قطارات‭ ‬وخرائط

قطارات‭ ‬وخرائط

الأربعاء 2017/03/01
لوحة: سعد يكن

عشق‭ ‬الخرائط

1

أفتتنتُ‭ ‬منذ‭ ‬صباي‭ ‬بالكتب‭ ‬والخرائط‭ ‬كافتتان‭ ‬الصغار‭ ‬بالحلوى‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬أحببتها‭ ‬يوما،‭ ‬تظاهرت‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬بأنني‭ ‬نهر‭ ‬في‭ ‬خارطة‭ ‬أو‭ ‬هضبة‭ ‬خضراء‭ ‬تكسوها‭ ‬أشجار‭ ‬البلوط،‭ ‬تظاهرت‭ ‬أنني‭ ‬شاطئ‭ ‬بحر‭ ‬تغسل‭ ‬الأمواج‭ ‬آثار‭ ‬العابرين‭ ‬عن‭ ‬رماله،‭ ‬تخيلتني‭ ‬طائر‭ ‬غرنوق‭ ‬أو‭ ‬طائر‭ ‬رخ،‭ ‬تظاهرت‭ ‬بأنني‭ ‬أميرة‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬بابل‭ ‬تاهت‭ ‬في‭ ‬الصحارى‭ ‬وتنتظر‭ ‬الدليل،‭ ‬سحرتني‭ ‬ألوان‭ ‬الخرائط‭ ‬وتعرجاتها‭ ‬وغموض‭ ‬رموزها‭: ‬فهي‭ ‬لغة‭ ‬ثانية‭ ‬أتعلمها‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬وكانت‭ ‬قصص‭ ‬العشق‭ ‬والأطالس‭ ‬كتبي‭ ‬الأثيرة،‭ ‬برعت‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬الخرائط،‭ ‬كنت‭ ‬أرسمها‭ ‬وأتملّى‭ ‬جمالها‭ ‬وأترحّل‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬العاصف‭ ‬وسط‭ ‬البحار‭ ‬مثل‭ ‬السندباد‭ ‬البحري‭ ‬أو‭ ‬تحت‭ ‬شموس‭ ‬آسيوية‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬الحرير‭ ‬وعند‭ ‬المعابد‭ ‬الذهبية‭ ‬والباغودات‭ ‬وتماثيل‭ ‬بوذا،‭ ‬اختلقت‭ ‬بلدانا‭ ‬لم‭ ‬يسمع‭ ‬بها‭ ‬أحد‭ ‬ومدنا‭ ‬أسستها‭ ‬في‭ ‬ممالك‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬مخيّلتي‭ ‬وكانت‭ ‬تفيض‭ ‬بالنساء‭ ‬المغويات‭ ‬والعشاق‭ ‬والمتع‭ ‬والسحرة‭ ‬والمشعوذين‭ ‬واللصوص،‭ ‬وفي‭ ‬رحلات‭ ‬مخيلتي‭ ‬كنت‭ ‬أتلبّس‭ ‬طبيعة‭ ‬السحب‭ ‬فأطوف‭ ‬الفضاء‭ ‬وأنظر‭ ‬من‭ ‬الأعالي‭ ‬إلى‭ ‬كائنات‭ ‬الأرض‭ ‬وتنهمر‭ ‬دموعي‭ ‬بغتة‭ ‬على‭ ‬المفازات‭ ‬الظامئة‭ ‬فتروي‭ ‬نبتة‭ ‬شوك،‭ ‬وكنت‭ ‬أتمثل‭ ‬سجايا‭ ‬النجوم‭ ‬فأكون‭ ‬ضوءا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬ولا‭ ‬مكان،‭ ‬أقلّد‭ ‬النساء‭ ‬اللائي‭ ‬يترحلن‭ ‬على‭ ‬حصان‭ ‬طائر‭ ‬أو‭ ‬يسخّرن‭ ‬الحيتان‭ ‬والفهود‭ ‬وطائر‭ ‬الرخ‭ ‬لمغامراتهن،‭ ‬وذات‭ ‬رحلة‭ ‬بين‭ ‬أحراش‭ ‬الهند‭ ‬ووديان‭ ‬الياقوت‭ ‬سئمت‭ ‬وحدتي‭ ‬فلا‭ ‬متعة‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬أو‭ ‬مغامرة‭ ‬دونما‭ ‬مشاركة‭ ‬وحوار‭ ‬من‭ ‬رفيق‭ ‬سفر‭ ‬أو‭ ‬صديق‭ ‬روح‭ ‬أو‭ ‬عاشق‭ ‬وبدأت‭ ‬رحلة‭ ‬الحيرة‭..‬

2

‮ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الطفولة‭ ‬والنضج‭ ‬محتشدة‭ ‬بالخرائط‭ ‬والأحلام‭ ‬والسقطات‭ ‬والحكايات،‭ ‬مسكونة‭ ‬بهراء‭ ‬الكبار‭ ‬الذين‭ ‬غادرهم‭ ‬الحلم،‭ ‬كنت‭ ‬أنفصل‭ ‬عن‭ ‬الكبار،‭ ‬وأقفز‭ ‬في‭ ‬المتاهة،‭ ‬المسافة‭ ‬ومضة،‭ ‬المسافة‭ ‬خدعة،‭ ‬كانت‭ ‬القفزة‭ ‬مجازفة،‭ ‬وسن‭ ‬الرشد‭ ‬مدينة‭ ‬لم‭ ‬يكتشفها‭ ‬أحد،‭ ‬رحلة‭ ‬جوّانية،‭ ‬عشق‭ ‬عابر،‭ ‬وجوه‭ ‬عابرة،‭ ‬حبّ‭ ‬مؤلم‭ ‬تنضج‭ ‬على‭ ‬اشتعاله‭ ‬أسماء‭ ‬المدن‭ ‬وخصائص‭ ‬الناس،‭ ‬سنّ‭ ‬الرشد‭ ‬أن‭ ‬نطوي‭ ‬الزمن‭ ‬المتسارع‭ ‬ونتلبّث‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬كدر‭ ‬الكبار،‭ ‬كنت‭ ‬أتمرد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬وأعيش‭ ‬عالما‭ ‬داخليا‭ ‬ثرياً‭ ‬بالرؤى‭ ‬وحدي‭ ‬مع‭ ‬عاشق‭ ‬أصنعه‭ ‬حسب‭ ‬أهوائي‭.‬

3

‮ ‬أوصانا‭ ‬المتصوفة‭ ‬أن‭ ‬نزهد‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬لننال‭ ‬كل‭ ‬مستحيل‭: ‬أرواحنا‭ ‬والأرض‭ ‬والريح‭ ‬والنجوم‭ ‬والزمن،‭ ‬علّمونا‭ ‬أن‭ ‬نأخذ‭ ‬ما‭ ‬نحب‭ ‬بقوة‭ ‬الروح‭ ‬لا‭ ‬بثقل‭ ‬المادة،‭ ‬نتحرر‭ ‬من‭ ‬فتنة‭ ‬الهوى‭ ‬وسطوة‭ ‬الشهوة‭ ‬علينا،‭ ‬علّمونا‭ ‬ألاّ‭ ‬نتملك‭ ‬كي‭ ‬نمضي‭ ‬خفافاً‭ ‬في‭ ‬المتاهة‭ ‬الأرضية،‭ ‬شبه‭ ‬طيور‭ ‬تمضي‭ ‬أنّى‭ ‬قادتها‭ ‬بصيرة‭ ‬القلب‭ ‬أو‭ ‬خفق‭ ‬الجناح‭.‬

‮ ‬أختطف‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬الزرقاء‭ ‬التي‭ ‬صُنعت‭ ‬من‭ ‬معدن‭ ‬ولدائن‭ ‬بديل‭ ‬تخيّلاتي‭ ‬عن‭ ‬كوكبنا‭ ‬المبتلى‭ ‬بوحشية‭ ‬البشر،‭ ‬كرة‭ ‬صقيلة‭ ‬مغوية‭ ‬تباع‭ ‬وتُشرى‭ ‬وتقول‭ ‬لنا‭ ‬نسبية‭ ‬الأحوال‭ ‬والأمداء،‭ ‬تقرّب‭ ‬لنا‭ ‬هيئة‭ ‬أرضنا‭ ‬ودوامات‭ ‬الريح‭ ‬والمحيطات‭ ‬وانعكاسات‭ ‬السُدُم،‭ ‬توهمنا‭ ‬بأن‭ ‬العالم‭ ‬ملك‭ ‬شهوتنا‭ ‬فنرتعش‭ ‬تيها‭ ‬ومتعة،‭ ‬لا‭ ‬نتملكها،‭ ‬بل‭ ‬ندركها‭ ‬بحواسنا‭ ‬فلا‭ ‬نستحوذ‭ ‬عليها،‭ ‬لا‭ ‬نتشهى‭ ‬ثرواتها‭ ‬بل‭ ‬ثراء‭ ‬كشوفنا‭ ‬حين‭ ‬نتقصّى‭ ‬عوالمها،‭ ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬امتلاك‭ ‬أرض‭ ‬ولا‭ ‬أرصدة‭ ‬ولا‭ ‬كنوزاً‭ ‬تستهوي‭ ‬اللصوص‭ ‬وتحرّض‭ ‬الحُسّاد،‭ ‬نفوسنا‭ ‬صنو‭ ‬الطبيعة‭ ‬وأخت‭ ‬الريح‭ ‬ورفيقة‭ ‬النبع‭ ‬المستوحد‭.‬

أتنزّه‭ ‬ببصري‭ ‬وبصيرتي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬قزّمته‭ ‬كرة‭ ‬الأرض‭ ‬المصغّرة،‭ ‬وأرانا‭ ‬نحن‭ ‬الكائنات‭ ‬البشرية‭ ‬العزلاء‭ ‬نتشبث‭ ‬بها‭ ‬ونحاول‭ ‬المكوث‭ ‬المؤبد‭ ‬على‭ ‬جهاتها،‭ ‬وثمة‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬إقصاءنا‭ ‬وإزاحة‭ ‬خطانا‭ ‬عنها،‭ ‬آخرون‭ ‬ينصبون‭ ‬لنا‭ ‬الكمائن‭ ‬والفخاخ‭ ‬عند‭ ‬نوافذنا‭ ‬وعلى‭ ‬مرمى‭ ‬أحلامنا‭ ‬وحافات‭ ‬الصحارى‭ ‬وحدود‭ ‬اللغات‭ ‬ورعشة‭ ‬القارات‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬الحب‭ ‬أو‭ ‬وعود‭ ‬الجمال‭.‬

أتلمّس‭ ‬الكرة‭ ‬لأقرأ‭ ‬أحوالها‭ ‬وأحوالنا،‭ ‬أرى‭ ‬البعض‭ ‬أشباه‭ ‬ضوارٍ‭ ‬تتصارع‭ ‬لتلتهم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬للآخرين‭ ‬وتدمج‭ ‬العناصر‭ ‬بأجسادها‭ ‬النهمة‭ ‬وتتمثل‭ ‬امتلاكها‭ ‬لها‭ ‬حتى‭ ‬أقاصيها‭.‬

الأرض‭ ‬الشقية‭ ‬بنا،‭ ‬الحنون‭ ‬على‭ ‬وجودنا‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬أن‭ ‬ترمي‭ ‬بسكّانها‭ ‬في‭ ‬العدم،‭ ‬حنانها‭ ‬الفيزيائي‭ ‬يشفق‭ ‬من‭ ‬تدميرنا،‭ ‬فتتمسك‭ ‬بأثقالنا‭ ‬أحياء‭ ‬وبرفاتنا‭ ‬أمواتاً‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬هلكت‭ ‬جاذبيتها‭ ‬وفقدت‭ ‬ثقلها‭ ‬وعندئذ‭ ‬سنتطاير‭ ‬هباءات‭ ‬ضالة‭ ‬في‭ ‬متاهات‭ ‬الكون‭.‬

شبه‭ ‬ضرير‭ ‬يتدبّر‭ ‬معرفة‭ ‬العالم‭ ‬لمساً‭ ‬بطريقة‭ ‬بريل،‭ ‬تمرّ‭ ‬أناملي‭ ‬على‭ ‬تعرجات‭ ‬وندوب‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬المُقزّمة،‭ ‬ندوب‭ ‬هي‭ ‬جراح‭ ‬التأريخ‭ ‬المندملة‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض،‭ ‬خنادق‭ ‬التخفي‭ ‬وصدوع‭ ‬الانفصال،‭ ‬أطوف‭ ‬على‭ ‬أرجاء‭ ‬مُباحة‭ ‬ومديات‭ ‬بلا‭ ‬تحريم‭ ‬ولا‭ ‬محظورات‭ ‬وأتمتع‭ ‬بحريتي‭ ‬الافتراضية‭ ‬دون‭ ‬ارتياب‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬أو‭ ‬حدود‭.‬

تعابثني‭ ‬رياح‭ ‬وأعاصير‭ ‬وتيارات‭ ‬بحرية‭ ‬وتزجّ‭ ‬بي‭ ‬في‭ ‬مضائق‭ ‬وتضيّعني‭ ‬بين‭ ‬أرخبيلات‭ ‬وتفتح‭ ‬لي‭ ‬مواضع‭ ‬الدنيا‭ ‬العجيبة‭ ‬المشتهاة،‭ ‬تبطل‭ ‬كل‭ ‬ممنوع‭ ‬متفق‭ ‬عليه‭ ‬بين‭ ‬مالكي‭ ‬الأمكنة‭ ‬وسادة‭ ‬الأزمنة،‭ ‬تلغي‭ ‬علامات‭ ‬الحدود‭ ‬عن‭ ‬المشهد‭ ‬الأرضي‭ ‬فأترحّل‭ ‬بين‭ ‬الأقاليم‭ ‬والمدن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستجوبني‭ ‬أحد‭ ‬عن‭ ‬تأريخ‭ ‬الحزن‭ ‬أو‭ ‬قصص‭ ‬الحب‭ ‬أو‭ ‬سرّ‭ ‬الفرار،‭ ‬أجتاز‭ ‬نقاط‭ ‬التفتيش‭ ‬مثل‭ ‬دفقة‭ ‬هواء،‭ ‬وأطلق‭ ‬ضحكتي‭ ‬فوق‭ ‬المحيطات‭ ‬متكئة‭ ‬على‭ ‬أجراف‭ ‬المرجان،‭ ‬أعبر‭ ‬المخاضات‭ ‬مع‭ ‬طيور‭ ‬البلشون‭ ‬واللقالق،‭ ‬وأستقي‭ ‬من‭ ‬ينابيع‭ ‬تتدفق‭ ‬من‭ ‬فوالق‭ ‬الصخر‭.‬

‮ ‬بلا‭ ‬بوصلة‭ ‬ولا‭ ‬دليل‭ ‬تهبني‭ ‬خرائط‭ ‬الأرض‭ ‬حقَّ‭ ‬اتخاذ‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬يروق‭ ‬لي،‭ ‬فأبلغ‭ ‬الأصقاع‭ ‬المجهولة‭ ‬والمدن‭ ‬المحرّمة‭ ‬وبوّابات‭ ‬الزمن،‭ ‬أعدو‭ ‬في‭ ‬مروج‭ ‬نضرة،‭ ‬وأندفع‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬عاصفة‭ ‬تحط‭ ‬بي‭ ‬في‭ ‬أقاليم‭ ‬الضوء،‭ ‬أقرأ‭ ‬عبير‭ ‬الصنوبر‭ ‬وأرتّل‭ ‬خرير‭ ‬النبع‭ ‬وأتهجّى‭ ‬الزهور‭ ‬والجبال‭ ‬وأفك‭ ‬طلاسم‭ ‬المفازات‭ ‬ورجفة‭ ‬الريح‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬لذائذ‭ ‬الكشوف‭ ‬وترف‭ ‬الحرية‭ ‬يستبدّ‭ ‬بي‭ ‬التوق‭ ‬إلى‭ ‬مدن‭ ‬مستحيلة‭ ‬ومدن‭ ‬مغوية‭ ‬ومدن‭ ‬من‭ ‬كلمات‭ ‬ومدن‭ ‬من‭ ‬شِعْر‭ ‬ومدن‭ ‬روايات‭ ‬ومدن‭ ‬أوثان‭ ‬ومعابد‭ ‬وأساطير‭ ‬وبغتةً‭ ‬أجدني‭ ‬أستذكر‭ ‬حالتي‭ ‬وأنا‭ ‬رحّالة‭ ‬حقيقية‭ ‬بين‭ ‬المدن،‭ ‬مدن‭ ‬تلقي‭ ‬إلينا‭ ‬بطُعوم‭ ‬غوايتها‭ ‬مما‭ ‬وراء‭ ‬البحار‭ ‬والصحارى‭ ‬فأستعيد‭ ‬مروري‭ ‬بتلك‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬سأكتب‭ ‬عنها‭ ‬وأنا‭ ‬أهيم‭ ‬وحدي‭ ‬في‭ ‬القطارات‭ ‬والطائرات‭ ‬ونادرا‭ ‬في‭ ‬السفن‭.‬

4

في‭ ‬رحلات‭ ‬صباي‭ ‬تشوقت‭ ‬لصحبة‭ ‬بشر،‭ ‬أردت‭ ‬رفقة‭ ‬رجل‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬نساء‭ ‬الحكايا‭ ‬ممّن‭ ‬ورثن‭ ‬شهوات‭ ‬آلهة‭ ‬الحب‭ ‬والسلالات‭ ‬العتيقة،‭ ‬فكان‭ ‬أن‭ ‬اختلقت‭ ‬لي‭ ‬رجلاً‭ ‬يلائم‭ ‬أهواء‭ ‬صباي‭ ‬المتطلّب‭: ‬جبلته‭ ‬من‭ ‬غبار‭ ‬النجوم‭ ‬وزهور‭ ‬الصبار‭ ‬التي‭ ‬تتفتح‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬لم‭ ‬أمنحه‭ ‬ملامح‭ ‬مستقرة،‭ ‬فكانت‭ ‬قسماته‭ ‬تتبدل‭ ‬بتغير‭ ‬الأهواء‭ ‬والأفكار‭ ‬والأسفار،‭ ‬وهبته‭ ‬سجايا‭ ‬الإنسان‭ ‬ومرونة‭ ‬الفهود‭ ‬وحنوّ‭ ‬القطط‭ ‬ورهافة‭ ‬العشاق،‭ ‬لم‭ ‬أشكل‭ ‬هيأته‭ ‬حسب‭ ‬وصفات‭ ‬النساء‭ ‬حول‭ ‬الرجل‭ ‬المشتهى،‭ ‬تركت‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يختار‭ ‬هيأته‭ ‬ويغيّرها‭ ‬بتغيّرات‭ ‬الزمان،‭ ‬وعندما‭ ‬اكتمل‭ ‬حضوره‭ ‬المتخيل‭ ‬أسكنته‭ ‬أشواقي‭ ‬وصحبته‭ ‬في‭ ‬رحلاتي‭ ‬وأنا‭ ‬بين‭ ‬أهل‭ ‬وأصدقاء،‭ ‬لم‭ ‬يكتشف‭ ‬أحد‭ ‬رفيق‭ ‬أحلامي،‭ ‬كانوا‭ ‬يخالون‭ ‬أنفسهم‭ ‬صُحباً‭ ‬مناسبين‭ ‬لأهوائي‭ ‬وتركتهم‭ ‬في‭ ‬وهمهم‭ ‬عنّي‭ ‬وعنهم‭..‬

‮ ‬كنت‭ ‬أتيه‭ ‬مع‭ ‬رجُلي‭ ‬المتخيّل‭ ‬محمولة‭ ‬على‭ ‬دروب‭ ‬الأنوثة‭ ‬برياح‭ ‬الشغف‭ ‬ومحفوفة‭ ‬بغموض‭ ‬البساتين‭ ‬وأنين‭ ‬الصفصاف،‭ ‬تآلفت‭ ‬مع‭ ‬طيفه‭ ‬في‭ ‬الصّحو‭ ‬والمنام‭ ‬واستحال‭ ‬رفيقاً‭ ‬حياً‭ ‬يحاورني‭ ‬ويجاورني‭ ‬ويقوم‭ ‬عنّي‭ ‬بالمهمات‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬تعجز‭ ‬عنها‭ ‬فتاة‭ ‬نحيلة،‭ ‬كتوجيه‭ ‬دفة‭ ‬السفينة‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬هائج‭ ‬ونحن‭ ‬نقصد‭ ‬الجزر‭ ‬الاستوائية‭ ‬أو‭ ‬قيادة‭ ‬قافلة‭ ‬الجمال‭ ‬في‭ ‬سهول‭ ‬تركمانستان‭ ‬ومنغوليا‭ ‬وصحارى‭ ‬أفريقيا،‭ ‬كنا‭ ‬معا‭ ‬ننبهر‭ ‬أمام‭ ‬صهير‭ ‬البراكين‭ ‬وجداول‭ ‬اللافا‭ ‬الجحيمية‭ ‬ونضحك‭ ‬من‭ ‬طيشنا‭ ‬‭-‬طيشي‭ ‬الصبياني‭-‬‭ ‬ولا‭ ‬نأبه‭ ‬إن‭ ‬غطست‭ ‬أقدامنا‭ ‬في‭ ‬وحل‭ ‬المستنقعات‭ ‬أو‭ ‬داعبتنا‭ ‬السلاحف‭ ‬أو‭ ‬وخزتنا‭ ‬أشواك‭ ‬القنافذ‭ ‬أو‭ ‬لدغنا‭ ‬النحل‭ ‬ونحن‭ ‬نبيت‭ ‬في‭ ‬غابة‭ ‬أو‭ ‬كوخ‭ ‬صيادين،‭ ‬معه‭ ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬الأرض‭ ‬مفضضة‭ ‬بنور‭ ‬القمر‭ ‬أو‭ ‬تفيض‭ ‬ذهباً‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الشمس،‭ ‬ومعه‭ ‬كان‭ ‬حفيف‭ ‬الشجر‭ ‬يمسي‭ ‬موسيقى‭ ‬سماوية‭ ‬والمطر‭ ‬مزنة‭ ‬نور،‭ ‬يغدو‭ ‬البحر‭ ‬في‭ ‬صحبته‭ ‬أشد‭ ‬زرقة‭ ‬ورحابة‭ ‬ويصبح‭ ‬سخياً‭ ‬بمخلوقاته‭ ‬وكنوزه،‭ ‬كنت‭ ‬أصطاد‭ ‬أفراس‭ ‬البحر‭ ‬الصغيرة‭ ‬والأسماك‭ ‬الشفافة‭ ‬والحبارات‭ ‬وألقيها‭ ‬على‭ ‬الشاطئ‭ ‬لتستحيل‭ ‬كائنات‭ ‬بشرية‭ ‬بهيئات‭ ‬ولغات‭ ‬شتّى،‭ ‬فأعرف‭ ‬آنئذ‭ ‬أنني‭ ‬استعدت‭ ‬بعض‭ ‬أرواح‭ ‬الغرقى‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أشداق‭ ‬البحر‭ ‬فنضحك‭ ‬معا‭ ‬من‭ ‬حيلي‭ ‬وألاعيب‭ ‬البنات‭..‬

5

‮ ‬لمّا‭ ‬نضجت‭ ‬قرأت‭ ‬كتاب‭ ‬“مسخ‭ ‬الكائنات”‭ ‬للشاعر‭ ‬الروماني‭ ‬أوفيد‭ ‬وتذكرت‭ ‬تلك‭ ‬الاستحالات‭ ‬الغرائبية‭ ‬التي‭ ‬تخللت‭ ‬سنوات‭ ‬صباي‭ ‬وأنا‭ ‬أطوف‭ ‬جهات‭ ‬العالم‭ ‬مع‭ ‬الرجل‭-‬الظل‭ ‬قرين‭ ‬أحلامي،‭ ‬اكتشفت‭ ‬أنّ‭ ‬بوسعنا‭ ‬إنتاج‭ ‬تحولاتنا‭ ‬وإعادة‭ ‬تكييف‭ ‬أنفسنا‭ ‬واكتشاف‭ ‬قوانا‭ ‬الخفية‭ ‬فنكون‭ ‬ما‭ ‬نشاء‭ ‬لحظة‭ ‬نؤمن‭ ‬بما‭ ‬نريد‭ ‬فكنت‭ ‬أصير‭ ‬حورية‭ ‬بحر‭ ‬عاشقة‭ ‬وصيادة‭ ‬باسلة‭ ‬وقائدة‭ ‬سفينة‭ ‬وغزالة،‭ ‬وكنت‭ ‬أحيانا‭ ‬أغدو‭ ‬الطير‭ ‬والحوت‭ ‬والغمام‭ ‬لأكون‭ ‬أنا‭ ‬التي‭ ‬أريدها‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الأمر‭.‬

‮ ‬عرفت‭ ‬الرجل‭ ‬والمدن‭ ‬كحلمين‭ ‬دائمين،‭ ‬ثم‭ ‬لمّا‭ ‬أتيحت‭ ‬لي‭ ‬الأسفار‭ ‬غدت‭ ‬المدن‭ ‬حقيقة‭ ‬مرئية،‭ ‬أفضُّ‭ ‬أسرارها‭ ‬وأميزها‭ ‬بروائحها‭ ‬وألوانها‭ ‬فتتفتح‭ ‬فيها‭ ‬أهواء‭ ‬روحي‭ ‬وتشوقات‭ ‬العقل،‭ ‬إنما‭ ‬لم‭ ‬ينبثق‭ ‬ذلك‭ ‬المحبوب‭ ‬المتخيل‭ ‬من‭ ‬حلمي‭ ‬كما‭ ‬انبثقت‭ ‬المدن،‭ ‬فقد‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬طيفا‭ ‬نائيا‭ ‬لا‭ ‬يغادر‭ ‬أحلامي‭ ‬‭-‬أو‭ ‬لعلها‭ ‬رغبتي‭ ‬في‭ ‬حمايته‭ ‬من‭ ‬عالمنا‭ ‬الوحشي‭-‬‭ ‬فسجنته‭ ‬هناك‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يغادرني‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬البشر‭ ‬ويُقاسي‭ ‬ما‭ ‬ينتظرهم‭ ‬من‭ ‬أهوال‭ ‬وفظاعات‭.‬

‮ ‬قلت‭ ‬له‭:‬‮ ‬يا‭ ‬صديقي‭ ‬إبق‭ ‬طيفا‭ ‬مكرّماً‭ ‬وفكرة‭ ‬مصانة‭ ‬ورؤيا‭ ‬أحتفي‭ ‬بها‭ ‬فلا‭ ‬تتعرض‭ ‬لاختلال‭ ‬الحياة‭ ‬المحتوم‭ ‬بين‭ ‬رجل‭ ‬وامرأة‭ ‬ولا‭ ‬تتحمل‭ ‬أعباء‭ ‬العيش‭ ‬المتفاقمة،‭ ‬ولا‭ ‬تعرّض‭ ‬نفسك‭ ‬وتعرّضني‭ ‬لاحتمالات‭ ‬الفقدان‭ ‬كحتمية‭ ‬أرضية،‭ ‬دعنا‭ ‬نلتقي‭ ‬كطيفين‭ ‬عابرين‭ ‬للأزمنة‭.‬

‮ ‬برفقة‭ ‬الطيف‭ ‬واصلت‭ ‬التجوال‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬تشردنا‭ ‬معا،‭ ‬جعنا‭ ‬وظمئنا‭ ‬وارتوينا‭ ‬وتضافرت‭ ‬أحزاننا‭ ‬واشتبكت‭ ‬مباهجنا‭ ‬ونشواتنا،‭ ‬هربنا‭ ‬مرارا‭ ‬إما‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬أو‭ ‬ازدراءً‭ ‬لحياة‭ ‬مريعة،‭ ‬رافقني‭ ‬كالقرين‭ ‬اللامرئي‭ ‬والنص‭ ‬اللامقروء‭ ‬والضمير‭ ‬المتخفّي‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬امرأة‭ ‬تحيا‭ ‬مرّتين‭ ‬وتعيش‭ ‬حياتين‭: ‬مرة‭ ‬في‭ ‬أحلامها،‭ ‬وأخرى‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬الناس‭ ‬ومع‭ ‬بشر‭ ‬اعتياديين‭ ‬وتدفع‭ ‬ثمن‭ ‬الحياة‭ ‬الأرضية‭ ‬المثقلة‭ ‬بالآلام‭ ‬والفقدان‭ ‬وما‭ ‬ينتج‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬خذلان‭ ‬وخيبات،‭ ‬وتحياها‭ ‬مثل‭ ‬سائرة‭ ‬في‭ ‬نومها‭ ‬لتستفيق‭ ‬بعد‭ ‬دهور،‭ ‬وتكتشف‭ ‬أننا‭ ‬البشر‭ ‬محض‭ ‬أطياف‭ ‬تتلاقى‭ ‬أفكارها‭ ‬وتتقاطع‭ ‬أو‭ ‬تتناقض‭ ‬وتحيا‭ ‬في‭ ‬برزخ‭ ‬انتظار‭ ‬لما‭ ‬لا‭ ‬يجيء‭ ‬وقد‭ ‬يجيء‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.‬

اكتشاف‭ ‬السفر‭ ‬في‭ ‬قطار‭ ‬من‭ ‬بعقوبة‭ ‬إلى‭ ‬بغداد

‮ ‬أحبّ‭ ‬القطارات‭ ‬وأهابها،‭ ‬صافرة‭ ‬واثنتان‭ ‬وأستعيد‭ ‬تلك‭ ‬الضجة‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بأول‭ ‬رحلات‭ ‬الطفولة‭ ‬بين‭ ‬بعقوبة‭ ‬وبغداد،‭ ‬رحلات‭ ‬سحرية‭ ‬كانت‭ ‬بذرة‭ ‬عشقي‭ ‬للترحل،‭ ‬بيدي‭ ‬دفتر‭ ‬وقلم‭ ‬وأكتب‭ ‬فيه‭ ‬أسماء‭ ‬الأشياء‭ ‬والمحطات‭ ‬والأشجار‭ ‬وأنا‭ ‬أتنصّت‭ ‬لحوارات‭ ‬المسافرات‭ ‬والمسافرين،‭ ‬قاطع‭ ‬التذاكر‭ ‬بقبعته‭ ‬المائلة‭ ‬وحقيبته‭ ‬المعلقة‭ ‬على‭ ‬كتفه‭ ‬يقرض‭ ‬التذاكر‭ ‬بالمقراض‭ ‬ويمنّ‭ ‬على‭ ‬المسافرين‭ ‬بشرعية‭ ‬البطاقة‭ ‬المقضومة،‭ ‬صغيرة‭ ‬كنت‭ ‬بالكاد‭ ‬أستطيع‭ ‬قراءة‭ ‬اللافتات‭ ‬وأسماء‭ ‬المحطات‭ ‬والوجوه‭ ‬التي‭ ‬تعدو‭ ‬بجوار‭ ‬القطار‭ ‬مثل‭ ‬حلم‭ ‬هارب،‭ ‬المسافرات‭ ‬بين‭ ‬ريفيات‭ ‬متلفّعات‭ ‬بعباءات‭ ‬صوف‭ ‬وحرير‭ ‬وبين‭ ‬نساء‭ ‬مدن‭ ‬متعلمات‭ ‬يبهرنني‭ ‬بملابسهن‭ ‬الجميلة‭ ‬المنقوشة‭ ‬بطبعات‭ ‬ورود‭ ‬كبيرة‭ ‬والفساتين‭ ‬مزمومة‭ ‬عند‭ ‬خصورهنّ‭ ‬الرهيفة‭ ‬بأحزمة،‭ ‬شعورهن‭ ‬المجعّدة‭ ‬تشبه‭ ‬شعر‭ ‬الست‭ ‬زكية‭ ‬معلمتي‭ ‬المفضلة،‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬الأول‭ ‬أرتدي‭ ‬ثوباً‭ ‬تزين‭ ‬أطرافه‭ ‬الكشاكش‭ ‬وعلى‭ ‬صدره‭ ‬تطريز‭ ‬بغرزة‭ ‬عش‭ ‬النحل،‭ ‬ولي‭ ‬ضفيرتان‭ ‬مربوطتان‭ ‬بشريطين‭ ‬أزرقين،‭ ‬حولي‭ ‬عشرات‭ ‬السيدات‭ ‬يشبهن‭ ‬الست‭ ‬زكية‭ ‬التي‭ ‬جعلتها‭ ‬مثالا‭ ‬للنساء،‭ ‬فهي‭ ‬أول‭ ‬معلمة‭ ‬جميلة‭ ‬بين‭ ‬حشد‭ ‬من‭ ‬المعلّمات‭ ‬المسنّات‭ ‬والقبيحات‭ ‬القاسيات‭..‬


لوحة: سعد يكن

‮ ‬أدوخ‭ ‬قليلا‭ ‬في‭ ‬القطار،‭ ‬تقشر‭ ‬أمي‭ ‬برتقالة‭ ‬وتطعمني‭ ‬فصوصها‭ ‬لتجنبني‭ ‬الدوار،‭ ‬أغمض‭ ‬عيني،‭ ‬أنصت‭ ‬لصوت‭ ‬العجلات،‭ ‬أنصت‭ ‬لثرثرة‭ ‬النساء،‭ ‬توقظني‭ ‬ضحكة‭ ‬امرأة‭ ‬جميلة‭ ‬وهي‭ ‬تصغي‭ ‬لحديث‭ ‬زوجها،‭ ‬أفتح‭ ‬عيني‭ ‬فيهرب‭ ‬النخل‭ ‬وشجر‭ ‬التوت‭ ‬والصفصاف‭ ‬واليوكالبتوس‭ ‬والحقول‭ ‬الخضراء‭ ‬وقطعان‭ ‬الماشية‭ ‬وبقايا‭ ‬القرى‭ ‬الآفلة‭ ‬على‭ ‬ممر‭ ‬الزمن‭ ‬المتعجل‭ ‬مثلما‭ ‬تفعل‭ ‬المشاهد‭ ‬خارج‭ ‬القطارات‭ ‬عابرة‭ ‬القارات‭..‬

‮ ‬جرّبت‭ ‬أنواع‭ ‬القطارات‭ ‬وأنا‭ ‬وحيدة‭ ‬مستوحشة‭ ‬وقد‭ ‬غادرني‭ ‬فضول‭ ‬الطفولة‭ ‬ووجدتني‭ ‬رهن‭ ‬حاضر‭ ‬مخيف‭ ‬يتكثف‭ ‬فيه‭ ‬إحساس‭ ‬مريع‭ ‬بتبدّد‭ ‬الأمكنة‭ ‬والناس‭ ‬والذكريات،‭ ‬كان‭ ‬القطار‭ ‬ينتصر‭ ‬على‭ ‬المسافات‭ ‬ويسرقني‭ ‬من‭ ‬قطار‭ ‬الطفولة‭ ‬ورائحة‭ ‬أمّي‭ ‬وطعم‭ ‬البرتقال‭ ‬والنساء‭ ‬شبيهات‭ ‬الست‭ ‬زكية‭ ‬فهنا‭ ‬نساء‭ ‬لامباليات‭ ‬عابسات‭ ‬يضعن‭ ‬سماعات‭ ‬الموسيقى‭ ‬في‭ ‬آذانهن‭ ‬أو‭ ‬يقرأن‭ ‬كتاباً‭ ‬أو‭ ‬يخفين‭ ‬عيونهنّ‭ ‬وراء‭ ‬نظّارات‭ ‬قاتمة،‭ ‬أغمض‭ ‬عينيّ‭ ‬فأحلق‭ ‬فوق‭ ‬القطار‭ ‬والزمن‭ ‬وتخطفني‭ ‬نشوة‭ ‬ضوئية‭ ‬تماثل‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬الموسيقى‭ ‬وهي‭ ‬تجمدنا‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬المفارقة‭ ‬وتفجر‭ ‬أعمق‭ ‬مشاعرنا‭ ‬وتلقي‭ ‬بنا‭ ‬في‭ ‬المتاهة،‭ ‬كلُّ‭ ‬القطارات‭ ‬التي‭ ‬مررت‭ ‬بها‭ ‬كانت‭ ‬تقتلعني‭ ‬من‭ ‬مألوف‭ ‬ما‭ ‬عرفت‭ ‬وتضللني‭ ‬في‭ ‬المحطات‭ ‬الفخمة‭ ‬شبيهة‭ ‬القلاع‭ ‬ودور‭ ‬الأوبرا،‭ ‬تنقذني‭ ‬صورة‭ ‬راسخة‭ ‬متواضعة‭ ‬لمحطة‭ ‬قطار‭ ‬بعقوبة‭ ‬الصغيرة‭ ‬بمصاطبها‭ ‬الخشبية‭ ‬اللامعة‭ ‬ورائحة‭ ‬زيت‭ ‬التربنتين‭ ‬الذي‭ ‬صقلوا‭ ‬به‭ ‬شرائح‭ ‬خشبها‭ ‬الناعمة. ‬كانت‭ ‬المحطة‭ ‬جميلة‭ ‬جدا‭ ‬فمنها‭ ‬كنت‭ ‬أنطلق‭ ‬في‭ ‬متاهات‭ ‬أحلامي‭: ‬كنت‭ ‬أعشق‭ ‬حديقتها‭ ‬المنظمة‭ ‬المزدهرة‭ ‬بالورد‭ ‬الجوري‭ ‬وشجيرات‭ ‬الدفلى‭ ‬المتوهجة‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬أشجار‭ ‬اليوكالبتوس‭ ‬ترسل‭ ‬إشعاعا‭ ‬من‭ ‬عبير‭ ‬الكافور،‭ ‬بائع‭ ‬شعر‭ ‬البنات‭ ‬ينادي‭ ‬على‭ ‬بضاعته‭ ‬الوردية،‭ ‬وفي‭ ‬القطار‭ ‬يطوف‭ ‬بائع‭ ‬ساندويتشات‭ ‬البيض‭ ‬المسلوق‭ ‬والكعك‭ ‬ويمر‭ ‬بين‭ ‬العربات‭ ‬حاملاً‭ ‬سلته‭ ‬المجدولة‭ ‬من‭ ‬خوص‭ ‬النخيل،‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬ذاكرتي‭ ‬رائحة‭ ‬السّمسم‭ ‬وأسمع‭ ‬صوت‭ ‬تهشم‭ ‬حبوبه‭ ‬الشهية‭ ‬تحت‭ ‬أسناني‭ ‬ويغمرني‭ ‬مذاقه‭ ‬الزيتي‭ ‬بالمتعة‮…‬

‮ ‬أنفض‭ ‬عني‭ ‬الأسى‭ ‬ووحشة‭ ‬الرحلة‭ ‬وأعترف‭ ‬لنفسي‭: ‬لقد‭ ‬علّمتني‭ ‬القطارات‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬والبشر‭ ‬كما‭ ‬علّمتني‭ ‬الكتب‭ ‬العظيمة،‭ ‬فالقطار‭ ‬كتاب‭ ‬يتجدد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬رحلة‭ ‬ويهبنا‭ ‬قصصاً‭ ‬ممتعة‭ ‬كل‭ ‬مرة‭.‬

القطار‭ ‬علاجا‭ ‬للوحشة

على‭ ‬الضدّ‭ ‬ممّا‭ ‬أعانيه‭ ‬من‭ ‬وحشة‭ ‬وأنا‭ ‬أسافر‭ ‬وحدي‭ ‬في‭ ‬القطارات‭ ‬الأوروبية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يئست‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬الحلم‭ ‬فصار‭ ‬يتوارى‭ ‬بين‭ ‬قسوة‭ ‬الأحداث‭ ‬وأيام‭ ‬التشرد،‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬رجال‭ ‬ينتحلون‭ ‬صفة‭ ‬رجل‭ ‬أحلامي‭ ‬ويضعون‭ ‬أقنعة‭ ‬فائضة‭ ‬عن‭ ‬حاجة‭ ‬الحقيقة‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تتشظّى‭ ‬وتتساقط‭ ‬عن‭ ‬وجوههم‭ ‬المراوغة،‭ ‬وأضحك‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الحيل‭ ‬الصبيانية‭ ‬التي‭ ‬يمارسونها‭ ‬معي‭.‬

‮ ‬على‭ ‬الضد‭ ‬من‭ ‬وحدتي‭ ‬في‭ ‬القطار‭ ‬كان‭ ‬الشاعر‭ ‬الفرنسي‭ ‬بيير‭ ‬ريفردي‭ ‬يسافر‭ ‬بالقطارات‭ ‬لعلاج‭ ‬الوحشة‭ ‬معتقداً‭ ‬بأن‭ ‬أقسى‭ ‬العذابات‭ ‬إيلاماً‭ ‬للإنسان‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬حرمانه‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬الأمكنة،‭ ‬فيقول‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬قصائده‭:‬“قد‭ ‬نموت‭ ‬من‭ ‬العطش‭ ‬والطموح‭ ‬وقد‭ ‬نموت‭ ‬من‭ ‬البقاء‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الموضع‮»‬‭.‬

فكان‭ ‬يسافر‭ ‬بالقطار‭ ‬عندما‭ ‬تطبق‭ ‬على‭ ‬قلبه‭ ‬مخالب‭ ‬الوحدة‭ ‬والوحشة‭ ‬فيشعر‭ ‬بالحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إنعاش‭ ‬روحه‭ ‬برؤية‭ ‬مشهد‭ ‬خارجي‭ ‬فسيح‭ ‬يحرره‭ ‬من‭ ‬زنزانة‭ ‬الرتابة‭ ‬والضجر‭ ‬اليومي‭ ‬ويمضي‭ ‬إلى‭ ‬الريف‭ ‬هرباً‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬خيبت‭ ‬آماله،‭ ‬وفي‭ ‬القطار‭ ‬البطيء‭ ‬ينطلق‭ ‬خياله‭ ‬مع‭ ‬مشاهد‭ ‬الغابات‭ ‬والقلاع‭ ‬والأنهار‭ ‬ويدوّن‭ ‬بعض‭ ‬قصائده‭ ‬وهو‭ ‬مستأنس‭ ‬بضحكات‭ ‬النساء‭ ‬المغوية‭ ‬وأحاديث‭ ‬المسافرين‭ ‬المرحة‭ ‬في‭ ‬عربة‭ ‬القطار‭..‬

‮ ‬ولكن‭ ‬يا‭ ‬للخيبة‭! ‬فعند‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الريف‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬أحداً‭ ‬في‭ ‬انتظاره‭ ‬على‭ ‬رصيف‭ ‬المحطة‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬رفيقة‭ ‬أو‭ ‬حبيبة‭ ‬تؤنس‭ ‬وحدته‭ ‬في‭ ‬الريف،‭ ‬تنهمر‭ ‬عليه‭ ‬الأحزان‭ ‬وتتضاعف‭ ‬وحشته‭ ‬وهو‭ ‬يجوب‭ ‬الأزقة‭ ‬الموحشة‭ ‬مغمورا‭ ‬بعبير‭ ‬الخزامى‭ ‬وظلال‭ ‬أشجار‭ ‬الجوز،‭ ‬ليعود‭ ‬بالقطار‭ ‬التالي‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬الصاخبة‭ ‬متمتعاً‭ ‬برفقة‭ ‬الغرباء‭ ‬ورؤية‭ ‬النساء‭ ‬الفاتنات‭ ‬المسافرات‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬أزيائهن‭ ‬وزينتهن‭.‬

‮ ‬يسرد‭ ‬القطار‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬مثلما‭ ‬يفعل‭ ‬الروائي‭ ‬الذي‭ ‬يملأ‭ ‬الزمن‭ ‬بالأحداث‭ ‬والشخوص‭ ‬والمفاجآت،‭ ‬يكثّف‭ ‬الزمن‭ ‬ويحفظه‭ ‬لنا‭ ‬لنستهلكه‭ ‬في‭ ‬التقمص‭ ‬والتذكر‭ ‬والأحلام‭ ‬ونحن‭ ‬ننغمر‭ ‬بقراءة‭ ‬الرواية‭ ‬فنكون‭ ‬في‭ ‬زمنين‭ ‬مختلفين‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬ذاتها‭ ‬وعندما‭ ‬نكون‭ ‬في‭ ‬الطائرة‭ ‬والقطار‭ ‬نستهلك‭ ‬زمننا‭ ‬بطريقة‭ ‬أسرع‭ ‬ممّا‭ ‬لو‭ ‬كنا‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وتختلف‭ ‬سرعة‭ ‬استهلاكنا‭ ‬للزمان‭ ‬والمكان‭ ‬باختلاف‭ ‬ما‭ ‬يسرده‭ ‬لنا‭ ‬القطار‭ ‬العادي‭ ‬والقطار‭ ‬السريع‭ ‬الذي‭ ‬يسير‭ ‬بسرعة‭ ‬400‭ ‬كيلومتر‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬ويجنبنا‭ ‬الانتظار‭ ‬في‭ ‬المطارات‭ ‬وفحص‭ ‬الأمتعة‭ ‬وتدقيق‭ ‬الجوازات. ‬سافرت‭ ‬بالقطار‭ ‬السريع‭ ‬بين‭ ‬باريس‭ ‬وغرينوبل‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬فرنسا‭ ‬وهي‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬تحت‭ ‬ذرى‭ ‬جبل‭ ‬“فيركور”‭ ‬معقل‭ ‬المقاومة‭ ‬الفرنسية‭ ‬ضد‭ ‬الاحتلال‭ ‬النازي‭ ‬ومن‭ ‬اسم‭ ‬هذا‭ ‬الجبل‭ ‬استعار‭ ‬الشاعر‭ ‬“جان‭ ‬بروليه”‭ ‬اسمه‭ ‬الأدبي‭ ‬“فيركور”‭ ‬عندما‭ ‬نشر‭ ‬روايته‭ ‬القصيرة‭ ‬“صمت‭ ‬البحر”،‭ ‬كان‭ ‬زمن‭ ‬المقاومة‭ ‬والحرب‭ ‬يقبع‭ ‬وراء‭ ‬الجبل‭ ‬ساكناً‭ ‬ومحنطاً‭ ‬لكنني‭ ‬استحضرته‭ ‬حين‭ ‬سردوا‭ ‬لي‭ ‬مأثرة‭ ‬المقاومة‭ ‬ضد‭ ‬النازية‭ ‬وأيقظوا‭ ‬زمنها‭ ‬وتخيلت‭ ‬نفسي‭ ‬عنصراً‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬بينما‭ ‬كنا‭ ‬نعيش‭ ‬حاضراً‭ ‬حياً‭ ‬تكثف‭ ‬فيه‭ ‬إحساسنا‭ ‬بالزمن‭ ‬وأدركت‭ ‬في‭ ‬وعيي‭ ‬لحظتها‭ ‬معياراً‭ ‬مختلفاً‭ ‬للزمن‭ ‬الذي‭ ‬نعوم‭ ‬فيه‭ ‬مزهوّين‭ ‬بانتصارنا‭ ‬على‭ ‬المسافات،‭ ‬فكان‭ ‬إحساسي‭ ‬بالزمن‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬القطار‭ ‬السريع‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬نشوة‭ ‬صوفية‭ ‬تماثل‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬الموسيقى‭ ‬وهي‭ ‬توقظنا‭ ‬على‭ ‬جريان‭ ‬الزمن‭ ‬وتحرّرنا‭ ‬من‭ ‬ضغوط‭ ‬واقعنا‭ ‬وتمنح‭ ‬معنى‭ ‬وقيمة‭ ‬للحظتنا‭.‬

القطارات‭:‬‮ ‬رحلات‭ ‬عشق‭ ‬وكتابة

عندما‭ ‬كبرت‭ ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬القطارات،‭ ‬لم‭ ‬أمسك‭ ‬كتابا‭ ‬لأنهمك‭ ‬فيه‭: ‬كنت‭ ‬أقرأ‭ ‬البشر،‭ ‬أقرأ‭ ‬كتاب‭ ‬الطبيعة،‭ ‬أتصفح‭ ‬الغابات‭ ‬والأنهار‭ ‬والسفوح،‭ ‬أتملّى‭ ‬الكاتدرائيات‭ ‬وقصور‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى،‭ ‬أقرأ‭ ‬الحقول‭ ‬والقرى‭ ‬وأشجار‭ ‬الجوز‭ ‬والبحيرات‭ ‬وغسق‭ ‬المساء‭ ‬وأمتّع‭ ‬بصري‭ ‬برؤية‭ ‬الوعول‭ ‬البرية‭ ‬والإوزّ‭ ‬والقنافذ‭ ‬وهي‭ ‬تعبر‭ ‬الطرقات‭ ‬بين‭ ‬غابة‭ ‬وأخرى،‭ ‬للكتب‭ ‬أوقاتها‭ ‬وطقوسها‭ ‬في‭ ‬غرفنا‭ ‬وللطبيعة‭ ‬ألاّ‭ ‬نخونها‭ ‬بلا‭ ‬مبالاتنا‭ ‬بها،‭ ‬كتاب‭ ‬الطبيعة‭ ‬مفتوح‭ ‬على‭ ‬عجائبها‭ ‬وجماليات‭ ‬إبداع‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬فعلام‭ ‬أفرّط‭ ‬بهذه‭ ‬الهبات‭ ‬وأعكف‭ ‬على‭ ‬كتب‭ ‬تقلد‭ ‬الطبيعة‭ ‬وأحوال‭ ‬البشر؟

‮ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬استهوتهم‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬القطارات‭ ‬البطيئة‭ ‬عتيقة‭ ‬الطراز،‭ ‬فهي‭ ‬تلهمهم‭ ‬عندما‭ ‬تخترق‭ ‬بهم‭ ‬المديات‭ ‬الشاسعة‭ ‬وتساند‭ ‬المخيلة‭ ‬على‭ ‬اكتناز‭ ‬الصور‭ ‬وتثري‭ ‬البصر‭ ‬وتحفّزُ‭ ‬الموهبة‭ ‬كما‭ ‬يلهمهم‭ ‬وجود‭ ‬النساء‭ ‬الفاتنات‭ ‬المسافرات‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬عربة‭ ‬واحدة،‭ ‬فهذا‭ ‬الشاعر‭ ‬الروسي‭ ‬فوزيينسكي‭ ‬يكتب‭ ‬في‭ ‬القطار‭ ‬“ديوان‭ ‬الإغراء”‭ ‬مستلهماً‭ ‬نصّه‭ ‬من‭ ‬حضور‭ ‬الحسناوات‭ ‬المترحلات‭ ‬بثيابهن‭ ‬المغوية‭ ‬وغنجهن‭ ‬ويشرع‭ ‬بكتابة‭ ‬ملحمته‭ ‬الشعرية‭ ‬“المهرة”‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬رحلاته‭ ‬ليكملها‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬أخرى‭ ‬مع‭ ‬فاتنات‭ ‬أخريات‭..‬

‮ ‬لوكليزيو،‭ ‬الكاتب‭ ‬الفائز‭ ‬بنوبل‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬يحب‭ ‬كثيراً‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬القطارات،‭ ‬قطارات‭ ‬الماضي‭ ‬البطيئة‭ ‬الممتعة،‭ ‬فكان‭ ‬يستقلُّ‭ ‬قطارات‭ ‬المكسيك‭ ‬العتيقة‭ ‬ويأنس‭ ‬بقرقعة‭ ‬عجلاتها‭ ‬ويكتب‭ ‬على‭ ‬إيقاعها‭..‬

‮ ‬تمنحنا‭ ‬رحلة‭ ‬القطار‭ ‬انفتاحا‭ ‬على‭ ‬التنوع‭ ‬البشري‭ ‬وتيسّر‭ ‬لنا‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬أشباهنا‭ ‬وتنسج‭ ‬لعيوننا‭ ‬الدهشة‭ ‬بمفاجآت‭ ‬الأمكنة‭ ‬المترحلة‭ ‬معنا‭ ‬مثلما‭ ‬تكشف‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬البشر‭ ‬وعاداتهم‭ ‬وتطلعنا‭ ‬على‭ ‬تعدد‭ ‬الثقافات‭ ‬وقبول‭ ‬المختلف‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬والزمان‭ ‬المحدّدين‭..‬

‮ ‬القطارات‭ ‬الأوروبية‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الحداثة‭ ‬وتعزيز‭ ‬فكرة‭ ‬التحرر‭ ‬التي‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬الممارسة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬ومهدت‭ ‬لها‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬التي‭ ‬انبثقت‭ ‬من‭ ‬ظلام‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬وحروبها‭ ‬لتقيم‭ ‬حضارة‭ ‬التصنيع‭ ‬على‭ ‬هدير‭ ‬المكائن‭ ‬البخارية‭ ‬فتتيح‭ ‬للبشر‭ ‬سرعة‭ ‬التنقل‭ ‬والسفر‭ ‬بين‭ ‬المدن‭ ‬والبلدان‭ ‬في‭ ‬قطارات‭ ‬الفحم‭ ‬والبخار‭ ‬أولا‭ ‬ثم‭ ‬القطارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬وقطارات‭ ‬“الماغليف”‭ ‬التي‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬وسادة‭ ‬هوائية‭ ‬وقطارات‭ ‬التناغم‭ ‬السريعة‭.‬

‮ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬بوسع‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الوسيلة‭ ‬الحضارية‭ ‬الحاسمة‭ ‬للتدرب‭ ‬على‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وقبول‭ ‬المختلف‭ ‬وحوار‭ ‬الثقافات‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬يفتقر‭ ‬مواطنوها‭ ‬إلى‭ ‬التواصل‭ ‬ويستغرقهم‭ ‬انغلاق‭ ‬الأفكار‭ ‬والتعصب؟‭ ‬ترى‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سيحصل‭ ‬للمنطقة‭ ‬كلّها‭ ‬لو‭ ‬أنجز‭ ‬مشروع‭ ‬السكة‭ ‬الحديدية‭ ‬لربط‭ ‬العراق‭ ‬ببرلين‭ ‬أوائل‭ ‬القرن‭ ‬العشرين؟‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬السفر‭ ‬الميسّر‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬سيغير‭ ‬من‭ ‬تركيبة‭ ‬وثقافة‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬تغلب‭ ‬عليه‭ ‬القيم‭ ‬القبلية‭ ‬والانغلاق؟‭ ‬وهل‭ ‬كان‭ ‬لهذا‭ ‬القطار‭ ‬العالمي‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬المختلفة‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬سيربط‭ ‬‭(‬الباءات‭ ‬الثلاث‭: ‬البصرة‭-‬بغداد‭-‬برلين‭)‬‭ ‬ببعضها؟‭ ‬هل‭ ‬كنا‭ ‬سنرى‭ ‬مجتمعاً‭ ‬متخففاً‭ ‬من‭ ‬ماضيه‭ ‬يحيا‭ ‬الحاضر‭ ‬ويدع‭ ‬التأريخ‭ ‬في‭ ‬المقابر‭ ‬والمتاحف‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬الأوروبيون؟

‮ ‬بين‭ ‬بودابست‭ ‬وفيينا‭ ‬ينطلق‭ ‬بي‭ ‬القطار‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬كيليتي‭ ‬العريقة‭ ‬لتمرق‭ ‬بمحاذاته‭ ‬جبال‭ ‬وحقول‭ ‬وقرى‭ ‬وغابات‭ ‬وأنا‭ ‬صحبة‭ ‬مسافرين‭ ‬صرب‭ ‬وبوسنيين‭ ‬ورومانيين‭ ‬وتشيك‭ ‬وهنغاريين‭ ‬حوّلت‭ ‬لغاتهم‭ ‬القطار‭ ‬إلى‭ ‬برج‭ ‬بابل‭ ‬وثمة‭ ‬عاشقان‭ ‬لا‭ ‬هوية‭ ‬لهما‭ ‬سوى‭ ‬الحب‭ ‬يتعانقان‭ ‬في‭ ‬بهجة‭ ‬الرحلة‭ ‬المسائية،‭ ‬وينغّم‭ ‬أحد‭ ‬الشباب‭ ‬أغنيته‭ ‬على‭ ‬الغيتار‭ ‬بينما‭ ‬تنهمك‭ ‬فتاة‭ ‬بقراءة‭ ‬الخرائط‭ ‬وتكتب‭ ‬امرأة‭ ‬على‭ ‬حاسوبها‭ ‬وتتناقش‭ ‬سيدات‭ ‬بثياب‭ ‬فولكلورية‭ ‬مطرّزة‭ ‬مع‭ ‬المفتش‭ ‬حول‭ ‬المحطة‭ ‬القادمة‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬ستراسبورغ‭ ‬أم‭ ‬فيينا؟‭ ‬ويصمت‭ ‬رجالهن‭ ‬الريفيون‭ ‬الذين‭ ‬يلتهمون‭ ‬ساندويتشات‭ ‬نقانق‭ ‬متبلة‭ ‬بالثوم،‭ ‬وتبكي‭ ‬امرأة‭ ‬متوحدة‭ ‬لدى‭ ‬النافذة‭: ‬ففي‭ ‬القطار‭ ‬تتشابك‭ ‬المصائر‭ ‬وتنشط‭ ‬الأحلام‭ ‬والأحزان‭ ‬ويجري‭ ‬حوار‭ ‬خفيّ‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬قد‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬تواصل‭ ‬لاحق‭ ‬بعد‭ ‬بلوغ‭ ‬محطة‭ ‬“فيينا‭ ‬ويستباهن‭ ‬هوف”‭.‬

‮ ‬تعرّفت‭ ‬إلى‭ ‬أجمل‭ ‬مروج‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬الريف‭ ‬الإنكليزي‭ ‬وأنا‭ ‬أتنقل‭ ‬في‭ ‬القطارات‭ ‬المؤنسة‭ ‬بين‭ ‬لندن‭ ‬ومانشستر‭ ‬وبرمنغهام‭ ‬وبين‭ ‬لندن‭ ‬وسوانسي‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬ويلز‭ ‬وبين‭ ‬لندن‭ ‬ومرفأ‭ ‬برايتون‭ ‬على‭ ‬بحر‭ ‬المانش‭ ‬وبين‭ ‬مانشستر‭ ‬ومدينة‭ ‬بلاك‭ ‬بول‭ ‬ومدينتي‭ ‬كمبريدج‭ ‬وستراتفورد‭ ‬أبون‭ ‬آفون‭ ‬الشكسبيرية‭..‬

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.