نظرية تفسر كل شيء

نظرية تفسر كل شيء

غراهم نارمان فيلسوف أميركي يحاول فهم الموجودات وتجاوز مفهوم الحقيقة.
الأحد 2018/07/01
غراهم هارمان

اختار معجم أوكسفورد للغة الإنكليّزية كلمة “ما بعد الحقيقة” لتكون كلمة العام في 2016، في إحالة إلى صعود اليمين المتطرّف وميوعة مفهوم الحقيقة، وكأن ذلك نبوءة بوصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، كون الأخير اعتمد على وسائل الإعلام وتبادل المعلومات والتلاعب بها وإثارة العواطف، للتأثير على الناخبين، فـ”الحقيقة” لم تعد هي معيار السلطة السياسية أو النفوذ، بل مجموعة الحكايات التي يمكن توليدها، فنحن في عصر تلاشت فيه الحقيقة والمعرفة على حساب الحكاية، ليغدو صاحب الحكايات الأشد تأثيرا، قادرا على امتلاك “الحقيقة” وتكوينها كما يريد.

عُرف الأميركيّ غراهم هارمان بأنه واحد من مؤسّسي تيار “الواقعية التشكيكيّة” والتي يعتبرها البعض تجاوزا لكانط وإعادة قراءة لهايدغر، وذلك في محاولة للتخلص من ما بعد الحداثة وبعض تخريفاتها على حد تعبير البعض، ومؤخرا صدر لهارمن كتاب “نحو أنطولوجيا الأشياء- نظرية جديدة لكل شيء” عن دار بينغوان، وفيه نقرأ عن نظرية “ooo” أو “Object oriented ontology” التي أسس لها في نهاية التسعينات من القرن الماضي، بوصفها وسيلة لفهم الواقع على أساس العلاقات بين الأشياء والموضوعات، إذ يرى هارمن أنه لا يوجد للواقع شكل جوهري مثاليّ، وهو ليس إلا نتاج الوعي البشري بالعلاقات السابقة، أما الموجودات فليست إلا تجليا لهذه العلاقات ضمن شروط ما.

يبدأ الكتاب بشرح المقاربة الجديدة عبر مفهوم المعرفة، التي احتكرتها المؤسسة الدينية سابقاً، ثم انتقل هذا الاحتكار إلى العلوم الطبيعيّة، التي تدّعي أن قوانينها تعكس الوقع بدقة ولا مجال للتلاعب بها، كونها تشكّل الحقيقة، لكن هذه الحقيقة نسبية في ظل الأنطولوجيا الجديدة، فلا أحد يمتلك المعرفة الكاملة، وهنا يشير هارمن إلى خطورة المثاليّة، والاعتقاد أن هناك شكلا واحدا للحقيقة يحوي خلاص الجميع، وهنا يأتي الانتقاد للفيزياء، فالمؤلف لا يرى أنها قوانينها قادرة على تفسير الظواهر البشريّة، وذلك في إشارة إلى نظرية الأوتار المهتزة التي تقدّم نفسها على أنها أحدث ما توصّل لها العلم، وأشمل النظريات التي تفسّر كل ما يحدث في الكون، مشيرا أن الفلسفة وعلم الجمال، هما الأقدر على تفسير العالم وما فيه.

أوهام الجوهر الصرف

كتاب

يكشف الواقع عن هشاشة الحقيقة المثاليّة، بوصفه دوما مختلفا عن النظرية، بل نراه أحيانا يهشمها، بسبب استحالة الإحاطة به، وهنا تكمن خطورة الفلسفة التقليديّة، بسبب قدرتها على التفسير، إذ يمكن لها أن تخدم أهدافها الخاصة، لا أهداف البشريّة، وهنا تأتي تفاصيل المقاربة الأنطولوجيّة الجديدة، فهي لا ترى في الواقع مُنتجا يتم بناؤه لغويا وسياسيا أو عبر النشاط البشري الثقافي، بل تراه موجودا خارج الوعي والنشاط البشري، والأهم، أن وعينا بهذا العالم، ليس إلا وعيا جزئيا، تبرز إثره العلاقات بين الموضوعات، كونها نتيجة لتفاعله معها، هذه العلاقات، يمكن أن تتجلى بين أي نوع من الموجودات، كونها لا تعكس إلا خصائص خارجيّة ونسبيّة ضمن شروط الواقع، أما جوهرها الداخلي الذي يكوّنها فلا وجود له أو لا يمكن لنا إدراكه، كونه مستقلاّ عن العلاقات الخارجية وعن وعينا.

أدوار الحقيقة

ترى أنطولوجيا الأشياء أن كل الموجودات متساوية، سواء كانت بشرا أو حيوانا أو فكرة، والأهم أنها متطابقة الخواص، لكنها تختلف في العلاقات بينها، وهذه الموجودات إما واقعيّة وإما حسية، والأخيرة هي أساس الصلات بين الموجودات الواقعية، بل والوحيدة التي تسمح بظهورها، كما أن الموجودات تتجاوز حدود ما يسمح به الإدراك البشري، كونها مستقلة في وجودها، وإدراكنا لها ليس إلا عارضا لهذا الوجود وليس جوهره. وهنا تكمُن أهمية علم الجمال بوصفه قادرا على كشف العلاقات بين الموجودات، سواء كانت موضوعات أو أغراض، وخصوصا أن هذه العلاقات غير مباشرة دوما، ويعدّ أهم تعبير عنها هو الفنّ، كونه يقدّم شكلها “الواقعي” أو يقترح علاقات جديدة بينها، وهنا يأتي دور المجاز، بمعناه الأدبي، كونه يحدّد علاقة بين الأشياء ويجعلها تظهر، كاشفا عن أشكال تشابكها وتكوينها في الواقع، وترى الأنطولوجيا الجديدة أن هذا المجاز لا يكون فعّالا إلا إذا تمكّن الفرد من فهم العلاقات وتبنّيها، هذا التبنّي مرتبط بالمَسرَحة، فالمجاز يكشف عن الأدوار التي تؤدّيها الموجوات، بوصفها تكسبها واقعيتها، وهذا ما يشبه معايشة الدور المسرحيّ، الذي يقترحه المنظّر الروسي كونستانتين ستاسنلافسكي، كون الممثل يحاول تبنّي خصائص الموضوع الذي يؤدّيه.

حقيقة المجاز

يلعب المجاز دورا جوهريا حين يتمثّل بالعمل الفنيّ، فهو يكشف عن أسرار الحياة ويقدّمها لنا، أما المتعة المرتبطة به، فسببها قدرته على خلق إحساس لدينا بجوهر الأشياء، جاعلا إياه مفتوحا أمامنا لنكتشفه، فالمجاز الأدبي في الرواية أو القصيدة يعتبر موجودا وحقيقيا، كونه يتبنّى علاقات بين الواقعي “النار مثلا” والمحسوس “الجحيم كمجاز عنها”، هذه العلاقات تظهر وتتجلّى أمامنا، كالمسرح، الذي يعتبره هارمان جوهر كل الفنون، كونه يقترح احتمالات وأدوارا تشكّك في علاقتنا مع الواقع، ومدى صلاحيّة المعرفة التي تصلنا منه، كون الواقع ذاته شكل من أشكال الأداء.

يوجّه الكتاب الانتقادات إلى كل من جاك دريدا وميشيل فوكو، بوصفهما من المدافعين عن التكوين الرمزي للواقع، بوصفه مُنتجا، ولا وجود له خارج علاقات القوة التي تنتجه، أما إدراكنا له، فليس إلا نتيجة لهذه العلاقات نفسها التي تكوّننا ضمنه، وكأن الموجودات لا وجود لها بشكل منفصل عنا، بل كلها “أشياء” تخضع لعمليات ثقافية وسياسية لتصبح موضوعات.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.