معضلة‭ ‬المفكرين‭ ‬العرب‭ ‬مع‭ ‬الغرب

معضلة‭ ‬المفكرين‭ ‬العرب‭ ‬مع‭ ‬الغرب

السبت 2016/10/01
تخطيط: إيهاب حمشو

الحوار‭ ‬الذي‭ ‬نشرته‭ ‬مجلة‭ ‬الجديد‭ ‬اللندنية‭ ‬في‭ ‬01‭/‬08‭/‬2016‭ ‬مع‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬يعيد‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬معضلة‭ ‬تصوراتنا‭ ‬عن‭ ‬الغرب‭. ‬هنا‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬الاستغراب‮»‬‭ ‬تمثل‭ ‬المقابل‭ ‬لكلمة‭ ‬الاستشراق،‭ ‬واقترحها‭ ‬بديلا‭ ‬لـ‮»‬الاستشراق‭ ‬معكوسا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يقترحها‭ ‬الأستاذ‭ ‬العظم‭ ‬في‭ ‬حواره‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬،‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬تتضمن‭ ‬التباسا‭ ‬مع‭ ‬الغربة‭ ‬وما‭ ‬تستدعيه‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬وحشة‭. ‬بيت‭ ‬القصيد‭ ‬في‭ ‬مقالي‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الملاحظات‭ ‬اللاذعة‭ ‬التي‭ ‬سجلها‭ ‬الأستاذ‭ ‬العظم‭ ‬حول‭ ‬رؤية‭ ‬المفكرين‭ ‬العرب‭ ‬‭(‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬‭)‬‭ ‬لـ‮»‬الغرب‮»‬‭ ‬تنطبق‭ ‬عليه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سواه‭. ‬الأمر،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬القصور‭ ‬الشديد‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬‮«‬الغرب‮»‬‭ ‬وما‭ ‬ينسحب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلط‭ ‬وتشويش‭ ‬بل‭ ‬يتعداه‭ ‬ليشمل‭ ‬أيضا‭ ‬فقر‭ ‬الأدوات‭ ‬المعرفية‭ ‬الدقيقة‭ ‬للتوصيف‭ ‬الدقيق‭ ‬ورصد‭ ‬المتغيرات‭ ‬وربطها‭ ‬بعلاقات‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬صائبة‭.‬

إن من‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬وقع‭ ‬فيها‭ ‬العظم‭ ‬في‭ ‬حواره،‭ ‬وهو‭ ‬خلاصة‭ ‬لأفكاره‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬يمكن،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬عام،‭ ‬أن‭ ‬يضعها‭ ‬المرء‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬حقول‭: ‬الوقوع‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬الصدمة‭ ‬وتبعاتها،‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬الاختصاص،‭ ‬والخلط‭ ‬في‭ ‬المفاهيم،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الحداثة‭ ‬والتحديث‭.‬

في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالحقل‭ ‬الأول،‭ ‬يلاحظ‭ ‬القارئ‭ ‬لحوار‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬أنه‭ ‬كرر‭ ‬غير‭ ‬مرة‭ ‬أن‭ ‬مرارة‭ ‬الهزيمة‭ ‬الفادحة‭ ‬لحرب‭ ‬1967‭ ‬دفعته‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬مسار‭ ‬حياته‭ ‬الأكاديمية‭ ‬من‭ ‬دراسة‭ ‬الفلسفة‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬تفحص‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬سببت‭ ‬هذه‭ ‬الهزيمة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العظم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريبا‭ ‬عن‭ ‬الأوضاع‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬قال،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬جعلته‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭ ‬نظرة‭ ‬مختلفة‭ ‬بالكلية‭.‬

شدة‭ ‬الصدمة‭ ‬وقسوة‭ ‬النقد‭ ‬وتغيير‭ ‬المسار‭ ‬الأكاديمي‭ ‬تدفع‭ ‬المرء‭ ‬إلى‭ ‬تأمل‭ ‬آراء‭ ‬العظم‭ ‬بحذر‭. ‬فحتى‭ ‬لو‭ ‬سلمنا‭ ‬بصواب‭ ‬آرائه‭ ‬تبقى‭ ‬هذه‭ ‬الآراء‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬استقراء‭ ‬سليما‭ ‬ومتزنا‭ ‬للظواهر‭ ‬قيد‭ ‬الدرس‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬العظم‭ ‬يؤشر‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬المقدمات‭ ‬الصحيحة‭ ‬والتراكم‭ ‬المعرفي‭ ‬الذي‭ ‬يتيح‭ ‬إنتاج‭ ‬فلسفة‭ ‬محكمة،‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬ينطبق‭ ‬عليه‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قسوة‭ ‬الهزيمة‭ ‬ومرارتها‭. ‬لقد‭ ‬أشّر‭ ‬بشجاعة‭ ‬إلى‭ ‬شطط‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬واقعهم‭ ‬بتجاهلهم‭ ‬وتصوراتهم‭ ‬الكليلة،‭ ‬ولكنه‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬اشتط‭ ‬في‭ ‬رد‭ ‬فعله‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬مأزومة‭ ‬ومشحونة‭. ‬اندفاع‭ ‬العظم‭ ‬وتقريعه‭ ‬العرب‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬عقلانيتهم‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬يفتقد‭ ‬للعقلانية‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭. ‬لهذا‭ ‬الأمر‭ ‬تجلياته‭ ‬التي‭ ‬ستظهر‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬الحقول‭ ‬التي‭ ‬بوّبت‭ ‬بها‭ ‬أبرز‭ ‬ثغرات‭ ‬تفكيره‭.‬

ثانيا؛‭ ‬لقد‭ ‬بالغ‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬أهمية‭ ‬اختصاصه‭. ‬لا‭ ‬الفلسفة‭ ‬التي‭ ‬انشغل‭ ‬بها‭ ‬‭-‬ولا‭ ‬أيّ‭ ‬فرع‭ ‬من‭ ‬فروع‭ ‬المعرفة‭-‬‭ ‬قادرة‭ ‬وحدها‭ ‬على‭ ‬النهوض‭ ‬بأمّة‭ ‬أو‭ ‬شلّها‭. ‬من‭ ‬المؤسف،‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬بدت‭ ‬في‭ ‬كلامه‭ ‬حلا‭ ‬سحريا‭ ‬لو‭ ‬أخذ‭ ‬به‭ ‬العرب‭ ‬سينتقلون‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬مليء‭ ‬بالتقدم‭ ‬والسعادة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬الفلسفة‭ ‬ليس‭ ‬جليا‭ ‬في‭ ‬كلامه،‭ ‬فإن‭ ‬المرء‭ ‬يستنتج‭ ‬أنه‭ ‬يقصد‭ ‬بها‭ ‬الفكر‭ ‬النقدي‭ ‬الذي‭ ‬يتفحص‭ ‬الظواهر‭ ‬بعقلانية‭ ‬وهدوء‭ ‬وانضباط‭ ‬ودقة،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفعله‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬أيّ‭ ‬حال‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬النقدي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬أحدث‭ ‬أيّ‭ ‬قفزة‭ ‬اقتصادية‭ ‬معاصرة‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬دولة‭ ‬ممّن‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬أحوال‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وحتى‭ ‬يوم‭ ‬الناس‭ ‬هذا‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الفلسفة‭ ‬متّصلة‭ ‬بأقسام‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬الأكاديميات‭ ‬التي‭ ‬انتقد‭ ‬العظم‭ ‬ضعفها،‭ ‬فحال‭ ‬هذه‭ ‬الأقسام‭ ‬ليست‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬نظيراتها‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬بلد‭ ‬غربي‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬تقفل‭ ‬أبوابها‭ ‬بسبب‭ ‬قلة‭ ‬حاجة‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬لها‭. ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬مجموعة‭ ‬مناهج‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬أم‭ ‬مؤسسات‭ ‬أكاديمية‭ ‬تمتع‭ ‬بأهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬ولكن‭ ‬ضمن‭ ‬سياقات‭ ‬محدّدة‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬وهذه‭ ‬السياقات‭ ‬لم‭ ‬يتطرق‭ ‬إليها‭ ‬العظم‭ ‬بل‭ ‬أطلق‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬عواهنه‭.‬

ثالثا؛‭ ‬من‭ ‬أهمّ‭ ‬أوجه‭ ‬الخلط‭ ‬في‭ ‬كلام‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬‭-‬وهو‭ ‬خلط‭ ‬متعدد‭ ‬ومتشابك‭-‬‭ ‬هو‭ ‬اختلاط‭ ‬مفهومي‭ ‬الحداثة‭ ‬والتحديث‭ ‬حين‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬الغرب‭ ‬الذي‭ ‬فاته‭ ‬تحديد‭ ‬مفهومه‭ ‬رغم‭ ‬أنّه‭ ‬انتقد‭ ‬غيره‭ ‬لأنّهم‭ ‬لم‭ ‬يحددوه‭.‬

سأحاول‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬أحدد‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬عام‭ ‬مسرف‭ ‬في‭ ‬العمومية‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭. ‬جغرافيا؛‭ ‬الغرب‭ ‬لا‭ ‬يتعدى‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وربما‭ ‬كندا‭. ‬أي‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬الصناعية‭. ‬سيكون‭ ‬مضحكا‭ ‬مثلا‭ ‬لو‭ ‬اعتبرنا‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭ ‬من‭ ‬‮«‬الغرب‮»‬‭. ‬وتاريخيا؛‭ ‬منذ‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬وحتى‭ ‬الآن‭ ‬أوروبا‭ ‬عصر‭ ‬النهضة‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التشكل‭ ‬ومنهمكة‭ ‬في‭ ‬نفسها‭ ‬وقليلة‭ ‬التأثير‭ ‬فينا‭ ‬ولا‭ ‬تشمل‭ ‬كل‭ ‬الغرب‭ ‬‭(‬الولايات‭ ‬المتحدة‭)‬‭. ‬أما‭ ‬أوروبا‭ ‬الحروب‭ ‬الصليبية‭ ‬فهي‭ ‬تمثل‭ ‬وجها‭ ‬بدائيا‭ ‬جدا‭ ‬لأوروبا‭. ‬إذن‭ ‬الغرب‭ ‬التاريخي‭ ‬هو‭ ‬الغرب‭ ‬الصناعي‭ ‬والإمبريالي‭. ‬مفهوم‭ ‬الغرب،‭ ‬من‭ ‬ثم،‭ ‬جغرافيا‭ ‬وتاريخيا‭ ‬مرتبط‭ ‬بالصناعة‭ ‬وليس‭ ‬الفكر‭! ‬قد‭ ‬يرد‭ ‬بعضهم‭ ‬ساخرا‭ ‬‮«‬ولكن‭ ‬الصناعة‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬أحد‭ ‬مظاهر‭ ‬التفكير‮»‬‭. ‬حقا؟‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬مدى‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬يصدق‭ ‬على‭ ‬الواقع؟

الواقع‭ ‬إن‭ ‬للغرب‭ ‬منبعين‭ ‬فكريين‭ ‬أساسيين‭: ‬المسيحية،‭ ‬والفلسفة‭ ‬الإغريقية،‭ ‬وكلاهما‭ ‬شرق‭ ‬أوسطي،‭ ‬ولكن‭ ‬العبرة‭ ‬ها‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬شكّل‭ ‬الغرب‭ ‬بها‭ ‬نفسه‭ ‬وهو‭ ‬يستقي‭ ‬من‭ ‬هذين‭ ‬المنبعين‭. ‬هذه‭ ‬الطريقة‭ ‬خلقت‭ ‬غربا‭ ‬متنوعا‭ ‬ومتنافسا‭ ‬وغير‭ ‬متجانس‭ ‬تسبب‭ ‬بالحربين‭ ‬الكونيتين‭ ‬اللتين‭ ‬خلّفتا‭ ‬دمارا‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬له‭ ‬البشرية‭ ‬مثيلا‭. ‬قد‭ ‬يقول‭ ‬بعضهم‭ ‬إنه‭ ‬ومع‭ ‬تعدد‭ ‬الغرب،‭ ‬يمكن‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬خطوطا‭ ‬عامة‭ ‬طبعته‭. ‬ولكن‭ ‬شدة‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬متعددة‭ ‬تدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬النقيض‭: ‬الاختلاف‭ ‬مستحكم‭ ‬لدرجة‭ ‬أنه‭ ‬يشكل‭ ‬إحدى‭ ‬خواص‭ ‬الغرب،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬حين‭ ‬يتصل‭ ‬الأمر‭ ‬بالعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والمجتمع‭ ‬والدولة‭ ‬التي‭ ‬شغلت‭ ‬العظم‭ ‬كثيرا‭.‬

نأخذ‭ ‬معنا‭ ‬شدة‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬ونحن‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬بنى‭ ‬بها‭ ‬الغرب‭ ‬صرح‭ ‬نهضته‭ ‬على‭ ‬أساسي‭ ‬المسيحية‭ ‬والفلسفة‭ ‬الإغريقية‭ ‬لنجد‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬مسارين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭:‬

المسار‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬التحديث‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬طبع‭ ‬تطور‭ ‬أوروبا‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأساس‭. ‬أعني‭ ‬بالتحديث‭ ‬الصناعة‭ ‬والأدوات‭ ‬المادية‭ ‬للحضارة‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيلها‭. ‬ما‭ ‬مهّد‭ ‬لهذا‭ ‬التحديث‭ ‬هو‭ ‬الحروب‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬صلح‭ ‬وستفاليا‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬الذي‭ ‬أفضى‭ ‬‭-‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينص‭ ‬صراحة‭-‬‭ ‬إلى‭ ‬فصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭. ‬هذه‭ ‬الحروب‭ ‬اندلعت‭ ‬بسبب‭ ‬انتشار‭ ‬البروتستانتية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬نشأتها‭ ‬ظهور‭ ‬الطباعة‭ ‬بوصفها‭ ‬نتيجة‭ ‬لجهد‭ ‬صناعي‭ ‬بحت‭. ‬مثلما‭ ‬هو‭ ‬واضح،‭ ‬لا‭ ‬أثر‭ ‬للفلسفة‭ ‬ها‭ ‬هنا‭. ‬الصراع‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المصالح‭ ‬والعقائد‭ ‬مع‭ ‬ارتباط‭ ‬الصناعة‭ ‬بالجيوش‭ ‬وردود‭ ‬الفعل‭ ‬على‭ ‬أحداث‭ ‬تتوالى‭. ‬فلاسفة‭ ‬مثل‭ ‬كانط‭ ‬وهيغل‭ ‬جاؤوا‭ ‬بفضل‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬وبسبب‭ ‬من‭ ‬المجال‭ ‬المفتوح‭ ‬الذي‭ ‬ولدّه‭ ‬فصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬وليس‭ ‬العكس‭. ‬واللافت‭ ‬أن‭ ‬هذين‭ ‬الفيلسوفين‭ ‬اللذين‭ ‬ذكرهما‭ ‬العظم‭ ‬هما‭ ‬فيلسوفان‭ ‬مثاليان‭ ‬ارتبطا‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬بالبرج‭ ‬العاجي‭ ‬للأكاديميات‭ ‬وليس‭ ‬الواقع‭ ‬وحوادثه‭ ‬المجلجلة‭..

يلوم‭ ‬أتاتورك‭ ‬تارة‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬رائد‭ ‬حداثة‭ ‬ثم‭ ‬يمدحه‭ ‬لأنه‭ ‬بقوة‭ ‬التحديث‭ ‬قاد‭ ‬بلده‭ ‬للحداثة‭. ‬والواقع‭ ‬أن‭ ‬التشخيص‭ ‬برمته‭ ‬غير‭ ‬دقيق‭. ‬صياغة‭ ‬وصفة‭ ‬عامة‭ ‬للتطور‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬التكلس‭ ‬الفكري‭ ‬والانغلاق
على‭ ‬النقيض،‭ ‬مفكر‭ ‬يحل‭ ‬بصورة‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مشروعه‭ ‬الفلسفي‭ ‬كفولتير‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أشبه‭ ‬بناشط‭ ‬حقوقي‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الفيلسوف‭ ‬ألهبت‭ ‬أفكاره‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬التي‭ ‬غيّرت‭ ‬أوروبا‭ ‬جميعا‭ ‬بل‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭. ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬البتة‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬غير‭ ‬مهمة‭ ‬وإنما‭ ‬تقع‭ ‬أهميتها‭ ‬في‭ ‬حقلها‭ ‬المعرفي‭ ‬وبدرجة‭ ‬تأثير‭ ‬ذات‭ ‬نسق‭ ‬خاص‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تؤثر‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬فكر‭ ‬نخبة‭ ‬تأخذ‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬مصالحها‭ ‬لخدمة‭ ‬مشروع‭ ‬محدد‭ ‬يأتي‭ ‬إليها‭ ‬بالمنفعة‭. ‬مع‭ ‬انفكاك‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة،‭ ‬ظهرت‭ ‬الدول‭ ‬القومية‭ ‬بوصفها‭ ‬دولا‭ ‬ذات‭ ‬حدود‭ ‬ثابتة‭ ‬نسبيا‭ ‬يضم‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬شعبا‭ ‬ذا‭ ‬مشتركات‭ ‬واضحة‭. ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬ومعظمها‭ ‬إمبريالية‭ ‬احتاجت‭ ‬لجيوش‭ ‬أقوى‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬إبّان‭ ‬حروب‭ ‬نابليون‭. ‬هذه‭ ‬الحاجة‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬العناية‭ ‬بالتصنيع‭ ‬العسكري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬عاملا‭ ‬أساسيا‭ ‬في‭ ‬تنشيط‭ ‬الصناعة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬بكلّ‭ ‬خيراتها‭ ‬وويلاتها‭. ‬وعلاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬دفعت‭ ‬الحروب‭ ‬وظهور‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬القومية‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬التعليم‭ ‬العام‭ ‬المجاني‭ ‬لخلق‭ ‬أمّة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الوطنية‭ ‬وتهيئ‭ ‬الأجيال‭ ‬للانخراط‭ ‬بالجيش‭. ‬أوروبا‭ ‬إذن‭ ‬وليدة‭ ‬التحديث‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الأحداث‭.‬

أما‭ ‬المسار‭ ‬الآخر‭ ‬فمن‭ ‬المفيد‭ ‬أن‭ ‬نستهل‭ ‬الحديث‭ ‬عنه‭ ‬بقول‭ ‬مارغريت‭ ‬تاتشر‭ ‬‮«‬أوروبا‭ ‬صنعها‭ ‬التاريخ‭ ‬وأميركا‭ ‬صنعتها‭ ‬الفلسفة‮»‬‭. ‬وهذا‭ ‬بالفعل‭ ‬كلام‭ ‬دقيق‭. ‬هنا‭ ‬يبرز‭ ‬إسهام‭ ‬الفلسفة‭ ‬بوصفها‭ ‬‭-‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تحديدا‭-‬‭ ‬أفكار‭ ‬الحداثة‭ ‬التي‭ ‬استلتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭. ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬عن‭ ‬أفكار‭ ‬فيلسوف‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬جون‭ ‬لوك‭ ‬الذي‭ ‬يجد‭ ‬المتتبع‭ ‬أفكاره‭ ‬وحتى‭ ‬عباراته‭ ‬واضحة‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬وثيقة‭ ‬الاستقلال‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأساس‭ ‬وبالدستور‭ ‬الأميركي‭ ‬بشكل‭ ‬أقل‭. ‬الإيمان‭ ‬بهذه‭ ‬الأفكار‭ ‬صاغ‭ ‬أميركا‭ ‬ورسّخ‭ ‬لديها‭ ‬حق‭ ‬الملكية‭ ‬ووضع‭ ‬اليد‭ ‬على‭ ‬الملك‭ ‬المشاع‭ ‬والحرية‭ ‬الفردية،‭ ‬وكلها‭ ‬مما‭ ‬دعا‭ ‬إليه‭ ‬لوك‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬أسهم‭ ‬التحديث‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬أميركا‭ ‬فلولا‭ ‬تركز‭ ‬القوة‭ ‬الصناعية‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬لنجح‭ ‬الجنوب‭ ‬الذي‭ ‬اعتمد‭ ‬أكثر‭ ‬على‭ ‬الزراعة‭ ‬بالانفصال‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭.‬

ما‭ ‬تقدّم‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الغرب‭ ‬ليس‭ ‬سرّا‭ ‬بل‭ ‬معلومات‭ ‬متاحة‭ ‬للجميع‭ ‬في‭ ‬متون‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬ويدرسها‭ ‬طلاب‭ ‬الثانويات‭ ‬والجامعات‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يندهش‭ ‬المرء‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬مفكرين‭ ‬‮«‬كبارا‮»‬‭ ‬يغفلون‭ ‬عنها‭ ‬ويتخبطون‭ ‬في‭ ‬تصورات‭ ‬مغلوطة‭ ‬نتيجة‭ ‬قراءات‭ ‬خاطئة‭. ‬ولذلك،‭ ‬يجدهم‭ ‬المرء‭ ‬مشوشين‭ ‬في‭ ‬آرائهم‭ ‬ويخلطون‭ ‬بين‭ ‬العوامل‭ ‬ولا‭ ‬يفرقون‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬تاريخي‭ ‬وفلسفي‭ ‬ويبالغون‭ ‬في‭ ‬أهمية‭ ‬عامل‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭. ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬ذكره‭ ‬العظم‭ ‬بشأن‭ ‬أتاتورك‭ ‬فتراه‭ ‬يذمه‭ ‬‮«‬فهذا‭ ‬الأخير‭ ‬حاول‭ ‬بدافع‭ ‬مركّب‭ ‬نقص‭ ‬محاكاة‭ ‬النمط‭ ‬الغربي‭ ‬بكل‭ ‬مواصفاته‭. ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬الشرق‭ ‬بدوره‭ ‬سينتج‭ ‬نفس‭ ‬الصورة‭ ‬الخاطئة‭ ‬والمشوّهة‭ ‬للغرب‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬يمدحه‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬فهو‭ ‬قد‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬ويفتح‭ ‬سيرورات‭ ‬مستمرة‭ ‬منذ‭ ‬ثمانين‭ ‬سنة‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬وعمله‭ ‬هذا‭ ‬حفر‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الثقافة‭ ‬والمجتمع‭ ‬التركي‭ ‬الإسلامي‭ ‬المهيمن‭ ‬منذ‭ ‬قرون‭. ‬فقد‭ ‬استطاع‭ ‬هذا‭ ‬القائد‭ ‬أن‭ ‬يغير‭ ‬من‭ ‬مسار‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬بقوة‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تبنّاها‮»‬‭.‬

إن‭ ‬سر‭ ‬هذا‭ ‬التخبط‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬الحداثة‭ ‬والتحديث،‭ ‬فالأستاذ‭ ‬العظم‭ ‬يلوم‭ ‬أتاتورك‭ ‬تارة‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬رائد‭ ‬حداثة‭ ‬ثم‭ ‬يمدحه‭ ‬لأنه‭ ‬بقوة‭ ‬التحديث‭ ‬قاد‭ ‬بلده‭ ‬للحداثة‭. ‬والواقع‭ ‬أن‭ ‬التشخيص‭ ‬برمته‭ ‬غير‭ ‬دقيق‭. ‬صياغة‭ ‬وصفة‭ ‬عامة‭ ‬للتطور‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬التكلس‭ ‬الفكري‭ ‬والانغلاق‭. ‬ومثلما‭ ‬مرّ‭ ‬ذكره‭ ‬في‭ ‬حالتي‭ ‬أوروبا‭ ‬وأميركا،‭ ‬فقد‭ ‬صاغ‭ ‬طرفا‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬الأطلسي‭ ‬طريقين‭ ‬مختلفين‭ ‬للتطوير‭. ‬لو‭ ‬رأينا‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬وحديثا‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬فإنه‭ ‬يرجح‭ ‬كفة‭ ‬التحديث،‭ ‬وهكذا‭ ‬الحال‭ ‬مع‭ ‬النمور‭ ‬الآسيوية‭ ‬والهند‭ ‬وتركيا‭. ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬يحافظ‭ ‬البلد‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬تراثه‭ ‬وينطلق‭ ‬مع‭ ‬التحديث‭ ‬ويغيّر‭ ‬نمط‭ ‬حياته‭ ‬ويتبنّى‭ ‬الرأسمالية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الرفاهية‭ ‬والمدنية‭. ‬إن‭ ‬تحديد‭ ‬نمط‭ ‬معين‭ ‬للتطوير‭ ‬وجلد‭ ‬الآخرين‭ ‬لأنهم‭ ‬لم‭ ‬يتخذوه‭ ‬وإحالة‭ ‬كل‭ ‬فشلهم‭ ‬إلى‭ ‬الانحراف‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬لهو‭ ‬أمر‭ ‬يستدعي‭ ‬الدهشة‭. ‬فكل‭ ‬بلد‭ ‬مرهون‭ ‬بظروفه‭ ‬وفتح‭ ‬كل‭ ‬السبل‭ ‬أمامه‭ ‬لشق‭ ‬طريقه‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬حصره‭ ‬بقالب‭ ‬يظل‭ ‬عادة‭ ‬مبهما‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬المفكرين‭. ‬إن‭ ‬الواقع‭ ‬وتشعّباته‭ ‬وارتباط‭ ‬التحديث‭ ‬بالحداثة‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬يحتّم‭ ‬على‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬الآفاق‭ ‬مفتوحة‭ ‬أمام‭ ‬الجميع‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬العصر‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬العالم‭ ‬قرية‭ ‬صغيرة‭ ‬حافلة‭ ‬بالتأثر‭ ‬والتأثير‭.‬

في‭ ‬حوار‭ ‬العظم‭ ‬كثير‭ ‬ممّا‭ ‬يستدعي‭ ‬النقاش‭ ‬والردّ‭ ‬ولكن‭ ‬التركيز‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬جرى‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الغرب‭ ‬عنده،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬بصورة‭ ‬جوهرية‭. ‬إن‭ ‬الغرب‭ ‬ليس‭ ‬طلّسما‭ ‬ولا‭ ‬عالما‭ ‬مسحورا‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مظاهر‭ ‬الغرب‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬كذلك‭. ‬ليس‭ ‬الغرب‭ ‬واحدا‭ ‬وخروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬يكشف‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يسير‭ ‬بخطى‭ ‬ثابتة‭ ‬نحو‭ ‬الاندماج‭. ‬الغرب‭ ‬له‭ ‬نقاط‭ ‬نيّرة‭ ‬وأخرى‭ ‬مظلمة‭ ‬وتلفّه‭ ‬التحديات‭ ‬مثل‭ ‬غيره‭. ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬مستغلقي‭ ‬الذهن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬منطقة‭ ‬بالعالم‮ ‬‭ ‬وفيه‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬نقد‭ ‬الذات‭ ‬تستحق‭ ‬التقدير‭ ‬العالي‭. ‬ليس‭ ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬نقلد‭ ‬الغرب‭ ‬أو‭ ‬ألاّ‭ ‬نقلده؛‭ ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬نتحرر‭ ‬من‭ ‬تصوراتنا‭ ‬الغريبة‭ ‬عن‭ ‬الغرب،‭ ‬وأن‭ ‬نفيد‭ ‬من‭ ‬تجربته‭ ‬وتجربة‭ ‬سواه‭ ‬ونحن‭ ‬نشق‭ ‬طريقنا‭ ‬بالوسائل‭ ‬التي‭ ‬تلائمنا‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أفضل‭.‬

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.