ثقافة الاختلاف

ثقافة الاختلاف

السبت 2017/07/01
لوحة: سعاد مردم بيك

الكتابة في القضايا النظرية المعاصرة أكانت فلسفية أم أدبية في زمننا هذا من أشقّ الكتابات وأبعدها عن أيِّ يقين. وإذا كنّا اعتدنا فيما مضى كي نكتب، وكي تكون لكتاباتنا دلالة ما، أيْ أن يكون لها مذاق ومغزى الحياة المعيشة أو المرجوّة، أن نستند إلى نظريات أو أفكار؛ أو مواقف أو وجهات نظر، أو رِضىً واطمئنان داخليّين، أو سَمّ ذلك ما شئت، إن كان ذلك قد حدث، وهو ما كان قد حدث بالفعل، فإن ذلك قد صار الآن وراءنا، وما بقي في مواجهتنا، نحن وما نكتبه، غير الفراغ والمُحال!

أنظر إلى الحماسة الهائلة التي صاغ بها جان جاك روسّو موقفه المناهض للتنوير، في رسالته الأولى عن العلوم والفنون، وأنظر إلى اليقين الكلّي الذي بنى كانط من خلاله موقفه المضادّ في إجابته الشهيرة عن سؤال “ما التنوير؟”. وفي الحالتين تجد اليقين الكلّي هو هو، والرضى والاطمئنان الداخلي هما هما.

أين اختفى ذلك كله؟ وما عمق الحفريات التي علينا أن ننبش عنها وفيها كي نصل إلى القيعان المجهولة التي ضرب لنا رضانا واطمئنانُنا الداخلي موعداً عندها؟

نسأل وفي مواجهتنا السؤال الذي ما انفكّ يعترض كلّ كتابة راهنة، كما لو كان شجىً في الحلق، في عصرنا هذا، المسمّى عصر “مابعد الحداثة”: أما نزال قادرين إلى الآن على التنظير وإنتاج الأفكار، ومن ثمّ البناء إيجاباً أو سلباً، على ما أنتجناه؟ وإن كان الجواب بالإيجاب، وهو ما لا نعتقده، فبمَ يفكّر واحدنا الآن، وهنا، في “عصر المجتمع الاستهلاكي”، أو “المجتمع مابعد الصناعي”، “عصر العولمة والإنترنت، والثورة الرقمية”، عصر الهجرات، والتهجير، و”الإرهاب”، بكافة أشكاله ومسمياته.

ما “الإبستمولوجيا”، أو الأساس المعرفي الذي يمكن أن ننطلق منه أو نتكئ عليه، بعد أن غدت معظم، إن لم نقل كلّ نظريات العلوم الاجتماعية، ومن ضمنها الفلسفات، ونظريات الأدب حطاماً، أو “سرديات زائفة” حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار؟

فهكذا، وبعد أن جَهِدَ عباقرة العالم وفلاسفته في القرون الخمسة الأخيرة من عمر البشرية، كُلٌّ في مضماره، في تشييد النظريات الفلسفية والاجتماعية والأدبية، نجد نتاجهم وقد صار الآن حطاماً يتكدّس فوق بعضه البعض. والأدهى أن تحطّم تلك النظريات لم يتمّ من جرّاء فعلٍ مبنيٍّ للمجهول، بل كان نتاجاً طبيعياً للبُنى الفكرية لتلك الأنساق، رغم جميع ما كانت قد أسبغته على نفسها من طابعِ كلّيٍّ، ومن اعتقادٍ من أنها محصّنة بذلك من عوادي الزمن!

وهكذا فما كان قد انبنى بحماسةٍ شديدة وبرضى واطمئنان داخليين قد راح في الربع الأخير من القرن العشرين يتهاوى بالحماسة والشدّة ذاتيهما اللتين سبق أن رافقتا مسيرة تشييد الفكر الغربي منذ “الكوجيتو” الديكارتي وصولاً إلى سؤال الوجود عند هيدغر. أيْ أن “الروح الفاوستية”، لأهل الشمال الأوروبي التي كانت قد بَنَت هي ذاتها التي أخذت تهدم ما كان قد انبنى.

إن فذاذة وألمعية المنظّرين المنقّبين، أو الهدّامين إن أحببت، الذين اشتغلوا، في الستينات والسبعينات من القرن العشرين على تفكيك مكوّنات العقل الأوروبيّ الحديث، وفضح مرويّات “عصر التنوير” و”الثورة الفرنسية” وتفكيك “المركزة الأوروبية”، التي فسرت تاريخ العالم ومسيرته التاريخية، انطلاقاً من التحقيب الأوروبي، ومن أن أوروبا هي مستودع أروع وأسمى ما أبدعه البشر في العلوم والفنون والآداب، هي أمرٌ لا يمكن أن يتطرق إليه الشكّ.

والواقع أنّه ما من شيء إلا وناله نصيبٌ أو آخر من التهديم. وبالأخص الدعاوى الزائفة للعلم الوضعي، وكلّيات “الديالكتيك الهيغلي-الماركسي”. لا بل إن هذه الأخيرة نالها النصيبٍ الأوفر من عملية النقد والتفكيك. فجرى تفنيد جميع مسلّماتها، وبالأخص بعد أن تكشّف بأن الوعود الوردية للمشروع الماركسيّ لم تثمر في التجربتين الرئيسيّتين؛ الروسية والصينية، إلا عن مآس وندوب في مصائر ووجدان الذين كان الخطاب الماركسي قد توجّه لهم أوّل ما توجّه.

إن ما توصلّ إليه أولئك المفكرون اللامعون أمثال فوكو ودريدا ودولوز، وألتوسير وغيرهم، من وضعٍ لجميع النظريات وكافة أشكال الخطاب التي تداولها البشر منذ أفلاطون إلى الآن بين قوسين إلى حين الانتهاء من فحص التعارضات القاتلة في القلب من بنيتها جميعها.

ولقد بدا الأمر في حينه كما لو أنه الفوضى الممهّدة ليوم القيامة، إلا أن قسماً كبيراً مما كُتب أيامذاك قد بات الآن في حكم المسلمات ومما لاعودة عنه. غير أن عمق ووعورة كتابات مَن ذكرنا قاد في بعض نتاجاتهم، ثم في نتاجات من أتى بعدهم إلى سفسطةٍ ونقدٍ على النقد وإلى لعبٍ باللغة على اللغة بغية تحقيق التميّز والعثور على جديدٍ ينسف جديداً سبقه، دون أن يجري إعطاء الجديد الفائت فرصة تمكّنه من أن يتحقق هو أو الناس من جديديّته!


لوحة: سعاد مردم بيك

وبسببٍ من الرطانة التي باتت تطبع كثيراً من الأبحاث المكتوبة مؤخراً، والخوف على الجانبٍ الآخر من أن نجد أنفسنا نحن والخواء وجهاً لوجه، قد شكّلا على الدوام عوامل إحباط لا تشجّع على المضي قدماً مع لعبة الروليت الفكرية تلك إلى آخر أشواطها، اللعبة التي يجري فيها تجريب هذا، فإن لم ينجح فذاك!

بَيْدَ أن فضيلة الاطّلاع على تلك الأفكار في تنوعها وجرأتها، أنها تدفع إلى إيقاظ الأسئلة في دواخلنا، وتحفّزنا على طرحها. ومنها، مثلاً، ما بِتّ أطرحه بيني وبين نفسي بخصوص موضوع الحتم، والصيرورة الإجبارية، أكان ذلك في التاريخ، أم في الفكر، أم في الأدب، أم في أيّ شيء آخر، وبالأخصّ في ميدان النظريات.

فهل كان وجود كانط ضرورياً من أجل أن يوجد هيغل؟ وهل وجود هيغل ضرورة لوجود ماركس؟ إن كان كانط قد بنى صرحه الفكري على عدم إمكان أن يتعرف عقلنا على “الشيء في ذاته”، فهل يفترض ذلك بالضرورة مجيء شوبنهور داحضاً ذلك، ومؤكداً أن “قوة الإرادة” هي الشيء في ذاته الذي عمي كانط عن رؤيته، أو أن يأتي بعدهما نيتشه فيخطّئ الاثنين، ويرى أن الأهم من هذا وذاك هو “إرادة القوة”.

إن كان هيغل قد رأى أن “الشيء في ذاته ” قد تحقق بكماله في الفلسفة التي أوجدها، ورآه على هيئة “فكرة مطلقة” أو “روح”، وَجدت بعد توهانٍ طويل تجسّدها الأخير في شخص نابليون أو في “الدولة البروسية” التي اعتبرها أسمى أنظمة الحكم السياسية التي يمكن للبشر أن يعرفوها أو يطمحوا لتشييدها.

هل من ضرورة أو سببيّة تحتّم أن يأتي ماركس فيقلب الجدل الديالكتيكي الهيغلي رأساً على عقب، ويجعل الفلسفة تصعد من الأرض إلى السماء، بدلاً من بقائها مهوّمة هناك، بعيداً عن قبضة البشر. بل ما الذي كان يمكن أن يحدث لو أن هَوَس ماركس بفن الشعر، وقد كان في مقتبل حياته شاعراً، استحكم في تلافيف مخّه، فأعطانا بدلاً من “رأس المال” دواوين شعرية ملأى باليأس من إمكان خلاص البشر، على غرار ما قد نقرأه عند بودلير أو ريلكة أو ملارمية!

لستُ أريد من هذا أن أقلل من الأهمية الكبيرة لتراث “الماركسية”. غير أن النضج الفكري والتحرر من الإملاءات أياً كان مصدرها يفترض منا أن ننزع من بين ما نؤمن به فكرة “الحتمية”. فمضمار الأفكار البشرية يقع في إطار الجهد الفكري البشري نفسه، وهو جهدٌ يُخطئ ويصيب، ويكون حيناً عرضة لهذا المزاج، وحينها آخر لمزاجٍ آخر، أو لمصادر تأثير أخرى.

وأما بخصوص مفهومي “اليسار” و”اليمين”، والنظر فيهما على ضوء نتائج الانتخابات الفرنسية الأخيرة التي أتت بمانويل ماكرون المرشح الموصوف بأنه مرشح الوسط، أو بالرجوع، إلى الموضوعٍ الذي صار الآن عتيقاً، وهو الانتخابات الأميركية التي أتت بدونالد ترامب بدلاً من هيلاري كلينتون، فإن الأنسب هو معاملة ذينك المفهومين باعتبارهما مفهومين اعتباطيين ونسبيّين وقابلين للتبادل فيما يتعلق بالأعراف السياسية السائدة في كلّ بلد. إنهما مفهومان يدخلان في صميم لعبة تداول الحكم بين الأحزاب السياسية، وبالأخص في البلدان العريقة ديمقراطياّ. وبالتالي فإن أيّ أحكام قيمة بصددهما تعتمد بدرجة كبيرة على المنظور الذي يُريان من خلاله. فما هو يسار هنا قد يكون يميناً هناك. والعكس بالعكس صحيح.

أما بخصوص “الشرق” و”الغرب” فهذان مفهومان أشدّ خطورة وحساسية من كلّ ما حكيناه حتى الآن. إذ برغم كل جهود العولمة العالمية، وبرغم جميع التبدلات السياسية والنظرية التي شهدناها في العقود الماضية، فقد ظلّ الشرق شرقاً والغرب غرباً، وإلاّ فكيف نفسّر، إن نحّينا موضوع المصالح السياسية المتباينة للدول جانباً، حالة العداء التي لا أفق في الأنظار لزوالها، بين روسيا والغرب.

كيف، وبعد أن نستنفد كلّ ما لدى السياسة والمصالح من قول، نستكمل نقص الصورة إن لم نستكملها عبر التمعّن في اختلاف الطرفين تاريخاً ولغةً وديناً وموقعاً جغرافياً، وهذا في جوهره هو ما يجعل اتفاقهما شبه متعذر، ويجعل كلآّ منهما ينظر إلى الآخر، باعتباره مغايراً، وينتمي إلى دائرة حضارة أخرى.

وإذا ظللنا في إطار الفكرة ذاتها، فإن موضوع الهجرة والمهاجرين إلى أوروبا قد يشكل هو الآخر مصدر قلقٍ بالغٍ لعموم الأوروبيّين، وهو مسؤول مسؤولية كبيرة عن تصاعد التأييد للأحزاب الشعبوية الأوروبية التي تعزف على وتر المخاطر التي قد يسببها وجود الآخر المغاير على نسيج المجتمع الأوروبي. وبالطبع فهذا لا يلغي وجود قطاعات واسعة من الأوروبيين ما تزال تتعاطف مع المهاجرين، وتتفهّم الظروف التي قادتهم إلى ركوب المخاطر.

وأخيراً فأستشهد بما قاله ذات يوم الناقد الأيرلندي المتميّز تيري إيجلتون من أنه إن كان من غير المرجّح أن يقتل البشر بعضهم البعض إذا اختلفوا حول تقييم قصيدة لبودلير، أو قصة لإدجار آلان بو، إلا أنهم قد يفعلون ذلك إن اختلفوا حول أنواع الطعام ( كما يحدث في الهند )، أو أنماط اللباس ( كما حدث في شواطئ فرنسا )، أو على آداب المشي في الشوارع، أو أيّ من هذه الأشياء التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، إلا أنها في الجوهر هي الثقافة التي يرى كثيرون أنها تميّزهم عن الآخر المغاير.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.