تبدلات‭ ‬المخيال‭ ‬التديني

تبدلات‭ ‬المخيال‭ ‬التديني

السبت 2016/10/01
لوحة: محمد الوهيبي

تذهل‭ ‬ظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬الإرهابي‭ ‬المتمظهر‭ ‬بماهية‭ ‬تديـُّنية‭ ‬‭-‬وليس‭ ‬دينية‭ ‬إسلاموية،‭ ‬وليس‭ ‬إسلامية‭-‬‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر‭ ‬وتثير‭ ‬هلع‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الشعبي‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬بقدرتها‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬فائقة‭ ‬وشديدة‭ ‬الفاعلية‭ ‬على‭ ‬تحشيد‭ ‬وتجييش‭ ‬أتباع‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬أطراف‭ ‬الأرض،‭ ‬وفي‭ ‬ظهراني‭ ‬أجيال‭ ‬الشباب‭ ‬المتحدرين‭ ‬من‭ ‬ثـقافات‭ ‬وخلفيات‭ ‬سوسيولوجية‭ ‬وأنثربولوجية‭ ‬وإثـنية‭ ‬متباينة‭ ‬وأحياناً‭ ‬متناقضة‭ ‬ومتصارعة‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬ومكوناتها‭ ‬الناظمة‭.‬

تمثل ‭ ‬جماعات‭ ‬إرهابية‭ ‬مثـل‭ ‬داعش‭ ‬وأمثالها‭ ‬كنماذجٍ‭ ‬حيّة‭ ‬واقعية‭ ‬التمظهُر‭ ‬الأول‭ ‬والأكثر‭ ‬استحواذاً‭ ‬على‭ ‬مشاعر‭ ‬وهواجس‭ ‬العالم‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الظاهرة‭ ‬المهيمنة‭ ‬على‭ ‬أركان‭ ‬المرحلة‭ ‬التاريخية‭ ‬المظلمة‭ ‬والراديكالية‭ ‬التي‭ ‬يعبرها‭ ‬الجنس‭ ‬البشري‭. ‬ويبدو‭ ‬للمراقب‭ ‬العلمي‭ ‬المتمحص‭ ‬أنَّ‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬داعش‭ ‬وأمثاله‭ ‬نموذجاً‭ ‬لظاهرة‭ ‬مخيفة‭ ‬هو‭ ‬القدرة‭ ‬الجمعية‭ ‬والشمولية‭ ‬لهذا‭ ‬الميل‭ ‬العنفي‭ ‬الإرهابي‭ ‬المتمظهر‭ ‬تديّـنياً‭ ‬على‭ ‬تعبئة‭ ‬جماعات‭ ‬تقدَّر‭ ‬بالآلاف‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬أيديولوجيتها‭ ‬ومشروعها‭ ‬الوجودي‭. ‬يحسب‭ ‬الجميع‭ ‬أنَّ‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬هو‭ ‬نشوء‭ ‬شمولية‭ ‬جمعية‭ ‬تديــّنية‭ ‬دوغمائية‭ ‬وحلولها‭ ‬عموماً‭ ‬محلّ‭ ‬شموليات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتصف‭ ‬بأنها‭ ‬سياسية‭ ‬وقوموية‭ ‬وأيديولوجية‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬أمامنا‭ ‬هو‭ ‬استبدال‭ ‬ظاهرة‭ ‬شمولية‭ ‬جمعية‭ ‬لادينية،‭ ‬بظاهرة‭ ‬شمولية‭ ‬جمعية‭ ‬أخرى‭ ‬دينية‭ ‬‭(‬يحلو‭ ‬للغالبية‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬دينية‭-‬إسلاموية‭ ‬بامتياز‭ ‬وبالحصر‭)‬‭.‬

تستوقفني،‭ ‬كباحث‭ ‬أكاديمي‭ ‬في‭ ‬الأديان‭ ‬وفي‭ ‬ظاهرة‭ ‬الميل‭ ‬التديّني‭ ‬عند‭ ‬البشر،‭ ‬مسألة‭ ‬اعتبار‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬والمحللين‭ ‬لظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬الإرهابي‭ ‬التديني‭-‬الإسلاموي‭ ‬بأنها‭ ‬نموذج‮ ‬“جمعي‭ ‬شمولي”‮ ‬الطبيعة‭ ‬والِقوام‭. ‬وأسمح‭ ‬لنفسي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬القصيرة‭ ‬أن‭ ‬أقترح‭ ‬بأنَّ‭ ‬قراءة‭ ‬تلك‭ ‬الظاهرة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬حالة‭ ‬تجييش‭ ‬وتكتيل‭ ‬جمعية‭ ‬شمولية‭ ‬في‭ ‬طبيعتها‭ ‬وجذورها‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬مصيباً‭ ‬تماماً‭ ‬في‭ ‬توصيفه‭ ‬لماهية‭ ‬الخبرة‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬الميل‭ ‬التديني‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬المسلم‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬يقرر‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬موطنه‭ ‬وفضاء‭ ‬عيشها‭ ‬الطبيعيين‭ ‬وأن‭ ‬يرميا‭ ‬خلفهما‭ ‬كل‭ ‬انتماء‭ ‬ثـقافي‭ ‬ومجتمعي‭ ‬وعرقي‭ ‬وعائلي‭ ‬ويلتحقان‭ ‬بركب‭ ‬أفواج‭ ‬المقاتـلين‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬داعش‭ ‬وأمثالها‭. ‬برأيي‭ ‬المتواضع،‭ ‬إنَّ‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬تـنامي‭ ‬الميل الفردي‭ ‬والذاتي‭ ‬والشخصي‮ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الفكر‭ ‬الوجودي‭ ‬الديني‭ ‬الإسلامي‭ ‬حول‭ ‬العالم‭. ‬قراءتي‭ ‬للخبرة‭ ‬التديّنية‭ ‬التي‭ ‬تعكسها‭ ‬أدبيات‭ ‬وخطابات‭ ‬ونصوص‭ ‬وأفعال‭ ‬داعش‭ ‬وأمثاله،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬قصص‭ ‬الكثيرين‭ ‬من‭ ‬المجنّدين‭ ‬فيها‭ ‬وأفعالهم،‭ ‬المتوفرة‭ ‬بين‭ ‬أيدينا،‭ ‬تقول‭ ‬لي‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الواقع هيمنة‭ ‬ميل‭ ‬وجودي‭ ‬ومعرفي‭ ‬واختباري‭ ‬فردي‭ ‬وجواني‭ ‬وشخصي‭ ‬على‭ ‬فضاء‭ ‬الماهية‭ ‬الإسلامية‭ ‬التقليدي‭ ‬والتاريخي،‭ ‬والذي‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الأغلب‭ ‬شمولي‭ ‬وجمعي‭ ‬وجماعاتي‭ ‬نافٍ‭ ‬للفردي‭ ‬والذاتوي،‭ ‬أو‭ ‬مهمِّش‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬الأحوال‭.‬

‮ ‬أنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التبدل‭ ‬البنيوي‭ ‬والعميق‭ ‬في‭ ‬ماهوية‭ ‬التـدين‭ ‬والعلاقة‭ ‬بالخبرة‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬يتجلّى‭ ‬بأوضح‭ ‬صوره‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬المتواجد‭ ‬خارج‭ ‬فضاء‭ ‬الإسلام‭ ‬التاريخي‭ ‬والجغرافي‭ ‬التقليدي‭: ‬خارج‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬ليس‭ ‬غريـباً‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬خزّان‭ ‬التعبئة‭ ‬البشرية‭ ‬الأساس‭ ‬لحروب‭ ‬داعش‭ ‬وأمثاله‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬وليبيا‭ ‬ومناطق‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬هم‭ ‬شباب‭ ‬وشابات‭ ‬يأتون‭ ‬إما‭ ‬من‭ ‬أوروبا،‭ ‬أو‭ ‬بريطانيا‭ ‬أو‭ ‬القارة‭ ‬الأميركية‭ ‬الشمالية‭ ‬أو‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى‭ ‬والنائية‭ ‬أو‭ ‬دويلات‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬السابق،‭ ‬وأن‭ ‬النسبة‭ ‬الأقـل‭ ‬منهم‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬ومن‭ ‬القارة‭ ‬الأفـريقية‭ ‬ومن‭ ‬أستراليا‭ ‬وأميريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬مثلاً،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الأجزاء‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬فيها‭ ‬تجمعات‭ ‬بشرية‭ ‬مسلمة‭ ‬ومتـديـّنة‭ ‬معتبرة‭.

السبب‭ ‬برأيي‭ ‬أن‭ ‬أجيال‭ ‬الشباب‭ ‬المسلم‭ ‬التي‭ ‬تنضم‭ ‬لداعش‭ ‬وأمثاله‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الأولى‭ ‬نشأت‭ ‬وتشكلت‭ ‬ماهيتها‭ ‬الأنثروبولوجية‭ ‬والفكرية‭ ‬والنفسانية‭ ‬والحياتية‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬معرفية‭ ‬شهدت‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬‭-‬مع‭ ‬هيمنة‭ ‬الفكر‭ ‬الديكارتي‭ ‬والكانطي‭ ‬والنيتشوي‭-‬‭ ‬وطوال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬‭-‬مع‭ ‬هيمنة‭ ‬الفكر‭ ‬الفيورباخي‭ ‬والفرويدي‭ ‬والسارتري‭-‬‭ ‬تشديداً‭ ‬مبادئياً‭ ‬مطلـقاً‭ ‬على‭ ‬الفردية‭ ‬والذاتوية‭ ‬والكيان‭ ‬الشخصي‭ ‬والفرداني‭ ‬كقاعدة‭ ‬للوجود‭ ‬وللمعرفة‭ ‬وللفهم‭. ‬تـلك‭ ‬الموجة‭ ‬الحداثـوية‭/‬التـنويرية‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬تأريضاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الأجزاء‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬العالم‭. ‬لهذا‭ ‬لا‭ ‬نشهد‭ ‬نجاحاً‭ ‬لداعش‭ ‬وأمثاله‭ ‬في‭ ‬تجييش‭ ‬وجمع‭ ‬أتباع‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المواقع‭ ‬الجغرافية‭ ‬من‭ ‬العالم‭.‬

لنعد‭ ‬قليلاً‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬التديُّن‭ ‬في‭ ‬ماهيتها‭ ‬الفردية‭ ‬والذاتوية‭ ‬والشخصانية‭. ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬يشرح‭ ‬هذه‭ ‬الماهية‭ ‬الدينية‭ ‬‭-‬كما‭ ‬أشرح‭ ‬لطلابي‭ ‬عادةً‭ ‬حين‭ ‬أعلِّم‭ ‬مادةً‭ ‬عن‭ ‬النفاذ‭ ‬اللاهوتي‭ ‬للخبرة‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬الروحية‭-‬‭ ‬وهيمنة‭ ‬البعد‭ ‬الفرداني‭ ‬الذاتوي‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬فكر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬‭-‬والذي‭ ‬مازال‭ ‬مهيمناً‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭-‬‭ ‬هو‭ ‬الفيلسوف‭ ‬والعالم‭ ‬النفساني‭ ‬الأميركي،‭ ‬وليم‭ ‬جيمس‭. ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬محاضراته‭ ‬الشهيرة‭ ‬التي‭ ‬ألقاها‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬أدنبرة،‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬والتي‭ ‬صدرت‭ ‬لاحقاً‭ ‬ككتاب‭ ‬بعنوان‭ ‬“تـنويعات‭ ‬الخبرة‭ ‬الدينية”،‭ ‬يتحدث‭ ‬وليم‭ ‬جيمس‭ ‬عن‭ ‬الخبرة‭ ‬الدينية‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬ظاهرة‭ ‬شخصانية‭ ‬وليست‭ ‬مؤسساتية‭. ‬يعني‭ ‬جيمس‭ ‬بمصطلح‭ ‬“شخصانية”‭ ‬أن‭ ‬الخبرة‭ ‬الدينية‭ ‬هي‭ ‬ميل‭ ‬فردي‭ ‬ذاتوي‭ ‬يهيمن‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬فكر‭ ‬ووعي‭ ‬الشخص‭ ‬المتديّن‭ ‬اهتمام‭ ‬طاغٍ‭ ‬ومركزي‭ ‬بمشاعر‭ ‬وحاجات‭ ‬وصراعات‭ ‬وتفاعلات‭ ‬وأزمات‭ ‬فردية‭ ‬خاصة‭ ‬لا‭ ‬علاقـة‭ ‬لها،‭ ‬ولا‭ ‬اهتمام‭ ‬فيها،‭ ‬بالجانب‭ ‬العائلي‭ ‬أو‭ ‬المؤسسي‭ ‬أو‭ ‬الجماعي‭ ‬أو‭ ‬المجتمعي‭ ‬للدين‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليه‭ ‬هذا‭ ‬الفرد‭.‬

تصبح‭ ‬الخبرة‭ ‬الدينية،‭ ‬برأي‭ ‬جيمس،‭ ‬مسألة‭ ‬تتعلق‭ ‬بمحاولة‭ ‬الشخص‭ ‬المفرد‭ ‬إسعاد‭ ‬وإرضاء‭ ‬نفسها‭ ‬وذاتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬علاقة‭ ‬خصوصية‭ ‬وفردية‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬المتعالي‭ ‬–الله‭ ‬أو‭ ‬المقدس‭-‬‭ ‬وفق‭ ‬تصورات‭ ‬وتوقّعات‭ ‬ومفاهيم‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الآخر‭ ‬الديني‭ ‬لا‭ ‬يفهمها‭ ‬ولا‭ ‬يقدّرها‭ ‬سوى‭ ‬الشخص‭ ‬نفسه،‭ ‬وهي‭ ‬تصورات‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬بعيدة‭ ‬في‭ ‬إرهاصاتها‭ ‬ومكوناتها‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬تـُعلّمه‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدينية‭ ‬عن‭ ‬ذاك‭ ‬الدين‭ ‬ومضمونه‭ ‬اللاهوتي‭ ‬والإيماني‭.

‬يدفع‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬لظاهرة‭ ‬الخبرة‭ ‬الدينية‭ ‬بوليم‭ ‬جيمس‭ ‬‭-‬متأثراً‭ ‬طبعاً‭ ‬بنيتشه‭ ‬وفيخته‭-‬‮ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬تلك‭ ‬الأخيرة‭ ‬حالة‭ ‬سيكولوجية‭-‬سلوكية‭ ‬تبدأ‭ ‬وتنتهي‭ ‬وتسكن‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬أو‭ ‬الضمير‭ ‬الفردي‭ ‬الذاتوي‭ ‬والمخيالي‭ ‬الذي‭ ‬يساعد‭ ‬الفرد‭ ‬على‭ ‬فصل‭ ‬ذاته‭ ‬عن‭ ‬التديُّن‭ ‬الممأسس‭ ‬وفصل‭ ‬هويّتها‭ ‬ووجودها‭ ‬عن‭ ‬مشروطات‭ ‬الانتماء‭ ‬لجماعة‭ ‬ولحياة‭ ‬المجموع‭ ‬الديني‭ ‬والسوسيولوجي‭ ‬الذي‭ ‬تنتمي‭ ‬عائلياً‭ ‬أو‭ ‬مجتمعياً‭ ‬أو‭ ‬عرقياً‭ ‬أو‭ ‬تراثياً‭ ‬أو‭ ‬طائفياً‭ ‬إليه،‭ ‬لتبني‭ ‬دينها‭ ‬الخاص‭ ‬وتستخدمه‭ ‬لتـفرض‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬وجودها‭ ‬الذاتي‭ ‬النابع‭ ‬من‭ ‬داخلها‭ ‬وغير‭ ‬المفروض‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬خارج‭ ‬شمولي‭ ‬أو‭ ‬جمعي‭. ‬الخبرة‭ ‬الدينية،‭ ‬باختصار،‭ ‬هي‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬الشخص‭ ‬المفرد‭ ‬السيكولوجي‭ ‬والأخلاقي‭ ‬والضميري‭ ‬الواعي‭ ‬غير‭ ‬الظرفي‭ ‬تجاه‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬برأي‭ ‬جيمس‭.‬

لن‭ ‬أخوض‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬وليم‭ ‬جيمس‭ ‬الهامة‭ ‬عن‭ ‬الخبرة‭ ‬الدينية‭ ‬هنا‭. ‬أودّ‭ ‬فقط‭ ‬القول‭ ‬بأنني‭ ‬أميل‭ ‬لقراءة‭ ‬ظاهرة‭ ‬الانتماء‭ ‬لداعش‭ ‬وأمثالها‭ ‬والانجراف‭ ‬خلف‭ ‬الميل‭ ‬لهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التديُّن‭ ‬دون‭ ‬سواه‭ ‬في‭ ‬ظهراني‭ ‬أطياف‭ ‬معتبرة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬المسلم‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬‭-‬ولكن‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬ولافت‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وأميركا‭-‬‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬التحليل‭ ‬الجيمسي‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬نفاذ‭ ‬التحليل‭ ‬الديني‭ ‬الذي‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬وفكره‭ ‬التاريخي‭ ‬التقليدي‭ ‬‭-‬الذي‭ ‬مازال‭ ‬ملحوظاً‭ ‬في‭ ‬تمظهر‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭-‬‭ ‬والذي‭ ‬هو‭ ‬أميل‭ ‬للجمعية‭ ‬والشمولية‭ ‬والنفاذ‭ ‬الجماعي‭ ‬منه‭ ‬للانتباه‭ ‬بجدية‭ ‬للنفاذ‭ ‬الفردي‭ ‬والذاتوي‭.‬

نخطئ‭ ‬برأيي‭ ‬حين‭ ‬نقرأ‭ ‬خيارات‭ ‬الشباب‭ ‬المسلم‭ ‬‭-‬الأوروبي‭ ‬والبريطاني‭ ‬والأميركي‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭-‬‭ ‬المنتمي‭ ‬لداعش‭ ‬وأمثاله‭ ‬وآلية‭ ‬صنعه‭ ‬لقرار‭ ‬الانتماء‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬ديني‭-‬لاهوتي‭ ‬إسلامي‭ ‬تاريخي‭ ‬صرف‭. ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬علينا‭ ‬قراءته‭ ‬من‭ ‬نفاذ‭ ‬سيكولوجي‭-‬سوسيولوجي‭ ‬ومعرفي‭-‬ثـقافي‭ ‬متجذر‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحداثوية‭/‬التنويرية‭ ‬التي‭ ‬نشأ‭ ‬وترعرع‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬الجيل،‭ ‬وهي‭ ‬بنية‭ ‬فردية،‭ ‬ذاتوية‭ ‬وشخصانية‭ ‬وليست‭ ‬شمولية‭ ‬وجمعية‭.‬

ما‭ ‬يفعله‭ ‬أتباع‭ ‬داعش‭ ‬وأمثاله‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬اليوم‭ ‬المسلم‭ ‬أنهم‭ ‬يفككون‭ ‬بنية‭ ‬المخيال‭ ‬والوعي‭ ‬الدينيين‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬العربي‭ ‬والكلاسيكي‭ ‬المؤسسي‭ ‬والتقليدي‭ ‬والمرجعي‭ ‬من‭ ‬داخله‭ ‬ويعملون‭ ‬على‭ ‬استحضار‭ ‬ما‭ ‬دأب‭ ‬الإسلام‭ ‬التقليدي‭ ‬على‭ ‬دفعه‭ ‬إلى‭ ‬الهامش‭ ‬الأقصى‭ ‬لتعريفه‭ ‬لذاته‭ ‬وفهمه‭ ‬لماهيته‭ ‬الدينية‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يقومون‭ ‬بدفعه‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬وقلب‭ ‬عملية‭ ‬التـفكير‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الذات‭ ‬وعملية‭ ‬تعريف‭ ‬تلك‭ ‬الماهية‭ ‬في‭ ‬إسلام‭ ‬اليوم‭. ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬الإرهابي‭ ‬التديني‭ ‬الإسلاموي‭ ‬المظهر‭ ‬هو‭ ‬عاصفة‭ ‬إسلاموية‭-‬إسلاموية‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الإسلام‭ ‬ذاته‭: ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬المنطق‭ ‬الذاتوي‭ ‬والفردي‭ ‬والشخصاني،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والمنطق‭ ‬الشمولي‭ ‬والجمعي‭ ‬والجماعي،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

من‭ ‬الخطأ‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬داعش‭ ‬وأمثاله‭ ‬ككيان‭ ‬جمعي‭ ‬وبنية‭ ‬دينية‭ ‬وبشرية‭ ‬صلدة‭ ‬ومتماسكة‭ ‬واحدة،‭ ‬فهذا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬اكتـناه‭ ‬عميق‭ ‬لماهية‭ ‬الخبرة‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬من‭ ‬سلوكيات‭ ‬وأفعال‭ ‬وأفكار‭ ‬الأفـراد‭ ‬المقاتلين‭ ‬الذين‭ ‬ينتمون‭ ‬لهذا‭ ‬الإرهاب‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يـنشره‭ ‬داعش‭ ‬على‭ ‬الإعلام‭ ‬يوحي‭ ‬بأنه‭ ‬كيان‭ ‬جمعي‭ ‬شمولي‭ ‬ممأسس‭ ‬مثل‭ ‬أيّ‭ ‬كيان‭ ‬إسلامي‭ ‬آخر‭. ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬مجرد‭ ‬تصوير‭ ‬افتراضي‭ ‬وإعلامي‭ ‬وهمي‭ ‬هدفه‭ ‬كسب‭ ‬شعبية‭ ‬ودعم‭ ‬لذاك‭ ‬التمظهر‭ ‬الإسلاموي‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬شريحة‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬المسلمين،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأطراف‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يهيمن‭ ‬الفكر‭ ‬التـنويري‭/‬الحداثوي‭ ‬الغربي‭ ‬المتمحور‭ ‬حول‭ ‬الذات‭ ‬المفردة‭ ‬والفكر‭ ‬الذاتوي‭.‬‮ ‬

بنية‭ ‬داعش‭ ‬وأمثاله‭ ‬التـدينية‭ ‬والماهوية‭ ‬الفعلية‭ ‬هي‭ ‬بنية‭ ‬قوامها‭ ‬خبرة‭ ‬دينية‭ ‬ذاتوية‭ ‬وفردية‭ ‬وشخصانية‭ ‬نافية‭ ‬للجمعي‭ ‬والشمولي‭.‬‮ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬تسويق‭ ‬تلك‭ ‬البنية‭ ‬هو‭ ‬مصدر‭ ‬قدرة‭ ‬داعش‭ ‬على‭ ‬كسب‭ ‬أتباع‭ ‬‭-‬ينضمون‭ ‬إليه‭ ‬أفراداً،‭ ‬كما‭ ‬نلاحظ،‭ ‬وكنوع‭ ‬من‭ ‬الرغبة‭ ‬بتأكيد‭ ‬الوجود‭ ‬الفردي‭ ‬ضد‭ ‬خيار‭ ‬وهوية‭ ‬العائلة‭ ‬والجماعة‭ ‬المجتمعية‭ ‬والدينية‭ ‬وحتى‭ ‬العرقية‭ ‬التي‭ ‬ينتمون‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬منشأهم‭-‬‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي،‭ ‬فإن‭ ‬نفس‭ ‬تلك‭ ‬البنية‭ ‬الفردية‭ ‬والذاتوية‭ ‬والشخصانية‭ ‬هي‭ ‬العامل‭ ‬الرئيس‭ ‬الذي‭ ‬سيفضي‭ ‬إلى‭ ‬زوال‭ ‬داعش‭ ‬وأمثاله‭: ‬فمن‭ ‬انضم‭ ‬لداعش‭ ‬بقرار‭ ‬فردي‭ ‬ذاتوي‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬رغبة‭ ‬وميول‭ ‬المجموع‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليه‭ ‬سيقرر‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬ينفضّ‭ ‬عن‭ ‬خبرة‭ ‬العنف‭ ‬الإرهابي‭ ‬وأن‭ ‬يتمرد‭ ‬عليها‭ ‬حين‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬تلبية‭ ‬رغباته‭ ‬وإرضاء‭ ‬حاجاته‭ ‬الفردية‭ ‬والذاتية‭ ‬والشخصانية،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬التمرد‭ ‬سيكون‭ ‬خروجا‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬الجماعة‭ ‬وعن‭ ‬مشروطاتها‭.‬

أحد‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تساعد‭ ‬المسلمين‭ ‬على‭ ‬تدمير‭ ‬حالة‭ ‬الميل‭ ‬التديني‭ ‬للعنف‭ ‬الإرهابي‭ ‬وتفكيكها‭ ‬من‭ ‬داخلها‭ ‬ومن‭ ‬عمق‭ ‬تجذرها‭ ‬في‭ ‬تمظهرات‭ ‬الإسلام‭ ‬الشعبي‭ ‬المعاصر‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬المعتبرة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬بعملية‭ ‬إعادة‭ ‬تفكير،‭ ‬بل‭ ‬وإصلاح‭ ‬بنيوي،‭ ‬جريئة‭ ‬ومنفتحة‭ ‬لفهمها‭ ‬لطبيعة‭ ‬الخبرة‭ ‬الدينية‭ ‬والمخيال‭ ‬التديني‭ ‬الذي‭ ‬يحمله‭ ‬عشرات‭ ‬ملايين‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬والتي‭ ‬يفهمون‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬إسلامهم‭.‬

يبدو‭ ‬لي‭ ‬كمراقب‭ ‬علمي‭ ‬أنَّ‭ ‬الإسلام‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يستطيع‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬المسلمين‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬جميعاً‭ ‬يفهمون‭ ‬دينهم‭ ‬من‭ ‬نفاذ‭ ‬تقليدي‭ ‬مهيمن‭ ‬‭-‬عربي‭ ‬أو‭ ‬آسيوي‭ ‬تاريخياً‭-‬‭ ‬جمعي‭ ‬وشمولي‭ ‬وجماعي‭ ‬في‭ ‬طبيعته‭ ‬المعرفية‭ ‬وأدواته‭ ‬الهرمنيوتيكية‭ ‬‭-‬التفسيرية‭ ‬والتأويلية‭. ‬ربما‭ ‬الإسلام‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬مازال‭ ‬يتبع‭ ‬النفاذ‭ ‬الجمعي‭ ‬والشمولي‭ ‬والجماعي‭ ‬الصلب‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭ ‬الذي‭ ‬يتبعه‭ ‬المسلمون‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والأفريقي‭ ‬وبعض‭ ‬الجيوب‭ ‬المجتمعية‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وتركيا‭ ‬والسعودية،‭ ‬الدول‭ ‬المسلمة‭ ‬بالتعريف،‭ ‬تستطيع‭ ‬الحكومات‭ ‬الإسلامية‭ ‬التقليدية‭ ‬والأرثوذكسية‭ ‬هناك‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬فعلاً‭ ‬أمام‭ ‬تـفشي‭ ‬البعد‭ ‬التديني‭ ‬الذاتوي‭ ‬والشخصي‭ ‬والفردي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الشارع‭ ‬العام‭.‬

على‭ ‬الإسلام‭ ‬التقليدي‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬ينتمون‭ ‬للعالم‭ ‬الأوروبي‭ ‬ولبريطانيا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يفهمون‭ ‬إسلامهم‭ ‬بمنطق‭ ‬ومخيال‭ ‬معرفي‭ ‬متشرب‭ ‬بفكر‭ ‬الحداثة‭ ‬والتـنوير‭ ‬الفردي‭ ‬والذاتوي‭ ‬والشخصاني‭. ‬وعلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬الإسلامية‭ ‬إدراك‭ ‬هذا‭ ‬واحتضانه‭ ‬واستخدامه‭ ‬لإعادة‭ ‬إحياء‭ ‬الإسلام‭ ‬وإصلاحه‭ ‬من‭ ‬داخله‭. ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬هذا‭ ‬كي‭ ‬يبقى‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬المسلم‭ ‬اليوم‭ ‬منتمياً‭ ‬للإسلام‭ ‬كما‭ ‬نعرفه‭ ‬تاريخياً‭ ‬ومحمدياً‭ ‬وكي‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬أسير‭ ‬فكر‭ ‬إسلامي‭ ‬سلفي‭ ‬أصولي‭ ‬تكفيري‭ ‬راديكالي‭ ‬نشأ‭ ‬ونما‭ ‬وتطور‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬فضاء‭ ‬ثـقافي‭ ‬ومعرفي‭ ‬لاعربي‭ ‬ولا‭ ‬إسلامي‭ ‬كلاسيكي‭ ‬جغرافياً‭ ‬وحضارياً‭.‬

على‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬الإسلامية‭ ‬تدارك‭ ‬هذا،‭ ‬وإلا‭ ‬فإنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬المسلم‭ ‬الذاتوي‭ ‬والفردي‭ ‬المعاصر‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬سيهيمن‭ ‬برؤاه‭ ‬ومخياله‭ ‬الديني‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وقـد‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الإسلام‭ ‬القبول‭ ‬بتمظهرات‭ ‬لتـلك‭ ‬الذاتوية‭ ‬والفردية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يرضى‭ ‬عنها‭ ‬الإسلام‭ ‬ولا‭ ‬يؤيدها‭ ‬القرآن‭ ‬ولا‭ ‬الفقه،‭ ‬ولكن‭ ‬ستقف‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمرجعيات‭ ‬الدينية‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬مناهضتها‭ ‬وستجد‭ ‬نفسها،‭ ‬لا‭ ‬قدر‭ ‬الله،‭ ‬مضطرة‭ ‬للقبول‭ ‬بظاهرة‭ ‬“تدعيش”‭ ‬‭-‬من‭ ‬داعش‭-‬‭ ‬أو‭ ‬“رَدكَـلَة”‭ ‬‭-‬من‭ ‬راديكالية‭-‬‭ ‬الإسلام‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أبنائه‭ ‬أنفسهم‭. ‬عدو‭ ‬التدعيش‭ ‬والرَدكَـلَة‭ ‬الأول‭ ‬والوحيد‭ ‬برأيي‭ ‬المتواضع‭ ‬هو‭ ‬قراءة‭ ‬الإنسان‭ ‬المتدين‭ ‬في‭ ‬سياقه‭ ‬التاريخي‭ ‬والسوسيولوجي‭ ‬والأنثربولوجي‭ ‬والسماح‭ ‬لهذه‭ ‬القراءة‭ ‬بتحقيق‭ ‬إصلاح‭ ‬بنيوي‭ ‬وعميق‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬الدين‭ ‬ذاته‭.‬

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.