الشاعر العربي الوحيد الذي مات سعيدا

الشاعر العربي الوحيد الذي مات سعيدا

الثلاثاء 2018/05/01
لوحة: جان حنا

لذلك فإن الحكم عليه بأنه “شاعر المرأة” باعتبار تلك الصفة تهمة، إنما يعلي من شأنه ويقدمه فاتحا ومغامرا جسورا ومناضلا في مجال الدفاع عن الحرية ضد التمييز الذكوري. لقد حاول البعض أن يسيء إلى مكانة الشاعر لكن من خلال أباطيل عنصرية تقوم على أساس الحطّ من شأن المرأة. وهو ما يكشف جزءا من الرياء والنفاق اللذين انطوت عليهما دعاوى خصومه وهم يستظلون بلافتة الحداثة. كان نزار هو الأكثر حداثة في مبادئه التي قطرها شعرا.

نعم، كان شعر قباني معملا لتقطير اللغة من أجل أن يكون الحب ممكنا.

كان شاعر الحب بكل اشتقاقاته العفوية والمقصودة. سكنته كيمياء الحب بكل ألغازها فكان شعره مختبرها. وإذا لم ندرك أن هناك كيمياء في الحب فتلك علامة تشير إلى أننا لا نعرف ما الحب؛ “أرق على أرق” كما وصفه المتنبي.

لم يكن نزار قباني معنيا بمكانته داخل الحداثة الشعرية العربية التي صارت عبارة عن مؤسسة قمعية تفرض على الآخرين ما تراه مناسبا لرؤاها وأفكارها. هو ابن الشعر الطلق. وليده وخليله وصاحبه وصنيعه ورعشته وغصته وألمه وغربته وشوقه وشهوته وسخطه وسليل فشله ووارث أبهته في غوايتها وعفتها.

لا يزال شعر نزار قباني ممكنا على مستوى ما يهبنا من لُقى جمالية، غير أنه في الوقت نفسه لا يزال ممكنا أيضا على مستوى ما يحث عليه من رؤى الحداثة الشعرية.

الحالم بقراء سعداء

تمكنت عقدة نزار قباني من الكثيرين. لم يكن الرجل شاعر قطيعة مع الماضي. هذا صحيح. فهو سليل شعراء الغزل العربي. من عمر بن أبي ربيعة وحتى سعيد عقل. “وهل يخفى القمر” كانت مشكلته. غير أن الصحيح أيضا أن قباني هو ابن مدرسة معاصرة في اللغة. وهي مدرسة لم تسع إلى التبسيط بما يضع الصنيع الشعري في خدمة الوضيع والمتداول والرخيص بل سعت إلى إشاعة نوع من الأناقة اللغوية هي شبيهة بأناقة الثياب التي صارت تنتجها دور الأزياء العالمية. شيء نخبوي يمكن أن يتحسسه الشعب رغبة منه في الارتقاء فلا ينقطع عنه. غمر قباني الشعب بكرم عطره الذي لا يمكن سوى أن يكون قبانيا. لذلك كان من الشعراء السعداء النادرين في عصرنا. بل أجزم أنه الشاعر العربي الوحيد الذي مات سعيدا. سعادته تلك كانت هي الجزء الأساس من عقدته التي تمكنت من مجايليه من الشعراء الذين ظلوا محبوسين في قفص نجوميتهم النخبوية. لم يدرك الكثيرون منهم بسبب تلك العقدة أن قباني خدم الشعر بطريقة عجزوا هم عن القيام بها. أقحم قباني الشعر في المعادلات البلاغية التي يعنى بها العشاق العرب فهذب لغتهم حين وجدوا فيه شفيعهم الذي ينقذهم من حالة البكم التي تسيطر على المرء حين يضربه الجمال بعصفه. غير أنه لم يكن شعوبيا في ما قدمه من حلول لغوية. وهو ما يعني أنه حاول أن يبث سعادته باللغة المفعمة بالغرام مثل عدوى بين قرائه. كان نزار مثله في ذلك مثل كبار الشعراء والكتاب يحلم بقراء سعداء.

نظرية “النساء جميلات”

“شاعر المرأة” أيّ لقب ساحر ومزلزل بجماله ذلك الذي سعى خصوم نزار قباني إلى السخرية من الشاعر من خلاله. في حقيقتهم فإن كل واحد منهم كان يتمنى في أعماقه أن ينال جزءا من نعومة وخيال ومكر ورقّة وأناقة وخيلاء ذلك اللقب. كان قباني وحده من بين الشعراء العرب محبوب النساء. هذا صحيح. غير أنه لم يكن شاعرا نسويا. ليته كان كذلك لكنا ربحنا شيئا فريدا من نوعه في تاريخ الآداب العالمية. لقد قدم نزار صورة مثالية عن رجل عربي، تتمنى كل امرأة أن تلتقيه فيفرش أمامها سجادة غرامه الحريرية. في المقابل هناك مَن اتّهم قباني بالذكورية الفائضة. “أشك في شكي إذا أقبلت/ باكية شارحة ذلها/ فإن ترفقت بها استكبرت/ وحررت ضاحكة ذيلها/ يحبها حقدي ويا طالما/ وددت إذ طوقتها قتلها”، هذا ليس نزار الذي نعرفه. لطالما ناقض نفسه. وهو ما يمكن توقعه من شاعر. غير أن ما يدركه الكثيرون أن قباني كان يعتبر نفسه صوت العشاق في العالم المعاصر. العشاق كلهم. السعداء والتعساء. المحظوظون والخائبون. الناجحون والفاشلون. الأذكياء والبلهاء. لم تكن رسالته لتكتمل لو لم يكن كذلك. ما قاله في المرأة كان حقيقيا وما قاله ضدها كان هو الآخر حقيقيا. لم يكن منحازا للمرأة ليكون شاعرها. لقد انحاز لجمالها وهو يدرك جيدا أن ذلك الجمال ينطوي على الكثير من المكر. سحره ذلك المكر الأنثوي فوهب العرب من خلال ذلك السحر أجمل شعرهم.

أعظم ما فعله نزار قباني أنه ساوى بين المرأة والجمال. المرأة هي التجسيد الأسمى للجمال والجمال لن يكون موجودا إلا من خلال حضور المرأة.

“ليست هناك امرأة قبيحة” ذلك هو مفتتحه إلى نظرية “النساء جميلات”. كم هي إنسانية تلك النظرية. ما من امرأة قرأت شعره إلا وشعرت أنها جميلة وأن هناك نداء غرام في انتظارها بل وهناك مَن تعذب من أجلها.

لم يكن قباني يكذب. ما من رجل إلا وعذبته امرأة. أقصد ما من امرأة إلا وعذبت رجلا. ذلك ما ذهب إليه غيوم أبولنيير. لقد افتتح قباني عصر النساء الجميلات. متعهن من خلال شعره بجمالهن الخفي. يكفي أن تكوني امرأة لتكوني جميلة. ولقد ضرب قباني من خلاله نظريته تلك المسافة بين الطبقات الاجتماعية عرض الحائط. فشعره المخملي لم تكن قراءته تقتصر على النساء المخمليات. ميزة ذلك الشعر أنه كان قادرا على أن يضفي على كل امرأة تقرأه هالة مخملية. كان نزار ثوريا متمردا وعازفا عن الاعتراف بالتراتبية الطبقية في الحب. كما أن شعره لن يكون صادما حين يتعلق الأمر بغرام فتاة بلغت السنة الخامسة عشرة من عمرها في القصيدة التي تحمل اسمها “لوليتا” في استعارة من رائعة الروسي “نابكوف”.

مخترع لذائذه اللغوية

لم يكن نزار شاعرا صعبا غير أنه لم يكن من اليسير الكتابة على طريقته. كان شعره يسيرا في القراءة فقط. أما تقليده فهو المستحيل بعينه. كل مَن حاول تقليد قباني باءت محاولاته بالفشل. لم تكن تقنياته اللغوية معقدة ولا معانيه غامضة. في الكثير من الأحيان يبدو ذلك الشعر يوميا. يمكننا أن نتخطاه إلى الكلام الصعب الذي ينطوي على ما يُعتقد أنه فلسفة شعرية. كان نزار فيلسوف الجمال الواقعي المحتمل وهو ما أغرى الكثيرين في الوقوع في محاولة النيل من عمق شاعريته. لقد احتل شعره قلوب القراء بدءا من “طفولة نهد”. أعتقد أن ذلك الكتاب حمل عنوانا لا ينافسه من جهة جماله وقوته التعبيرية عنوان كتاب لأي شاعر عربي معاصر. يشكل ذلك العنوان في حدّ ذاته قصيدة بالغة التوتر. شيء طفولي يظل متمكنا من نزار هو ما أغرى منتقديه على النظر إليه باعتباره شاعرا يمكن لمقلديه أن يقتلوه. لقد أحيط نزار قباني بالكثير من خبث شعراء الحداثة. أقلقتهم شعبيته التي يعرفون أنها كانت قائمة على أناقة لغوية مخملية.

“أرجوك إن تمسحت نجمة/ بذيل فستانك .. لا تغضبي/ فإنها صديقة حاولت/ تقبيل رجليك، فلا تعتبي”.

كانت الطريق سالكة أمام نزار قباني ليقول ما يشاء.

لغة قباني هي اختراع نزعت عنه شعبويته صفة القناع. وهو ما صنع أسطورة قباني، شاعرا يقيم خارج خيام القبيلة. المحدث الذي اعتبره المحدثون عدوا لهم لأنه لم يكن من صنفهم.


لوحة: جان حنا

لسان المرأة

كتب نزار قباني قصائد كثيرة على لسان المرأة. بل يمكن القول إن تلك القصائد تشكل الجزء الأكبر من إرثه الشعري. وإذا ما علمنا أن المرأة لا تحب أن يحل رجل محلها ليسرق قدرتها على البوح بما تخفيه، بالرغم من أنه أمر مثير للسخرية فإن قباني قد جازف حين مشى في تلك الطريق الوعرة، المليئة بالعثرات المحتملة. غير أن ما كتبه لم ينل استحسان النساء فحسب، بل شكل أيضا قاموس بلاغتهن الهادرة والجامحة. انتحل قباني كيان المرأة فصار أيقونتها التي تلخص وجودها في مختلف حالاته. تألقها وانكسارها. قوتها وضعفها. صبرها وخوفها. شهوتها وانطفاءها. أملها ويأسها. لقد كان صوت نزار ينبعث خفيضا من بين أوراق دفاتر اليوميات السرية النائمة تحت الوسائد. فكان أشبه بشرفة تطل من خلالها المرأة على عالم، صُنع من أجلها. ذلك هو العالم الشعري الذي دخله قباني فاتحا باعتباره صاحب قضية عادلة “لا تنتقدني سيدي/ إن كان خطي سيئا/ فإنني أكتب والسياف خلف بابي/ وخارج الحجرة صوت الريح والكلاب”.

معجزة الحب

ألم يكن الأمر عسيرا بالنسبة لرجل شرقي أن يتكلم بلسان امرأة؟ لقد جازف نزار قباني في الدخول إلى مناطق محظورة اجتماعيا وثقافيا كثيرة. غير أن أخطر ما فعله يكمن في كشفه عن تماهيه مع تجربة المرأة في الحب. ذلك شيء لا يفهمه رجل ضللته ثقافة ذكورية حين وضعته في مقدمة المشهد، فيما أخفت في الوقت نفسه تفاصيل ذلك المشهد. من وجهة نظري فإن قباني نجا من ذلك المأزق عن طريق ثقته الشعرية بمعجزة الحب. وهي ثقة تخلي العالم من تمزقه بين ما هو ذكوري وأنثوي. الشاعر الذي كانت كل قصيدة منه بمثابة تظاهرة عاطفية، كان شاعر غزل لكن بطريقة مقلوبة. لقد اخترع وسيلة للإعلاء من كرامة الرجل من خلال وضعه في موقع المحبوب. خدمة استثنائية قدمها قباني للرجل من غير أن يسيء إلى المرأة. يقول “وحين نكون معا في الطريق/ وتأخذ من غير قصد ذراعي/ أحس أنا يا صديق/ بشيء عميق/ بشيء يشابه طعم الحريق/ على مرفقي/ وأرفع كفي نحو السماء/ لتجعل دربي بغير انتهاء/ وأبكي وأبكي بغير انقطاع/ لكي يستمر ضياعي/ وحين أعود مساء إلى غرفتي/ وأنزع عن كتفي الرداء/ أحس وما أنت في غرفتي/ بأن يديك/ تلفان في رحمة مرفقي/وأبقى لأعبد يا مرهقي/ مكان أصابعك الدافئات/ على كم فستاني الأورق/ وأبكي وأبكي بغير انقطاع/ كأن ذراعي ليست ذراعي”.

تلك قصيدة يمكن أن نحيلها إلى معجزة الحب لأن مَن كتبها رجل. ما من أحد يمكن أن يتهم قباني بالانتحال. هناك شيء ما، حقيقي وعميق وأصيل يشهق بالأنوثة. لم تكن النسوية يوم كتب نزار تلك القصيدة مطروحة في الأسواق. كان الشاعر يفكر بصوت الأنثى التي تسكنه، يكتب بأصابع تسكنها رائحة تلك الأنثى. وهو -كما أرى- انقلاب في المفاهيم الثقافية كان نزار رائده.

شاعر الفتيات النضرات

صديق النساء في كل أعمارهن. لذلك شدته لوليتا الروائي الروسي نابكوف إلى مغامرتها في حب جمع قاصرة ورجلا كبير السن. في ذلك الموضوع اخترق شاعر الحب غرف المراهقات فامتزجت كلماته بريش مخداتهن. أكان ذلك جزءا من واجبه الشعري؟ يمكنني القول إن قباني أكسب الشعر العربي الحديث الكثير من نضارته من خلال عيون الفتيات اللواتي صرن مشدودات إلى شعره. “صار عمري خمس عشرة/ كل ما في داخلي غني وأزهر/ كل شيء صار أخضر/ شفتي خوخ وياقوت مكسر/ وبصدري ضحكت قبة مرمر/ وينابيع وشمس وصنوبر/ صارت المرآة لو تلمس نهدي تتخدر/ والذي كان سويا قبل عامين تدور/ فتصور/ طفلة الأمس التي كانت على بابك تلعب/ والتي كانت على حضنك تغفو حين تتعب/ أصبحت قطعة جوهر/ لا تُقدر”.

صوت لوليتا هنا هو صوت المراهقات العربيات. هل كان يقلل من شعرية نزار أنه كان مقروءا من قبل طالبات الثانوية؟ لقد تعذر على الكثيرين فهم واستيعاب الثورة التي أحدثها قباني على مستوى علاقة العرب بالشعر. معه اكتشف العرب أن هناك لغة معاصرة للحب. لغة لا تستثني أحدا من الشعور بلمعانها وبريق رقتها.

حين اختفى الحب

“أحاول رسم بلاد تكون صديقة شعري/

ولا تتدخل بيني وبين ظنوني/

ولا يتجول فيها العساكر فوق جبيني/

تكافئني إن كتبت قصيدة شعر/

وتصفح عني، إذا فاض نهر جنوني/”.

فشلت محاولة الشاعر بل فشلت محاولة الشعر في إحداث تغيير إيجابي في الحياة العربية. لقد هُزمت قيم الحب يوم انتصر الشك على اليقين وظهر العرب عراة بعد نوم عميق على فراش أسطورة كاذبة.

يومها حاول نزار أن يكون شفافا في اعترافاته السياسية مثلما كان شفافا في اعترافاته الغرامية غير أنه لم يجد سوى الهجاء وسيلة لقول ما يريد. لقد أعلن موت العرب في الوقت الذي كانت فيه وسائل إعلام وثقافة النظام السياسي العربي المهزوم تسعى إلى صناعة واقع وهمي بديل للواقع.

لقد عزّ على نزار أن يتحول شخصيا إلى رمز لماض لا يمكن استعادته. صار الحب الذي وظف شعره في خدمة تحولاته نوعا من الحنين إلى ذلك الماضي، باهظ الثمن.

ضعف شعر نزار يوم اختفى الحب من الحياة العربية.

وإذا ما كانت قصيدته “بلقيس″ 1982 قد أوهمت البعض بعودة نزار إلى الأضواء فإن ذلك البعض لم ينتبه إلى أن تلك المرثية المؤلمة كانت بمثابة تلويحة وداع متأخرة. لقد تغير كل شيء من حول قباني فلم يكن أمامه سوى أن يعترف بأن عالمه القديم قد انهار. لقد هُزمت لغة الحرير والمخمل والمسك والزعفران حين كفت عن أن تكون ضرورية. لا لشيء إلا لأن أشياء نبيلة كثيرة لم تعد ضرورية في الحياة العربية بعد أن اجتاحتها قيم الاستهلاك الرخيص والمبتذل والمؤقت والوضيع والكاذب والحسي.

أدرك قباني يومها أن لغته تنتمي إلى عصر آخر وتخاطب شعبا آخر وتمشي في طرق موحشة. ذلك لأن نساءه ذهبن بعواطفهن ومعاطفهن إلى المتحف.

لقد انتهى الشاعر غريبا يوم اختفى الحب.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.