كبوة‭ ‬الآباء‭ ‬ونهوض‭ ‬الأبناء

كبوة‭ ‬الآباء‭ ‬ونهوض‭ ‬الأبناء

الأحد 2017/01/01
لوحة: مايسة محمد

عام جديد‭ ‬يستقبله‭ ‬العرب‭ ‬بمدن‭ ‬تحترق‭ ‬وأخرى‭ ‬تدفع‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬شر‭ ‬الحريق‭. ‬عام‭ ‬عربي‭ ‬يغص‭ ‬بصور‭ ‬الخروج‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬الأوطان‭ ‬وتوديع‭ ‬ملاعب‭ ‬الطفولة‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أصحابها‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬يمضون‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬مصائر‭ ‬ستسلمهم‭ ‬الطريق‭.‬

عام‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭ ‬تسوده‭ ‬فوضى‭ ‬التوقعات‭ ‬والتمزق‭ ‬والوقوف‭ ‬على‭ ‬المنعطفات‭ ‬بلا‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬غد‭ ‬يهدأ‭ ‬فيه‭ ‬جنون‭ ‬العواصف‭ ‬وتسكن‭ ‬معه‭ ‬رياح‭ ‬السموم‭ ‬والشرّ‭ ‬المستطير‭.‬

العالم‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬اضطراب،‭ ‬والعرب‭ ‬هم‭ ‬الأكثر‭ ‬اضطراباً‭ ‬وخوفاً‭ ‬من‭ ‬المستقبل‭ ‬وتوجسا‭ ‬مما‭ ‬يضمره‭ ‬الغد‭ ‬لهم‭ ‬ولأجيالهم‭ ‬الجديدة،‭ ‬شعوبا‭ ‬وأفراداً‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬هو‭ ‬أيضاً‭ ‬عتبة‭ ‬سنة‭ ‬ثالثة،‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬“الجديد”‭ ‬توسع‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬أفق‭ ‬حضورها،‭ ‬وتشعل‭ ‬به‭ ‬شعلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الثقافي‭ ‬العربي،‭ ‬عازمة‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬مشروعها‭ ‬التنويري‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ظلامية‭ ‬بامتياز‭. ‬لذلك‭ ‬اخترنا‭ ‬أن‭ ‬نكرّس‭ ‬غلاف‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬وملفه‭ ‬الرئيسي‭ ‬لواحدة‭ ‬من‭ ‬أعقد‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬شغلت‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬وأكثرها‭ ‬ارتباطا‭ ‬بإشكاليات‭ ‬ثقافية‭ ‬ومجتمعية‭ ‬معقدة‭ ‬وغير‭ ‬قابلة‭ ‬للتبسيط،‭ ‬ونعني‭ ‬بها‭ ‬مكانة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬والاجتماع‭ ‬وصوت‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وتجليات‭ ‬فكرة‭ ‬الأنوثة‭ ‬والمؤنث‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي،‭ ‬وفي‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث،‭ ‬وأخيراً،‭ ‬موقع‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬القوى‭ ‬الفاعلة‭ ‬والمنفعلة‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬شرقي‭ ‬جرى‭ ‬إخضاعه‭ ‬مراراً‭ ‬لمعطيات‭ ‬ثقافية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وعسكرية‭ ‬عالمية‭ ‬قاهرة‭.‬

ولئن‭ ‬كنا‭ ‬أفردنا‭ ‬في‭ ‬أعداد‭ ‬سابقة‭ ‬ملفات‭ ‬تناولت‭ ‬عنوان‭ ‬المرأة‭ ‬والأفكار‭ ‬المحيطة‭ ‬به‭ ‬والناجمة‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬والفكر‭ ‬عموما،‭ ‬وأدب‭ ‬المرأة‭ ‬خصوصا،‭ ‬فإن‭ ‬نظرتنا‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬بوصفها‭ ‬قضية‭ ‬القضايا،‭ ‬ظلت‭ ‬تشغل‭ ‬حيزا‭ ‬أساسيا‭ ‬من‭ ‬تفكيرنا‭ ‬خلال‭ ‬عملنا‭ ‬على‭ ‬الملفات‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬تصدت‭ ‬لها‭ ‬“الجديد”‭ ‬في‭ ‬أعدادها‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬والتي‭ ‬أردنا‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬فضاء‭ ‬حواريا‭ ‬وهامشا‭ ‬نقدياً‭ ‬حراً،‭ ‬ومساحة‭ ‬للسؤال،‭ ‬تشتغل‭ ‬على‭ ‬حلقات‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬والموضوعات‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬وصفت‭ ‬بأنها‭ ‬شائكة‭ ‬ومسكوت‭ ‬عنها‭.‬

انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام،‭ ‬اعتبرنا‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬واجبات‭ ‬“الجديد”‭ ‬إتاحة‭ ‬الفرصة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭ ‬للسؤال‭ ‬المتصل‭ ‬بصورة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الأدب،‭ ‬وموقع‭ ‬الفكر‭ ‬من‭ ‬قضاياها‭ ‬المختلفة‭.‬

المقالات‭ ‬المنشورة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬“ذكورة‭ ‬وأنوثة”‭ ‬تتناول‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الموضوعات‭ ‬والأفكار‭ ‬والصور‭ ‬والحالات‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الذي‭ ‬كتبته‭ ‬المرأة‭ ‬خلال‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬مضى،‭ ‬وهي‭ ‬تستجلي‭ ‬أيضا‭ ‬المصطلحات‭ ‬والمفاهيم‭ ‬والتصوّرات‭ ‬المتصلة‭ ‬بالأدب‭ ‬الذي‭ ‬تنتجه‭ ‬المرأة،‭ ‬وتلك‭ ‬المحيطة‭ ‬بالأفكار‭ ‬التي‭ ‬عصفت‭ ‬بتفكيرها‭ ‬خلال‭ ‬قرن‭ ‬عربي‭ ‬تردّد‭ ‬فيها‭ ‬كثيراً‭ ‬عنوان‭ ‬“تحرّر‭ ‬المرأة”‭ ‬و”تحرير‭ ‬المرأة”‭ ‬وتشاكلت‭ ‬نخبه‭ ‬المثقفة‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬نسائي‭ ‬ونسوي‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬والفكر،‭ ‬وكان‭ ‬لزاما‭ ‬عليه‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الإشكاليات‭ ‬المحيطة‭ ‬والناجمة‭ ‬عن‭ ‬الاضطراب‭ ‬الذي‭ ‬صاحب‭ ‬حركة‭ ‬التحرر‭ ‬النسوية‭ ‬العربية‭.

على‭ ‬أن‭ ‬حركة‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬الجديد‭ ‬قصّرت‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬قراءة‭ ‬عميقة‭ ‬لطبيعة‭ ‬استجابة‭ ‬وعي‭ ‬النخب‭ ‬العربية‭ ‬لقضايا‭ ‬المرأة،‭ ‬وطبيعة‭ ‬تفاعل‭ ‬الفكر‭ ‬الثقافي‭ ‬الرائج‭ ‬مع‭ ‬العناوين‭ ‬المتعددة‭ ‬المتصلة‭ ‬بها‭ ‬والناجمة‭ ‬عنها‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬أشير‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬المقالة‭ ‬المركّزة‭ ‬للناقد‭ ‬خلدون‭ ‬الشمعة،‭ ‬والتي‭ ‬افتتحنا‭ ‬بها‭ ‬الملف،‭ ‬وقد‭ ‬تناولت،‭ ‬بصورة‭ ‬رئيسية،‭ ‬ما‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬مفهوم‭ ‬تحرّر‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬تحوّلات‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تنامي‭ ‬نزعات‭ ‬مخالفة‭ ‬لتوقها‭ ‬في‭ ‬التحرر،‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬وقوع‭ ‬المفهوم‭ ‬ضحيّة‭ ‬أصوليات‭ ‬متعددة،‭ ‬دينية‭ ‬وقومية،‭ ‬وأيديولوجية‭. ‬وإلى‭ ‬هيمنة‭ ‬مرجع‭ ‬أعلى‭ ‬نصي،‭ ‬لاهوتي‭ ‬ويقيني،‭ ‬على‭ ‬الخطاب‭ ‬المتعلق‭ ‬بالمرأة،‭ ‬مهما‭ ‬تنوعت‭ ‬أزياء‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب،‭ ‬ومهما‭ ‬أظهرت‭ ‬المرجعيات‭ ‬الراعية‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬المرونة‭ ‬أو‭ ‬التشدد‭ ‬نحو‭ ‬حرية‭ ‬المرأة‭ ‬ومفهوم‭ ‬هذه‭ ‬الحرية‭.‬

وبإزاء‭ ‬نص‭ ‬المرأة‭ ‬والنصوص‭ ‬المعلقة‭ ‬عليه،‭ ‬شارحةً‭ ‬وناقدةَ،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬النصوص‭ ‬الثقافية‭ ‬المضادة‭ ‬له،‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬“الجديد”‭ ‬تعتبر‭ ‬منبراً‭ ‬مفتوحاً‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬وقت‭ ‬للحوار‭ ‬والسّجال‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المسائل‭ ‬الإشكالية،‭ ‬إن‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مقالات‭ ‬مفردة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لسنا‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬بإزاء‭ ‬مجرد‭ ‬مناسبة‭ ‬تحتفي‭ ‬بموضوع‭ ‬لمرة‭ ‬وتكتفي‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬شرّ‭ ‬القتال‭. ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬حلقة‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬جملة‭ ‬حلقات‭ ‬تشكل‭ ‬سلسلة‭ ‬مترابطة‭ ‬تسمح‭ ‬بتعدّد‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬وزواياه‭ ‬وموضوعاته‭ ‬ومستوياته،‭ ‬ودائما‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬توجه‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬تمكن‭ ‬المرأة‭ ‬فكرياً‭ ‬وثقافياً‭ ‬جزءا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬تمكّنها‭ ‬الأخرى‭ ‬اجتماعيا‭ ‬واقتصاديا‭ ‬وسياسيا‭. ‬وما‭ ‬تعبيرها‭ ‬عن‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬إلا‭ ‬ترجمة‭ ‬لهذا‭ ‬التطلع‭ ‬وخطوة‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬الطويلة‭ ‬التي‭ ‬تجتازها‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬سعيها‭ ‬الشاق‭ ‬لتحقيق‭ ‬كينونتها‭ ‬الكاملة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬والتاريخ‭.‬

“الجديد”‭ ‬قبل‭ ‬هذا‭ ‬وبعده‭ ‬ستبقى‭ ‬منبراً‭ ‬حراً‭ ‬للسؤال‭ ‬الأدبي‭ ‬والفكري،‭ ‬ومنصّة‭ ‬متقدمة‭ ‬للكتابات‭ ‬العربية‭ ‬المبتكرة‭ ‬والجريئة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بحسّ‭ ‬نقدي‭ ‬وتنطلق‭ ‬من‭ ‬بحث‭ ‬فكري‭ ‬موضوعي‭ ‬يتعارض‭ ‬ويتواجه‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬النكوص‭ ‬والرجعة‭ ‬وممثليها‭ ‬من‭ ‬طغاة‭ ‬وظلاميين‭ ‬لم‭ ‬يتوقفوا‭ ‬عن‭ ‬تمجيد‭ ‬الظلام‭ ‬بينما‭ ‬هم‭ ‬يعادون‭ ‬الكلمة‭ ‬الحرة،‭ ‬وإطفاء‭ ‬نور‭ ‬الفكر‭ ‬ومشاعله‭ ‬بينما‭ ‬هم‭ ‬يطفئون‭ ‬في‭ ‬الأجيال‭ ‬عقول‭ ‬أسئلة‭ ‬العقل‭.‬

لكن‭ ‬هيهات‭ ‬لأشباح‭ ‬الماضي،‭ ‬أيّا‭ ‬تكن‭ ‬أسلحته‭ ‬فتاكة‭ ‬وجنوده‭ ‬أقوياء‭ ‬أن‭ ‬تنتصر‭ ‬على‭ ‬أشعة‭ ‬النور‭ ‬المرسلة‭ ‬من‭ ‬المستقبل‭. ‬إنها‭ ‬إشارة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مبكرة‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة،‭ ‬الشباب‭ ‬العربي‭ ‬الناهض‭ ‬من‭ ‬جرح‭ ‬الضرورة‭ ‬وكبوة‭ ‬الآباء‭ ‬وقد‭ ‬اختبرته‭ ‬التجارب‭ ‬المؤلمة‭ ‬وامتحنته‭ ‬الوقائع‭ ‬الدامية،‭ ‬وفي‭ ‬عينيه‭ ‬توق‭ ‬لا‭ ‬شفاء‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬أنوار‭ ‬المستقبل.

لندن‭ ‬يناير‭ ‬2017‭ ‬

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.