أندريا ديسيو ريتيفوي.. صفعة‭ ‬فكرية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬النفاق‭ ‬الأميركي‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

أندريا ديسيو ريتيفوي.. صفعة‭ ‬فكرية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬النفاق‭ ‬الأميركي‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

الخميس 2015/08/20
خليط من التجرد والانخراط في موطنهم المكتسب

تتأمل أندريا ديسيو ريتيفوي أستاذة اللغة الإنجليزية بجامعة كارنيجي ميلون في كتابها الجديد "غرباء حميمون" تعريف كلمة "الغريب"، مقدار تحامله وإلى أي مدى بمقدور أهل البلد الثقة في انخراطه السياسي في وطنه المعتنَق‭.‬ أين يكمن ولاؤه؟ وما هي ماهية العبء الذي أثقل كتفيه في مسقط رأسه؟ كما تسلط الضوء على تبلور كل هذه المعاني في إطار منظومة من الأفكار المستحدثة بعد الحرب العالمية الثانية، حرب بلبلت الأذهان وقلبت الموازين‭.‬‬‬‬‬

تتمحور أبحاث ريتيفوي حول الهجرة والنفي والخطاب السياسي والتاريخ الفكري‭.‬ كتبت‭ ‬كتاب‭ "‬ذات‭ ‬الأمس: الحنين إلى الماضي وهوية المهاجر" وكتاب "بول ريكور: التقليد والابتكار في النظرية البلاغية"، وفي "غرباء حميمون" تحث المعلقين السياسيين على تمويه الفارق بين المواطن والأجنبي، والتخلص من ذعر صاحب الأرض من صاحب الفكر القادم من خارج المكان، ولا سيما المفكر أو الفيلسوف السياسي‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

روح الغريب

تَصِم المؤلفة النقاد المشككين في "الغريب" بالتحامل الأعمى، وهي وصمة في محلها، ثمة حقاً من يخوضون حرباً ليست لهم فيها ناقة ولا جمل، لا لهدف إلا اقتناعاً بأفكار تجريدية تسع الكون بأسره‭.‬ وفي الكتاب تنصح القارئ بالقيام "بعملية منهجية ومدروسة لنزع الألفة" عن الوضع السياسي القائم قائلة، "لا تعتبره شيئاً مسلماً به"، وعندئذ فقط سوف يتجلى أمامه منظورٌ متباين، قد ينسجم بالفعل مع منظور الغريب‭.‬‬‬‬‬

تفكك المؤلفة فكرة "روح الغريب" واستجابة الجماعة (أو بالأحرى القطيع) لها من خلال تفنيد وجهات نظر الفيلسوفة ألمانية المولد حنا آرندت (1975-1906) صاحبة كتاب "حياة العقل"، والفيلسوف ألماني المولد هربرت ماركوز (1898-1979) المتأثر بماركس وفرويد، والروائي روسي المولد الفائز بجائزة نوبل في الأدب ألكسندر سولجينيتسن (1918 - 2008)، والمفكر فلسطيني المولد إدوارد سعيد مؤسس مدرسة ما بعد الكولونيالية (2003-1935)، وتأثير معتقداتهم على الحياة السياسية الأميركية، وجميعهم ممثلون أُصَلاء عن جانب من جوانب الحقل السياسي الأميركي في النصف الثاني من القرن العشرين‭.‬‬‬

ولو نظَرنا إلى مسقط رأس كل منهم، سوف نجدهم غرباء حقاً عن أميركا، ولكن جانباً من هذا الاغتراب زحزح جدالهم وحججهم العقلية قدماً خارج السياق الأمريكي وداخله‭.‬ ولأنهم رمقوا المجتمع الأميركي بعيون لا تعهده، لم يجفلوا من شجبه وقلْب الطاولة على مفاهيم اعتقد النقاد الأميركيون أنها تنتمي إلى "العالم الجديد" بينما ألفاها هؤلاء المفكرون "عتيقة"‭.‬‬‬‬‬

هؤلاء الأجانب

لا للإيحاء بأن بمقدورنا وضعهم جميعاً في بوتقة فكرية واحدة، فقد تباينت مدارسهم الأيديولوجية، وأحياناً ما تعارضت غاياتها، ولكن ريتيفوي تضع يدها على العامل المشترك بينهم: "مزيج من الشهرة الفكرية الهائلة وفي الوقت ذاته رد فعل سلبي عنيف من الأعلام الأميركي على أطروحاتهم‭.‬"‬‬


حنا أرنديت

المفارقة هي أن بلد المهجر هذه - المقصد الأمثل تاريخياً لهؤلاء الغرباء – هي التي سددت سهامها إلى مَنْطِقهم السياسي رامية إياهم بالأجانب، وكأنها تهمة، بل وبلَغ الأمر حد إرسال تهديدات بالقتل إلى المفكرين الأربعة دون استثناء، وضع يقل وجوده على صعيد السياسية الأوروبية‭.‬‬‬

ولِما اتسم به النقاد الأميركيون في تلك الحقبة من تعالٍ وانفصام عن الواقع، "لم يتوقعوا نقداً من الغرباء، وإنما الامتنان للسماح لهم بالعيش هنا" كما تشير المؤلفة، في تناقض مع الفكرة الرومانسية لقدوم المنبوذ إلى أرض الأحلام، إننا نعيد اكتشاف حماستنا للبلد بما نجده لديهم من حماسة لها”.

التجرد والانخراط

تؤكد المؤلفة أن هؤلاء المفكرين نعِموا "بخليط من التَجَرُّد والانخراط" في موطنهم المكتسَب‭.‬ وتُذكرنا بآرندت التي خطت مقالاتها بجمل محايدة توحي بالانفصال عن محيطها‭.‬ فقد استخدمت الهاربة من النازي إلى أميركا عام 1941 السخرية كأداة لاستنكار الوضع القائم في سياقات سياسية لم تتسق في الحقيقة مع فكرة السخرية كتقرير – وكان وقتذاك فضيحة أي فضيحة – كتبته لمجلة "ذا نيو يوركر" خلال الستينات عن محاكمة النازي أدولف أيخمان في القدس، إذ وصفت المحاكمة من وجهة نظر المتهم فبدت كمن تنحاز إليه‭.‬‬‬‬‬‬‬


إدوارد سعيد

لم تكتف آرندت بالتقرير الصادم، وإنما حولته إلى كتاب تحت عنوان " أيخمان في القدس: تقرير عن ابتذال الشر"‭.‬ وفيه تدعي آرندت أن النازية – أو الاستبداد في المحصلة الأخيرة – محكومة جغرافياً بالصدفة، وأنها قد تنشأ في أي بقعة، يُشرف عليها أناسٌ عاديون قد يفتقرون إلى العمق النفسي للشر، أناسٌ "يقُومون بعملهم" مثلما ادعى أيخمان‭.‬ وبثت الدهشة في نفوس المثقفين الأميركيين حين قالت عبارتها الشهيرة، "الحقيقة المؤسفة هي أن أغلب الشر يرتكبه أناس لا يحسمون أمرهم قط، أهم أخيار أم أشرار"‭.‬‬‬‬‬‬‬

نفاق الليبرالية

الفكرة النهائية - كما نعتقد أن آرندت تراها - هي أن النظام الديكتاتوري فاسد من جذوره، فمن يؤدي عمله قد يقترف ببساطة أبشع المجازر‭.‬ ولا ريب أن عدداً من المثقفين اعتنقوا الفكرة ذاتها في مراحل تالية، بل ومن خلال منصات فكرية مختلفة، والأذهان تستحضر فيلم "القارئ" (2008) المأخوذ عن رواية تحمل الاسم نفسه للقاضي الألماني برنارد شلينك، ويدور حول هانا شميتز العاملة الأُمِّية المتهمة بارتكاب الفظائع في أحد معسكرات النازيين، "لا ينبغي أن نعتقد أن بوسعنا فهم ما لا سبيل إلى فهمه، أن بوسعنا مقارنة ما يتعذر على المقارنة‭.‬ هل ينبغي أن يحل بنا الصمت من جراء النفور والعار والذنب؟ لأي غرض؟”.


ألكسندر سولجنينيتسن

فضح إدوارد سعيد نفاق الليبرالية الغربية في الشرق الأوسط في كتابه "الاستشراق"، ومع أن وعيه النقدي اتسم في أغلبه بسمة أميركية - فهو لم يكن لاجئاً بأي معنى من المعاني، من البلاهة أن نتجاهل استخدامه لصيغة المتكلم الجمعية شاجباً إسرائيل وتدميرها للفلسطيني المعاصر في وقت اعتبر المراقبون الغربيون أن كلمتيّ "غربي" و"عربي" لا سبيل إلى اجتماعهما، وقف سعيد موقف المنتقد من هذه المحلية المحدودة في التفكير وإن لم تساعد أحداث إرهابية لاحقة كهجمات 11 سبتمبر في خدمة موقفه‭.‬‬‬

وبعد شهر واحد من هذه الهجمات السوداء كتب سعيد مقالة في جريدة "ذا نيشن" الأميركية مراجعاً أطروحة صامويل هنتنجتون عن صراع الحضارات، في محاولة منه لإقناع الأميركيين بأنه مخلٌ بالمنطق ومفرطٌ في التبسيط لحد التشويه، اعتبار "الحضارات والهويات كيانات مغلقة تطهرت من تيارات وتيارات مضادة لا عد لها تُحرك التاريخ الإنساني"‭.‬‬‬

وفي إطار نقده للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ساد إحساس وكأنه ليس مجرد معارض لممارساتها، وإنما "منتزَع منها" كما تُعبر ريتيفوي في كتابها‭.‬ وعبر السنوات بزغت للقارئ هويته الفلسطينية جلية في مقالاته، وكذا استشف "شفقة الغريب الغاضب، لا ابن البلد المحبَط"‭.‬‬‬‬‬

اليسار في الغرب

شجع ماركوز جهود الشبان لتغيير مجتمعاتهم واعتبرها واجباً، ومع أنه نادى بأفكار نظرية في مجملها إلا أنه تبوأ مكانة المُعَلِّم لحركة اليسار الجديد إبان الستينات والسبعينات، وشجب الرأسمالية الأميركية شجباً حتى إن دعوات صاخبة تعالت بترحيله إلى ألمانيا‭.‬‬‬

ولم يكن موقف سولجينيتسن النقدي تجاه أميركا بمختلف عن موقفه تجاه روسيا، فقد شجب النظام الروسي وتعرض للسجن ثم النفي إلى سيبيريا وبعدها الترحيل إلى الغرب‭.‬ وبعد وفوده إلى أميركا، تحرر من أوهام عششت في ذهنه عن وطنه الجديد، وظل يجاهر بأن المؤسسة القضائية في أميركا تضخمت لتحل محل أحكام مجتمعية متماسكة تتوخى الأخلاق، أو ما أسماه "نسيج أخلاقي" يعجز المجتمع بدونه عن اتخاذ القرار السياسي الصحيح‭.‬‬‬‬‬


هربرت ماركوز

أيديولوجية الصراع

وفي فترة تصاعدت فيها الأصوات الأميركية الشوفينية بعد الحرب العالمية الثانية، وانتقل الحقل الفكري من حرب فعلية إلى أخرى باردة، وقد أعقب الحربَ الباردة عهدٌ روَّج لأيديولوجية سياسية تتكل على فكرة "الصراع"، فطن هؤلاء المفكرون على الأرجح أنهم غير أميركيين بالكامل، فالمولود في بقعة قصية يضمر توقعات تنطلق من افتراضات "أجنبية"، ومن ثم كان مبلغ إحباطهم من أرض المهجر، مما حدا بهم إلى استغلال استراتيجيات بلاغية ألمعية أسبغت في نهاية المطاف قبولاً – وإن تم على المدى الطويل - على ما تضمره أفكارهم من كوزموبوليتانية‭.‬‬‬

وهكذا استغلوا عامل "الأجنبي" فيهم ليبعثوا تلاميذ الفكر على اعتناق أساليب مخالفة في التفكير‭.‬ وفي إطار الخطاب السياسي الأميركي، قادوا حملات فكرية اقترحت مناهج راديكالية غير معهودة تطرقت إلى مشكلات راسخة في السياسة الأميركية، فباتوا جزءاً لا يتجزأ من فكره وفلسفته بعد الحرب العالمية الثانية‭.‬‬‬‬‬

قد يخال المرء أنه خليق بمفكري أميركا - دولة الديمقراطية - أن يتقبلوا النقد بدلاً من أن ينفروا من موجهيه تحت دعوى أنهم وافدون جدد‭.‬ وفي صياغة ريتيفوي لعبارة "أسطورة ابن البلد" الذي تنفتح أمامه أبواب السياسة، دون غيره، يسدد كتابها "غرباء حميمون" لطمة على وجه النفاق الفكري الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية‭.‬ ولعل شيئاً من هذا النفاق لا يزال حياً إلى يومنا هذا، يتضح في مؤازرة نقاد الفكر لحروب غير شرعية شنتها أميركا واعتبارهم إياها لا مفر منها كغزو العراق، وتَراجُع عن حروب عزفت عنها مهدرة حياة الآلاف لمجرد أن محل الحرب لا يضخ البترول، فلا يوجد من يدفع فاتورة القرار السياسي بالحرب.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.