لاهوت العنف استنقاع تاريخي

لاهوت العنف استنقاع تاريخي

الجمعة 2015/05/01

أسارع إلى القول بأن الإلحاد ليس موقفاً فلسفياً من العالم، بل هو ثمرة طبيعية من ثمار عملية التفلسف وصفة غالباً ما يطلقها المؤمنون على الفيلسوف. وآية ذلك إن العقل، عقل الفيلسوف، هو المرجع الأول والأخير له دون أيّ مرجع ديني إيماني.

وليس من شيمة الفيلسوف الإجابة عن أسئلة اللاهوتي أو المتدين، فهي في كل الأحوال ليست أسئلته. دون أن يعني ذلك أن الدين واللاهوت ليسا موضوعين لتفكيره، ففهم هذا الوعي من حيث أصله وفصله أحد مسائل النظر الفلسفي.

وليس هناك حجة أسهل من حجة دحض الترسيمات الدينية، وهي لا تحتاج إلى عدة فلسفية، لكن الصعوبة تكمن في النظر إلى الأسئلة الآتية: لماذا كان هناك وعي ديني؟ ولماذا يتعين الديني في صورة أيديولوجية سياسية؟ لماذا يتعين بصور مختلفة ومنها الصورة العنفية؟

فالحجج العلمية البسيطة قادرة على دحض كل المعجزات الدينية، ولكن ما الذي يجعل جماعة من الناس في قرننا هذا مستمرين بالإيمان بالمعجزة؟

وقائلٍ يقول وماذا عن آلهة الفلاسفة، ماذا عن المحرك الذي لا يتحرك عند أرسطو وماذا عن إله إسبينوزا الممتد وإله ديكارت الضامن وإله الواجب عند كانط؟ والجواب إن هذه الآلهة آلهة عقلية ولا علاقة لها بآلهة الأديان ولا بآلهة الإيمان. ونقد الدين هو فهم الوعي الديني في تعيناته السياسية والأخلاقية والاجتماعية.

ولهذا فأن نجعل من الإسلام الراهن موضوعاً للنظر الفلسفي فهذا يعني الكشف عن تحول الإسلام في بعض المناطق وعند بعض الجماعات إلى لاهوت سياسي مسلح. أي أننا هنا لا نتناول الإسلام بحد ذاته بل نتناول أنماطا فاعلة من اللاهوت الإسلامي الذي يطلق عليه الغرب كلمةً صحافية هي الإرهاب.

وغياب التمييز بين الإسلام بوصفه ديناً واللاهوت الإسلامي السياسي السلمي أو العنفي يحرمنا من التمييز بين الدين الشعبي العادي وبين الخطاب اللاهوتي السياسي الذي يمتلك وظيفة أيديولوجية.

اللاهوت الإسلامي العنفي ثمرة الإستنقاع التاريخي الذي ولده الثالوث المدمر للحياة: الإستبداد الشرقي، الفقر اللامعقول، الفساد الخالي من أي حياء

يعود أونفري إلى النص القرآني والنبوي ليكشف عما ينطوي عليه من قول روحي وقول أرضي ويرى أن العنف حاضر في النص وفي التجربة المحمدية، ولكنه بالمقابل يدين العنف الغربي القاتل بحجة مقاومة الإرهاب.

إن الإسلام دين، ليس دين سلام أو دين عنف أو دين بين بين. وكما أشار أونفري ففيه نصوص حاوية على هذا وذاك كما هو حال اليهودية والمسيحية، وليس ينفع أبداً أن نفسر هذا الجانب أو ذاك من العنف انطلاقاً من النص.

فمنذ اللحظة التي ينشأ فيها اللاهوت الإسلامي أيا كانت ماهيته لا يعود للنص أهمية، بل صار اللاهوت هو الموجه للسلوك. فاللاهوت هو الإسلام التاريخي، حتى طقوس العبادات تخضع للوعي اللاهوتي.

فالإسلام اللاهوتي الآن هو إسلام الفعل السياسي في مرحلة تدهور الحضارة الشرقية عموماً الذي حصل بفعل الأنظمة الدكتاتورية الهمجية الفاسدة والتي يعتقد المسلم أن الغرب، وأميركا غرب، حرص على بقائها.

أو قل بكلمة أخرى: إن اللاهوت الإسلامي الثوري – العنفي هو ثمرة الاستنقاع التاريخي الذي ولّده الثالوث المدمّر للحياة: الاستبداد الشرقي، الفقر اللامعقول، الفساد الخالي من أيّ حياء. وحتى لا أذهب إلى التاريخ البعيد، فإن المجتمعات الإسلامية والعربية لم تشهد نماذج كالقاعدة وداعش وما شابه ذلك منذ خمسة قرون. مع أن النص هو هو والتجربة المحمدية هي هي. بل لم نشهد إسلاماً سياسيا عنفياً حتى في مرحلة الكفاح ضد الاستعمار الغربي، أو ضد الحركة الصهيونية. فكيف نفسر أن الثورة الفلسطينية التي انطلقت عام 1965 وضد حركة عنصرية تتخذ من اليهودية ملاطاً أيديولوجياً، لم تكن هذه الثورة، إسلامية، بل ثورة علمانية تحررية قومية يسارية الخ. والنص القرآني كان موجوداً؟

ببساطة كانت الأرض مليئة بالأمل وحب الحياة، وعندما حوّل الطغاة عبر أربعة عقود مجتمعاتنا إلى مستنقعات مليئة بالخائفين والوسخ التاريخي المشابه لهم وفقدان الآمال وهزيمة حب الحياة ظهر القادر على الذبح والقتل باسم الإله. وباسم لاهوت يبعث ما يبرر تجربة العنف.

إن أونفري حين يقول في حواره “ليس هناك في القرآن، كما يبدو لي، سورة واحدة تفصل بين الصفتين الروحية من جهة والزمانية من جهة أخرى.. كما هو ثيوقراطي بطبعه” فإنه عملياً يغلق الباب أمام أيّ محاولة إصلاح ديني تنتج لاهوتاً مدنياً في الحكم. فهذا القول فضلا عن أنه يشي بأن صاحبه قليل الدراية بالنص فإنه قليل الاطلاع على تجربة الإصلاح الديني الإسلامي في عصر النهضة نهاية القرن التاسع عشر عند الكواكبي والأفغاني وعبده وعلي عبدالرازق وامتداداته لدى خالد محمد خالد ومحمد شحرور ومحمد حبش.

حسبنا أن نذكر الأمر المتعلق بمسألة الحكم التي هي جوهر المسألة الآن، والتي تشكل أساس القول اللاهوتي للإسلام الجهادي العنفي.

فلقد تحول مفهوم الشورى الإسلامي عند الأفغاني إلى مفهوم مطابق للدستورية وحوّل النص إلى شاهد على نزعته الحداثوية، أليس هو القائل “على الأمة أن تنصّب حاكمها على أساس الدستور، فإن هو خالف الدستور فإما أن يبقى رأسه بلا تاج أو تاجه بلا رأس″، ولكن الدستور هو دستور مدني أرضي كما يريد الأفغاني.

و قد وصل الأمر بمحمد عبده أن يجعل من قلب السلطة الدينية أصلا من أصول الإسلام، وقلب السلطة الدينية عنده الإتيان عليه بالكامل، فليس في الإسلام كما يقول سلطة دينية، بل السلطة مدنية، والحاكم مدني من جميع الوجوه تختاره الأمة عن طريق الاقتراع، وعندما كُلف محمد عبده وهو مفتي الديار المصرية بكتابة دستور للبلاد صاغ دستوراً مدنياً بالكامل.

العرب والمسلمون عموما يعيشون تناقضا عميقا مع روح العصر ومعاييره الأخلاقية، لا بسبب الإسلام بل بسبب حركة التاريخ التي جعلت الرأسمالية المتعولمة تخترق عالمهم

أما علي عبدالرازق فقد صاغ الصورة الراديكالية للإصلاح الديني الإسلامي المتعلق بمسألة الحكم في كتابه الشهير “الإسلام وأصول الحكم” حيث نفى نفياً قاطعاً أن تكون في الإسلام نظرية في الحكم، وليس هذا فحسب، بل إن الخلافة نفسها شأن أرضي تاريخي، فلا القرآن ولا السنة يحويان نصوصاً في الحكم.

كيف نفسر هذا الأمر؟ والنص هو النص كما أشرنا سابقاً. بل إننا في الخمسينات من القرن العشرين دفعت الحركة القومية الاشتراكية والحركة اليسارية السوري مصطفى السباعي مرشد الإخوان المسلمين لكتابة كتاب اشتراكية الإسلام، وكان الإخوان المسلمون مشتركين في التجربة الديمقراطية السورية الوليدة في الخمسينات.

ليس من الفلسفة في شيء أن نعود إلى التاريخ القديم ولبعض الحوادث التي أوردها رواة لنفسر الحاضر كما يفعل أونفري، وليس يخلو تاريخ جماعة من العنف بكل أشكاله، بل إن الحاضر يستدعي الماضي، وبعض الجماعات لا تجد شرعيتها إلا بالانتساب إلى التجربة الماضية لأنها لا تملك إلاها.

أما مشكلة قراءة النص الديني بعامة والقرآني بشكل خاص قد تمت على أنحاء مختلفة من الشرح والتفسير والتأويل من قبل النخبة المؤمنة وهذا هو الذي أنتج اللاهوت اليهودي والمسيحي والإسلامي. فجميع الحركات الباطنية الإسلامية هي لاهوت إسلامي، والمعتزلة لاهوت إسلامي والأشاعرة، وقصة الحاكمية لله من المودودي إلى قطب إلى البوطي إلى البغدادي هي لاهوت إسلامي، وتأويل المتصوفة لاهوت إسلامي، فالنص القرآني خضع لتاريخ من القراءات المتعددة وفق حاجات النخبة المؤمنة. وليس من الأهمية بمكان أن نعود الآن إلى “الظروف التاريخية لإنتاج النص” لنقرأ النص كما يشير المحاوَر، وهي في كل الأحوال شروط قالها الرواة والمفسرون في القرن الثاني الهجري. نحن أمام نص فقد علاقته بما يسميه المسلمون بأسباب النزول. وصار حمّال معان بحد ذاته وليس بسبب أسباب نزوله.

ولسنا نوافق قول اوفري “إن النصوص التوحيدية الثلاثة هي أيضاً نصوص فلسفية وروحية وسياسية”، هي نصوص قصصية أخلاقية لكنها ليست نصوصا فلسفية. صحيح أن كاتبها ضمّنها بعض الوصايا والحكم لكنها ليست ذات أسئلة فلسفية أو إشكاليات فلسفية أو منطق عرض فلسفي. ولهذا إن أكثر ما أنتجه الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد لاهوت توما الأكويني، وأكثر ما أنتجه النص القرآني هو علم الكلام، هذا بالإضافة أنه لا لاهوت توما الأكويني ولا علم الكلام كانا ممكنين دون الفلسفة اليونانية القديمة.

والسؤال هل يمكن أن نعيش بلا نص إلهي، أي بلا إله، ونكوّن أخلاقا بلا آمر أخلاقي إلهي، هل يمكن أن نعيش بلا أساطير وأوهام؟

الجواب نظرياً طبعاً نستطيع، والأخلاق السائدة في أغلب دول المعمورة أخلاق عملية ورأسمالية الأصل. غير أن التحرر من الإرث الثقافي المتوارث والذي يعاد إنتاجه في بنى راكدة أمر صعب إزالته برغبة إلحادية. وبخاصة إذا كانت البنية الثقافية ليست في عملية تناغم تاريخي مع البنية الاقتصادية. فسرعة انتشار العلاقات الرأسمالية بوصفها ظاهرة عالمية في البلدان الراكدة لم تسمح بزعزعة البنى الثقافية المعتمدة.

ولهذا فإن العرب والمسلمين عموماً يعيشون تناقضاً عميقاً مع روح العصر ومعاييره الأخلاقية لا بسبب الإسلام بل بسبب حركة التاريخ التي جعلت الرأسمالية تخترق عالمهم وبخاصة الرأسمالية المتعولمة الآن دون تحطيم القيم السائدة، لأن اختراقاً كهذا تم بسرعة ومن عالم أوروبي يمثل روح الحضارة من القرن الخامس عشر وحتى الآن.

ولهذا فإن الإسلاموية بكل أشكالها من الطالبانية إلى الداعشية إلى الخمينية هي مظاهر عدم قدرة الثقافات المحلية التلاؤم مع سرعة توحيد العالم عولمياً. ولهذا فإن ردود الفعل الإسلاموية، وهي ردود فعل سياسية عقيدية، على سرعة توحيد العالم بفعل الغرب وأميركا وبفعل إنتاج المعايير من قبلهما، وهذا الذي خلق الإسلاموفوبيا في الغرب.

ليس من الفلسفة في شيء أن نعود إلى التاريخ القديم ولبعض الحوادث التي أوردها رواة لنفسر الحاضر كما يفعل أونفري، وليس يخلو تاريخ جماعة من العنف بكل أشكاله

فالقضية ليست قضية حركات إسلاموية تقطع الرؤوس، فقطع الرؤوس ظاهرة توحشية مارستها كل الحضارات. لقد قتل الفرنسي مليون جزائري، والفرنسي ابن الثورة الفرنسية ووثيقة حقوق الإنسان. لقد قتل الأميركيون الحياة بشراً وطبيعة في فيتنام، وقس على ذلك العنصرية القاتلة للنازية والصهيونية، والذي يدمر المدن السورية حاكم بربطة عنق وليس بعمامة. إن أوروبا التي كما قال فيلسوفنا “تحتضر الآن”، هي ذاتها أوروبا التي مازالت تعاني من لوثة المركزية، المركزية التي لا ترى في العرب إلا هوامش مفيدة أو مضرة، لا ترى فيهم إلا إسلاما مخيفا ومصادر طاقة. وما عدوى الإسلاموية العنفية التي انتقلت إلى عدد من مسلمي أوروبا وخاصة إلى مسلمي فرنسا دليل على أن الغرب لم يتحرر من وعيه المركزي بالعالم، حيث بقي مسلموه الهاربون من فقر بلادهم ومن عسف سلطهم هامشيين.

ولقد أشار أونفري إلى مسؤولية الغرب عما يجري ومسؤولية أميركا بالذات عن تهييج المسلمين العنفيين، ناقداً القطيع الفرنسي والإعلام الغربي، مشيراً إلى اخلاق السوق، أخلاق الليبرالية المتحررة من أيّ قيم إنسانوية، وسيطرة أيديولوجيا الأغنياء، وهذا يفضي بي إلى القول: إن الإسلاموية الجهادية العنفية ليست سوى ثمرة من ثمرات الليبرالية الجديدة والمتوحشة ودكتاتوريات صنعتها حركة الليبرالية هذه، ومؤسسات عسكرية أمنية فاسدة وقاتلة.

وهذا الرأي يجعل من عملية الكفاح الإنساني عالمية، أو يعيد عالمية الكفاح الإنساني، بوصفه كفاحاً ضد الانحطاط الحضاري القيمي لليبرالية الجديدة، تشترك فيه شعوب الدنيا.

وليس التوحد الأمني المسلح ضد الإرهاب، المصطلح الأيديولوجي الزائف، فالتحرر من الإسلاموية العنفية وغير العنفية تحرّر الإنسان مرّة أخرى من كل أشكال الصنمية، وخاصة صنمية السلعة.

هل باستطاعة اليسار أن يعود مرة أخرى مرتدياً ثياب الحرية الإنسانية هذه المرة؟

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.