الحبل‭ ‬المشدود

الحبل‭ ‬المشدود

الأحد 2015/11/01
لوحة: حسين جمعان

والآن؟ لا أحد بقربه ليضحك‭.‬ أو ليأسى‭.‬ تلعثُمهُ‭.‬ اصفرارُ وجهه‭.‬ البلكمة‭.‬ وتحديداً تلك البلكمة‭.‬ كل ذلك ما كان ينبغي لأحدٍ أن يراه‭.‬ أن يعرف إن بكى كيف يضحك‭.‬ وإن ضحك كيف يبكي‭.‬ وسيبكي وسيضحك، ولكن ليس من أجل ما فكّر به‭.‬ فكثيراً ما تبدأ الأشياء شيئاً وتنتهي شيئاً آخر‭.‬ وبدلاً من أن يتصرف كما لو كان يريد الهرب من شيء ارتضاه طواعيةً‭.‬ هو المكتمل رجولة‭.‬ الفائر إلى درجة الغليان، كان لتدريبٍ بسيط أن يجنّبه الموقف المحرج الذي وضع نفسه فيه‭.‬ تدريبٌ بسيطٌ كان سيجعل الأمر مألوفاً بالنسبة إليه‭.‬ بل أقلَّ من المألوف‭.‬ تدريبٌ، أو احتياطٌ مدروس‭.‬ ففينا الشجاع وفينا الجبان‭.‬ وفينا من هو بين بين‭.‬ وماذا عنه؟ مَنْ هو مِنْ بين هؤلاء؟ رغيف خبز؟ عيش كريم؟ جلاّدون وضحايا؟ أتكفي الكلمات الكبيرة ؟ ومِنْ أين علينا أن نشُدَّ الحبل الذي التفَّ حول عنقه فلا نقطعه: أوَّلُه، وسطَهُ، آخرَهُ؟

اللحظة القادمة‭.‬ وحده لم يرها‭.‬ لم يفكر بها أصلاً‭.‬ رغم أنها كانت موجودة دوماً‭.‬ وإن وضعنا الأمر ببساطة أكبر يمكننا أن نقول بأنه لَمْ يأخذها في الحسبان‭.‬ شباب فوّار‭.‬ أو لا مبالاة‭.‬ وإن شئنا الإنصاف فوجدانٌ عميق، كان قد أراه في فورة العمل الحزبي أن حياته الخاصة لم تعد خاصة‭.‬ ناسياً أن حياتنا، وأفعالنا، ما سندفعه، وما سنجنيه، كله لنا وحدنا‭.‬

وذلك، ربما، ما جعله يتخيّل نفسه أكبر من حجمها‭.‬ فرآها فوق المخاطر‭.‬ وكان عليه أن يتذكر أن كل مَن يسعى للتغيير يكون قد اتخذ في الوقت ذاته قراراً بالشهادة‭.‬ ألم يقرأ ذلك ؟ فلِمَ نسي، إذن، ما سبق أن قرأه؟ أيمضي يوم دون أن يُعْتَقَلَ واحدٌ أو اثنان‭.‬ أهي الفرحة بما يفعله‭.‬ وأنه بات في خانة الكبار، صانعي التغيير العظيم في هذا العالم‭.‬ ربما، وربما كان، من جانبٍ آخر، سلوكاً أقلَّ أهميةً مما ذكرنا‭.‬ كأن نُري أنفسنا، ونثبت لها، أو لمن نحبهم، ولمن يحبوننا، بأننا غادرنا إلى الأبد مرحلة الصبينة‭.‬ ساعةً هنا وساعة هناك!

وهكذا، فكل ما كان عليه أن يواجهه ابتداءً من لحظته تلك فصاعداً سيكون امتحاناً بامتحان‭.‬ وهناك‭.‬ تحت الأرض‭.‬ أو إلى المكان الذي كان الحبل سيقوده إليه، سيبقى مع نفسه أوقاتاً طويلة‭.‬ هو ونفسه أمام مرآة النفس‭.‬ وماذا غيرها؟ هي، وليس نحن مَن سيحدِّد، ونحن لن نكون معه ساعتها حتى نقول‭.‬ فهي التي ستقول إن كان ما يزال ولداً أم صار رجلاً كما ظَنّ‭.‬ وإن كان قد صار رجلاً كما ظنَّ فَلِمَ، إذن، قال له “أبو حميد” ما قال:

” لا تصوّص من هَلاّْ‭.‬ بِدّك أوم لأهرّبك عَ لبنان”‭.‬

وقالها ساعتها بكل الجفاف والصراحة اللتين تميّزان مَنْ عَبَّ لتراً كاملاً من عرق الريّان‭.‬ وكان يتحدث كما لو كان يخاطب فأراً من الفئران‭.‬

II

وكل ما قيل، وأكِلَ، وشُرِبَ ليلتها كان محاولة عقيمة، من جانب الأصدقاء، لإضفاء البهجة على أمر لا بهجة فيه‭.‬ وأبو حميد، الذي استفرغ خفّة دمه كلها كان، هو الآخر، يقف على الدور‭.‬ الاعتقال الذي طال الجميع دونما استثناء سيطاله قريباً‭.‬ ومن الغرابة أن يكون قد تأخر، فأتت الدقّة بـ”أحمد”‭.‬ وهو عندما قال له “لا تصوّص من هلآّ‭.‬ بدك أوم لأهرّبك عَ لبنان” كان يفكّر بمثل ذلك الاحتمال لنفسه‭.‬

وخفة الدم مهربٌ التقطتهم في لحظة غير مناسبة لخفّة الدم‭.‬ فنحن نطربُ له متى كنّا بحاجة للطرب‭.‬ وإلاّ فإن النهاية في الأغلب نحو الأعماق‭.‬ وأن نضحك يعني أن نغطي القبح‭.‬ نبقيه وراء العتبة‭.‬ وخارج العتبة وضع “أبو حميد” الخوف‭.‬ وداخل العتبة لم يُسمح إلاّ بالسهرة‭.‬ والسهرة تحتاج لمن يقدر على هضمها‭.‬ و”أبو حميد” لم يدّخر من جانبه أيّ جهد‭.‬ ما تطلبه النفس وأكثر‭.‬ “ابسط يا عم!”‭.‬ ومن الصعب أن يقال لشابٍّ طلِبَ منه أن يمثل، في التاسعة من صباح الغد، وتحت طائلة المسؤولية، في أحد فروع الأمن، أن يبسط ويفرفش‭.‬ الأمر بمثل الصعوبة التي ستواجهها كي نعيد شابًاً مثل “أبو حميد”، باع الدنيا بقشرة بصله، للتعقّل‭.‬ أن نرجعه إلى الحكي المزبوط‭.‬ كأن نقول ”لأ‭.‬ بالله عن جَدّ‭.‬ خلّينا نفكّر بشي حلّ”‭.‬

“لك أيَّ شي‭.‬ وأيَّ حلّ؟”‭.‬ كيف تطلب ممن يقول ذلك أن يكفّ عن التقريق‭.‬ أتقول له إن هنالك سلطة فوق الجميع‭.‬ وربما كان البيتُ مراقباً‭.‬ والجواب جاهز “أنا ما بعرف أصلاً ليش مسهرّك عندي‭.‬ واحد مشبوه!”‭.‬ قالها، وأتت مقبولة‭.‬ فعلى السكر يأتي كل شيء مقبولاً‭.‬ وذلك الآخر “خالد”‭.‬ الذي لا يقلّ ضراوة عن “أبو حميد”‭.‬ “خالد” الذي تتوقع أن يثمر صمته عن فكرة قابلة للتطبيق‭.‬ أن يكون صوتاً للحقيقة الواعية، التي علينا أن نحياها متى ما طلع النهار‭.‬ “خالد” ذاك قال بكل ما في السخرية من تعذيب “ولك حرام عليك! ما بتخاف الله يساويك متله؟”‭.‬

وكانت دعابة من العيار الثقيل‭.‬ فانسحق بينهما كحبّة زيتون‭.‬ وراحا يعصرانه‭.‬ محاولات غير موفّقة لإشعال ما انطفأ من روحه‭.‬ ودليل أكيد أن الجميع بلا استثناء لا يعرفون ما الذي يتوجّب فعله؟ وكل ما هنالك أن لكل شيخ طريقتهُ في التعبير عن أعمق مخاوفه‭.‬

ثم تعال لنرَ‭.‬ ألم يقل في يومٍ من الأيام إنه لا يأبه بأحد إن غدا النقاشُ جدّياً وطُلِبَ رأيُهُ‭.‬ وقال غير مرة إن مصائرنا كأفراد انتهت‭.‬ وإنّ علينا أن نكون صوتاً للخائفين؟ نعم‭.‬ قال مثل ذلك وأكثر منه‭.‬ وكان حينها يتحدّث عن موتٍ فجائي‭.‬ طلقة في الرأس تأتي من الخلف‭.‬ وهو خارج من البيت أو عائد من المدرسة‭.‬ أو أن تصدمه سيارة عابرة كما حدث لـ”حسين”‭.‬ ولم يتصوّر أن الاستدعاء لمراجعة أحد فروع المخابرات قد يخلق في نفسه كل ذلك الهلع الذي أصابه! وكلُّ شيء آخر كان سيكون أفضل‭.‬ ولم يسأل وهو يقول ذلك لنفسه “مَنْ مِنّا يعرف ما هو الأفضل؟”‭.‬

والآن بم كان يفكر؟ هل فكّر في الوجود برمّته؟ ومن أجل ماذا نعتنق الأفكار‭.‬ نركض، ونشاغب، نترك بيتاً، ونمسك بالآخر‭.‬ حبلٌ يجُرُّ حبلاً‭.‬ الحبل الرخو الذي ربطه يوماً لبيوت البشر صار الآن حبلاً مشدوداً‭.‬

III

ورقة الاستدعاء كانت تطلبه‭.‬ ولكنها، بالمثل، أعطته وقتاً لينجو بجلده‭.‬ إخطارٌ بالمجيء‭.‬ والهروب تعقيدٌ للمشكلة وليس حلاٍّ لها‭.‬ ويمكن للذين يعرفونه أن ينكروا، الآن، أيّ معرفة به‭.‬ أو يقولوا عنه أشياء لا تخطر على بال‭.‬ من يحزر ما الذي قد يفعله البشر لينجوا بأرواحهم‭.‬ ويمكن دوماً تبرير أقبح التصرفات!

والكل: الأهل والأصدقاء وحتى أهل الحارة ظلوا طيلة ذلك اليوم في حالة هلع وارتباك: شو؟ شو في؟ شو‭..‬ في؟ ليش بدهن “أحمد”‭.‬ ومن الأنسب غمغمة الأمر‭.‬ تحقيق في إطار العمل‭.‬ وذلك لا ينفع أيضاً‭.‬ فالناس ليسوا أغبياء إلى تلك الدرجة‭.‬ فهم يعرفون، ربما أكثر منّا، حقيقة ما يدور من حولهم‭.‬ وهات يا أسئلة وهات يا أجوبة!

ولكن، ما الذي حدث بالضبط حتى قال “أبو حميد” ما قاله؟ أتَحْتَ اللحاء من كل حقيقة حقيقة أخرى؟ تتمة أو نقيض‭.‬ لبُّ الحقائق ومآلها النهائي؟ وأنه لِمَ لم يفطن لذلك كله إلاّ بعد فوات الأوان‭.‬ وربما كان السؤال الأدق: هل تُرِكَ له وقتٌ ليفطن؟ وذلك الركض الذي كان يركضه‭.‬ من بيتٍ إلى بيت‭.‬ اجتماعٌ يخلصُ وآخر يتجدّد، أهو جاهزٌ كي يُحاسب عن ذلك كله؟

فلذلك كله حساب‭.‬ ووقت الحساب قد جاء‭.‬ وهو ماضٍ إليه بقدميه‭.‬ بل لو شئنا أن نكون دقيقين أكثر فوقت الحساب كان قد ابتدأ بالأمس‭.‬ عندما استلم والده من المخبر ورقةً تطلبُ من ابنه أن يراجع أحد فروع المخابرات‭.‬ أيمكن لورقةٍ استدعاء بحجم كفٍّ صغيرة أن تكون ورقةً وحَبْلاً في آنٍ واحد؟ نعم‭.‬ كانت ورقة‭.‬ وستأخذه إلى حيث يبتدئ الحبل المشدود‭.‬ وإلاّ فما معنى أن نقول: إن قلب الأم دليلها؟

تخيّل رعباً آخر‭.‬ فلن تجد‭.‬ أهنالك رعبٌ أكبر من أن يتمَّ استدعاء إنسان ما إلى فرعٍ من فروع المخابرات في الوطن الغالي، والمسمى سوريا؟ أن تقف أمام المرآة‭.‬ ومرآة مَنْ؟ مرآة نفسك‭.‬ وما لا تعرفه عن نفسك ستكتشفه كما لو كنت تستلّ شعرةً من قلب رغيفٍ ناضج‭.‬

وإن خرج بعد هذا كله‭.‬ أيظلُّ ذات الشخص الذي كانه؟ شابّاً فائراً حتى الحافة؟ الشاب الذي كان الناس يرونه في الشارع‭.‬ وفي الاجتماعات الحزبية‭.‬ صوت يجادل‭.‬ يقبل‭.‬ يرفض‭.‬ ثم هنالك أمور العيش‭.‬ الوظيفة‭.‬ الزواج‭.‬ التعامل مع الآخرين‭.‬ اتخاذهم أصدقاء، أو أعداء‭.‬ الصمود في وجه البعض‭.‬ مجابهة البعض الآخر‭.‬ وماذا عن الحبيبة؟ نعم‭.‬ إنّ له حبيبة‭.‬

“وداعاً ” !

هكذا قال للأهل والجيران الذين تجمعوا أمام باب البيت‭.‬ وكانوا كمن يودعون ميّتاً إلى قبره‭.‬

“وداعاً”‭.‬

قالها ومشى!

IV

لم يترك له الحبلُ المشدود أن يتأخّرَ عن الموعد الذي حُدَّد‭.‬ وكان الخوف قد أيقظه‭.‬ وذلك إن كان قد نام أصلاً‭.‬ وهو الذي كان، وها قد بتنا نستخدم فعل الكون في صيغة الماضي، كان يُتْعِب الدنيا كلها في استيقاظه‭.‬ ومنْ إن كان ما يزال عازباً، على حيطان الثلاثين، يغادر الفراش فوراً‭.‬ وهذا الذي ينتصب بين رجليه‭.‬ فضيحة‭.‬ وبخاصةً لو أصرّت والدته إن تظلّ واقفة فوق رأسه؟

– طيّب روحي‭.‬ هلآّْ جاي!

وهي بالضدّ منه لا تروح‭.‬ ومثله، وربما أكثر منه، كانت تنعشها رؤية جسده الفوّار‭.‬ يشعرها بالرضى التام عن دورها كأمّ‭.‬ وكان على مشاريعها المحمومة في البحث له عن عروس أن تتوقف مثلما سيتوقف كثيرٌ من المشاريع الأخرى‭.‬ ورقة أصغر من كفّ الطفل كانت قد دعته إلى عرس آخر‭.‬ عرس مع المجهول‭.‬

“أين تذهب في مثل هذا الوقت المبكّر من النهار أيها الشابُّ الفوّار؟”‭.‬

“أنا ذاهبٌ إلى المجهول!”‭.‬

هل سيبدو مثلُ ذلك الحوار مضحكاً؟ نعم‭.‬ ولا حاجة لأن نُذَيِّلَه بالسؤالٍ التقليديٍّ الذي يلحقُ الأسئلة الكبرى مثل جروٍ صغير:

“أليس كذلك؟”‭.‬

لقد قيل له الكثير‭.‬ الأهل والأصدقاء‭.‬ لم يبخل أحدٌ بمعلومة قد تنفعه‭.‬ وذلك جعله مثل ميّتِ امتلأ كفنه برزمٍ من الهدايا‭.‬

صحيح!

كم مضى على ذلك اليوم؟ فتذكُّرُهُ له يعيده إلى شبابٍ نسيَ معظمه‭.‬ زحمة الحياة‭.‬ أسرة تكبر يوماً بعد يوم‭.‬ يكبر الأولاد وتكبر معهم الهموم‭.‬ هل كانت الحياة تستحق العيش من دونهم؟ ومن دون ماذا أيضاً؟ أم تراه قد نسي؟

ولم يكن، من قبل ذلك، يتصور أن القلق يُوجِعُ المفاصل‭.‬ وقبل المفاصل كانت الروح قد أصبحت خرقة من الخِرَق‭.‬ كلُّ عضو في جسمه أراد يومها أن يذهب في اتجاه‭.‬ الأعضاء تستعد للمشوار والعقل يؤخِّره‭.‬ وإلى متى؟ فهم أيضاَ لديهم مواعيدهم‭.‬

وكان العدُّ التنازلي قد ابتدأ منذ أن تسلّم ذلك التبليغ‭.‬ وكان بمثابة هوية جديدة أعطيت له‭.‬ بطاقة الهوية القديمة انتهت صلاحيتها‭.‬ ومع ذلك فهو بحاجة إليها‭.‬ يريدونها عند الباب‭.‬ ولكن ماذا لو أتت الأمور سليمة؟ كأن نسمعُ حواراً يشبه هذا الحوار الحضاري “آسفون‭.‬ لدينا اليوم مشاغل كثيرة‭.‬ تعال راجعنا غداً‭.‬ وإن كنت مشغولاً غداً فعلى راحتك”!

وأن يُقالَ مثلُ ذلك يعني أن تتميّع الأمور‭.‬ مزيدٌ من التعذيب‭.‬ وكان قد أراد للقلق أن ينتهي إلى غير عودة‭.‬ انتهاؤه أفضل من تلك المطمطة‭.‬ فربما كان الأمر أبسط مما تخيّل‭.‬ التباس في الأسماء‭.‬ ويكون المطلوب شخصاً آخر‭.‬ سين وجيم‭.‬ ويعود بعد ذلك إلى دنياه‭.‬

ويومها جرى استعراض كل ما كان يمكن أن يُوَجَّه له من أسئلة، وتم تحضير الإجابات المناسبة لها‭.‬ وسيكون صادقاً معهم‭.‬ ولكن دون مماسك‭.‬ واللاكن الأخرى هي: أحقّاً كان قد قرّر يومها أن يذهب إليهم‭.‬ هكذا، برجليه هو، إلى المجهول؟

أيفعلها أيُّ عاقل؟

وماذا عن الاقتراح الذي طرحه “أبو حميد”: بِدّك أوم لأهرّبك عَ لبنان!

V

فما من أحمقٍ كان سيعتبر أنها دعوة كأيّ دعوة أخرى‭.‬ وذلك جعله يومها مثل ريشة في مهبِّ الريح‭.‬ ريشة تحمل أطناناً من الهموم‭.‬ فهو لن يخدع نفسه حول ما كان ينتظره‭.‬ ولو أراد خداعها لما ذهب من أصله‭.‬ وبين أمسه ويومه التالي كان قد تُرِكَ له من الوقت ما يكفي لعمل الكثير‭.‬ ولكن مِنْ أجل ماذا تُرِك له ذلك الوقت الفضفاض؟ نحوٌ من أربع وعشرين ساعة‭.‬ من أجل ماذا، إن كان سيصير، كما بات الآن، داخل أسوار فرع المخابرات الذي طلبه؟

أعليه الآن أن يتخلى عن كل أمل، كما سبق لدانتي أن كتب على بوابة الجحيم؟ ألا يتندّر الناس قائلين: الداخل مفقود والخارج مولود‭.‬ نعم، فقد بات الآن في حكم المفقود، ضائعاً إلى الأبد‭.‬ أو حتى إشعار آخر! وهو، أيضاً، كان قد صار بحكم المفقود منذ الأمس؟

ترجيّات والديه المتواصلة بأن يظلَّ بعيداً عن السياسة لم يصغِ لها‭.‬ وكان قد أحبَّ لعناتهما على السياسة والذين يشتغلون بالسياسة‭.‬ هذا ما جاءنا منها‭.‬ وبين عشية وضحاها ستتغير المفردات‭.‬ القدر الذي فاجأ الجميع طرد كثيراً من الأشياء إلى غير رجعة‭.‬ الكلام الجديد صار من طينة جديدة‭.‬ “أخذوه”‭.‬ “أحمد لم يعد”‭.‬ “قوم‭.‬ شوف حدا يساعدنا”!

وكانت والدته قد قالت مثل ذلك الكلام بالأمس وهي تبكي: نعم‭.‬ سيسألون‭.‬ ولكن من؟ ماذا عن ابن العم الذي يسهر كل ليلة مع ضباط الأمن ومع كبار أهل البلد‭.‬ “روح شوف علي المحمد بلكي يساعدنا”‭.‬

وشرود الوالد طال كثيراً‭.‬ لم تكن أمور الحياة بمثل تلك القساوة في يوم من الأيام‭.‬ ونظراته التي التقت مع نظرات ابنه كانت تسأل: أتوافق على ما تريده أمك؟ ومثل والده أخفض رأساً ربخت فوقه جبال‭.‬ وأين المشكلة في طلب المساعدة إن لم يكن هو الذي سيترجّى؟ قناعة جلبت له بعضاً من الراحة‭.‬ فلا خسارة من المحاولة‭.‬

وأمثال “علي المحمد” وهمٌ كاذبٌ يتعلق به الغرقى، فيكونون كمن يمسك بذنب حوتٍ من الحيتان وهم يوشكون على الغرق‭.‬ فالجواب معروفٌ سلفاً “اطلبوا أي شي‭.‬ أي شي إلاّ هالشي‭.‬ قُلْ لي جريمة قتل‭.‬ مخدرات‭.‬⊇من عيني هاي قبل هاي‭.‬ بس السياسة بعّدني عنها الله يخلّيلك أولادك!”‭.‬ يقول ذلك، وهو يعرف أكثر من غيره، أن الله ليس وحده من يُخَلّي الأولاد على وجه الأرض أو يهفيهم عن وجهها‭.‬ فالذين يسهر معهم كل ليلة قادرون على فعل ما يمكن أن يفعله الله وأكثر!

ورفضُ “علي المحمد” لأن يتدخل عند الذين يعرفهم كان تأكيداً جازماً بأنه متى ارتسمت الفواصل بين البشر، حتى ولو كانوا أبناء عمومة، تصعب إزالتها ببساطة‭.‬ وكان الذهاب إلى رجل مثله أمراً بعث على الحزن العميق‭.‬ أن تجد نفسك وسط صحراء‭.‬ ولا عِرْق أخضر من حولك‭.‬

VI

وفي الأساطير يتحول البشر إلى حيوانات أو جمادات‭.‬ نوعٌ من عقاب‭.‬ أو درس‭.‬ أو تزجية للوقت تمارسه الآلهة في أوقات فراغها‭.‬ وربما عاد المتحولون لما كانوه قبلاً، وربما لا‭.‬ فالأمر كله يتوقف على المغزى‭.‬ ماذا نريد بعد أن حوّلنا ما حوّلناه لما تحوّل إليه!

وبالأمس تحوّل “أحمد” إلى ورقة‭.‬ أيذكّرنا ذلك بشيء؟ العوالم العجيبة لماركيز؟ ومن حُسن حظّه أنه لم يكن في البيت عندما جاء المخبر‭.‬ الوالد تسلّم ورقة استدعاء تطلبُ من ابنه مراجعة أحد فروع المخابرات‭.‬

- وينو “أحمد”؟

- في المدرسة‭.‬ هو أستاذ مدرسة‭.‬

- طيّب وقّع هون‭.‬ وقُلّوا ما يتأخر هه‭.‬ بكرة الصبح‭.‬ الساعة تسعة‭.‬ مفهوم؟

– مفهوم!

وتسمّر الوالد في مكانه‭.‬ وعند الباب التحقت به الوالدة‭.‬ وكانت لحظتها في قلب المطبخ تُجهّز الغداء لعائلتها الصغيرة: الأب الذي تسمّر عند باب البيت، والابن الذي اقترب وقت حلّته من المدرسة‭.‬ وكان منظر المخبر قد أثار فضول الجيران‭.‬ فتكوّشوا، هم الآخرون، عند الباب‭.‬ شكل المخبر يختلف عن أشكال الموظفين الذين يأتون للكشف عن ساعات الكهرباء أو عدّادات الماء‭.‬

وكان الوالد ما يزال ممسكاً بالورقة كما تناولها‭.‬ نظراته الساهمة لاحقت المخبر إلى أن اختفى‭.‬ أيحكي الناس عن شيء يدعونه القدر؟ ذلك هو القدر‭.‬ يدٌ متصلبة تمسك ورقة أصغر من كف اليد‭.‬ ويدٌ أمسكت بما تبقى للعائلة من أيام‭.‬ هكذا تأتي الأقدار‭.‬ وإلاّ فهي تدفّقٌ تلقائيٌّ لمسيرة الحياة‭.‬

” خير إنشا الله!”‭.‬

” خير‭.‬ خير”‭.‬

لقد عوّدته الحياة أن يردد تلك الكلمة: خير‭.‬ خير‭.‬ حتى لو لم يكن في الأمر الذي يحدث أيّ خير‭.‬ هل تفاجأ؟ إن قلنا إنه تفاجأ فذلك يشبه أن نقول إنه لم يكن أباً‭.‬ ومن جانبه، كان يتوقّع مجيء تلك اللحظة في أيّ وقت‭.‬ أبٌ يراقب ابنه ويقلق عليه‭.‬ ومن أجل ذلك كان ما ينفكّ يردد كلاماً لم يملّ من تكراره كلما سنحت له الفرصة: شو بدنا بالأحزاب، واللي بيشتغلوا في الأحزاب؟

وكان كل نقاش بين الأب وابنه ينتهي بالجملة النبوئيّة التالية “يلعن أبو الأحزاب وأبو ساعتها!”‭.‬ يسمعها الابن ويُطّنِّش‭.‬ ثم بعد أن يملَّ لكثرة ما سمعها، يحلف كاذباً “خَلَص‭.‬ خلص‭.‬ والله بطّلت‭.‬ مو بِدّك أبطّل من الحزب‭.‬ خلص بِطّلت!”‭.‬ ولكن، عندما يكذب الولد على أبيه فعلى منْ يكذب؟ وكثيراً ما ننسى أن العجوز الواقف أمامنا، ويترجّانا بلهفة طفل صغير، يطلب منا أن نفرّحه بهدية، كان في يومٍ من الأيام شاباً مثلنا‭.‬ ومثلنا كان هو الآخر يكذب على أبيه، ويتلوّن مثل حرباء‭.‬ تماماً كما نفعل نحن متى ما نوينا أن نهرب‭.‬ نميّع الحدود بين الأجيال‭.‬

وأيُّ أسىً عميق كانت قد خلّفته ورقة الاستدعاء تلك‭.‬ ورقة بحجم الكفّ أثارت زوبعة عصفت فحملت في طريقها كل ما صادفته‭.‬ الماضي والحاضر والمستقبل! إلى…‭..‬ يطلب إليك الحضور … في الساعة… تحت طائلة المسؤولية‭.‬

فأنت في الورقة مجرد اسم‭.‬ لا اعتبار لما قد تعنيه للآخرين‭.‬ أنت بالنسبة إليهم وللورقة التي بعثوها كي تحضرك، لست سيداً، ولا أستاذاً‭.‬ ولا محترماً‭.‬ وكلمات مثل أستاذ، وسيّد، ومحترم، ربما تضمّنت وعوداً من نوعٍ ما‭.‬ وهم لا يريدون لمثل ذلك الوهم أن يعشّشِ في رأسك، أو رأس أيِّ أحد!

وعلى ذلك النحو المخيف صيغت تلك الورقة‭.‬ بكل الجفاف الذي خلقه الله‭.‬ لا رجاء ولا تمنّ‭.‬ لا أوهام‭.‬ ولا وعود‭.‬ ولا تفكير في أوقاتك وارتباطاتك الخاصة‭.‬ وما الذي كان سيضُرُّ لو كانت كالدعوات التي نوجهها في العادة لبعضنا البعض‭.‬ كأن تسمع: خالداً يقول لك

شو عندك بكرة؟

فتسأله “ولا شي‭.‬ ليش؟”‭.‬

فيجيبك “أبو حميد” عازمنا عَ السهرة‭.‬ عنده في البيت”‭.‬

“أبو حميد”‭.‬ كلمتان‭.‬ ولا داعي لأكثر من كلمتين‭.‬ كلمتان ترسمان لوحة ليلية ولا أمتع‭.‬ أكل وشرب‭.‬ ونقاش حتى يصيح الديك‭.‬ وماذا عن الدوام؟ “لك بلا دوام بلا بطيخ”‭.‬ وهكذا، وكما “أبو حميد” فإنك ستبيع الدنيا بقشرة بصلة‭.‬

ومع ذلك فسينهض‭.‬ وعندما ينهض سيذهب إلى وظيفته‭.‬ إن لم يذهب يموت الأهل من الجوع‭.‬ وذلك يوم أن كانت أوقاته ملكاً له‭.‬ وماذا عن الآن؟ إن ذهب في الموعد الذي حدّدوه له أيأخذون ذلك في الحسبان؟

الحسبان؟ أيُّ حسبان؟ والورقة تقول: تعال وإلاّ‭.‬

وإلاّ ماذا؟

VII

أوّل أمرٍ أتى لبشري على وجه الأرض جاء من مكانٍ يشبه هذا المكان‭.‬ من هنا ابتدأت السلسلة‭.‬ ومنه انتشرت‭.‬ أرني منْ لا يرى الأوامر أروع ما وضَعَ الله على ألسنة البشر‭.‬

وماذا عمّا هو أجمل‭.‬ الشارع مثلاً‭.‬ والمارين فيه؟ فهو، أيضاً، من أمتع ما خلق الله‭.‬ وبخاصة إن تمّت الكزدورة مع فتاة الأحلام‭.‬ فهي أجمل من المحققين ومن الأوامر ومن الأبنية‭.‬ تخيّل، مثلاً، أن يكون الجدار المقابل منتهى ما تصل إليه نظراتك!

وهنا لا مجال لأن يأتي أيُّ أمر ممزوجاً بقليل من الشوكولاتة‭.‬ “ما اسمك؟”‭.‬ أهنالك أبسط من هذا السؤال؟ ومع ذلك فَإن لَهُ هنا وَقْع جبلٍ‭.‬ حتى لو قيل لك بعد دقائق “مع السلامة‭.‬ لا تؤاخذنا”‭.‬ الخشونة هنا طعامٌ وشراب‭.‬ وهم صادقون‭.‬ فلا يصيبنّك أيّ وهم بهذا الخصوص‭.‬ كأن تسارع للحديث عن أقنعة‭.‬ فالأقنعة لكل ما هو خارج هذا البناء‭.‬ لي ولك‭.‬ لنا كلنا‭.‬ أما هنا، في هذا البناء، داخل سوريا، الوطن العزيز على قلوب الجميع، فهم الوحيدون الذين يعرفون ماذا يريدون‭.‬

أقول ذلك لأنزع أيّ أوهام بخصوص ما سيأتي‭.‬ فهم هنا ليسوا أباك وليسوا أمك‭.‬ ليسوا فتاة أحلامك التي لا يعرف إلا الله بماذا تفكر في غضون هذا كله‭.‬ وسنسميه رئيس الديوان‭.‬ وفي البداية لا بُدَّ من تلك النظرة التي تأخذ شكل سؤالٍ لا يُوجّه مباشرة‭.‬ نظرةٌ تقول: ها ها‭.‬ أهذا هو أنت؟ نظرةٌ زانته من فوق إلى تحت‭.‬ ومن تحت إلى فوق‭.‬

“اجلس“‭.‬ هكذا جاءه الأمر‭.‬ بالجفاف المعتاد في هذا المكان الخاص من أمكنة العمران البشري‭.‬ هنا سيفتقد للكثير من الأشياء‭.‬ أشياءٌ بسيطةٌ لا نقيم لها في العادة أيَّ وزن‭.‬ من ذلك، على سبيل الحصر لا العدّ، شيء يتقاسمه البشر يدعى ابتسامات‭.‬ وليس ضرورياً أن نعرف بعضنا بعضاً كي نبتسم‭.‬ فهي حركة فيزيولوجية خالصة‭.‬ باعد ما بين شفتيك وستجد أنك أرسلت كنزاً لمن يقف أمامك‭.‬

له قال: اجلس‭.‬ وأشار إلى كنبة في زاوية الغرفة، وللمخبر الذي اقتاده من عند بوابة الفرع قال “انزل جيب لي هالملف”‭.‬ وناوله ورقة كِتَبَ عليها شيئاً‭.‬ لا خربطة‭.‬ فهو العصفور المطلوب اصطياده‭.‬ وقد تتشابه الأسماء والأشكال‭.‬ وربما كان المقصود شخصاً آخر‭.‬ وحتى لو كان ذلك هو واقع الحال فهو لا يعني شيئاً‭.‬ لا يسبب أيّ غصّة للقائمين على هذا المكان‭.‬ فهم يرغبون لو كان بمقدورهم إحضار كل مواطن في البلد إلى مكانهم هذا‭.‬ أين المشكلة؟ أهلاً وسهلاً بالجميع‭.‬ تخيّل الفوائد التي قد تُجنى لو اجتمع هنا كل أبناء البلد الواحد!

أأنت هو أنت؟ وكيف سيعرفون؟ بل كيف ستعرف: أنت مَنْ انت؟ وأين أنت؟ وماذا يريدون؟ هنا لا سبيل أمامك لتسأل‭.‬ أنت كي تجيب ونقطة‭.‬ يعني أن أسأل ولو من باب التذكّر: من أنا؟ وماذا أريد‭.‬ وماذا يُراد مني!

وأن تواظب على طرح الأسئلة يعني أنك ما تزال تحمل بقيّة تخصُّك‭.‬ ومعناه الآخر المخيف أن كل ما مضى من وقت في التحقيق معك لم ينجح‭.‬ وستُعاد دورة العذاب من أوّلها‭.‬ “سنعيد الكرّة‭.‬ فأنت تعيدنا إلى الصفر” !

البداية نهايةٌ‭.‬ والنهاية بداية جديدة‭.‬ وأين الزمن وأين المرايا؟ أتريد أن ترى كيف صار شكلك؟ بسيطة‭.‬ انظر في وجوه مَنْ حولك وسترى‭.‬ أنت الكل‭.‬ والكل أنت‭.‬ اختلافات طفيفة‭.‬ لن يلحظها أحد‭.‬ وما دمت قد صرت في قلب البناء، ولست موظفاً، ولست ضيفاً عند أحدهم، إذن فأنت مطلوب‭.‬ أتحتاج هذه إلى نقاش؟

- قُم‭.‬

هكذا جاءه الأمر‭.‬

وللمخبر الواقف عند الباب جاء أمرٌ آخر:

- خُدُه لعند العقيد وسام‭.‬

الأسوأ‭.‬ الأسوأ‭.‬ عليك أن تتحضّر للأسوأ‭.‬ هل خفت عندما تسلّمت ورقة التبليغ؟ هل سهرت الليل بطوله وأنت تضرب أخماساً بأسداس؟ هل خفت أيضاً عندما قيل للمخبر: خدُه لعند العقيد وسام‭.‬ نعم‭.‬ خفت‭.‬ أحسنت‭.‬ فأنت، إذن، في السكة الصحيحة!

فماذا بعد؟

ماذا في الجعبة بعد أن مشيت وراء المخبر إلى غرفة العقيد وسام؟

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.