غيبوبة‭ ‬العقل

غيبوبة‭ ‬العقل

السبت 2016/10/01
لوحة: شادي أبو سعدة

غياب‭ ‬الخطاب‭ ‬العقلاني‭ ‬يعني‭ ‬حضور‭ ‬الخطاب‭ ‬العصابي،‭ ‬خطاب‭ ‬الجماعة‭ ‬والأيديولوجيا،‭ ‬وغياب‭ ‬خطاب‭ ‬الحرية‭ ‬يعني‭ ‬تغويل‭ ‬خطاب‭ ‬الهوية‭. ‬هذه‭ ‬المفارقات‭ ‬ظلت‭ ‬تثير‭ ‬جدلا‭ ‬واسعاً‭ ‬حول‭ ‬مرجعيات‭ ‬الخطاب‭ ‬والهوية،‭ ‬وحول‭ ‬علاقة‭ ‬الهوية‭ ‬بالسلطة‭ ‬والفكر‭ ‬والتكفير،‭ ‬إذ‭ ‬تلبّست‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬كلُّ‭ ‬تعقيدات‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الماضي‭ ‬والتاريخ،‭ ‬وكلُّ‭ ‬أنماطِ‭ ‬الصراع‭ ‬التي‭ ‬تورطت‭ ‬بها‭ ‬الجماعات‭ ‬العصابية‭.‬

هذه ‭ ‬المعطيات‭ ‬المتشظية‭ ‬تُعبّر‭-‬‭ ‬اليوم‭-‬‭ ‬عن‭ ‬ساسيات‭ ‬وثقافات‭ ‬ومضامين‭ ‬أفكارٍ‭ ‬يُراد‭ ‬تسويقها‭ ‬وفرضها‭ ‬على‭ ‬الجمهور،‭ ‬والتأسيس‭ ‬على‭ ‬حمولاتها‭ ‬السجالية‮ ‬‭ ‬كصورة‭ ‬لسسيولوجيا‭ ‬التغالب،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تكشفُ‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬عن‭ ‬هشاشة‭ ‬الثقافي‭ ‬والمعرفي،‭ ‬وغياب‭ ‬النقدي‭ ‬مقابل‭ ‬حضور‭ ‬قهري‭ ‬لـ‭(‬الفكرة‭ ‬المتعالية‭)‬‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬الحاكم‭ ‬والفقيه‭ ‬والزعيم‭ ‬الحزبي‭ ‬بوصفها‭ ‬أنموذجا‭ ‬لوهم‭ ‬الفكرة‭ ‬التامة‭..‬

فصل‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬عن‭ ‬مرجعياته‭ ‬الثقافية‭ ‬الإنسانية‭ ‬يعني‭ ‬تعويمه‭ ‬أولا،‭ ‬وخلطه‭ ‬مع‭ ‬أفكار‭ ‬الجماعات‭ ‬المهيمنة‭ ‬ثانيا،‭ ‬وبما‭ ‬يجعل‭ ‬فكرة‭ ‬الثقافة‭ ‬وفكرة‭ ‬الحرية‭ ‬وفكرة‭ ‬الحق‭ ‬خاضعة‭ ‬للتأطير‭ ‬النسقي‭ ‬الذي‭ ‬تصنعه‭ ‬الجماعة،‭ ‬حدّ‭ ‬تحميل‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬باستيهامات‭ ‬‭(‬ظاهر‭ ‬الإيمان‭)‬‭ ‬وبمايجعلها‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬رسالتها‭ ‬الإنسانية‭ ‬والحقوقية‭..‬

لكن‭ ‬الظاهرة‭ ‬الأخطر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬التواطؤ‭ ‬مابين‭ ‬السلطة‭ ‬وتلك‭ ‬الجماعات،‭ ‬والذي‭ ‬يعني‭ ‬إخضاع‭ ‬الهويات‭ ‬الصغيرة‭ ‬لصالح‭ ‬الحاكمية،‭ ‬مثلما‭ ‬يعنى‭ ‬فرض‭ ‬نمط‭ ‬معين‭ ‬للهوية‭ ‬‭(‬القاهرة‭)‬‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تَلْبسُ‭ ‬لبوسات‭ ‬طائفية‭ ‬أو‭ ‬قومية‭ ‬أوحتى‭ ‬فقهية‭ ‬وبمرجعيات‭ ‬محددة،‭ ‬حيث‭ ‬تمارس‭ ‬تكفيرها‭ ‬العلني‭ ‬لهذه‭ ‬الجماعة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭..‬

شكل‭ ‬الحكم‭/‬‭ ‬السلطة‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬المحنة،‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬يتمرس‭ ‬بجماعات‭ ‬الرعب،‭ ‬وبمرجعيات‭ ‬المقدّس،‭ ‬وأنّ‭ ‬اشتباك‭ ‬مفهوم‭ ‬الحكم‭ ‬مع‭ ‬مفاهيم‭ ‬الدولة‭ ‬والحرية‭ ‬والهوية‭ ‬سيكون‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬التكريس‭ ‬الاستبدادي‭ ‬لذلك‭ ‬الحكم‭ ‬والجماعة،‭ ‬وحتى‭ ‬صعود‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬بالتيارات‭ ‬الأصولية‭ ‬والجهادية‮ ‬‭ ‬لايخرج‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الفهم،‭ ‬لأن‭ ‬مفهوم‭ ‬الجهاد‭ ‬بمعناه‭ ‬التاريخي‭ ‬والشرعي‭ ‬يتطلب‭ ‬وجود‭ ‬‭(‬العدو‭ ‬الكافر‭)‬‭ ‬النابذ‭ ‬للإيمان،‭ ‬وهو‭ ‬شرط‭ ‬غير‭ ‬مستوفٍ‭ ‬لظروفه،‭ ‬لذا‭ ‬يأتي‭ ‬فرض‭ ‬الجهاد،‭ ‬وعلى‭ ‬وفق‭ ‬ماتطرحه‭ ‬الجماعات‭ ‬الأصولية‭ ‬لتأكيد‭ ‬فكرة‭ ‬الحكم‭/‬‭ ‬ولاية‭ ‬الأمر،‭ ‬ولممارسة‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الطرد‭ ‬الشرعي‭ ‬للجماعات‭ ‬المنافسة‭..‬

منهجية‭ ‬الفرض‭ ‬الأصولي‭ ‬تثير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬حول‭ ‬مفاهيم‭ ‬أخرى‭ ‬تتعلق‭ ‬بالانتماء‭ ‬والتعايش‭ ‬وقبول‭ ‬الآخر،‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الآخر‭ ‬الديني‭ ‬والعرقي‭ ‬والطائفي،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬المسيحي،‭ ‬والذي‭ ‬باتت‭ ‬الجماعات‭ ‬الجهادية‭ ‬تمثل‭ ‬تهديدا‭ ‬وجوديا‭ ‬له،‭ ‬لاسيما‮ ‬‭ ‬بعد‭ ‬الأحداث‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬وبروكسل‭ ‬والمانيا‭..‬

العقلانية‭ ‬والنقد‭..‬

السؤال‭ ‬الاشكالي‭ ‬هنا‭: ‬مَنْ‭ ‬يملك‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الافصاح‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬العقلانية؟‭ ‬ومَنْ‭ ‬له‭ ‬الأهلية‭ ‬لممارسة‭ ‬النقد؟

هذا‭ ‬السؤال‭ ‬المُركّب‭ ‬يفتح‭ ‬الشهية‭ ‬لمواجهة‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬التعقيدات‭ ‬التي‭ ‬يضطرب‭ ‬فيها‭ ‬العقل‭ ‬العربي‭ ‬هذا‭ ‬العقل‭ ‬أونظام‭ ‬الفكر‭ ‬كما‭ ‬يسميه‭ ‬البعض‭ ‬يتطلب‭ ‬وجودا‭ ‬وفعلا‭ ‬وتمكينا،‭ ‬وبخلاف‭ ‬ذلك‭ ‬ستظل‭ ‬العقلانية‭ ‬ممارسة‭ ‬عائمة،‭ ‬أو‭ ‬ضيقة‭ ‬الاستعمال،‭ ‬وفاقدة‭ ‬لشروط‭ ‬التأثير‭ ‬والقبول،‭ ‬وربما‭ ‬ستصطدم‭ ‬كثيرا‭ ‬مع‭ ‬التيارات‭ ‬الجهادية‭ ‬المؤمنة‭ ‬بهيمنة‭ ‬‭(‬النقل‭)‬‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬القدر‭ ‬الانساني‭ ‬وخضوعه،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬النقد،‭ ‬وهو‭ ‬ضرورة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬اليات‭ ‬المراجعة‭ ‬والفحص،‭ ‬سيكون‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الحرية،‭ ‬وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬تلازمات‭ ‬التجديد‭ ‬والتجاوز‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬أطروحات‭ ‬الحداثة‭ ‬والعولمة‭ ‬والنظريات‭ ‬والمناهج‭ ‬الثقافية،‭ ‬وهي‭ ‬بالضرورة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المشغل‭ ‬الغربي،‭ ‬وجزء‭ ‬من‭ ‬أنساقه‭ ‬التي‭ ‬وضعتنا‭ ‬أمام‭ ‬مجال‭ ‬اشتغالية‭ ‬فاعلة‭ ‬لحقول‭ ‬معرفية‭ ‬واسعة‭ ‬آخرها‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي،‭ ‬إذ‭ ‬يمارس‭ ‬هذا‭ ‬النقد‭ ‬وظائفه‭ ‬النسقية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاشتباك‭ ‬مع‭ ‬المعارف‭ ‬الأخرى،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬استعادة‭ ‬الانسان‭ ‬الى‭ ‬الفعل‭ ‬الثقافي‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬اقترحت‭ ‬موته‭ ‬النظريات‭ ‬البنيوية‭ ‬واغلب‭ ‬المرجعيات‭ ‬الشكلانية‭..‬

الانخراط‭ ‬في‭ ‬الحداثة‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬الحرية،‭ ‬ويحتاج‭ ‬أيضا‭ ‬الى‭ ‬المؤسسة،‭ ‬والى‭ ‬النقد،‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬التعليم‭ ‬والتنمية‭ ‬والعمران،‭ ‬وانتهاء‭ ‬بنقد‭ ‬التاريخ‭ ‬والنص‭ ‬والمقموع‭ ‬والمسكوت‭ ‬عنه‭.. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الحداثة‭ ‬تحتاج‭ ‬ايضا‭ ‬الى‭ ‬‭(‬الدولة‭ ‬القوية‭)‬‭ ‬اي‭ ‬الى‭ ‬النظام‭ ‬الحمائي‭ ‬المؤسسي‭ ‬الصياني،‭ ‬فالدولة‭ ‬الضعيفة‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬فتحي‭ ‬المسكيني‭ ‬‭(‬لاتنخرط‭ ‬تحت‭ ‬لواء‭ ‬العولمة‭ ‬لأنّها‭ ‬ضعيفة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬لأنّها‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬برنامج‭ ‬حريّة‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذه‭. ‬والسيادة‭ ‬لا‭ ‬تمثّل‭ ‬ركيزة‭ ‬إلاّ‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬‭-‬الأمة‭ ‬الحديثة‭)‬

عدم‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬العولمة‭ ‬والحداثة،‭ ‬وحتى‭ ‬رفض‭ ‬العلمانية‭ ‬بوصفها‭ ‬نقدا‭ ‬للثيوقراطية‭ ‬وفصلا‭ ‬للسلطات‭ ‬يؤشر‭ ‬الهشاشة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬الضعيفة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬فاقدة‭ ‬لشروط‭ ‬صيروتها،‭ ‬ولضعف‭ ‬جماعتها‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬فعل‭ ‬المراجعة‭ ‬والنقد،‭ ‬وفي‭ ‬القبول‭ ‬بوجود‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخارجة‭ ‬عن‭ ‬منظومتها،‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬الجماعة‭ ‬المدنية،‭ ‬وصولا‭ ‬الى‭ ‬القبول‭ ‬باستقلالية‭ ‬القضاء‭ ‬والمؤسسة‭ ‬الجامعة،‭ ‬وضمان‭ ‬حق‭ ‬المواطنة‭ ‬والحرية‭..‬

الرفض‭ ‬الاسلامي‭ ‬للمغايرة‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬غيبوبة‭ ‬العقل‭ ‬أمام‭ ‬صحوة‭ ‬النقل،‭ ‬وعن‭ ‬وهم‭ ‬استعادة‭ ‬مايسمى‭ ‬الآن‭ ‬بـ‭(‬الدولة‭ ‬الاسلامية‭)‬‭ ‬بوصفها‭ ‬الحل،‭ ‬والتعويض،‭ ‬رغم‭ ‬أنّها‭ ‬لاتعدو‭ ‬أنُ‮ ‬‭ ‬تكون‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬انتاج‭ ‬الاستبداد‭ ‬الشرقي‭ ‬وفق‭ ‬النظرة‭ ‬الماركسية،‭ ‬أوتماهيا‭ ‬مع‭ ‬الاستبداد‭ ‬العربي‭/‬‭ ‬الشرعي‭ ‬الذي‭ ‬ارتهنت‭ ‬اليه‭ ‬الأمبراطوريات‭ ‬الاسلامية‭ ‬المعروفة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬شرعنت‭ ‬وجود‭ ‬الآخر‭ ‬داخل‭ ‬منظومتها‭ ‬بوصفه‭ ‬طائعا‭ ‬أوذميّا‭ ‬دافعا‭ ‬للجزية،‭ ‬وأنّ‭ ‬حق‭ ‬النقد‭ ‬والرفض‭ ‬سيكون‭ ‬مروقا‭ ‬وزندقة‭ ‬وخروجا‭ ‬عن‭ ‬الجماعة‭ ‬والملّة‭..‬

غيبوبة‭ ‬العقل‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬النقد،‭ ‬وعن‭ ‬رفض‭ ‬الحداثة‭ ‬ومنجزاتها،‭ ‬وعن‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬أفكار‭ ‬التحديث‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬ماتمثله‭ ‬من‭ ‬ضدية‭ ‬للنمط،‭ ‬وللسلطة،‭ ‬وللجماعة،‭ ‬لاسيما‭ ‬الجماعة‭ ‬الطائفية‭ ‬التي‭ ‬بات‭ ‬تشظيها‭ ‬هو‭ ‬الخطر‭ ‬الماحق‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‮ ‬‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬من‭ ‬منجزات‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬نشوء‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭..‬

أزمة‭ ‬الدولة‭ ..‬أزمة‭ ‬العقل

قد‭ ‬يبدو‭ ‬صعبا‭ ‬ربط‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬بعضها‭ ‬مع‭ ‬البعض‭ ‬الآخر،‭ ‬لكنها‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر،‭ ‬لأن‭ ‬مايحدث‭ ‬من‭ ‬صراعات‭ ‬ومن‭ ‬عنف،‭ ‬ومن‭ ‬تصعيد‭ ‬للرعب‭ ‬الجماعاتي‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬تدهور‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬العقل‭ ‬بوصفه‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬الفاعليات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية،‭ ‬مثلما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬رثاثة‭ ‬الدولة‭ ‬وضعف‭ ‬قدرتها‭ ‬في‭ ‬تأصيل‭ ‬مفاهيم‭ ‬السيادة،‭ ‬والحقوق‭ ‬والحريات،‭ ‬وهو‭ ‬مايعني‭ ‬الضعف‭ ‬في‭ ‬انتاج‭ ‬‭(‬المجتمع‭)‬‭ ‬مقابل‭ ‬الانكفاء‭ ‬للعصاب‭ ‬القرابي‭ ‬الذي‭ ‬تنتجه‭ ‬الجماعة،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يكون‭ ‬التلازم‭ ‬مابين‭ ‬أزمة‭ ‬العقل‭ ‬وأزمة‭ ‬الدولة‭ ‬قارّا‭ ‬وواقعيا،‭ ‬لأنه‭ ‬يفترض‭ ‬الحماية‭ ‬ومنع‭ ‬احتكار‭ ‬السلطة‭/‬‭ ‬الحكم،‭ ‬مثلما‭ ‬يفترض‭ ‬تأمين‭ ‬الحرية،‭ ‬وتامين‭ ‬حق‭ ‬استعمالها‭ ‬العمومي‭ ‬والخاص‭..‬

نحن‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬نعيش‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات،‭ ‬والتي‭ ‬تحولت‭-‬‭ ‬طوال‭ ‬عقود‭-‬‭ ‬الى‭ ‬مصدر‭ ‬مهم‭ ‬وخطير‭ ‬لإنتاج‭ ‬رعب‭ ‬السلطة،‭ ‬ومؤسسة‭ ‬لتكريس‭ ‬القمع‭ ‬الفقهي،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬فوبيا‭ ‬وإرهاب‭ ‬الجماعات‭ ‬وتكفيرها،‭ ‬والأخطر‭ ‬مافي‭ ‬الامر‭ ‬إنها‭ ‬صنعت‭ ‬لمريديها‭ ‬أطرا‭ ‬لسلطة‭ ‬بديلة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬المريدين‭/‬‭ ‬الأتباع،‭ ‬وتملك‭ ‬الثروة‭ ‬والقسوة‭ ‬وحق‭ ‬التصرّف‭ ‬بالقانون‭ ‬عبر‭ ‬سياقاته‭ ‬النقلية‭/‬‭ ‬الشرعية‭..‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬إنعكس‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭/‬‭ ‬الاسلامية‭ ‬وأنموذجها‭ ‬الثيوقراطي،‭ ‬فضلا‮ ‬‭ ‬عن‭ ‬انعكاساته‭ ‬على‭ ‬ملفات‭ ‬تخص‭ ‬عمل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية،‭ ‬وهيمنتها‭ ‬وحسبتها،‭ ‬والكيفيات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬بها‭ ‬ممارسة‭ ‬الطقوس‭ ‬الدينية،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬فرضت‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬المنطق‭ ‬التاريخي‭ ‬المغلق‭ ‬على‭ ‬تداول‭ ‬الخطاب‭ ‬الديني،‭ ‬وقطع‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتأويل‭ ‬والجدل‭ ‬والمشاكلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬أيضا‭ ‬الباحث‭ ‬فتحي‭ ‬المسكيني‭ ‬بقوله‭: ‬إن‭ ‬أكبر‭ ‬عمليّة‭ ‬توثين‭ ‬للإسلام‭ ‬قد‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬أهله،‭ ‬أكانوا‭ ‬علماء‭ ‬أو‭ ‬دعاة‭. ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬إسلام‭ ‬أداتيّ‭ ‬بحت‭. ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬أداة‭ ‬سياسية‭. ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬الإسلام‭ ‬الفقهي‭ ‬أو‭ ‬الصوفي‭ ‬أو‭ ‬الوعظي‭ ‬أو‭ ‬الرسمي‭ ‬هو‭ ‬إسلام‭ ‬أداتي‭. ‬يتمّ‭ ‬استدعاء‭ ‬نصوص‭ ‬أو‭ ‬كتب‭ ‬أو‭ ‬مصنّفات‭ ‬أو‭ ‬أقوال‭ ‬اندثر‭ ‬عالم‭ ‬الحياة‭ ‬الذي‭ ‬أنتجها،‭ ‬وباتت‭ ‬مثل‭ ‬تماثيل‭ ‬لا‭ ‬تكلّمنا‭.‬

‬إدارة‭ ‬ملفات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والأمن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والأمن‭ ‬التعليمي‭ ‬والأمن‭ ‬التنموي‭ ‬وغيرها‭.. ‬مقابل‭ ‬إنتاج‭ ‬قوى‭ ‬جديدة‭ ‬تتسم‭ ‬بالتعالي‭ ‬والوهم‭ ‬والتوحش‭..‬

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.