البُخارُ الآدمِيُّ

البُخارُ الآدمِيُّ

الاثنين 2015/06/01
لوحة: تيسير بركات

كذا هي الدنيا. تختلِفُ الألبسةُ والأسلحةُ واللغاتُ، ويبقى الناسُ. وأيُّ قُدرةٍ رائعةٍ لهم على الاحتمال، وعمارة الأرض، إنْ ظلَّ شيءٌ ما مِنْ غَلّةِ الموسم لبهجةِ المواليدِ الجُددِ، للنُذورِ، لأعراس الصبايا والشباب، للشتاء المديدِ، لتُجّار المدن، والباعةِ الجوّالين… معنا مشاط، معنا هدايا: مرايا، حرير، أُبَر….

ولِكُلِّ حينٍ نُذُرُهُ، علاماتُ موته، شاراتُ فألِهِ، آلاتُ حربه، عُلماؤه ودجّالوه. لكل حينٍ منتصروه ومهزوموه. رجالٌ يضعون قوانينه، وآخرون يفرّون منها. له بَشَرُهُ الذين يولدون، وبشرُهُ الذين يموتون. أزمانٌ يومُها كأمسِها كغدها: عذابٌ مُؤَبّدٌ، قِسِيٌّ وكرابيج، وبيادرُ منتهبةٌ. فتلك حِصّةُ الحاكِمِ، ولتلك لِنُوابّهِ. هذه لِسِلمِهِ، وتلك لِحَربِهِ، وما يتبقى في البيتِ لغاراتِ جُندِه، وقد عَضّهم الجوعُ، وأعمتهم الشهوةُ، فأنستهُم مواثيقهم الغليظة.

ومِن ذلك كُلِّهِ تبقى البقيّةُ الباقيةُ، فيكون لنا منها الأجدادُ والجدّاتُ والآباءُ والأمهاتُ، واحكِ لنا يا سِتّي، فتحكي، يكونُ ما كان مِن قديم الزمان، إلى آخِرِ العصرِ والأوان. قهرٌ يشيخُ، وقهرٌ يولدُ، وبين قهرين نأتي إلى الدنيا. يأتي حسن، ومِتْعِب، وخالد، وانتصار. نمرحُ، ونتشاجَرُ، ونحلُمُ، نحلُم.. ونصنعُ مِنْ أيامنا ماضياً، لا أحلى مِنْ هيك!!

*************

استعرضُ في ذهني ما كتَبتُهُ بالأمس، بعد سهرةٍ عرمرميّةٍ قضيتُها في لَعِبِ الشدّة. سأقرأُهُ الليلة، عندما أعودُ إلى الشام على “حسن” و”خالد”. في الأسابيع الماضية صَنّفاني برجوازيّاً صغيراً، فماذا سيقولان اليوم؟ مسكينٌ حسن! سيموت من الجلدة الثالثة أو الرابعة، ومثلُهُ خالدُ، وسيبقى مِتعِب يَمُدُّ لسانه ساخراً، ومواصلاً حياتَه العربيدة. أحقّاً هو زيرُ نساء، أم هو كحماقاتنا مُجرّد فشخرات، ليس أكثر.

تحينُ التفاتةٌ منّي إلى السرير. يقولُ ليَ الترتيبُ: هيّا يا مَنْ تريدُ تغيير الدنيا رَتِّبْ فوضاك! أهِمُّ بفعل ما أمرني به الترتيبُ فتقفزُ في وجهي جملةُ: ما الفائدة! هذه الجملة التي لطالما حالت بيني وبين ما أنوي فعلَهُ، تقفزُ إلى رأسي لتحسم الأمر. إنها تطاردني دوماً، كما لو كانت روحاً آسرةً، معَذّبةً، وبعضاً ممّا دَرَجتُ عليه.

الجوُّ خارج البيت شديدُ البرودة. وبين أن أظلَّ أو أن أخرُجَ خيطُ مقامرةٍ لا أحبُّ أَنْ أخوضَ رهانها الآن. سأنتظرُ متعب هنا، في غرفتي، خلف جُدراني التي تحجز عنّي البرد اللعين. زمّورٌ من سيّارته البغيضة، إن جازَ لنا أصلاً تسميتها سيّارة، يُخرِجُني من سجني الأسبوعي هذا!

أقِفُ خَلْفَ النافذة. العالمُ الآمن ها هنا يمنحُ النافذةَ ثلاثةَ أرباع الجدار. أيُّ بردٍ لعين يأتيني من ذلك الأمانِ الكاذب. أزيح الستارة. هو ذا الصندوقُ، وفي الخارج دنياه ودنياي. وقبل أن تلتقطَ عينايَ أشياءَ الطبيعة، في البستان الممتدِّ من باب غرفتي حتّى الشارع الرئيسيِّ، ومِنْ بعدهِ السهول المترامية إلى الأفق المزنّرِ بالتلال، يكاثِفُ البخارُ أنفاسي الآدميّة، فأمسحُهُ، ثم أروحُ أنظرُ، وأنتظرُ حلمي بالخلاص، ولو ليومٍ واحد.

منذ ساعةٍ أو أكثر وأنا أتأهّبُ للعودة إلى مدينتي. أنا الآخرُ لي بيتٌ وأهلٌ وألعابٌ أتسلّى بها. التلاميذُ يُحبون يوم الخميس، وأنا أحبُّه أيضاً. من أجل هذا صرفتُهم باكراً وعدت إلى غرفتي لألملم ثيابي على عجل. بجانبي شنطتي، ملأى بالثياب وأواني الطبخ التي حشرتها على اتساخها، تماماً كما أوصتني والدتي:

- ها لا تنسى. جيب معك كل شي وسخ. ولا تنسى أي شي!

كانت تقول ذلك كما لو أنها تتشفى من عدوّ يتربص بين عواطفها وبيني، فلا يجدُ الوالد إلاّ أن يؤكّد ما قالته: طيّب، جيب معك كل شي وسخ، ولا تنسى شي. هه؟ ثم كانت تهمسُ وأنا على وشك الخروج: ولا ترد على حدا!

أنظرُ إلى الشنطة الجاهزة بجواري، يجتاحني إحساسٌ عارمٌ بالخجل. نوبة قشعريرة ضربت ثم هربت على عجل. حقّاً ما الشعور الذي ينتابُ الأم وهي تفردُ ثياب ابنها المتسخة قطعةً قطعة؟! أسألُ نفسي، وأبتهجُ في أعماقي لطيبتها. أسألُ، وأبتهجُ، وأتأمل الكون من حولي . أين أنا ؟ أأنا داخل الزمان أم خارجه ؟ فوق أرض البشر أم في عليائها ؟ وما هذه الأمداءُ المترامية من حولي؟ لمن اخترتُ هذا المكان؟ لبهجتي أم لتأملاتي؟ سأعترفُ أنني فتّشتُ الأماكن كلها، وآثرتُ الجُزُرَ الضبابية المراوغة . هنا،وتحت هذا الضباب الذي ما يفتأُ يتشكلُ صبح مساء، خالطاً دروبي، تنتشرُ حقولُ القرية : الكسّارات، والمخيض، والسرعات، والسبايح، والناشطات، وأبو الدهب، ووادي السعاف، وأبو سنان، والجرود، والسماين، والحفور.

أسماءٌ برّاقةٌ، وخُلبيّة، تقتاتُ من اللاشيء، لتعود إليه. خواءٌ تُسوّره الحجارة ونزاعات السنين. الموتُ والحياةُ في هذه البقعة؛ منفاي اللذيذ. أحاولُ أن أكسر قشرته الصلبة لأنفذَ إلى النواة. أريدُ أن أعرفَ ما الاستثنائيُّ في إقبالنا على الحياة، مع كونها بذلك البؤس، والاستحالة، فكنتُ أنفذُ إلى النواة، فتفرّ من بين أصابعي. سطوحُ الأشياء وحدها الحقيقة، وما عداها ليس أكثر من سراب، وأملٍ يلوحُ، فلا تمسكه الأيادي، لا تمسكه سوى الأفكارُ، وماذا تفعلُ الأفكار، سوى أنها قد تقود إلى جنونٍ مُبَكّرٍ. لا بُدَّ إذن أن أحتاط من السهر الطويل. لماذا لا أفعلُ ما تريده الوالدة، ولو في أمر واحدٍ، غير اصطحابي لثيابي القذرة؟

إنه السحر، يمارسه الضبابُ والثلوج. فمنذ أسابيع كُشِطَ وجهُ الأرض، وأخفيت تحته البذارُ. يتمًّ ذلك، مثل واجبٍ أزلي ثقيل الوطأة، فيستوي بعدها الزمن، وتمضي الأيامُ فلا يتذكّرُ أحدٌ لها اسماً. ما اليوم؟ إنه الإغفاءةُ بين زمنين، وتنامُ الأرضُ فصولاً بتمامها. الفلاحون في بيوتهم، وحقولهم في العراء، تحت رحمة السماء والأولياء، فينتشرُ الخدرُ مسكرا أوصال الجميع، بانتظار أن يحضُرَ مِتْعِب، ومعه شدّته، وأحضرَ أنا ومعي المذياع، رفيقي الإجباريُّ إلى القلوب العطشى لفرحٍ مفقود.

ها هنا، تصطادُني الحياةُ معلّماً ومستكشفاً لعوالم كنت أحسب قبل مجيئي إلى هنا أنها انقرضت منذ قرون، وصديقي “حسن” يريدُ منّي أن أجعلَ من القرية بؤرةً لثورتنا المنشودة. يقول لي، كما لو كان لا يعرفُ غيره:

-عليك بمتعب، إنه الحالةُ الأنضجْ!

*****

أنتبِهُ من حالة الشرود، وأُركِّزُ ثانيةً على الشارع العام. أين تراه يكون؟ ها قد مضى نصفُ ساعةٍ على الموعد الذي يجيء به في العادة، ولم يأتِ بعد! أقول بيني وبين نفسي:

“أنت حقيرٌ يا مِتْعِب”!

يحلو لي في ساعات المزاح، أو في نوبات الغضب أن أشطبه من الحياة.

- “مَنْ أنتَ يا متعب؟”.

هكذا سألتُه في مرّةٍ من المرار. نظرني مستهجناً وقال:

“أحتّى الآن لا تعرفني؟ لا تعرفُ مَنْ أنا؟”.

أقولُ له:

“أقعد. وسأقولُ لك مَن أنت!”.

يجلسُ وهو يقول كالمستهجن:

“غرفتك هذه مثل القبر. أما كان من الأفضل لو بقيت عند أم محمود! أعطها ريقاً حلواً وخُذ!”.

كان ذلك قبل أيام، ونحن عائدان من سهرةٍ لعبنا فيها الشدّة حتى ضجرنا فصرنا نلعب على المكشوف، قتلاً لوقتٍ لا يُقتل. وفتحتُ دفتر الذكريات، وعلى ضوء قنديل الكاز قرأت:

“مِتْعِبْ هَشٌّ ومُغْلَقٌ، طيِّعٌ ومستحيل، مخلوقٌ صاغهُ الدهاءُ من مادّته الناريّة، فجعلَ منه اختصار القرية بما هي تاريخُ دماءٍ ولعنات. إنه مخلوقٌ وفكرةٌ وشارعٌ ترابيٌّ حَفَرتْهُ على امتداد القرون أقدام الدواب والبشر، والكتائب الذاهبة إلى الحرب أو الهاربة منها..”.

أحِسُّ بمتعة شديدةٍ، وأنا أستذكر ما كتبته في الليالي الباردة. ليس سهلاً اختصار البشر. كلانا يريدُ صوغَ الآخَرِ على هواه. أنا بالكلمات وهو بالأفعال. سباقٌ لا أعرفُ لمن سيكون الفوزُ فيه.

أمسحُ أنفاسي المتكاثفة على زجاج النافذة. السماءُ مثقلة، متلوّية. تصفو هنيهاتٍ، لتعود فتتكدّر. هكذا إذاً، حتى الآن، وربّما لعامٍ آخر، أو عامين، سأمضي هلاماً من أيام وبشر. كلُّ ليلةً سهرةٌ جديدة. وهات أيها الفتّ، قرب المواقد، وعلى بساط الموائد والحظوظ المتقلّبة لورق الشدّة.

ما مِنْ همومٍ أخرى. فمِتعب؛ رفيقي الدائم، يقودُ الأبالسة أنفسَهم إلى الضلال. قبل أيام كشف عن شيطانيّته قائلاً:

“إن أردتَ امراةً، فما عليك إلاّ أن تقول لي”!

ولأنني ما زلت أعتبره من العابرين في حياتي فقد كدتُ أصيحُ به قائلاً:

“وَلَكْ مِتعِب، إبقَ بعيداً عن تلافيفِ دماغي!”.

وأنا المرتجف في أعماقي نظرتُهُ، لحظتها، ولم أملك إلاّ أن أسأله باحتقارٍ، كنتُ مضطرّاً لاصطنعِه أشَدَّ الاصطناع:

“أقوّادٌ أنت يا مِتْعِب؟”.

ومِتعب الذي لا تنالُ منه هذه الترّهاتُ وأمثالُها لم يكن، أثناء ذاك بشراً بقدر ما كان شيطاناً، أضافَ قائلاً:

“أليس ذاك أفضلَ من العادة السريّة؟”.

استدرتُ لأصفعه، فزاغَ مِنْ بين يديّ. صار في الزاوية من غرفتي. أيُّ قدرٍ ظالم ساقني إلى مكانٍ يشكّلُ مِتعِب صفوتَه؟ مِنْ حياة الطلبة وأحلامهم المسكينة، إلى عالمٍ ثعلبيٍّ، يأخذ ولا يُعطي! رغم ذلك، فطريقُ الليالي الضائعات في الشدّة، والثرثرة، وسط الطين الزلق، والكلاب المخيفة لا يمضي دونه. سِفْرُ المرأةِ الموحِلُ ذاك، فتحه مِتعِب بالأمس، ونحن عائدان من بيت “أبو صالح”، وقد ربحنا دَقَّ شَدّةٍ هائلا.

في العادة، يوصلني مِتْعِب إلى زاوية البستان الممتد من غرفتي حتّى الشارع العام. غرفةٌ استأجرتُها في بيت “أبو محمود”. الثالثة في أقَلَّ من شهرين. من زاوية غرفتي الجديدة هذه تتعرّفني الكلاب. بعد يومين أو ثلاثة على سكناي خنقت نباحها. لا تنبح أو تهوش إلاّ إن التقينا بعيداً عن البيت.

أدخلُ، أتمدّدُ على الفراش، وعلى الضوء الخافت لقنديل الكاز، وأغاني الترانزستر، أراجيحي الإجباريّة للنوم. أروحُ أفكّرُ بألغازٍ فتحها وجودي هنا على المجهول. إن لم يكن مِتعِب فَخّاُ، وفضيحةً تتربصُ بي فهو نعمةٌ من السماء!

كان الهواءُ المتسربُّ من شقوق النافذة، ومن الباب يجعلُ من غرفتي قبراً. “ما يراه الآخرون شرّاً فهو شرٌّ حتى لو كان لنا رأيٌ آخرٌ” هكذا قلت بيني وبين نفسي وأنا أثبُ من فراشي مذعوراً:

“ماذا فعلتَ بي يا متعب؟ لما تُصِرُّ على إيقاظ الشرِّ الذي تحاوِلُ ابتساماتي اللطيفة طَمْرَهُ؟”.

أحاولُ أن أنامَ فلا أستطيع. يا الله! كيف لم أفطن إلى الآن أن ثَمَّ صبيّةً في بيتي هذا، الجديد! أجل. صبيّة. وقد صادفتُها مراراً. أغنامٌ، ماعزٌ، عُجولٌ، أبقارٌ، بشرٌ، هكذا نحنُ، نرتَدُّ، في بعض اللحظات، إلى بهيميّتنا، ثم نتطهّرُ بأن نُسْبِغَ لَبوساً مثالياً على أفكارنا تلك! فأيُّ رغبةٍ بكماء تنطلقُ من عقالها لحظةَ يغيبُ الرقباءُ، فتنقلبُ الغرائزُ وحوشاً ضاريةً، تلتهمُ فرائسها، ثم تنسحبُ سريعاً إلى آجامها، حيثُ الحياءُ والنظراتُ الجادّةُ والمشهدُ الوقور.

أمسحُ من جديد أنفاسيَ المتراكمةَ على زجاج النافذة، وأُركِّزُ ناظِريَّ جهةَ القرية، عَلّني أرى سيّارةَ مِتْعِب. قبلَ ساعةٍ أو أكثرَ، عندما عدتُ من المدرسة لأستعِدَّ للسفر تنحنحتُ، ناديتُ، أحدثتُ صَخَباً، عَلّني أحظى برؤية “انتصار”. انتصار، ذاك هو اسمُها. إن حظيتُ بها فستكونُ انتصاري وسط الهلام الذي أعيشُه. لا أحد الآن في البيت سواها، وسواي طبعاً. “أبو محمود” وزوجتُهُ وأبناؤه، كلّهم في مكانٍ ما من هذه القرية، ينعمون بالبخار الآدمي.

*******

مِنْ نافذتي، تبدو ساحة القريةِ، والجامعُ، والحارةُ الشرقيّةُ، ومزارُ الشيخ عبدالهادي، والمطحنةُ، والتلالُ التي تنتهي عندها حدودُ القرية. كلُّ ما هنالك كان أبيضَ. بُقَعٌ صغيرةٌ جدّاً. فوهاتُ المداخن والاصطبلات، وأكوامُ الحطب، وحدها أفلحت في أن تُطِلَّ برأسها مِنْ تحتِ الثلوج. القريةُ عِشُّ نِمال، وتحت قشرته البيضاء يعيشُ الناس: يتوالدون، ويقتتلون، ويتشكَّلُ البخارُ الآدمِيُّ مِنَ الضحكات، والصراخ، والطعام الذي يغلي فوق المواقد، ومن أوامر الآباء، وتقطيبة الأبناء، وصبر الأمهات، ولوعة الصبايا.

بألَمٍ، أنظُرُ إلى ساعة يدي. الشنطةُ بجواري تتأهبُ هي الأخرى للرحيل. وفجأةً، وكما لو أنها الأنثى المرتقبة تَثِبُ دمشقُ إلى الذاكرة، بكامل ألَقِها: أسواقِها، شوارعها، أناسِها، فتياتها. ساعةٌ واحدةٌ من الزمن وسأقطعُ مئات السنين!

أَمْسَحُ الزجاجَ وأهمسُ برعب:

” أيفعلُها متعب؟ أيفعلُها فيتركني هنا أسبوعاً آخر؟”.

كان يمكن أن أحتمل ذلك في أي وقتٍ سوى هذا الوقت. كُلُّ الأسابيعِ إلاّ هذا الأسبوع! فأنا قلقٌ على حسن. حسن النحيل، بنظّارته التي تجعله قريب الشبه من تروتسكي. كم أحبُّهُ وكم أتمنى لو تغزوني أوهامُهُ. لقد أغضبتُهُ في الأسبوع الماضي، وعَليَّ أن أصالحه اليوم.

تُعْتِمُ السماء. غلالةٌ سوداء ترتمي فوق ظهر الأرض. يصبحُ زجاجُ نافذتي كالمرآة. أنظُرُ، ألمحُ في الزجاج شخصاً يُشبهني. هُلامٌ مُقَطِّبٌ: هكذا شاء متعب بتأخره السخيف.

ترتفعُ الغلالةُ فيعودُ للسماء ضياؤها. شارعُ القرية: قطيعُ ماعزٍ يجاهدُ صعوداً حتى ساحة البلدة. في العادة، تقفُ سيارة متعب بانتظار الركاب. عندما يجيء سأشتمه. أشتُمُه؟ وماذا ستفيد الشتيمة عندما تُوَجَّهُ إلى المكر بعينه. سيتلقى الشتيمة بضحكته المعهودة ويقول:

” اطلع إلى السيّارة، وسأريك عندما تعود من الشام!

سَيُريني؟ أسأل وأبتسم! وماذا يستطيع رجلٌ مثل متعب أن يريني؟ الشَدَّةُ. ذلك الكائن الورق الخرافي وقد أتقنتُهُ، واكتشفتُ دوره التاريخي في قتل الأوقات الفضفاضة.

“متعب.. أيها الوغد.. لماذا تأخرت؟”.

أصرخها من الأعماق. أصرخها الآن. وصَرَخْتُها ليلة الخميس في سهرة الأصحاب في الشام.. أيُّ نقاشٍ لذيذ، والخمرة تلعبُ بالرؤوس، وعبق السجائر يقتل الأنفاس والضحكات ويشحنُ الأفكار. كُتُبٌ تُفتَحُ، وأخرى تُطوى. وكانت السهرة في بيت خالد، وعلى شُربٍ شديدٍ حَقَدَ خالدٌ عَلَيَّ لأنني قلت عن متعب بأنه وغدٌ من الأوغاد. ولم يكن متعب شيّقاً ووغداً وعصيّاً على أيِّ توصيفٍ طبقي كما كان ليلتها. ليلة العشاء الأخير.

كان متعب موضوع حوارنا، وعلى سُكرٍ شديدٍ مني سألتُ خالداً:

_ وماذا تعتبره إذن؟

وخالدٌ، مصنعُ الإجابات الجاهزة، كما يحلو لحسن أن يصفهُ متندّراً، قال بعد أن اقتبس فكرة من هنا وفكرة من هناك:

_ إنه بكل تأكيد ينتمي إلى البرجوازية الصغيرة.. إن كان كما قلت: لا يملك أرضاً، أو إن كان يملك السيارة التي يشتغلُ عليها.

ارتشفتُ بقايا كأس عرقٍ كانت أمامي وهممتُ أن أقول شيئاً عن متعب، غير أنّ وقوفاً منزعجاً مِنْ حسن أوقَفَ الحديثَ. وعند هذا الحد، وبعد كاساتٍ أربعٍ نهض حسن مكشراً. ملامح وجهه، ونظاراته التي تدلّت على أنفه حتى كادت تقع، دَلاّ على أننا ارتكبنا خربطةً فكريّةً لا تُغتفرُ بحقِّ متعب. وبكلّ الذي يحمله نبيٌّ منبوذٌ اتجَهَ بحزمٍ صوبَ حذائه. خالدٌ لم يتحرّك اعتقاداً منه بأن الفرصةَ ذهبيةٌ لينفرد بي. نهضتُ، أجلستُ حسن رغماً عنه. لم يجلس بل ارتمى.. أصلحَ قعدته وقال:

_ لا أفهم لماذا تريدون أن تحيلوا كل شيء في هذا البلد إلى طبقة عاملة؟ أروني أين هي الطبقة العاملة التي حكى عنها كارل ماركس؟ حتى عمال شركة الخماسية! حتى هؤلاء أنصاف فلاحين، وأنصاف عمال.

خالدٌ هو الذي وقف هذه المرة. وقف كي يقول:

_ لو سمحتم.. هذا الكلام غير دقيق!

غير أن حسن تابع كلامه:

_ دقيق، أو غير دقيق.. في بلادنا طبقة ثورية واحدة: طبقة الفلاحين، وإذا واصل أحمد شُغْلَهُ على مِتْعِب.

*******

مِنْ وراء نافذتي الصقيعية أتذكّرهما. مِنَ القرية التي نمذجتها أفكارُ رَفيقَيْ الدراسة: حسن وخالد. أتأملُ عِشَّ النمل المترنح تحت الثلج والصقيع والرغبات المكبوتة. أتذكرهما، وأتذكّر المختار، وفرحان الأمين وأبو أسعد وأبو قاسم وأبو محمود. كحقولهم، هم الآخرون أسماءٌ تُسَوِّرُها الحجارة. أنا، أيضاً تُسَوّرُني الحجارة. أنتظرُ أن يأتي متعب بسيارته. أنظرُ إلى ساعة يدي وأضحك. أضحكُ الآن كما ضحكتُ ليلة الخميس الماضي ونحن خارجان من بيت خالد، أنا وحسن. متاهاتٌ وأزِقّةٌ فارغةٌ. صمتٌ. أبنيةٌ مجهدَةٌ. مارّةٌ عجولون. أنوارٌ خرساء. فراغٌ من قططٍ وجامعي قمامةٍ وسيارات مذعورة وأخرى متبجّحة!

ننتشي فنكون أجرأ. تتقلص المسافات بين الانفعالات. ينتفي الخوفُ تقتُلُهُ روحٌ تضخّمت فاتخذت لنفسها لبوس الأنبياء والفلاسفة والثوريين. حسنٌ مقطّبٌ. يجاهدُ كي يحفظ توازنه. أقولُ بعد أن قطعنا مسافةً ونحن صامتان:

_ ما رأيك أن تذهب معي غداً إلى القرية؟

في الضوء البرتقالي الشاحب لأنوار الشارع يتأملني باستدارة من وجهه. أتابعُ قائلاً:

_ هناك.. ستعيشُ عن كثب مع طبقتك الثورية!

يبتعد عنّي بضع خطوات، كما لو أن أفعىً لذعته!

_ وإذا شئتَ – تابعتُ قائلاً – فسأحضر لك متعب هذه الساعة. تراه الآن يتعقّب مومسات ملهى الكروان أو الطاحونة الحمراء.

عند هذا الحد الذي فيه إشاراتي القاسية تتجاوزُهُ لتطال متعب؛ نموذجُهُ الثوريُّ توقّف عن المشي. نظرني مليّاً، كما ينظُرُ مؤمنٌ لكافرٍ، قبل أن ينطقَ ما بدا أنه لعنةٌ أبدية حلّت بي:

_ أعتقد أن علاقتنا قد انتهت. لقد احتملت برجوازيتك الصغيرة بما فيه الكفاية!

لا أصدّقُ أذُنَيَّ. أضحكُ. أتأمل حسن؛ الحالم، المفجوع، المبتعد. أضحكُ وأضحكُ. سأقولُ ذلك لمتعب. سأقول له:

_ لقد أفسدتَ صداقتي مع حسن. لقد أفسدتها أيها الوغد!

وفي تلك الليلة الموجعة تملّيتُ حسن المبتعد بعد أن تركني أسيرَ لعنته، التي بدت كما لو أنها لعنة أبدية. واصلتُ السيرَ وحيداً. أواصلُ السير. فكلام الليل سيمحوه النهار. أكلةُ فول مُغرّقة بالزيت ستُنهي الزعَلَ بيننا. سيعود حسن، بعد أن يغفر لي ضيق أفقي الأيديولوجي، ورواسبي البرجوازية الصغيرة ليسألني عن متعب، وعن القرية، وما إذا كان عَددُ الأشجار فيها كافياً للاختفاء عن أنظار السلطة إن لزم الأمر.

أنظُرُ ثانيةً إلى الساعة في يدي. إنها الثانيةُ عشرة ظهراً. ها قد مضى نصفُ النهار الشتوي، ولم يتبق على حلول متعب سوى ساعات قليلة. أتكفي كلمة “وغد” في وصف متعب، أم أترك لعناتي تنبش عظامه، وعظام قريته، كُلِّها! أنظرُ ثانيةً إلى الساعة. أنظر، وأسألُ الشارعَ، والساحة الجرداء. أبتسمُ. أصفُنُ. أقطِّبُ. زجاج النافذة يحجبُ عني صقيعَ الدنيا. أمسحُه يصفو. أنفُخُ يتكدّرُ. أمسحُ. أنظرُ من النافذة وحتى الشارع العام. أشجارٌ.. أشجارٌ تتراقصُ وتنفضُ الثلوجَ عن أبدانها، وتتعرى، وتتعرى، وكُنَّ هناك، ورُحْنَ يتقافزن كسربٍ من الظباء، يَدُرنَ من شجرةٍ إلى شجرة. أتسَمّرُ وراء نافذة غرفتي خوفاً وبهجةً. أجِنّياتٌ هُنَّ أم بنات؟

وفجأةً، تقتحم ُ “انتصار” ابنة الجيران غرفتي. أرتعدُ. أأملك الجرأة على الاقتراب منها. أي فضيحةٍ ستتسبب لي بها هذه الجنيّة. أسألُها بخوف:

_ ماذا جئت تفعلين؟

تقولُ وهي تغلق الباب خلفها.

_ جئتُ مع رفيقاتي نلعب، وسأختبئ في غرفتك!

الغرفة القاتمة، الباردة، غرفتي، تصبح جهنم. أتصببُ عرقاً، وخوفاً، وفضيحةً.

_ أخرجي.. أقول لك!

تضغطُ بثقلها على الباب فيما الفتيات في الخارج يحاولن فتحه. أمضي نحوها، ناوياً طردها. أقتربُ منها. أخيراً. أخيراً اقتربتُ منها. أخيراً وجد الجسدُ نصفه الآخر. نصفه الذي لم ينتبه أن جداراً واحداً فقط يفصله عنه. الروحُ شاردةٌ في الليالي الضائعات، تثرثرُ، وتلعبُ الشدّة، ولم تنتبه إلى ما قد يكون انتصارها الحقيقي، إلى أن قالها متعب، شيطان الروح والجسد.

نغلقُ باب الغرفة بجسدينا الملتحمين، والفتيات اللاهيات في الخارج يصحنَ، يخمشنَ بأظافرهن جسدينا الغريبين. وهكذا ظللنا حتى ارتوت الرغبة، وبعد الاتحاد تأتي الغربة. تعودُ “انتصار” غريبة. فتاة ريفيةً، وأعودُ معلم القرية. يطلق كل منا جسد الآخر بهلعٍ وقسوة، وتخرجُ مذعورةً. أعود إلى النافذة، فأراهن، هناك، يتعاركن، ويتقافزن من شجرة إلى شجرة. لكأنما هن لسن فتيات. ربما كن أغصاناً تراقصها الريح، أجسادٌ تقتربُ، ظلالٌ تبتعدُ، فتيات، أم جنيات؟ جنيات أم فتيات؟

وكنتُ ما أزالُ أنظرُ إلى السقف عندما تتالت الطرقات على باب غرفتي. ودخل متعب، وهو يقول متلعثماً:

_ لا تؤاخذني يا استاذ.. لقد تأخرتُ عليك.

ألقيتُ نظرةً على طوله الفارع النحيل، ثم قلت وأنا أثبّت عينيَّ في سقف الغرفة:

_ لقد تأخرتَ كثيراً يا متعب، لن أذهب اليوم إلى الشام. سأقضي عطلة الأسبوع هنا، في القرية.

قال : طّيّب ! بِدَّك شي من الشام؟

قلت مستعجلاً خروجه من غرفتي:

_ أريدك أن تنقلع من وجهي!

نظرني غير مصدّق عينيه، وقال قبل أن يغلق الباب عَلَيَّ:

_ أمرك غريب!

وضحكتُ.. ضحكتُ.. وقمتُ إلى باب الغرفة الذي أغلقه متعب وفَتَحْتُهُ!

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.