شـفـاعـات

شـفـاعـات

الاثنين 2015/06/01
لوحة: إسماعيل فتاح الترك

لم يُـسـفِـر أي ترحال عن حِـلٍ، مسير.. مسير بلا هدأة، كلهم رحلوا ووحدي ظعنت في سَـفَـرٍ مقيم.. أسابق عقارب ساعة أخاف تلدغني فأهرب منها حتى لا أَخـلُـف موعدًا.

“بشم فيكي ريحة النجيلة الخضرا” لم يكن أبـدًا بالقرب الذي يكفل له اشتمامي.. فكيف اشتمَّ رائحة الروح؟!!.. على نزقه البادي الذي لا ينسجم مع خجول محافظة كان ذا سطوة.. خفية لا صارخة تنسحب على خفر وتجتاحني بتسلل!!.. الرياضي الأشهر في ملاعب الجُمَع والآحاد يقتنص الكرة من غريمه، يمررها لزميل له في الفريق.. “صانع ألعاب” هكذا يحلو له أن يعرّف نفسه مداريا شعورًا برائحة خزي بعيدة لعجزه عن تسديد هدف في شبك الملاعب التي ارتادها.

اللعبة بيننا استمرت حوالي ثلاثة أشواط.. كنت شبكته العنيدة الحرون أحرس مرماي بحذر الأم على رضيع لم يذق غير حليبها بعد.. وهو لم يُـرِد غير رشفة مختلسة عن أعين الآخرين.. لم يكن هذا ما أريده أنا التي اعتادت الاغتراف ولا ينجح لها “ريجيم”.. الغريب أنني لم أكترث لعيون المتلصصين أو المتابعين لهدف محتمل من صانع ألعاب أنهكته محاولات التسلل.

أتسلل لروحي ذات مساء نتنادم على صحة المرتحلين في براح القلب، تراه أين يسكن فيه الآن أم أين يختبئ به؟ هو الآخر اعتاد الاختباء.. زئبقي الحضور ما أن تراه حتى تسأل محيطينك: “هـو راح فين؟!” صاحب نظرية العرض والطلب التي كان يحلو له تطبيقها حتى يظل مشتهًـى.. ووحدي منحني امتياز أن أجده. من محبسه الاختياري كانت رسائله تطرق بابي وتطرقني.. الإسكندرية أو شــارم.. ربما “دهب” ذات شتاء.. كان على سفر دائم.. أم على هروب؟ ووحدي يمنحني عنوانه الذي يعرف أنني لن أستطع إليه وصلا، تطور الأمر لدول تسمع عنها في الأساطير وأصقاع أبعد مما تتخيل. هل قلت إنه السبب في أن أتمنى حيازة طاقية الإخفاء لأتتبعه.. لأتقصًّـى خطواته، ليس انعدام ثقة فيه أو شك يراودني بكذبه.. فقط رغبة دفينة في التمـثُّـل بصاحب التطمينات عديمة الموثوقية.. الساكن في “الهُـنا واللا هُـنـا”. في إحدى ومضات تجليه تجاسر ذات مرة وأقام أمامي لحين انتهاء جملته: “أنــا بــحــس بالأمــان لــمـا بــشـوفـك”، مانعت نفسي عن مطاوعتها بالرد: “وأنـا أسـتـشـعـر الــفــقـد بــوجـودك”، أقاوم في المقابل قلقا خشية فقد وشيك.. طوابعه التي كانت على خطاباته استحالت لصور (جي بي جي) تصلني اليوم على بريدي الإلكتروني.. أفتقده اليوم افتقاد أناملي لملمس التراب النديّ في جوف صندوق بريدي الخشبي في بهو البيت القديم في زمن أقل اصطخابا وأصدق قيلا.

الأقوال.. مجددًا.. لم يكن لديه إلاّها.. شاعر جنوبي تلقفته عيوني أول عهده بالقاهرة القــاهــرة، لذا ظل على يقينه بإحـرازه نجاحا في مدينة المتن بعد سنوات تكوين في الهامش.. هكذا كان يردد لي ويؤكد أن بشاشتي في وجهه كانت بُـشراه. تحققت نبوءته، وطالعناه في برنامج تليفزيوني شعري عربي تربو جائزته على المليون.. ظل ينشد قصيدته التي أسمعنيها على شاطئ النيل ذات مرة.. يومها عيَّـرته باكتشافي لانتحاله الأشعار المهجورة، كانت موهبته في قدرته على الهضم وإعادة الاجترار كطبعة جديدة مزيدة ومنقحة، لم تكن سقطته ألا يكتب فيّ شعراً.. كانت خطيئته أن يكذب في شعرًا.. لفترة طويلة كنت أؤمن أن “يكلفنا الحب مـا لا نحب” من عندياته حتى اكتشاف زيفه بالمصادفة. ما باعد بيني وبين الحقيقة ليس عدم ميلي للشعر قدر صدق إحساس صديقي المنتحل لأشعار درويش، وكأن تلك الشطرة كانت بنت وجدانه حين قالها.. على شاطئ النهر أتأمل موجاته وهو يقرضني شعره، أستفيق لأجد طرف حجابي بين يديه يتشممه ويُـنـشدني، لا أكترث وأنظر له معاتبة متشككة، يومها حلف لي أنها هذه المرة من بنات ونساء أفكاره وأنها قريحته التي جادت بتلك القصيدة.. أصدقه هذه المرة وهو على شاشة التلفاز.

أطرق إلى الكـأس الذي كنت ابتلع ماءه مع إحباطات أهداها إليَّ نديمي، كأس جديد يجاور كؤوس منتصبة على طاولة المطعم.. لا كؤوس روت ولا منادمة أسكرت.. أفيق من شرودي وأختار ما أُحب من قائمة الطعام وأحرص على طلبه حين أجده “فيتشوتشيني تشيكن”.. ينبهر خلِّـي هذه المرة بطلاقة نطقي لتلك اللفظة الأعجمية، كان شاعرًا هو الآخـر – بل كان أشعر ولكنه من صعيد أعمق- يحاكيني في طبقي ولكنه لم يقو على محاكاتي في أُكله، اكتفى بمشاهدتي آكُـلُـه بنهم وبطلاقة تماثل نطقي له: “قوليها كده تـاني!!”.. يتندر من البندرية التي تلف شرائط الباستا في صوصها الأبيض وتلقفها في فمها بنهم وثقة بالغين.. أتوقف عن الأكل احتراما لإلقائه قصيدة النثر أمامي، أستحـرَم الإطعام في حضرة الشعر.. كانت قصيدته عن بطل يصبو لما يجهل وسعيه حثيثـا لهدفه الغائم بشغف أكبر من مقدرته، أجد قصيدته مترددة أكثر منها طموح، حاول إكمال طبقه لكنه لم ينجح سوى في اقتناص حمل شوكتين فقط.. اكتفى بالتلمُّـظ على الطبق المستعصي على الأُكُـل شاخصا إليه متسائلا: “ودي بتتاكل منين؟!!”

- “هي إيه؟؟!!”

- “الباستا!!”.

أهرب من قصائده.. أهرول كظاعنة متأخرة عن ركبها تخشى القيل والاتهام.. أمد خطاي وأجري، بل أقفز على شرطات الدقائق في الساعة وأحترز من عقاربها التي تقصل رقاب مخلفي المواعيد والوعـود.. لا زلت ممن يستمسكن بساعات دائرية حول معاصمهن.. أسترق إليها النظر وأنا أمرق الميدان.. بجوار جراجه الحضاري الذي يعلم الله ما يمور بعمقه بعيدا عن سطحه بألوانه الفاتحة التي تلقي بظلال الوداعة على روحي، هل كان اللون أم احتياجي للسُـكْـنى؟ في طريقي للمقهى الشهير حيث ينبغي أن أصل في تمام الرابعة كما يليق بامرأة جــادة.. تغيم الدنيا وتستحيل لمساء متخمة سماؤه بالألعاب النارية، أتذكر أنها المرة الأولى التي أنزل فيها الميدان في مليونية مسائية بعد مليونيات عدة في شموس الشتاءات اللطيفة.. كان هو من عرّفني على الميدان أنـا رهينة الغرف المغلقة والأبواب المُـسـكَّـرة.. كنت أحتمي بشرنقتي من هول العبث.. يعبث الهواء بوجهي.. يجتاحه كتموجات الريح على صفحة حقل قمح، تتغير ملامحي وأُشرق أكثر بشمس هذا النهار، يمعن فيّ النظر.. عيناي تسألاه عن سبب شروده، يجيب: “نمش وجهك أم زنابق وحان وقت قطافها؟؟!!”.. ألمح الجالس المنتظر وأرى نقاطا وسككا تتقاطع في فنجانه الذي أحاول قراءته لأعوض عنه تأخير نصف الساعة، وسمت مرح ونزق أستعيرهما لأعوض بهما جهامة امرأة جادة.. “قدامك سكة سفر”. أقول له وأكمل قراءة الفنجان، وأراني في جوفه المغبش أصـعَـد جبل البن. أقع في وهاده فيمد لي صاحبي يداه لأقوم مجددًا.. أواصل السفر والصعود وأتشبث بأي نتوء.. أغافل نتوءات الروح وأتجاهل لماذا وعلامَ؟ ولــمَ لم أُكمل طريقًـا إلى آخرها؟ يقول صاحب الفنجان الجالس في المقهى: “وجدتك جميلة، مكتملة الأنوثة، وتمتلكين عقل رجل شريف”. هي أغلى وأطرب ما سمعت من المرتحلين أنا الظاعنة بالوقت.. هي شفاعتك لديّ حتى لو لم نكمل سكة السفر.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.