مقدمة‭ ‬الديوان‭ ‬الأول

مقدمة‭ ‬الديوان‭ ‬الأول

الثلاثاء 2018/05/01
لوحة: جان حنا

قدم نزار القباني بين يدَي ديوانه الأول “قالت لي السمراء” ورقة إلى القارئ، لخّص فيها ميوله وأساليبه، فهو “رمزي”، و”غريزي”، و”عفوي”، وهذه الكلمات تحتاج إلى شيء من الإيضاح.

الرمزية

شاعرنا رمزي لأنه هو نفسه يقول:

تخيلت حتى جعلت العطور ترى.. ويشم اهتزاز الصدى

ولكنه لم يأخذ من الرمزية إلا بمقدار. تبرّأ من غموضها وجاراها أو شابهها غير متعمد في عناية بموسيقى الألفاظ منفردة ومجتمعة.

أذكر أنني كتبت في معرض الكلام عن الشعر أن الرمزيين يعنون كثيرا بموسيقى اللفظ، فإذا أرادوا مثلا أن يصفوا في بيتين وثبة أسد على حيوان ضعيف ليفترسه، جاء البيت الأول صخرا انحط من علِ ليهشم البيت الثاني ويفترسه.

ولعلّ من خير الأبيات في الدلالة على قوة الناحية الموسيقية عند الشاعر هذا البيت:

فلولاي… ما انفتحت وردة ولا فقع الثدي أو عربدا

فكلمتا “فقع″ و”عربد” تشبهان بجرسهما أمواج التيار الصاخابة وتُريانك -ولو كنت تجهل اللسان العربي- تكوّر الثدي وحركته…

الغريزة والحب والجمال

شاعرنا غريزي أو هو، على الأقل، يدّعي ذلك. ألم يقل لنا:

بأعراقي الحمر.. امرأة تسير معي في مطاوي الردا

تفحُّ.. وتنفخ.. في أعظمي فتجعل من رئتي موقدا

هو الجنس أحمل في جوهري هيولاه، من شاطئ المبتدا

بتركيب جسمي “جوع″ يحن لآخر.. جوع يمد اليدا

وإنك لتجده يصف الشهوة في غير قصيدة واحدة وصفا لا يخلو من القوة:

عبثاً جهودك بي الغريزة مطفأة إني شبعتك جيفة متقيئة

مهما كتمت.. ففي عيونك رغبة تدعو، وفي شفتيك تحترق امرأة

أنا لا تحركني العجائز.. فارجعي لك أربعون.. وأي ذكرى سيئة

ولكنه لم يستطع أن ينزل مع الشهوانيين إلى قرارة الجحيم الذي يسكنونه. فحسبنا وحسبه المدى الذي بلغه.

لقد أحاط نفسه في كل قصيدة بطلاسم يستنكر فيها الإثم، ولكنه في الواقع إنما يستنكر البشاعة لا الجريمة لأنه إنما ينظر… بعيون الفن لا بعيون الفضيلة. وهذا دليل آخر على شاعريته.

على أن شاعرنا وإن زعموه منحلا في الشهوة، فقد وفق في وصف الجمال، والحب البكر، توفيقا بعيدا حتى لتكاد تشعر وأنت تنشد بعض قصائده أنك في حلم جمال وطيب وغناء ملهم..

أما جمال حسنائه فقد صنع له صورة لا تختلف عن صورة الرسام إلا بأنها تتكلم.. وإلا بأنها شاعرة..

قميصك الأخضر… من يا ترى باعك هذا اللون، قولي.. اصدقي

أمن ضفاف “السين” خيطانه واللون. من “دانوبهِ الأزرق”

أم من صغير العشب لملمته.. في سلة بيضاء من زنبق

أو هذه الأغنية في شقرائه:

شقراء.. يا فرحة عشريننا ونكهة الزقّ.. وهزج الفراشْ

نمشي فيندى العشب من تحتنا وفوقنا للياسمين اعتراش

ونشرب الليل صدى “ميجنا” وصوت فلاح.. وعَوْدَ مَواش

يا لهذه الصورة.. ما أحلاها وما أنداها وما أحياها. ألا ترى من خلالها فتنة العيون الخضر.. وتشرب مناجاة العاشقين كما يشربان هما صوت “الميجنا”…

العفوية

نزار عفوي. يريد بذلك أنه لا يتكلّف صناعة الشعر تكلّفا، ولا يكتب ليلقن أستاذٌ في مدرسةٍ صغارَ التلاميذِ أشعارَه:

عزفت.. ولم أطلب النجم بيتا ولا كان حملي أن أخلدا

إذا قيل عني “أحسّ” كفاني ولا أطلب “الشاعر الجيدا”

شعرت “بشيء” فكونت “شيئا” بعفوية دون أن أقصدا…

اللغة

أما أسلوب نزار، من ناحية اللغة، فقد نستطيع أن نسميه “السهل الممتنع″. وربما استعمل تراكيب عامّية ولكنّ هذا قليل جدا. والألفاظ العامية التي اختارها فيها قوة وإغراء. ولولا هذه القوة في كلمات الشعب ما استعارها شاعر كشكسبير مثلا.

وبعد.. وبعد.. ماذا أذكر من قصائد هذا الديوان وماذا أدع؟ لو سئلت عن محاسنها لأجبت كما أجاب بودلير شيطانه:

“إنها تشبه نعنعة الماء، لا يفضّل بعضها على بعض. تنفث السحر كالفجر، وتغدق السلوى كالليل، نفسها يتصاعد موسيقى، وصوتها يضوّع طيبا”..

وبعد أعوام كثيرة على الديوان الأول، أعود فأقول من جديد، يا نزار ما كتب شعرك ليقرأ.. ولكنه كتب ليغنّى، ويشمّ، ويضمّ…

ولا أسأل الله إلا شيئا واحدا… أن تبقى كما كنت، طفلا يصوّر ويغني ويعشق، كأنه ملاك يمشي على الأرض ويعيش في السماء.

لا تطلب “الشاعر الخالد” الذي يعيش في المجامع العلمية والمكتبات الأثرية وقد يجرّ وراءه جماعة من أغبياء المتعلمين. أما أنت، فإنك تمرّ مرور المركب الملكي أو الملائكي.

مررتِ.. أم نوّار مر هنا لولاك وجه الأرض لم يعشبِ

تمهلي في السير.. هل رغبةٌ ظلت بصدر الدرب.. لم ترغب؟

شارعنا.. أنكر تاريخه والتف بالعقد.. وبالجورب

أذرعنا.. أذرع أشواقنا تهتف بالذهاب.. لا تذهب

دوسي فمن خطوك قد زرّر الرصيف. يا للموسم الطيب

دمشق – 1946

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.