيفا بمهمة التدمير.. ثم بدأ معركة “تصفية حسابات” أبدية مع الشر.

وقبل أن أتقدَّم إلى تحية الآلهة ضربت الجرس، واشتريت ثمرة جوز هند وشققتها نصفين ولقّنتها سرًا (بطريقة وشوشة الودع) لأقدِّمه قربانًا للثلاثة لعل أحدهم يحقق مرادي، لكن خادم المعبد اعترض “الآلهة لا تقبل القرابين الرخيصة”.

لا بدّ أن ترنّ الجرس أو تدق الباب قبل أن تدخل إلى الآلهة.. ويستوي في ذلك كل الآلهة.. ففي المعابد الكبيرة أجراس ضخمة توقظ الآلهة من نومها، أو غفوتها، أو استغراقها في التفكير؛ فكلها – في الأصل – كانت بشرًا، ولم تتخلّ عن صفاتها البشرية، فهي تنام ولها خصوصية؛ لا يمكن أن تخترق خصوصيتها وتدخل عليها دون أن تستأذن، وتلقي التحية، وتدقّ الجرس، وتمسح على الأرض، ثم تبدأ في الصلاة والدعاء وتقديم القرابين.. وإذا كان لك طلبًا فلتقدمه بالطريقة التي تناسبك.

ولأنها كانت بشرًا، فلا بد أنها تحمل طاقة شر، تتجلَّى في الإله شيفا، الذي غدر بخالقه، وقطع رأسه.

وقفت أردِّد أورادًا حفظتها، وأوزَّع على زوّار المعبد من ثمرة جوز الهند، التي لم تعد تصلح قربانًا (أو رشوة) للآلهة، التي لا بد أن تأخذ رشوة بما أنها تحمل صفات بشرية.. وبدا لي أن المتلهفين على القوة يطيلون السجود تحت قدمي تمثال الإله شيفا.. وتلقي كلمة سريعة على براهما، كأنهم لم يعودوا في حاجة إليه بعدما أدَّى دوره وخلقهم وانتهى.. حتى أنني لم أصادفْ شخصًا يدعو إليه أو يطلب منه شيئًا.. أو يقدّم له قربانًا ولو حتى قطعة جوز هند.

دوَّنت ملاحظة أن “جمهور الإله راما والإلهة لاكشمي أكثر من جمهور الإله الذي خلق الكون رغم أنهما لا حول لهما ولا قوة.. سبحان مغيّر الأحوال.. الدنيا دوَّارة”.

بعد خطوتين، وقف الإله فيشنو يتسلم القرابين من الموز وجوز الهند وعصائر وأكياس شيبسي ومفارش ومشغولات يدوية ومسابح، غير أنه لا طوابير تنتظره، ولا أحد يسجد له.

بدا فيشنو كأنه إله “التحيات العابرة”، فما هو إلا سكرتير يسمح بالدخول إلى الإله شيفا.

في انتظار الطوابير التي تدخل إلى ساحة الإله شيفا، وقفت طويلًا.

كان البشر بالمئات، عدد ضخم لا يستوعبه معبد صغير في الشارع، لكن الساعة كانت السابعة صباحًا، الناس في عرض نفحة من إله القوة والتدمير قبل أن تقطع الطريق إلى العمل. لم يقف المصلون عند شيفا يدعون فقط، كانوا يتلمّسون أصابع قدميه، ويطيلون النظر إلى وجهه، ويركعون ويسجدون، ويشعلون عيدان البخور والشموع ويربطون الحظَّاظات الصوف حول ذراعه ويتركون أمامه هدايا وقرابين تبدأ بالحلوى والورد والمفارش الحرير ولا تنتهي بالذهب، توسلًا وابتهالًا واسترضاء “أوه شيفا.. أوه شيفا.. نظرة يا لورد”.

على يمين شيفا صندوق لاستقبال أوراق صغيرة مدوّن بها أحلامهم وطلباتهم، وعلى يساره صندوق آخر، يلقي فيه أتباع إله التدمير مئات الروبيات.. ثم يعرجون إلى الإلهة لاكشمي، إلهة الثروة، يطلبون منها أن تمنحهم من وسع، وتفتح أبواب الرزق والمال في وجوههم.. فما يمنحونه للآلهة باليمين يطلبون استرداده بالشمال.

لهفة الناس على التسليم لإله الدمار مريبة.. فقلوبهم مع الخير لكن عضلاتهم تنفذ “شريعة القتلة”، وتقول بعض الكتب التي تقرّب بين حكايات الأديان، إن شيفا هو الشيطان، الذي خلقه الله ثم غضب عليه وطرده من جنته بعد معركة بينهما رفض فيها إبليس السجود لآدم، هي نفس المعركة التي طارت فيها دماغ براهما (الخالق).

في الكتاب المقدّس “الفيدا” وصية بأن يدفع الناس الشر بالخير، ويستبدلون الدمار بالعمار.. وأن يعيش الجميع معًا.. آمنوا بالآلهة لكن تعايشوا، ولهذا انتصرت روح الهند فلم تتفتت بين 300 مليون إله، فالهندوسي الحقيقي يؤمن بشيفا لكنه يحترم فيشنو، ويحب لاكشمي، ولا يخفي إعجابه برومانسية كريشنا.

في مدينة شيملا – ذات الأغلبية التي تعبد الإله فيشنو – ضبطت سائق تاكسي يعلق في سيارته تماثيل وملصقات للإله شيفا.. قال: لا أحد يضايقني، الكل يدفع الأجرة، لم يسألني أحدهم لماذا لم أحافظ على مشاعرهم، وفي المقابل، ليس لي أن أستقوى عليهم.. أنا معجب بالإله شيفا وأشارك في مهرجانات وأعياد الآلهة الأخرى ولا علاقة لأحد بمن أعبد.

يعجب أتباع شيفا بعقيدة التدمير لكن عضلاتهم لا تستقوى على الضعفاء.. ثم إنهم يتعايشون في سلام مع أتباع الإله فيشنو، وأتباع الخالق براهما.

وحين كنَّا في بار من بارات الهيمالايا الرخيصة، قابلت “شارما” وهي مشدودة إلى شيفا وحياته، وقدرته على الدمار.. وتؤدي “رقصة شيفا”، وتشرب واين أحمر مع سوفلاكي (لحم خنزير)، وفي الخلفية، كانت تُدقّ طبلة خفيفة، يقال إن الإله الشرير حين دمّر العالم أعاد خلقه وهو يسمعها، ويقول “أنا أحميكم.. لا تخافوا”.

وفي لحظة نشوة، قالت إن “شيفا” لو كان عربيًا لفعلوا به ما يفعلونه بإبليس في الحج أمام الكاميرات.. ثم اعتذروا له سرًا وطلبوا منه أن يعلّمهم طريقته المجرَّبة لتدمير العالم!

حجّ “الآلهة والخرافات”

صور

“لبيك براهما”.

كان السؤال المهم: ماذا يقول الحجاج؟

ما يرتِّله الحجاج على ضفاف نهر الجانج المقدس ليس واضحًا، فما المانع أن يكون “لبيك”؟

يمشون في جماعات تردد ترانيم غريبة، يتشبثون بخيوط من ورد أحمر وأبيض تربط الطوابير المندفعة على جنبات النهر.

رأيناهم ونحن نقطع الطريق من دلهي، يخرجون من المعبد حاملين تابوتًا يودعونه عربة نقل أو نصف نقل – حسب حجمه – ويطوفون به المدينة وأقدامهم حافية، ولا يتجمَّلون في إجابة سؤال: لماذا تحملونه هكذا؟

“فسحة للإله”.

يتكبد الهندوس عناء الرحلة، وقطع مسافات شاسعة سيرًا على الأقدام الحافية، لأجل الإله الذي اصطفوه من بين 300 مليون إله.. ما لا يخفونه أن الخالق براهما (وشركاه شيفا وفيشنو) لهم معاملة خاصة، تستحق أن يهجر الحاج أهله، ويغادر، وينقطع للآلهة.. فإذا اتصل بهم فسدت الفريضة، وخسر الثواب، وفشل النهر المقدس في غسيل ذنوبه.

بمجرد أن يخرج من نزله، يمشي على ضفاف النهر مسافة كيلومتر تلزمه بالانتهاء من تحضير ثياب الإحرام (قميص برتقالي طويل ولفافة قماش لستر العورة)، والغطس في النهر ثلاث مرات مؤديًا طقوس الاغتسال، وخراطة عصا من القصب تُزيَّن بخيوط صفراء وحمراء من الصوف وأوجه الآلهة لزوم الرحلة، وتتدلَّى منها آنيتان معدنيتان تملأ الأولى من مياه النهر، والثانية من مياه للشرب.

الحيرة بين الأفكار والآلهة والمعتقدات تعكّر قلوب الحجيج بعدما شحنت الأجواء الأسطورية بطاريات إيمانهم.

تحمل سيارات نقل – مزوَّدة بمكبرات صوت تتلو الصلوات – تماثيل الآلهة، تحفها تراتيل وأغنيات ودعوات موحَّدة تنقلب فجأة إلى مسابقة.. تبدأ جماعة “راما” بترديد ترانيم للإله الذي تتبعه، وتصدح معها مكبرات الصوت لتعانق السماء عندًا في “الشيفيون”، أتباع الإله شيفا، الذي فدى النهر بروحه وحمله على شعره وأنزله بهدوء من الجنة إلى الأرض خوفًا من تدمير الأرض باندفاعه، والاثنان يعايرون كهنة براهما، أصحاب السلطة، بأن الإله الخالق منتهي الصلاحية، والأجيال الجديدة لا تؤمن به إيمانها بآلهة الثروة والمتعة والجنس والمصالح.

قال كاهن وهو ينثر البخور حول مَحْمَل براهما إن سر الحج إلى نهر الجانج ليس الأكاذيب التي يشيعها الشيفيون، فالآلهة اشتبكت بالأيدي مع الشياطين في معركة سماوية استمرت 12 يومًا لاختطاف كأس خمر مقدّس، سقط وتناثرت قطراته بين أربعة مدن وملأت مجرى النهر.

يوضح آخر، وقد انفرجت أساريره، أن اللورد كريشنا في طفولته أوقع كرة في النهر المقدس ثم نزل لالتقاطها وغاص ليبارك مياهه وتصدَّت له كوبرا الملك، فهزمها، ورقص على ظهرها. قال وهو يفرك شعره باللبن: هذا هو سر عظمة الجانج. تحوَّلت الأسطورة إلى طقس، يختار الكهنة طفلًا يؤدي دور اللورد كريشنا، وينزل النهر ويحارب كوبرا بلاستيك ثم ينتصر، ويتدافع الناس لإنقاذه ونيل شرف لمسه وتقبيل قدميه.

يتنافس الأتباع، ولا أحد يخرج من أرض “الآلهة والخرافات” خائب الرجاء.

كنَّا نجول بين نُسَّاك مسنين يسرعون بأقدام حافية للحاق بالآلهة، غير أنّ كاهنًا معفَّرًا بالرماد من أصابع قدميه حتى لحيته دق جرس بدء طقس الغطس، جماعة من الرجال في ثياب زاهية كانوا يتقافزون فوق الجبال الخضراء باتجاه النهر، وآخرون عراة، مخلّفين وراءهم باعة تمائم ذهبية وأساور صوف يسوِّقون بضائعهم للحجيج على أنها “هدايا إلى السماء”.

قفزت جماعات الحجيج وتسابقت غطسًا وسباحة، وأعلن الكاهن وصول جماعات الحجيج إلى مرج البحرين، نقطة اللقاء الحميمي بين الجانج ونهر جمنة المقدّس قبل الصبّ في خليج البنغال، الذي يغرق الكثير في مياهه، سواء بإرادتهم أو قضاء وقدرًا.

لم يتمالك الجانج نفسه أمام الذنوب والموتى ورماد الجثث المحروقة من آلاف السنين، فغدا أقذر أنهار العالم. لولا قدسيته لزاره المقبلون على الانتحار فقط. أساطير الهنود تشوّق الهندوس إلى زيارته سنويًا لجلب المياه المقدّسة في أوعية تثقل الرحلة لكنها تخفف الشوق إلى “نهر الموتى”.

غسل المطر الغزير فوارغ رصاص معركة الآلهة التي دارت على شرف النهر المقدس، ونقل القرود من الجسر الرابط بين طرفي ريشكش إلى ظلال الأشرام، ورأيت الإله براهما بالوجوه الأربعة في بار رخيص يشرب “واين” ويدخّن ويغني ويرقص، ويفاصل في البقشيش.

موسم غسيل الذنوب

في سوبر ماركت الأديان.. رجل الدين هو الكاشير.

الله البائع، وعباده زبائن، بينما الشيخ والكاهن والراهب يجمعون الحساب من صناديق الصدقة والتبرعات والنذور والعشور. وفي كتب الهندوس المقدسة تعاليم ونصائح وأوامر ونواه على من يريد لروحه دخول الجنة أن يجعلها عاداته وتقاليده وطقوسه اليومية، لكن لا مكان للكهنة أو الرهبان أو “السادو”.

إذا بحثت عن ملهم روحي، سيدهس عقلك، ويتحكم فيك، وربما يدخل الجنة على حسابك، فالفروض الدينية معروفة وبعضها قابل للفِصال.

هل نقترب قليلًا؟

لفَّ حاج هندوسي الإله في ورق جرائد خوفًا من الشرخ، ثم استدار ليجدَ أحد تماثيله الضخمة يسقط على مئات المؤمنين، الذين جاؤوا إلى ريشكش مبتهلين.. بدا كأنه تلقى ضربة قاضية في ملحمة أسطورية قديمة، ورغم عدم اطمئناني لما يجري، قال الحاج إن إيمانه لن يتأثر، فالآلهة تسقط ولا تنكسر، والهندوسي الحق لا يتوقف عن تلاوة الصلوات مهما حدث.

أشار إليّ لأتبعه حتى أصل إلى حافة النهر، حيث يجب أن ألقي عملة ورقية لتأتيني ثروة خرافية.. وتبعته.. ولم تتحقق الثروة حتى الآن.

أسأله، لماذا لا يمنح النهر ثرواته لملايين الهنود الفقراء؟ فيجاوب، وقد خفت صوته: إن الرزق بيد الرب.. هو يمنح من يريد.

ناولني صحنًا وضع فيه ورودًا وثمرة جوز هند، فانفتح أمامي عالم آخر.

تابعت المشي بين حشود الهندوس، عابرين السوق المزيَّن بالأقمشة، والأكفان الملوَّنة، وروائح التوابل وصراخ الباعة لنصل إلى سلم من الرخام انفتح على جانب آخر من النهر، ومئات المؤمنين يقفون وراء عشرات المعابد الصغيرة المتناثرة على ضفافه.

يعتقد الهندوس أن النهر نشأ لتطهير 60 ألفًا من أبناء ملك مات في عصور سحيقة، وجاؤوا اليوم ليتطهروا بالطريقة الملكية.

منهم من يستحم في المياه ويمسح رأس طفله، ومنهم من يشعل عيدان البخور وينقع القرابين والهدايا في المياه المقدسة كي يقدمها للآلهة، التي لا يتوقفون عن غسيل تماثيلها باللبن ومسحوق جوز الهند، وعلى كل من يحلم حلمًا يستحيل تحقيقه أن يشعل فتيلًا بالزيت في طبق فخار صغير ترقد بقعره ورقة كتب عليها ما يريده، ويلقي به في النهر المقدّس، الذي يبدأ من الجنة وينتهي إلى الجنة.. ثم يعود إلى الدنيا منتظرًا تحقيق أحلامه.

تمحو مياه نهر الجانج الخطايا وتغسل الذنوب رغم أنها تتغذى على رماد آلاف الجثث، وتعوم على تراث من الحكايات الأسطورية والخرافات ومواسير الصرف الصحي، فالاغتسال سر مقدّس لا بد أن تتوفر فيه شروط لتطهير الروح والاستعداد للقاء الإله الأعظم: 3 غطسات في المياه مع تلاوة أبيات من الفيدا (الكتاب المقدس) وأوراد باللغة السنسكريتية القديمة، وباليد اليمنى يسكب الماء على رأسه من برَّاد لاستحضار البركة.

بيوت السكان الأصليين لريشكش مخفية في أزقة وراء المباني القديمة والمعابد، لكن مياه النهر تُشحَن لها في “جراكن” للصلاة والبركة، وفيما عدا تفاصيل صغيرة تتشابه البيوت على حدود النهر ببيوت الهندوس في دلهي: تدخل غرفة الصلاة، تقدم الحلويات وعملات معدن وورق شجر وجوز هند للآلهة، راديو صغير يصدح بموسيقى كلاسيكية قديمة وابتهالات، جرس صغير ملحق بالباب لزوم الاستئذان قبل الدخول، وخيوط صوف (أصفر في أحمر) يربطونها حول أياديهم لطرد الأرواح الشريرة.

يملأ آل البيت أطباق فخار بالزيت ويشعلون النار فيها قبل أن يقدّموها لتماثيل الآلهة وتوزّع في الغرف والمطبخ والحمامات والبلكونات وجنينة المنزل، وقبل وضع أطباق الطعام على السفرة تمر على وجوه الآلهة لزوم البركة، ثم تؤكل.

ولفت نظري أن السيدات يحتفظنَ في غرف نومهنّ ومعابدهن الخاصة بتمثال لداكشياني، إلهة السعادة الزوجية وطول العمر، وقد كانت زوجة شيفا الأولى ثم تزوّج عليها فانتقمت منه لتعتبرها السيدات رمزًا أبديًا للقوة.

وجدت تمثال داكشياني مهملًا في بيت “أمانج”؛ هجرته أمه بعد وفاة أبيه، وقالت إنها الآن لا تريد السعادة الزوجية ولا طول العمر لرفيق فراشها فلم يعد لها إلا الاحترام.

سألتها ببراءة ووقاحة: لماذا لم تحرقي نفسك معه؟ فقالت إنها تحب الحياة “عندي أولاد، ثم إن حرق النفس عادة وليس عبادة”.

حولنا جلس رهبان في ملابس برتقالية باهتة، يشعلون البخور، ويتلون صلوات وترانيم، غير أن ريشكش بلا أبقار.. كان لديهم ما يكفي من المقدّسات، فأشاحت بقرونها عنهم.

الرجل الذي أعطاني الورد وجوز الهند طلب أن أتمنى أمنية، وأوضح أنها ستتحقق بشرط: لا تقل أمنياتك لأحد.. فزيارة العتبات المقدسة لها سر إذا كشفته لن يتحقق.

على مرأى من الآلهة القديمة، لقَّنت ثمرة جوز الهند الأمنية ثم وَجَدَتْ مكانها في قاع النهر مع رماد الجثث المحروقة.. ويبدو أن الأمنيات كلما اعتقدت أنها تدنو، فهي تبتعد.. حتى لو كان الآلهة هم الوسطاء.

يسبق طاعة الآلهة التي ستحقق الأحلام مشوار طويل ومرهق، أوله صلاة وآخره حَرْق.

وفي الطريق، ستمرّ على خمس معاني: الأول البراهمان أي روح الكون، ثم الأتمان وهو روح الفرد، ثم الكارما، وهي الصراع بين الخير والشر، ثم الموكشا، وهي نتيجة العمل الصالح، وأخيرًا النيرفانا، النعيم المقيم الذي ينتظر الصالحين في الآخرة.

يؤمن الهندوسي، أن روح الإله طيبة ولا تتغير (البراهمان)، لكن روح الإنسان تدخل جسده ثم تغادره لتدخل جسدًا آخر وتكرم أو تهان حسب ما تقدمه في حياتها الأولى، فربما تنتقل روحك إلى خنزير أو تنتقل إلى إله سيولد بعد موتك، وهو ما يعرف بتناسخ الأرواح (الأتمان)، فـ”من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره”، وهذه هي الكارما، فإذا استعملت معرفتك وعملك وجهدك في الخير لن تتعب روحك حين تخرج من جسدك، لأن ارتقاء الروح من سجن الجسد سيكون سهلًا (الموكشا).. وفي هذه اللحظة تموت وتدخل الجنة (النيرفانا).

ما الهدف من الحياة إذن؟

مليارات البشر جاؤوا من العدم لصناعة وبيع وشراء التماثيل ردًا للجميل، وبعض الرهبان يحاولون التشبه بالآلهة بدهان أجسادهم (كما الإله شيفا)، أو صناعة خرطوم “زلومة” (الإله غانيش)، أو تركيب عدّة وجوه (الإله براهما).

من السهل لدى الهندوس أن تصبح إلهًا، على أن تتمتع بمواصفات خاصة ولا يزيد عمرك عن 23 عاما؛ لهذا السبب، يحمل جميع الآلهة وجوه أطفال.

وتتحوَّل أمّ الإله إلى راهبة ترتدي مسوحًا بلون الزعفران وتستبدل الصلوات بالأحزان، ولا يحق لها أن تتزوَّج لأن البطن التي أخرجت إلهًا لا بد أنها ستتعود على صناعة الآلهة وليس صحيًا أن يتنافس اثنان من خط إنتاج واحد.. فلم يضبط من الآلهة شقيقان أبدًا.

عاودت المشي بلا هَدي قبل أن أفاجأ بالحاج في ملابسه الباهتة وقد أخرج الإله غانيش (فيل) من لفة الجرائد، ووقف يصبّ اللبن على رأسه ويهبه سكر نبات شديد الحلاوة ويتوسَّل ويتلو ابتهالات بلغة عتيقة طلبًا للحظ.. وقتها، عرفت لماذا لا تتحقق الأماني ولا تأتي ثروة فاحشة تثير حفيظة الناس؛ فصاحب الصحن والورد وجوز الهند الأصلي منحوس.

الحياة السريّة للرهبان

صور

تقاربت في شوارع ريشكش مطاعم تقدم مأكولات من مطابخ دول مختلفة. تناولت غداء من موموس وبرياني: الأول فطيرة صغيرة محشوّة بالجبن والبطاطس المهروسة المخلوطة بالشطة، وطبق صلصة، والثاني أرز بالزعفران والتوابل بالدجاج والمكسرات والبصل وثلاثة أنواع صلصة حارقة.

استباح راهب طبقَيْ الموموس والصلصة، وفهمت فيما بعد أنه لم ينقض على البرياني لأنه “نباتي” بينما قطع الدجاج تزين الأرز بالتوابل. تقاسمنا الغداء، واعتذر صاحب المطعم عند دفع الحساب “الهندوسي التقي لا يسحب الطعام من يد راهب.. من حقه أن يطلب الطعام أو الشراب أو سرير للنوم في أيّ وقت”.

عبرت بعد ذلك الكوبري الذي يربط طرفي ريشكش، انطلقت من الجانب الذي يسكنه السياح إلى الجانب الآخر الذي يعجّ بالرهبان والمجذوبين، وبدأت التقاط الصور محاولًا حماية الكاميرا من القرود.

راهب تجاوز الثمانين من عمره، وقف على دماغه تحت تأثير “الفكر المتقلّب”.. وبعدما صوَّرت حركاته، بدأ يتحرك باتجاهي بجنون غير أن الخوف تسرّب تحت جلدي، قلقًا من أن ينصب ليَ الرهبان المجاذيب كمينًا، فلا أخرج حيًا، فانطلقت جريًا إلى الطرف الآخر من ريشكش.

الأكشاك تظهر على جانبي الطرق بالتناوب مع المعابد والبيوت والأكواخ والفنادق الرخيصة، التي ترى النهر من اليمين والجبال الخضراء من اليسار، وموسيقى مخلوطة بترانيم تنبعث من الكافيهات التي تحيط نهر الجانج والأشرام كأنهما يصنعان “دويتو” بين آلات العزف الكلاسيكية والجيتار الإلكتريك، الذي وقف شاب ذو شعر أصفر يتلاعب بأوتاره دون أي التفاتة من الرهبان الذين جلسوا بملابس برتقالية متهالكة ولحى طويلة غير مهذبة يجهّزون طقوسهم الروحانيّة، الشيء الوحيد الذي بقى لهم من العالم بعدما تحرّروا من عشق السيارات، وحب المال، والمسؤوليات، والرغبات وبلغوا الموكشا (الخلاص) أحياء، استعدادا للموت والوصول للنيرفانا (والكلام لهم).

يقامر الرهبان الهندوس بحياتهم لأجل النعيم المقيم.

يصلون، يرددون ترانيم، يضربون الطبول، يغتسلون، يسبّحون، يشعلون فتيلًا ويلقون به في الماء، وروائح البخور تملأ المكان، الذي بدا جزءًا من حكاية أسطورية تجري في تاريخ سحيق.

يفضِّل الرهبان أن يتعبَّدوا “جوعى، عراة، حفاة” على الصخور في أمل ورجاء وانقطاع عن العالم، المطر شديد، والعواصف تكاد تفتك بعظامهم لكن الرب يعين الأجساد المؤمنة على قضاء حاجته بينما تعزف الأمطار والبرق والرعد والعواصف وأمواج الجانج المندفعة ترانيم ومدائح تعين على الخشوع.

يظهر راهب ويهمس بكلمات شبه مقدّسة، تقتل السموم وتطرد الشرور التي تحوم حول المكان.

يختفي ويظهر راهب آخر يهاجم الشياطين.

يظهر ثالث يطالع وجوه الناس ويدعو لهم بالصحة والعافية ويؤدي حركات بهلوانية (روحيّة).

الثلاثة لا يقدّمون عرضًا، لكنهم يعبدون الله بالطريقة التي اعتادوها، ودرسوها، مردَّدين اسمه، وكلما كان الجبين معفَّرًا بالرماد أكثر، دلّ ذلك على أن الإيمان أعمق، والبصيرة أقوى.

وكلما كانت البصيرة أقوى فقد الراهب الإحساس بالفرح أو الحزن، فـ”لو خسرت شيئًا ستتألم من الحرمان وتشعر بالتعاسة”، بينما يتجرّد الراهب من أيّ شيء يمكن أن يخسره.

جسد أحدهم كان مدهونًا بالأحمر، ويرتدي قناعًا يداري نصف وجهه، ممسكًا سيخًا حديديًا بيده اليسرى وعلى جبهته نقطة حمراء أو سوداء يعتبرها العين الثالثة التي يرى بها ما تخفيه الروح.. فهذه عينه الحقيقة بينما الاثنان، اللتان ولد بهما يوفّران له رؤية البصر وليس البصيرة.

انْدَفَعْتُ تجاهه كمياه النهر الجارفة، وأشرت له بيميني ليضحك، فضحك، فالتقطت الصورة التي أريدها، أشار إليّ بأصابعه الخمسة تحيةً منه، بادلته التحية قبل أن يقول لي: “فايف.. آي نيد فايف”، نفحته خمسة روبيات، فألقى بها في وجهي “دولارز”. تركت الروبيات على الأرض، وانطلقت مرة أخرى عدوًا، أسابق الزمن، و”أمانج” في انتظاري بالأسكوتر: “اجري.. الآلهة حرَّضت الرهبان عليّ”.

ضحك وضحكت، وعبرنا الكوبري.

متحاشيًا السير في بعض المناطق، وبجوار بعض الأشجار، تحرك “أمانج” ببطء غير مفهوم.. سألته: لماذا؟

أوضح أن “بعض الأشجار مقدَّسة وبعض الورود مقدّسة وبعض الجنائن مقدّسة.. أماكن لنزهة الآلهة”.

بعض الأشياء مقدّسة لأسباب لا أحد يعرفها.

لا أحد يعبد البقر

لا يتوقَّف الهندوس عن الصلاة، والغناء. في الطريق من دلهي إلى مدن الرب، تسعى جماعات ترتدي زيًّا موحَّدًا حاملة تابوتًا زجاجيًا بداخله تمثال الإله، أو حيوان مقدَّس من حيواناته، ولكل إله طريقة (كما أنّ لكل شيخ طريقة)، وفي دفتر الجماعة، التي تبسط الإله بطريقتها، أوراد واحتفالات وصلوات وأعياد ورقصات وموسيقى خاصة.. وكلهم – في النهاية – يعبدون الإله الأول، براهما. لكن.. لا أحد يعبد البقر.

في الطريق إلى دلهي من القاهرة حملت سؤالي إلى كثيرين: هل يعبد الهندوس البقر؟.. الأسطورة – التي انتقلت إلينا – تقول إنه حين جاعت الهند في سنين عجاف، خاف الحكماء من انقراض البقر بسبب كثرة ذبحه فأمروا الناس بعبادته حتى لا يذبحوه، فعبدوه، وصار البقر مقدَّسًا بالصدفة، تقف الطرق حين يمر، ويخرّ الجميع خشوعًا راكعين حتى يختفي، ويباركون نار طبخ الطعام بتمريرها تحت رأسه، فكانت الإجابة سريعة وضاحكة: «لا».

اتسعت الضحكة، وهي تقول إن الهندوسية لها إله واحد، ومئات الآلاف من الرسل والأنبياء والقديسين والأولياء الصالحين، والجماعات التي تخرج حاملة تابوتًا تزفه «مكبرات صوت» ساعية بين معبدين أو جبلين فيما يشبه السعي بين الصفا والمروة، من حقها أن تخترع إلهًا «محلي الصنع» ترتاح إلى وصاله، وترى أنه أسرع «برنامج شات» إلى الرب، وهي مهمة صعبة، فالذي تظهر عليه ملامح القداسة يتعب، ويكون دوره تحقيق الأمنيات، وإذا لم تتحقق، غضبوا عليه، وطردوه من حياتهم.

الآلهة في الهند لا تخلقنا، نحن نخلقها ونجعلها في أحسن صورة وندعوها لدخول الجنة ثم نطردها من الجنة إذا «سقطت في أول امتحان» بعدما خرجنا أفواجًا نتلو صلواتها، ومنحناها القرابين، وآمنا بأنها تملّ وتيأس، ولا بد أن تشم الهواء وتتنزَّه، وخرجنا بالآلاف لـ«الترويح عنها حتى لا يصيبها الاكتئاب» ثم أعدنا تماثيلها إلى المعبد تحفها الدعوات والأحلام.

وإلى جانب التمثال طعام كثير وعصائر ولبن، يعتقد من يدخل إنه للفقراء والمساكين، زوَّار الإله، الذين جاؤوا يلتمسون البركة، لكن التفسير الوحيد – على لسان المريدين – أن «الإله جائع.. ولا بد أن يأكل، ويشرب اللبن لأنه حليب البقرة.. أمنا جميعًا».

وحمل أشهر تماثيل «غاندي» في دلهي لافتة رخام تبرز جملته الشهيرة «حماية البقرة التي فرضتها الهندوسية هدية الهند للعالم، فالبقرة أم الإنسان.. وأمي البقرة أفضل من أمي الحقيقية لأكثر من سبب، أولها أنها تمنحنا اللبن بلا انقطاع وليس سنتين فقط قبل الفطام، وعندما تموت الأم الحقيقية تتكلّف جنازتها مبالغ ضخمة، بينما عندما تموت البقرة نستفيد من جلدها وقرونها وعظامها».

والقوانين، التي تجر من يذبح بقرة أو يأكل لحمها إلى السجن إذا نجا من القتل بسكاكين الهندوس المتشددين، لا تحمي الثور (ابنها) ولا تحترمه حتى لو من باب المثل المصري «لأجل الورد ينسقي العليق»، وتعاقبه بأقسى الطرق لأنه من طبقة منبوذين يزيد عددها عن 150 مليون كائن حي (ما بين إنسان وحيوان وطائر وحشرة)، وفي نهاية فقرة الجريمة والعقاب يعود إلى جرّ عربات الكارو، ونقل ماكينات الزراعة، وتوصيل الفلاح الذي يضربه بالكرباج حتى لا يتوه، واليد التي تضربه هي التي تصلي لأمه (البقرة) وتتوسل لها لتكفير الذنوب.

أوصت الآلهة بالبقر خيرًا، لكنها عجزت عن حماية قطعانها من الذبح على أيدي الشيعة سرًا، خاصة صباح عيد الأضحى بمومباي، فقبل أيام كنت هناك في مغامرة البحث عن قطعة لحم في مدينة يقال إنها تعبد البقر.. وأكلت وجبة «موزة» دسمة لأول وآخر مرة في قصر أمير البُهرة!

تحضير الأرواح الشريرة

هل تريد أن ترى روحك؟.. ادخل يمينًا.

باب معبد يتكوَّن من غرفتين وصالة يتصدَّره تمثال الإله كريشنا، أشعلت عود بخور بين قدميه، ونثرت ورودا حمراء وغسلته بكوب لبن قالوا إنه “نزل حالًا من أمنا البقرة”.

بدأت طقوس تحضير الأرواح بسرعة.

جلب الكاهن أدوات وزجاجات ملوّنة صغيرة وآنية ملأى بالماء المغلي، ورفع الصلاة “صلِّ بأي طريقة كي تقبل زيارتك”.

 صحيح أنني لست هندوسيًا، لكني “قرأت الفاتحة وآية أحبها من الإنجيل، وطلبت من الآلهة أن تبارك حياتي”.

راح الكاهن يتلو صلوات باللغات القديمة، التي شهدت كتابة أوراد وآيات ديانات الهند، وحين ردَّدت معه بعض الصلوات كانت كلماتها تحمل مع صوتي إيقاعًا حميميًا نادرًا لم أشعرْ به أبدًا رغم أنني لا أفهمْ كلمة واحدة.

تماهيت مع الأجواء الأسطورية المحيطة، فغسلت يدي في الإناء المغلي، وزيوت امتزجت بالأرز والصبغات الحمراء والزرقاء والصفراء، أضيف إليها قليل من الرماد، وصنع عجينة كوَّر منها قطعة في يديه، وسدَّدها في منتصف جبهتي: “هذه عين الروح. أنت الآن ترى كل شيء بوضوح. حياتك بلا ثمن. أموالك بلا قيمة. الآلهة وحدها قادرة على حفظك وتدميرك”.

“أغمض عينيك”.

لم يكن طقس خروج الروح سهلًا، أغمضت عيني، وشعرت بغاز ساخن يحلق حولي فلم أستوعب السخونة، وهاجمني النوم بقسوة.

وفي أثناء حضور الروح، قدم لي قلمًا وورقة كتبت فيها أمنية، وفي اللحظة المناسبة مسح الكاهن وجهي بيديه “افتح عينيك، والمس روحك”.

تراقصت أمامي غازات رماديّة داكنة داخل وعاء بلاستيك شفاف.. قال: لو رفعت الغطاء ستموت.

نثر سائل جوز الهند، وحبات أرز (تضمن استمرار الروح حرّة وحيّة) خطاياك كثيرة، لون روحك غامق مثل الأرواح المعذَّبة، ووزنها زائد 5 جرامات.

المفروض أن يكون وزن الروح 27 جرامًا.. هذه حقيقة علمية.. كان يعرفها الراهب، وحين وضع الوعاء البلاستيك على ميزان دقيق، جاءت النتيجة: 32 جرامًا، فأشار إلى عجينة مصنوعة من خلطة ورد مطحون بمياه وحلوى مقدّسة وخيَّرني “لو أضفت هذه، ستغسل روحك لتصبح أطهر وأنقى وأخف بـ10 دولارات فقط”.

قال “إذا أردت أن تنتحر، أو تزيد غضب الآلهة عليك، اخرج دون أن تطهّر روحك من الدنس”.. ثم.. “سيموت أبوك غدًا، وتفقد عائلتك في حوادث، وتعود إليّ بعد 20 سنة”.

قال وهو يعرض تطهير الروح قبل إعادتها إلى الجسد، إن بعض الهنود رفضوا عرضه فنفخت الآلهة أرواحهم بعد الموت في أجساد كلاب وقطط وخنازير.. وأحدهم استيقظ ليجد نفسه فأرًا.

هل تريد أن تصبح فأرًا؟

لم أقدم شيئًا للإله كرشنا، متصوِّرًا أن عفوه ورحمته أكبر من عفو ورحمة الرهبان المتسوّلين، وامتنعت عن دفع رسوم غسيل الروح، فقال لي الراهب إن من يدخل هنا دون أن يترك هديته سيدخل السجن.. “ما أبشع النصب على الآلهة!”.

لو كان قرار الرحيل صعبا فالأصعب منه قرار البقاء، وقبل الخروج، عاجلته بمفاجأة “أبي مات قبل ست سنوات”.

يقف عشرات الهنود طابورًا على باب الغرفة، يفحصون أرواحهم دوريًا مقابل “فرق العملة”، فالبدء بالأجانب الغرض منه ألا يعرف سعر تطهير الروح للمواطنين، بالتأكيد لن تزيد عن 10 روبيات، بينما القادمون من بلاد بعيدة يدفعون 10 دولارات و”ممنوع الفصال”.

أحدهم حين كشف عن روحه كانت “35 جرامًا” فعزا ذلك إلى أنه خان زوجته، وهي “أكبر الكبائر” في ديانة الهندوس، لكنه تاب وتصدَّق، وصالحها، ودفع للإله كرشنا والإله فيشنو ما لهما من قرابين لكي تعود روحه خفيفة كما كانت (الأول يساعده والثاني يحفظه)، وتناول الحلوى المقدّسة بكلتا يديه من الراهب قبل أن يدخل “لعلها تنفع أمام الميزان”.

حاولت إقناعه بأن الحلوى المقدّسة، شديدة الحلاوة، ربما تضاعف وزن روحه، فتحجج بأن “ما تريده الآلهة سيكون”.

الخرافة ورم في عقول الناس لم تفلحْ التكنولوجيا التي وصلت إليها الهند في استئصاله، فإلى جانب مكاتب جوجل ومصانع هواتف “أوبو” الهندية معابد بكل الأشكال والأحجام تبيع الوهم للزبائن، الذين جاؤوا لدخول الجنة قبل أن يأخذوا حصتهم من الدنيا.

الآلهة تحب “الدولارات”

صور

الله هنا أقرب.

نحن الآن داخل معبد منحوت في حضن الهيمالايا.

ما إن وصلت إلى منالي، النائمة بين الجبال الشاهقة والسحاب، وجدت أفواجًا من “الأوتو ريكشا” في انتظاري. طلبت: معبد مانو.

نفحت السائق 200 روبية ثم خلعت حذائي، وحين دخلت المعبد كان مغطى بطبقة من الثلج سرعان ما ذابت مع طلوع الشمس.

استقبلني بعض الكهنة البراهمة (نسبة إلى الإله)، بعضهم كان يرتدي ثيابًا عادية فيما كان البعض الآخر يرتدي ثيابًا كهنوتية: معطف وعباءة بلون الزعفران، أساور تزيّن المعصم والذراع، وحلقات ذهبية في كل أذن، ودبوس في الأنف، وعناقيد فل تدور حول رقبته، ومجموعة عقود من أحجار لامعة تتفاوت أطوالها، في إشارة إلى المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها، لكن جميعهم ينتمون إلى أعلى طبقة دينية في الهند، ويعاملون باحترام على أنهم أصحاب سلطة.

الذهب والأحجار الكريمة هي ما يفصل بين الطبقات، فالأعلى يرتدي ذهبًا أكثر ويزيّن عقوده بأحجار أضخم، والأقل قدرًا يرتدي حليًا من النحاس، ولا يجوز أن يصبح كاهنًا، وحين يموت يكفي تزيين كفنه بالألوان، ثم يحرق على ضفاف نهر الجانج في مكان مخصص للفقراء.

بدا المعبد مصنعًا أو شركة لها مدير ومساهمون وكل موظف يؤدي دوره.

على البوابة، هرع كاهن إلىّ يعرض أيّ خدمة، قال إنه خادم المعبد، يقوم بدور المرشد دون أيّ تكاليف، لأن الهندوسي التقي لا يطلب تبرعًا من أحد.

كان شابًا أسمر، يبدو من هيأته أنه هندي نقي لم تختلط بأصوله ونسبه دماء جنسية أخرى، بدأنا نتجول داخل المعبد، وهو يعرض عليّ مشاهد تدل على قدرة الإله براهما: قرد يطير بأربعة أجنحة، رجل يمسك القمر بكلتا يديه ويقدّمه هدية لزوار المعبد مقابل تبرع بسيط، دعوة عشاء مع الإلهة سيتا الجميلة، ويقول إن “الرامايانا” أشهر ملاحم الهند دارت تحت قدميها حين اختطفها ملك سريلانكا، واشتدّت الحرب بينه وبين الإله راما حتى أنقذها، وتوّج ملكًا.

هل تريد العشاء مع الإلهة؟

“أخاف من السيوف”.

بدا أن جرابه فرغ من الحيل والعروض، فقادني إلى إسطبل حيوانات صغير، حيث يقام حفل زفاف حمار على حمارة وقبل خروجنا، أمطرت السماء لأن زواج الحمير في عقيدتهم يغير الجو. غادرنا قبل أن تغيب الشمس وراء الجبل. كانت عشرات الصلبان المعقوفة (تميمة النازية) مرسومة على الحوائط.

دين يدّعي أنَّه يرعى الخير في الأرض، ويعين البشر على هزيمة شرور أنفسهم، ويبارك الروح ويقدس الكارما، حيث الخير حتمًا سيرد لأهله، والشر سيفتك بأهله أيضًا، يعلق تميمة جنرال عسكري أباد ملايين البشر، وأهلك أرواحًا ودمَّر بلادًا وورط البشرية في حروب عالمية، وصراعات نووية، واستخدم الدين في معسكراته لذبح اليهود حتى إن بلاده تبرَّأت منه.

هل الهندوس مع هتلر؟

أسأله، فيجاوب، وقد علَّق على شفتيه ضحكة خفيفة: هذه علامة مهرجان الديوالي وليس صليب النازية.

من خط إنتاج آنية فخار صغيرة لا يغلق، ناولني إناء يملأه الشمع المشتعل، وأوضح: من طقوس الديوالي (عيد النور) الدوران في المعبد، حاملًا شمعة تنير العالم. تستمرّ احتفالات الديوالي خمسة أيام في ذكرى انتصار الخير على الشر، والنور على الظلام، والعلم على الجهل، حين هزم الإله رام أهل الشر، واسترد زوجته:

“هاري راما.. هاري راما”.

على ضفاف بركة مياه صغيرة، تخلصت من طبق الشمع، وقال الشاب “وصلت إلى المنتهى.. كاهن المعبد، الجورو الأكبر، وراء بركة المياه.. سيصلي لأجلك، ويبارك حياتك”.

أطلّ الطريق الملتوي على خيمة، تحت الخيمة مفرش أحمر غامق يحمل صور الآلهة الثلاث براهما، وفيشنو، وشيفا، وبرَّاد، وجرادل مياه كثيرة تُغمَر من مياه البركة المقدسة، التي نشأت من دمعة فرَّت من عين الإله براهما حين وطأت قدماه جبال الهيمالايا فصنعت تجويفًا في الجبل، تحوَّل على أيدي أبنائه إلى معبد.

أمام المفرش، يجلس رجل أسمر، رفيع، دهن وجهه بصبغة حمراء تشبه قطعة الحرير التي تغطي نصفه السفلي. ظل صدره عاريًا، تزيّنه عقود فضة وذهب وأحجار كريمة، وحول معصمه أساور صفراء وحمراء من الذهب والصوف، وأظافره الطويلة مطلية بعجينة سوداء، ويغرس في الأرض سيفًا مقبضه على شكل قرني بقرة.

ألقيت السلام: “ناماستي”، فالتفت بنصف عين، وأشار بيده: “اقعد”.

بدا أنه يعرِّف وظيفته ومكانته الدينية والاجتماعية: كاهن، جورو (معلم).. وعرج إلى الرمزية الدينية للمعبد، شارحًا ماذا تعني دموع الإله التي سقطت فجأة لتصنع بركة مقدّسة: “خلعت ملابسي لأتطهر بها حين ولدت، وبعد تنصيبي كاهنًا للمعبد غطست ثلاث مرات لأغسل روحي”.

تمنع التقاليد من ينتمي إلى طبقة البراهمة مِن ممارسة التجارة أو الوظائف الحكومية كبقية الطبقات، فلديه شركة تدر دخلًا هائلًا وترجع أصولها إلى آلاف السنين، وها هو يؤدي وظيفة رئيس مجلس الإدارة.

أحضر الكاهن “توابل دينية”: ثلاث وردات، برتقالية وحمراء وصفراء، وثمرة جوز هند وقليلًا من الأرز ولبن وأنابيب ملوَّنة ووعاء مشتعل مرَّره تحت عين تمثال كبير للإله، لرفع صلاة صغيرة كي تقبلَ الزيارة.

خلط التوابل الدينية على حروف الوعاء، وطلب مني أن أحمله جيدًا. احتضنته ففرد يدي ووجهي بالخلطة السحرية قبل أن يسألني عن عائلتي وأسماء من أريد أن تشملهم البركة، فأخبرته بخمس أسماء، قال: سيكلفونك كثيرًا، وبدأ ترديده للترانيم يتسارع بينما العالم يدور بي، وأنا أردد معه كلمات لا أفهمها، وكان يقطع الصلوات ليسألني عن أسماء بعينها: أبوك، أمك، حبيبتك، ثم تناول الوعاء وأفرغ الأنابيب واللبن ومزج كل التوابل معًا، وراح يفرك رأسي وشعري بـ”عرق الإله”.

تسارعت دقات قلبي، فبدأ يفحص خطوط يدي بعناية: كل شيء سيضيع منك فجأة، ويعود فجأة، وخط القدر يقول إنك ستعيش ملكًا لكن عمرك قصير.

قال: هل تريد أن تؤجل يوم القيامة لتعيش أطول؟.. سهلة.

في أثناء تلك النبوءة، أخذ حفنة من الرماد كانت تجاوره، ودعك راحتي يديه بها وخلع خاتمًا ذهبيًا بفص من الأحجار الكريمة ليغمر الرماد يده بالكامل، وأتى الجزء الذي كنت أنتظره في الصلاة، حيث لا فرق بين الدين والديون.. كلاهما إيصالات أمانة ستدفع في الوقت المناسب.

فتح ثمرة جوز الهند، وقال إنه كي تقبل الصلاة ادفع مبلغًا بسيطًا: “100 دولار فقط”.

قال إنه من تعاليم الآلهة أن التبرع يضمن قبول الصلاة، ثم أكد أن بعض الناس تدفع ألف دولار.. هل أنت أقل منهم؟

“نقودي لا تكفي، هل تقبل الآلهة الدفع بالفيزا كارد؟”.

بدت على وجهه الدهشة، وهو يؤكد أن التبرعات “كاش دولارز” ثم تراجع: “ونقبل التبرع بالروبية”.

حاول أن يجاملني بنصف ابتسامة، وهو يتناول من يدي ألف روبية، عشر أوراق بمئة، تفحّصها بعناية خوفًا من التزوير، ووضع جزءًا منها في صندوق التبرعات، والجزء الآخر داخل الثمرة، وشيّعني إلى خارج صومعته لأعاود التسكع بين ممرات جبال الهيمالايا وقت غروب الشمس، وأنا ألتهم ثمرة جوز الهند.

“العالم كله” عدوّنا

قبل أن يدخل أكشردام، نشله سائق توك توك، فأكمل الطريق إلى المعبد المعروف بـ”جنة دلهي”.

جاء الشاب المجري، ماتيوس، في رحلة سياحية لمدة أسبوع، حاول خلاله أن يزور “كل الأماكن العجيبة”، كما قال.

أول الترشيحات معبد أكشردام، الذي يلزم الوصول إلى بوابته “ركوب المترو ثم التوك توك ثم الريكشا”.

كنَّا ثلاثة، أنا وماتيوس وتوأمه، الذي يعيش في دلهي، التقطنا مجموعة صور مع المعبد من الخارج لأن “دخول الهواتف ممنوع”.

حظر اصطحاب الهواتف إلى الداخل لغز محيّر، مجهول الأسباب، لكن الخادم قال إن العالم كله يحاول تفجير المعبد وهذه “احتياطات أمنية”، وإدارته تخضع مباشرة لمندوب من الحكومة، وكاهن من طبقة البراهمة.

بالنسبة إلينا، لم يكن ذلك خبرًا سعيدًا لأسباب، الأول أن المعبد مهدد بالتفجير في أيّ لحظة من “العالم كله”، والثاني أن لنا تجارب “فاضحة” مع كهنة البراهمة.. آخرها محاولة كاهن منالي النصب عليّ باسم الصلوات والآلهة، واكتشفت فيما بعد أن ذهبه مغشوش، وأحجاره طوب، وخاتمه لا يساوي وزنه نحاسًا.

يشبه معبد أكشردام من الخارج قلعة أسطورية عتيقة، منحوتة في صخور رخام، ومزيَّنة بتماثيل الآلهة غانيش وشيفا وبراهما وفيشنو وهانومان وسيتا، وبعض حيوانات الهند المقدسة: أفيال وقرود وفئران وأبقار.

ثم التفتيش: أبواب إلكترونية، وفَحْص يدوي، وخلع الأحذية، وتسليم الحقائب والمظلات والهواتف والكاميرات للأمانات، التي يحرسها موظفون، وتتكرر دورة التفتيش ثلاث مرات على أبواب مختلفة، وحولنا آلاف الهنود اعتادوا “نصف ساعة تفتيش” قبل الدخول، فلم يبدوا أيّ انزعاج قبل قطع التذكرة بـ50 روبية، أقل من دولار، بينما الأجانب يدفعون 500 روبية (7 دولارات).

تمالك ماتيوس نفسه أمام إجراءات التأمين، والدوران في حلقات تفتيش ذهابًا وإيابًا، للاطمئنان على أن زوَّار المعبد “لا يحملون قنابل أو بنادق”، غير أنها أفسدت الحالة الروحانيّة التي أتاها بقلب سليم.

كان لا بد أن تنتهي موجات التفتيش، لكن أين ندخل بعدها؟

“اخلع حذاءك”.

لافتة رخام على الحائط تشير إلى أنه بعد الخط تصبح الأرض مقدسة. يخلع الزوَّار الأحذية، والجوارب، فتصطدم الأقدام الحافية بالأرض التي تكفلت الشمس بمهمة تسخينها. يقول ماتيوس، إنه لم يخضع لتفتيش “سادي” مثل هذا طوال حياته، حتى في مطار واشنطن دولس الأميركي.. ثم يقف مسحورًا أمام عظمة المعبد.

سلالم رخام، تنسدل عليها ظلال قبة المعبد التي أبرزتها أشعة الشمس، الأعمدة العريضة تطوق الممرات لتفصلها عن بحيرة واسعة تدور حول المعبد وتجري بداخلها قوارب ونوافير راقصة.

لا تكتفي الحوائط برسوم للآلهة والحيوانات المقدّسة فقط، إنما تدوّن حكايات حروب الهند القديمة بالرسوم البارزة، التي تتحوّل ليلًا إلى عرض صوت وضوء، يجسّده ممثلون من “بوليوود”.

ينفتح الباب على تماثيل لقديسين يقيمون صلوات على موسيقى عنيفة تهز المعبد، لا تصلح خلفية فقط للتراتيل والصلوات، إنما لحالة الحرب البارزة على الجدران المفتونة بقوة سلاطين ومهراجات الهند القدامى، فانعكست على شكل زخارف ومنحوتات ملوّنة على الأعمدة، وعشرات الآلهة المطلة من أساطير عمرها آلاف السنين لتنفح الزوار خشوعًا وراحة.

على من يدخل أن يدفع 7 دولارات لينبهر بتاريخ الهند المدوّن على جدران المعبد، ولكي يلتقط صورة لا بد أن يدفع ثلاثة آلاف روبية (40 دولارًا) صباحًا، وما يعادل 50 دولارًا ليلًا حين يحلّ الظلام، وتسلَّط كشافات على المبنى العتيق تجعله أسطوريًا.

الآن فهم “ماتيوس” سرّ سحب الكاميرات والهواتف، التي لا تمثل خطرًا على الأمن القومي. دفع، وهو يعترض، لكن “سيبقى لي من الزيارة الصور فقط”.

بجوار مكان صغير للصلاة معرض ضخم لبيع التمائم والحلي – التي تقدّم للآلهة – والملابس، يقول الرهبان، القائمون على البيع، إنها نالت صلوات مقدّسة، رغم أنها كانت تحمل “ماركات محلية”: “من الواجب أن تشتروا”. بدا الأمر تجارة صريحة بالدين، جعلت كل الممارسات الروحية طقوسًا شكليّة لا تحمل تحتها حرارة روحيّة حقيقية كأن المعبد “سوبر ماركت” لابتزاز الأجانب، وبدأ ورم روحي يتضخّم بداخل “ماتيوس”، الذي دفع آخر ما في جيبه مقابل “شبشب” كان يرتديه الإله كريشنا، وهو يقول إن الآلهة – بالتأكيد – هجرت هذا المكان منذ زمن طويل وتركته للتجَّار، الذين لم يروا منها شيئًا إلا أحجارًا صامتة تدرّ عليهم ملايين؛ فهي – غالبًا – لا تسكن في الأماكن، التي يتاجر فيها الناس بآلام بعضهم وأحلامهم.

يقول خادم المعبد، وهو يدعونا للشراء، إن هذا المعبد لا يقبل التبرعات، والرهبان لا يتقاضون رواتب، لأن الهندوسي التقي لا يفكر في الدنيا.. ثم توقف ليشرح رسمة على الجدران، تبيّن أنه قبل آلاف السنين، قطع طبيب روحي رأس رضيعه، وقدمها قربانًا في معبد الإلهة كالي، طالبًا “قوة خفية وثروة خرافية”.

كنَّا نمشي، والموسيقى العنيفة تودّعنا، لتهلك العقل في التركيز في رحلة البحث عن الله، فلديهم منطق يقول إن الموسيقى الهادئة لا تريح، ولا تساعد على الخشوع، لأن الهدوء يورطك في استرخاء العضلات فتبدأ في التفكير في مشاكل الدنيا التافهة، وأصدقائك وأعدائك، ومعاركك الصغيرة، وصعوبة تدبير مبلغ لخروجك آخر الأسبوع.

الهدوء يمنحك فرصة لمواجهة نفسك، وشيطانك.

الرقص الهندي عنيف، والموسيقى أعنف؛ لأن مشاكل الناس كثيرة، والترانيم الهادئة لا تخطف الإنسان من نفسه، إنما تتركه تحت رحمة أحزانه ومشاكله، لكنه حين ينام على شيزلونج أمام طبيب نفسي، يمكن أن يأمره بموسيقى عنيفة.. صاخبة.. ثقيلة.. تتعبه وتفرغ الطاقة التي تجمعت بداخله، فحولت طاقته إلى مرض نفسي وجنون.

ودور المعابد أن تعيد الواحد من حافة الجنون إلى حافة الخشوع، وتعالجه من الأمراض النفسية، وتجعله يمشي في حراسة الآلهة بدلًا من إحساسه بالوحدة، فتجعله في حاجة دائمة لها، فهو – في الهدوء – حائر وخائف ومشغول وخياله يصور له أن “العالم كله” يهدده بالمدافع والقنابل والمؤامرات، لكن الصخب يضعه في حجمه الطبيعي: كائن تافه، ولا أحد يستهدفه، فيعتقد أن الصلاة تمنحه سكينة، وتبسط قلبه “المقبوض”.. وهذا هو الإيمان، وأن شيطانه هو نفسه الأمَّارة بالسوء، التي تدفعه طوال الوقت للتفكير في خرافات وأوهام تفسد حياته، وهذا هو الكُفْر.

كان الإنسان القديم، المارق في الصحراء، يريد بسماع الموسيقى العنيفة أن يشعر بالوَنَس، خوفًا من الوحدة وهجمات الذئاب والضباع وحيوانات الغابة فاخترع دق الطبول بصوت مرعب، واعتبرها صلاة يتوسل بها إلى الآلهة لحمايته، لكن الحقيقة أنه كان يهرب بها من الواقع، من خوفه ومشاكله النفسية ثم يقول إن الآلهة أنقذته، فعاشت عبادة الأوهام والأصنام حتى الآن.. وضاعت الحدود بينها وبين مصانع الهواتف واللاب توب والقنبلة النووية.

اللورد يحتفل بعيد ميلاده

صور

هاري كريشنا.

أسأل، ماذا أفعل اليوم؟، فتجاوب صديقتي “تشافي” على “واتساب” بأنه عيد ميلاد اللورد كريشنا، ما رأيك أن تحتفل؟

أقول، أوكيه، فيأتيني صوتها مسجَّلًا: “اركب الخط الأزرق، وانزل محطة نهرو، امشِ مع الناس حتى تصل معبد إسكون، واتصل بي. أرجوك، البس بنطلون، ممنوع الدخول بالشورت”. أنفذ التعليمات بالضبط.

أتجول في الشوارع المطلّة على بوابة المعبد، الذي عرفت أنه فسيح من الداخل، مع عائلات قادمة بثياب تقليدية نظيفة: ساري مكشوف البطن للنساء، وقمصان طويلة على بنطلون واسع للرجال، أفتح الموبايل للاتفاق مع تشافي على مكان اللقاء بالضبط، أفاجأ بانقطاع الإنترنت عن الخط المصري المضبوط على نظام “رومينج”.

أفحص وجوه ملايين البنات في المنطقة المحيطة على أمل أن أقع على “تشافي” لكن الصدف الجميلة لا تأتي حين نكون في أشدّ الحاجة لها.

بمجرد عبور بوابة المعبد، برزت سيارات “جيب” تنقل المحتفلين إلى نقاط التفتيش، قاطعة الطريق ما بين الشارع العمومي والباب في ربع ساعة، انحشرت رابعًا في المقعد الخلفي لإحداها، وتركت الإنترنت مفتوحًا ورسائلي إلى “تشافي” مُعلَّقة.. خرجت من هاتفي ولم تصلْ.

“أنا هنا، كلميني، أرجوكي، بسرعة، المكان مريب، أنا تهت، تشافي؟ الزحمة صعبة، الأمن قليل الذوق، لو وصلتك الرسائل ردي فورًا”.

ينبعث من صحن المعبد خليط روائح غريبة، حلوى ومأكولات وبخور ودخان وعرق وأنفاس وأرز وصبغات وورد، أحاول الدخول مع مجموعات الهنود التي تردّد أدعية وتواشيح بلهجات غريبة، لكن الضابط يستوقفني: أين دعوتك؟

تملكتني حالة من اليأس، فزيارة الإله في يوم مولده تحتاج إلى دعوة ولم أتلق دعوة، بينما رسائل “تشافي” محبوسة في الموبايل دون اتصال بالإنترنت، أعود إلى بعض الشباب لأشرح موقفي: أنا أجنبي، جئت لأحتفل بمولد اللورد كريشنا، لا أعرف أن الدخول بدعوات، من حقي أن آخذ بركة الإله مثلكم.. هل تمنحني دعوة؟

صعب على واحدٍ – ربط حول عنقه حبلًا أزرق يشير إلى أنه من المنظمين – مَن يبتغي طيفًا من البركة، ثم يعود منكس الرأس إلى حيث أتى، ثم قال وهو يناولني الدعوة: تكفي لخمس أفراد.. لا تدخل وحدك، فالإله يحب أن نحتفل معه كلنا.

لا يتحدث أفراد الأمن الإنجليزية، يكتفون بهندية لا أفهم منها كلمة. على البوابة تملكت أسرة من أربع أفراد، أب وأم وطفلتان، حالة يأس، لأن الإله ورعاته لم يوجّهوا لها الدعوة. دخلنا، كانوا مرشديّ بين آلاف حضروا إلى معبد جعلته عشرات البوابات متاهة، التقطوا معي صورًا باعتباري كائنًا خرافيًا، شكرتني الأم الطيبة وربطت حول معصمي خيطًا رفيعًا من الصوف، وأشارت إلى السماء. أرادت أن تقول: به ستدخل الجنة.

خلعنا الأحذية في مكان حفظوه تماما ثم وجدت الأم تمسك يدي بشدة حتى لا أتوه، ووقفنا في طابور، حاملين مشنة ورد، وحلوى. الطابور يمتدّ لأربع أدوار، الغرض منه أن تصل إلى تمثال الإله المنحوت على شكل راعي بقر ذي بشرة زرقاء يعزف الناي، وتسجد على عتبته، وتنثر الورد، وترحل.

كنَّا نلتزم بالطابور الطويل، بينما عشرات الآلاف أمامنا يتلون صلوات وترانيم العيد، ومن انتهى من طقوس التحية والصلاة يدور حولنا، وبعضهم يخرج إلى ساحة الطعام. اختفت الثياب البرتقالية تماما، ويبدو أنها مرتبطة بالجبال والصحراء والكهنة والرهبان، إلَّا أن شخصًا بدأ يهمس بكلمات وعبارات حنونة في الميكروفون مع موسيقى كلاسيكية، لا بدّ أنها لإبادة الشرور والسموم، وكشف المندسّين على عيد ميلاد الإله، ففي الهند آلهة كثيرة ليست على وفاق مع بعضها. تلقّفت التراتيل الأيادي المبسوطة إلى السماء، لم أفهم لكني رأيت المعنى في العيون الدامعة والصدور التي تعلو وتهبط وتلهث شاكرة، وتنظر إلى الإله وتمجِّده: هاري هاري، هاري هاري (مدد.. مدد).

حسبته يتلو الصلوات، لكنه كان يروي قصة كريشنا:

لا تستسلم إذا ضاعت حبيبتك، فالعشاق لا يؤمنون بالحب المستحيل.

ولد كريشنا سرًا، وبقى ميلاده سرًا، وتعذب في حياته حتى خضعت السموات والأرض بين يديه ليختار منها حبيبة، غير أن قلبه لم يعرف الحب يومًا.

أجمل الآلهة، أفضل من يعزف الناي، أطيب رعاة البقر، حين يصيبه الملل ينزل الأرض، يعزف لراعيات البقر حتى تنام أبقارهنّ. في إحدى الليالي، وهو يعزف، رأى “رادا”، فأعلن بين الآلهة أنه يرى الكون بأسره في عيني رادا.

اعترف لها: أنا أحبك، رادا.

“وأنا أحبك، كريشنا”.

سالت دموع كريشنا حين تنبأ بالقدر، واعتزل الناي حزنًا على ما أصابه: الإله لا يجوز له الزواج من راعية بقر. ظلّ الإله المسكين يبكي حتى حلت روح رادا في جسده، وحلت روح كريشنا في جسد رادا.

تماهت روحا كريشنا ورادا.

أصبحا شخصًا واحد “راداكريشنا”.

وعادت السماء تحمل ألحان الناي إلى الأرض لتمسح دموع العشَّاق، التي سالت من جديد وفاء لـ”راداكريشنا” حين ضربه صياد بسهم مسموم في قدمه.. فمات.

تشبه قصة “راداكريشنا” حب المسيح ومريم المجدلية، وتطابق وفاته أسطورة كعب أخيل، التي تجسِّد أميرًا مات في معركة بسهم اخترق كعب قدمه.. فالحضارات والأساطير تسرق بعضها، والآلهة ايضًا.

الطوابير بطيئة، والمشكلة أن العائلة التي دخلت بدعوتي اختفت. بدأت رحلة استكشاف جديدة للوصول إلى الطفلتين، والرجل وزوجته بين آلاف المندفعين إلى الإله العاشق، لكن الوصول إلى كريشنا كان أسهل.

على مدد الشوف، تتابعت موائد الطعام بما لذّ وطاب من الطعام النباتي، والفواكه الطازجة، وأكواب اللبن، وأواني لبن رايب كانت تتدلى من السماء، بدأت جماعات من الشباب تمتطي ظهور بعضها بشكل هرمي، خمسين شابًا يحاولون الوصول للآنية بالترتيب وكسرها لتنسكب على رؤوس زوار اللورد كريشنا، في إعلان لبداية الاحتفالات.

ارتدى الأولاد ثياب كريشنا الزرقاء، والبنات ثياب رادا البيضاء، وارتفعت الموسيقى مصحوبة بطقوس زفاف الإله وراعية البقر، فكل حب حقيقي هو حب “راداكريشنا”.

مونيكا بيلوتشي أنقذتني من السجن!

قبل نهاية الاحتفالات، انطلقت إلى الباب الذي دخلت منه فلم أجدْ الحذاء، لعله بابًا آخر، انطلقت إلى التسع أبواب الباقية، لكن الحذاء ضاع.

تتابعني الكاميرات دون أن ألاحظ.

“شخص غريب، ملامحه شرقية، لا يرتدي ثيابًا هندوسية، يبدو مسلمًا يستكشف جميع أبواب المعبد”.. ربما تردَّد هذا الصوت في غرفة مغلقة تتابع كاميرات المعبد، وتبلغ عن “مسلم خطير”.

قلت لأحدهم إن حذائي ضاع، فناولني حذاءه، وقال: راجع دواليب الأحذية مرة أخرى، وحين تجده ارجع إليّ.

ارتديت حذاءه، وخرجت من الباب، وحاولت الدخول من باب آخر أكثر من مرة، تقدَّمت إلى الأمن بالدعوة التي دخلت بها، فكانت مختومة بما يعني أنها “مستعملة”.

حاولت الدخول، وفشلت، وتسارعت دراما الأحداث لأجد عشرة عساكر داروا حولي وقيَّدوني، واستدعوا ضابط برتبة ميجور (رائد) كان يتحدث إنجليزية خفيفة.

انطلقنا إلى نقطة تفتيش على بوابة المعبد، وأنا أسأله، لماذا أنا هنا؟، فيقول بهدوء: أنت إرهابي.

“نعم! افحصني، لا معي سلاح ولا أيّ شيء”.

دار العالم دورة كاملة: الناس تفرح، تصلي، تتلو من الكتاب المقدس، تقبل أقدام الإله، تسمع حكاية “راداكريشنا”، بينما أنا (أكثر إنسان مسالم في العالم) متهم بالإرهاب.

تجسَّدت أمامي حياة أخرى: سجون، وبدلة زرقاء، وتعذيب، وتحقيقات، واعترافات، ومحاكم.. فأنا في أرض الديانات والمؤامرات والمخابرات.

داخل عربة دفع رباعي مموَّهة، انتقلت إلى قسم بوليس “نهرو”، طلب الضابط جواز سفري، فقلت إنني لا أتحرك به، لكن هناك صورة منه على الموبايل، نقل البيانات بالضبط، وسأل: أين تعيش في الهند؟ متى؟ لماذا؟ أي جهة؟ أجبت بما يريده: اسم الهوستل وعنوانه ومواعيد وصولي وعودتي ورحلاتي، وأن عشرات العرب في المكان الذي أنزل فيه.

“عشرات العرب؟ خلية إرهابية؟”.

نحن الآن في الحادية عشرة مساء.

قال الضابط إنه تم تفتيش الهوستل، والتحقيق مع مالكه، وتعريض حقيبتي للكلاب البوليسية، فلم تجد فيها شيئًا مريبًا: “موقفك يتحسَّن”. طلبت منه: “أريد أن أكلم السفارة”، فقال: لو أتى سفير بلادك إلى هنا، سأحبسه معك.

أسأله، متى أغادر؟، فيقول، عارضًا كوبًا من الشاي بلبن وعشاء خفيف، إن كل شيء سينتهي غدًا.

أطلب استعمال تليفون القسم، أطلب رقم “تشافي” فتقول إنها انتظرتني ثلاث ساعات أمام المعبد، والوقت متأخر: “من السادسة صباحًا، سأكون عندك”.

يجبرني الضابط على تناول عصير برتقال في علبة: غدًا، التحقيق معك.. هل في جيبك أي نقود؟

“100 دولار في جراب الموبايل”.

أجلس طويلًا في صالة استقبال القسم، عساكر أغبياء يتعاملون بالإشارات، أمسح جميع صور الأسلحة والإرهاب، التي أحتفظ بها بحكم عملي الصحفي وهواية اقتناء الصور، وأترك رحلاتي في الهند، فطالما أنه قال “تحقيق” سيخضع الموبايل للتفتيش.

 فقدت القدرة على النطق، وأنا أقلب في الصور، حاذفًا بعضها ومبرزًا البعض الآخر: البقر، والمعابد، والجبال الخضراء، والقرود، بارات، وزجاجات خمر وراقصات وعاريات.. وأنا معهم، فليس منطقيًا أن يقضي إرهابي خطير آخر لياليه في أحضان العاهرات.

طلب مني الضابط، الذي قبض عليّ وكان متعاطفًا معي، أن أنام.. “لن أضعك في زنزانة مع المجرمين، سأترك لك غرفتي”.

كنا نجول داخل القسم، ندخل الحمام لتفريغ لترات العصائر واللبن والشاي الهندي، ونعرج إلى غرفة النوم: سريران، وكومود، ودولاب، ومَحمَل للشمع والبخور، وسجادة غير نظيفة. نمت على السرير، متشاغلًا بالتفكير في أي شيء عدا ما سيجري غدًا.

رحت أسأل نهرو: يرضيك؟

في صباح أحد الأيام، رتبت زيارة لبيت نهرو، الذي أصبح متحفًا بعد وفاته، فوجدت نفسي داخل سجن يحمل اسمه.. كأن الأشياء تحدث بالشَبَه.

ثم إذا كانت الهند في منافسة على “تقطيع الخرائط” مع باكستان، ما يجعل كل مسلم مهددًا، فلماذا أدفع ثمن مشكلة بين بلدين يمتلكان قنبلة نووية! بإمكان الأولى أن تضغط على زر فينتهي كل شيء في لحظة، والثانية قادرة على إطلاق الإرهابيين والمتمرِّدين والمسلحين لتفجير معابد ومساجد وآلهة بالتدريج وما أسهل تفخيخ الهند.

يكفي أن تذبح بقرة وتطبخ فتة عكاوي ليعاجلك الهندوس بذبح عشرات المسلمين وتعليق الرؤوس على أبواب المعابد وفاء للآلهة، أو تدفع قردًا للقفز على مئذنة مسجد ليندفع الدم في عروق المسلمين، فتتحول إلى رشَّاش آلي، فالهند بلد يرقد على تراث ملغم بالأساطير وتماثيل الآلهة.. إذا دست على أحدها – وهي غزيرة ومرهقة ومحيرة وتضيع فيها الحدود بين الحقيقة والخرافة والآلهة والمدَّعين والهندوس والسيخ والمسلمين – ستنفجر.

محنة الوحدة هي أكثر ما هزمني في تلك الليلة.. فالخوف خرج من تحت جلدي لأول مرة.. ورحت في النوم وأنا أقول إن السجن هو المكان الطبيعي لمن يحبّ الحياة وسط أمة تعيش داخل توابيت الآلهة.

نحن الآن في السادسة صباحًا.

عشر ساعات سجن تشحن بطاريات غضب كافية لتدمير العالم.

الآن، أفهم سر شر شيفا، الذي دفعه إلى الغدر بالإله الخالق، وقطع رأسه.

عسكري غشيم أيقظني بفوهة البندقية، فانهال عليه سيل شتائم عربية أصيلة قابلها بابتسامة مجاملة لأن يدي كانت مرفوعة لتحيته.

في صالة الاستقبال، أرسلت “تشافي” صديقها “أناند”، نجل ضابط بالجيش الهندي، وحسام كهلة، وهو طالب طب مصري قابلته في رحلة جايبور.

أسرّ إليّ أناند بأن والده سيحلّ المشكلة: لنتفق على ما ستقوله في التحقيقات.

أسأله، ما الجهة التي ستحقق معي؟، فيقول: المخابرات.

غرقت في اليأس، وغادر أناند لإحضار جواز سفري من الهوستل، وحضر صحفيان من صحيفتين مغمورتين للانفراد بأول صورة لـ”انتحاري مصري أرسلته باكستان لتنفيذ عملية إرهابية في أكبر معابد دلهي”.

صور

طلبت من الضابط أن يرحل هؤلاء فورًا، فنفى أن يكون المطلوب محتجزًا في قسم “نهرو”، وعرض عليّ شايًا هنديًا فشربته، وقال إن فريق التحقيق “على وصول”.

تابعت وصول فريق التحقيق على دفعتين، اثنان ثم واحد، كانوا يرتدون بنطلونات جينز، وفانلات سيئة الصنع، وأحذية رياضية.

حين قلت للقنصل المصري بدلهي، في اليوم التالي، إن هذه هيأة مدربي كرة قدم وليس ضباط مخابرات، ضحك: “قصص أدهم صبري أثَّرت على دماغك.. هل ضابط المخابرات لازم يلبس بدلة ونظارة سوداء؟!”.

بدأ التحقيق في غرفة مأمور القسم. انفرد أحدهم بالتفتيش في الموبايل، فاحصًا “الجاليري” بعناية حتى وصل إلى أشياء لا أعرف عنها شيئًا، ليس من بينها صور الإرهابيين، وتفرَّغ الآخران للأسئلة:

            •          ما اسمك؟

            •          مهدي.

            •          ما ديانتك؟

            •          مسلم.

            •          بلدك؟

            •          مصري.

            •          كم طولك؟

            •          170 سم.

            •          لا لا، أنت أقصر.. كفاية 167.

            •          ما اسم إخوتك؟

            •          أحمد وعبدالقوي.

            •          ماذا يعمل الاثنان؟

            •          الأول يعمل في بنك إماراتي، والثاني مهندس في مصر.

            •          ماذا يعمل والدك؟

            •          ميت.

            •          ما رأيك في الإخوان المسلمين؟

            •          جماعة إرهابية.. أنا ضدها.

            •          لماذا؟

            •          لأنها إرهابية.

            •          هل تعرف أن الرئيس المصري قادم إلى الهند بعد أيام؟

            •          لا.

            •          لا تتابع أخبار بلدك؟

            •          غير مهتم بالأخبار.

            •          ماذا تفعل في الهند؟

            •          مهمة صحفية.. ودخلت البلاد بتأشيرة صحفي.

            •          ما مهمتك؟

            •          كتابة مجموعة مقالات عن التعايش بين المختلفين في دلهي، وجمال البلد، والديمقراطية.. نريد إعادة تجربة الهند في مصر.

            •          هل زرت كشمير؟

            •          لا.

            •          هل ستزورها؟

            •          ليست على أجندتي.

            •          هل زرت باكستان؟

            •          لا

            •          ماذا تعرف عن عداء باكستان للهند؟

            •          باكستان تريد أن تسرق كشمير، وتقيم حروبًا لكن الحق لا بد أن يظل في يد أصحابه.. أقرأ دائمًا أن كشمير هندية.

            •          ماذا تعرف عن الإسلام؟

            •          لا شيء..

            •          ألا تعرف النبي إبراهيم؟

            •          لا.

            •          من هو نبي بني إسرائيل؟

            •          أعرف إسرائيل فقط.

            •          عندكم نبي اسمه يعقوب؟

            •          أنا مسلم اسمًا فقط.. وغير مهتم بالدين.

            •          هل هناك مسلم لا يعرف أنبياءه ولا يحفظ كتابه؟

            •          أنا.

            •          ما معلوماتك عن داعش؟

            •          أنا متخصص في الرياضة.. أعرف كرستيانو رونالدو وميسي أكثر من داعش وقضية كشمير.

            •          تمام.. ماذا فعلت في الهند منذ قدومك؟

            •          قابلت أصدقائي، شاركت في عدد من مؤتمرات التكنولوجيا، ركبت الأفيال ولعبت مع القرود في جايبور، وجرَّبت المأكولات الهندية، فأنا أيضًا نباتي ولا آكل اللحوم، وزرت جبال الهيمالايا في منالي، وداعبت الأرانب والفئران، ولي مئات الصور تسجل الرحلات، وحضرت عيد الاستقلال في دلهي، ورقصت مع الهنود أمام القلعة الحمراء، حيث شهدت على التفوق العسكري لبلادكم، واشتريت ملابس، مستغلًا الخصومات التي أوصلت حذاء “نايكي” إلى نصف ثمنه.. تصوّر؟

            •          هل زرت معابد؟

            •          نعم.. معبد السيخ في دلهي، وعدد من معابد الهندوس.

            •          وكيف حصلت على دعوة دخول معبد “إسكون”؟

            •          طلبتها من أحد المنظمين، كانت في يده، وصارحته بأنني أجنبي جئت لأنال العفو من اللورد كريشنا، وليس منطقيًا أن أعود دون أن أتلو بعض الصلوات له، وأطلب منه أن يبارك حياتي.. فأنا أريد أن أشارك الهنود ثقافتهم واحتفالاتهم وطقوسهم.. لهذا جئت من القاهرة.

            •          وما سر اهتمامك بحضور عيد اللورد كريشنا؟

قلت لضابط التحقيق، إنه لا يعرف علاقة المصريين بالإله كريشنا، بدءًا من قصة “راداكريشنا” التي ترويها السيدات لأطفالهنّ قبل النوم، حتى الاستشهاد به في برامج التلفزيون باعتباره رمزًا للوفاء والمحبة، وبدأت أروي قصصًا عن صور كريشنا في شوارع الدقي والمهندسين والمعادي وسيدي بشر، منطقة ميلادي، والمواكب التي تخرج، اليوم، بالقاهرة احتفالًا بمولده، وتنطلق إلى أعلى مكان في مصر، جبل المقطم، لتحيته وإحياء عيد الميلاد. أمي منحتني بعض الحلوى المسكَّرة لتقديمها للإله في يوم مولده، وفاء له، واعترافًا بعظمته.

وأوضحت أنني من الإسكندرية، وهي مركز عبادة اللورد في مصر، المسلمون يؤمنون بالله والنبي محمد واللورد كريشنا، رغم أن ذلك مخالف لصحيح الإسلام، لكن من يقدر على نزع محبة صافية يستحقها اللورد من قلوب الناس؟!

هل تصدقني؟.. اللورد كريشنا في مصر أشهر من كل الآلهة الأخرى، لدرجة أنه ينافس إله المسلمين على المريدين، لكنهم يعتبرون ذلك سرًا لأن عبادة كريشنا ليس معترفًا بها رسميًا في مصر، وهم يحتاجون إلى ديانة في بطاقة الهوية، ثم إني حملت فضولًا، وعشرات الدعوات، لأعرف الكثير عن هذا الإله، الذي وصل صيته إلى مصر، ليس فقط لأن قصته مؤثرة، إنما لأننا نعتقد أنه المسيح، الذي يؤمن به المسلمون ويعبده المسيحيون، فسيرتهما متشابهة، وصورهما متطابقة تقريبًا، ولديّ إحصائية بأن 22 مليونًا من أصل 90 مليون مصري يؤمنون باللورد كريشنا، ويتعايشون مع المسلمين في سلام.. حتى ابحث على الإنترنت.

بعد وصلة أكاذيب عن المؤمنين بكريشنا في مصر، هدأ الضباط، ودخل أحدهما في حالة وَجْد صوفي، مرنِّمًا بطريقة المعابد: هاري كريشنا، هاري كريشنا، هاري هاري، هاري كريشنا، ولم يكن الهدوء القاتل، المطعَّم بأسئلة خبيثة وحوارات جانبية إلا مباريات نفسية لتدمير أعصابي حين وصل أناند بجواز السفر.

دخل ومعه “آروشي”، التي بكت عليّ، وكان صدرها يعلو ويهبط حسب دراما التحقيقات، كلما فزت بجولة نفسية هدأت، وكلما فازوا انفجرت دموعها، وقالت للضابط إن هذا المصري عمره 22 عاما، ويحب الحياة ويسهر يوميًا في “جانكيارد ديسكو تك”، ولم يضبطْ منذ وصوله دلهي بأي فعل يعاقلب عليه القانون: لو كان إرهابيًا لأبلغنا غنه.

لم يستسلم الضباط لدموع “آروشي” بسهولة، تمسكوا بالأمل في القبض على إرهابي ثلاث ساعات، فطلبت، والدموع تلمع في عينيها: مهدي، أرجوك ابكِ ليعطف عليك. Crying!

خرج الضابط، الذي انشغل منذ اللحظة الأولى بتفتيش الهاتف، مصطحبًا “آروشي” و”أناند”، وقال لهما: اسمحوا لي أن أحبسه 6 أشهر فقط.. إنه يحمل فيلم بورنو على الموبايل.. هو الذي برَّأه من تهمة الإرهاب.. لكن القانون الهندي يعاقب مَن يضبط بأفلام إباحية.

أسأل آروشي، ما الأخبار؟، فتقول مصدومة، إنه وجد على الموبايل فيلم بورنو.. “اشكر ربنا”.

تنتهي الإجراءات بفضل الفيلم الإباحي، يعتذر الضباط الثلاثة على إزعاجي، يدعوني الرائد الذي قبضّ عليّ لزيارته في القسم قبل السفر، فأقول إنني سأربط حقائبي وأعود إلى بلادي غدًا.

ولأني لا أحتفظ بأفلام على الموبايل، أبدأ التفتيش في “الجاليري” عن فيلم البورنو الذي أنقذني من السجن، فإذا به مقطع اغتصاب مونيكا بيلوتشي في فيلم “مالينا”.

شكرًا مونيكا.

شكرًا لأنكِ معي، كالآلهة تحفظينني من الشرور حتى في أشدّ لحظاتك انشغالًا وعذابًا وغرقًا في المتعة.

قبلة ووردة وانتظريني في الميعاد.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.