الهويات‭ ‬المنغلقة

الهويات‭ ‬المنغلقة

الجمعة 2016/07/01
لوحة: عمر إبراهيم

هذا التيار المناهض للأنوار هو جزء لا يتجزأ من الثقافة الفرنسية بخاصة والأوروبية بعامة، وقد رأى النور بالتزامن مع بزوغ فجر الأنوار في القرن الثامن عشر، ومثّله يوهان غوتفريد هردر (1744-1803) في ألمانيا، وإدموند بيرك (1729-1797) في إنكلترا، وجوزيف دو ميستر (1753-1821) في فرنسا، ثم إيبوليت تين (1828-1893) وإرنست رينان (1823-1892) من بعده، وتواصل مع بنيديتو كروتشي (1866-1952) في إيطاليا، وأوسفالد شبنغلر (1880-1936) في ألمانيا، حيث بدأت أفكار دعاته في مطلع القرن العشرين تغادر حلقات النخب الثقافية لتنزل إلى الشارع وتغذي ثقافة الجماهير، وتحشد الأنصار، وتتصدر الجرائد وتجد لها في الروايات مكانة أثيرة. وكانت هزيمة فرنسا أمام الجيوش النازية فرصة ذهبية لدعاة هذا التيار، إذ فسّروا أسبابها بالأفكار الهدّامة التي جاءت بها الثورة الفرنسية. وما زالوا إلى اليوم يقودون حربهم ضد قيم الأنوار، بإثارة الأسئلة الكبرى التي سبق أن طرحها فلاسفة القرن الثامن عشر: هل يمثّل المجتمع جسما حيّا، أم هو مجرد مجموعة مواطنين؟ أين تكمن الهوية الوطنية؟ هل تتحدد المجموعة الوطنية وفق مصطلحات سياسية وتشريعية أم بحسب التاريخ والثقافة؟ وما هو وزن الدين داخل الثقافة؟ أيهما يكتسي أهمية في حياة البشر: ما يوحّدهم أم ما يفرّقهم؟ ثم هل العالم في وجهه الحالي هو الممكن الوحيد؟ هل يمثّل تغيير النظام الاجتماعي الموجود هدفا مشروعا أم خرابا مؤكَّدا؟

والإجابة على هذه الأسئلة تضع مفهوم الإنسان موضع مساءلة، فالفرد بالنسبة إلى مناهضي الأنوار لا يكتسب معناه إلا داخل المجموعة وعبرها، فلا وجود له داخل كوسموبوليتية مجردة بل في نطاق فردانيته الملموسة. ومن ثَمّ، ينبغي تفضيل ما يميزه عن سائر البشر، ويفصله عنهم، أي الهوية. وهي قضية لا تزال تثار بحدة في فرنسا وسواها منذ أن عرّفت موسوعة ديدرو ودالمبير الأمّة بكونها “طائفة هامة من الشعب، تسكن رقعة بلد ما، داخل حدود معينة، وتعلن الولاء والطاعة لحكومة واحدة”، واستثنت بذلك التاريخ والثقافة واللغة والديانة، لتعلن عن مجيء المواطن، المتحرر من خصوصياته. ولأول مرة في التاريخ الحديث، أصبح كافة سكان البلد الواحد، الخاضعين لنفس الحكومة، مواطنين أحرارا، متساوين في الحقوق، خاضعين لنفس القوانين، دون تمييز.

هذا التصور السياسي والتشريعي للأمّة قاومه الفيلسوف الألماني هردر، عدوّ روسو وفولتير، ومنتقد كانط، ومؤسس القومية الأيديولوجية، ففي رأيه أن الأمّة ظاهرة طبيعية، جسم حيّ ذو روح وعبقرية خاصتين به تنطق بهما اللغة. فالبشر لا يوجدون إلا بالأمّة، تماما كالأوراق والأغصان التي لا وجود لها من دون الشجرة. هذه الوحدة المنسجمة، التي تكاد تكون قبلية، تمتلك في نظره شخصيةً مخصوصة هي أنبل ما يمكن أن يخلقه التاريخ. وهو تصور سار عليه كل من انتمى إلى هذا التيار من بعده، فقد ظلوا على مرّ الأجيال ينظرون إلى المجموعة الوطنية ككلّ قادم من غياهب العصور، فهي التاريخ والثقافة واللغة و”أرض الموتى” كما يقول موريس بارّيس (1862-1923) و”البلد الفعلي” على رأي شارل مورّا (1868-1952) منظّر القومية الشاملة. وفي رأيهم أن “البلد الشرعي” الذي دعا إليه فلاسفة الأنوار، ويضم مواطنين لا أفرادا، ليس سوى شيء مصطنع، أي أنهم ينظرون إلى التاريخ كشرط لا غنى عنه لتشكُّل الهوية، وإلى البشر كنتاج تاريخهم وثقافتهم، فيما ينظر إليه فلاسفة الأنوار كسيرورة خطية متجهة نحو تقدُّم يحمل في مجراه البشر جميعا دون استثناء، ويعتبرون أن البشر كائنات عقلانية متساوية الحقوق حيثما كانت، وأيّا ما يكن لونها وعرقها ودينها.

ولئن كان الهدف النهائي لكل عمل سياسي أو اجتماعي في نظر أنصار الأنوار هو صالح الفرد، فإن المناهضين يسبّقون المجموعة على الفرد، الذي يعرّف عندهم بكونه وريثا للماضي بالأساس. وفي هذا يلتقي نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي الأسبق وجان ماري لوبان الزعيم الأسبق لحزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف، وألان فيلكنكراوت ومن لفّ لفّه من مثقفي اليمين مثل إريك زمّور ورينو كامو وفيليب موراي وريشار ميّيه وآخرين كُثر بالإسلاميين والقوميين اليهود في الأرض المحتلة والمحافظين الجدد وحلفائهم الإنجيليين في الولايات المتحدة، فهم يقودون، برغم المظاهر التي توحي بعكس ذلك، المعركة نفسها، ويؤكدون مع هردر أن أيّ شخص، وأيّ مجموعة تاريخية لها “ثقافة” مخصوصة غير قابلة للتقليد. فإذا سلّمنا بأن الأمّة هي مجموعة تاريخية وثقافية، تصبح صفة الفرنسي “التاريخي” قيمة مطلقة، فيما تكتسي صفة المواطن الفرنسي قيمة نسبية، لكونها لا تدل إلا على فئة قانونية وقع خلقها اصطناعيا. ومن ثَمّ، يمكن سحب الجنسية الفرنسية من “الأجانب” المتجنّسين، كما وقع أيام حكومة فيشي، وكما كانت الحكومة الاشتراكية الحالية بصدد إقراره وتنفيذه بعد العمليات الإرهابية الأخيرة، لولا تصدي عدد كبير من رجال القانون والمجتمع المدني ومثقفي اليسار وحتى أعضاء من حكومة مانويل فالس، بوصفه منافيا للقوانين الدولية التي وقّعتها فرنسا، ومطلبا من مطالب أحزاب اليمين واليمين المتطرف.


مشيل أونفري ميشيل هولبيك مارك ويتزمان ومارسيل غوشي

ومن المفارقات، كما يقول المؤرخ اليهودي زيف شتيرنيل، أن المفكر ألان فيلكنكراوت الذي يعتبر نفسه مؤتمن إرث تاريخي وثقافي يرجع عهده إلى عماد رانس (أي تعميد كلوفيس الأول ملكا للفرانك بكنيسة مدينة رانس يوم 25 كانون الأول سنة 498)، يمكن لأي مورّاسيّ (نسبة إلى شارل مورّا) أن ينظر إليه كيهودي بولندي وُلد صدفة في فرنسا، وبالتالي يمكن أن تسحب منه جنسيته إذا ما وصل هؤلاء الذين يتبنى فكرهم إلى السلطة. ومما يلفت الانتباه أيضا أن هذا اليمين يلتقي مع إسلاميي الضواحي في بعض القيم الهامة. فكلا الطرفين يفضل الانتماء الثقافي، ويدافع عن “أناه” التاريخية، ويؤسس هويته على ماض حقيقي أو أسطوري، ويحسب أن طائفته الثقافية لها شيء فريد يفرض عليها أن تظل على الدوام وفيّة لنفسها، وإن كان الأصوليون في كل عقيدة، إسلامية كانت أم مسيحية أم يهودية، يفوقون اليمين في مسألة جوهرية وهي عدم تنافذ الثقافات، كما يقول زيف شتيرنيل، في كتابه “المناهضون للأنوار- من القرن الثامن عشر إلى الحرب الباردة”، فهم يحرصون على العزلة وعدم الاختلاط بالآخر، أو الأخذ عنه، للحفاظ على نقاء مزعوم. هذا الرفض للأنسنة والكونية يوافق الطائفية في شتى أنواعها، ويجد صداه أيضا في تيار المحافظين الجدد بصيغته الأميركية، كما هي الحال مع منظّره السياسي إرفينغ كريستول (1920-2009) الذي يؤمن بأن المحافظة لا تستقيم خارج بعدها الديني، وأن العَلمانية عدوّ ينبغي مقاومته، وأن ما يعانيه المجتمع الأميركي اقتصاديا واجتماعيا مردّه إلى مسائل أخلاقية بالأساس مفتاحها الدين. وهو ما يفسر السهولة التي استطاع بواسطتها المحافظون الجدد أن يشتركوا مع المحافظين الدينيين لخلق تيار المحافظين الشعبويين في الولايات المتحدة. على غرار اليمين القومي الديني التوسعي في إسرائيل والإسلاميين في كلّ مكان. كلهم ينظرون إلى الأمّة كأفضل مثال لطائفة متلاحمة، متوجهة إلى الله، لها وجود موضوعي مستقل عن الإرادة الفردية والعقل، لأن البشر، في نظر تلك التيارات، بحاجة إلى المقدس، وبحاجة إلى الطاعة. وهو ما يفترض رؤية للمستقبل تخالف تماما رؤية الأنوار، وتضع الثقافات موضع تنافس، ما يخلق بالضرورة تراتبية، كان من نتائجها ظهور القوميات العرقية، والميز العنصري، وحروب الإبادة.

عندما يتأزم الوضع، تنبغي العودة إلى الأنوار، يقول مارسيل غوشيه، ولكن أيّ أنوار وقد اختلط الحابل بالنابل، فصار القائلون بالانحطاط ينادون بها باسم الحضارة، والتقدميون يدعون إليها باسم مستقبل متعدد الأقطاب، وبعض رجال الدين يدافعون عن فولتير وعن العَلمانية، وعاد بعض المفكرين المحسوبين على اليسار مثل ميشيل أونفري إلى شبنغلر وكتابه “انحطاط الغرب”، فيما نهض آخرون، مثل ميشيل هويلبيك، لشنّ هجوم وحشي على الغرب في صيغته الحالية، أي ضد الفردانية والليبرالية والديمقراطية البرلمانية وإرث الأنوار، أي ضدّ ما عرف بـ”العصر الميتافيزيقي” الذي افتتحه أوغست كونت.

والخلاصة كما يقول الكاتب مارك ويتزمان، أن جميع الأطراف توهم أنها مستنيرة، والحال أن الظلمة في البلاد شاملة.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.