السفارديم والموريسكيون

السفارديم والموريسكيون

الجمعة 2015/05/01

سؤال الحاضر هذا، والذي يزيد في إرباكنا وحيرتنا كلما احتدّت ظاهرة العنف باسم الدين، يُحيلنا على نماذج من التاريخ حيث مثّل الدين مُستندا للعنف وللإقصاء ومرجعًا وحيدًا لصقل الهويات وبناء الكيانات السياسية والاجتماعية. فالتاريخ وحده هو المدخل الموضوعي لفهم هذه الظواهر حيث لم يكن التطرّف حكرًا على دين بعينه. فكما نستغرب اليوم ونرفُض أن يكون الدّين منطلقا لنفي الإنسان المختلف، علينا أن نفهم كيف أن جُلّ الشعوب من حولنا عاشت تجارب مماثلة وُظّف فيها الدّين للتّطهير العرقي والدّيني.

وإسبانيا المسيحية كانت زمن محاكم التفتيش والطرد الجماعي لليهود “السفارديم” وللمسلمين “الموريسكيين” ميدانًا خصبًا لتلك المأساة الإنسانية التي بقيت آثارها إلى اليوم.

لقد جاء قرار الطرد الذي أصدرته السلطات الإسبانية بداية سنة 1492 ليُعلن النهاية الرسمية للحضور اليهودي في إسبانيا، ثم تبعته قرارات التعميد القسري الصادرة بحقّ المُسلمين بداية القرن السادس عشر لتعلن رسميًا انتهاء الحضور الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية. بذلك انتهي التعايش الفريد في الضفة الشمالية من المتوسط بين الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة، حيثُ ولّدت هذه الوضعية في الفترة الحديثة لدى الأقليتين اليهودية والمسلمة، اللتين أصبحتا تعرفان “بالسفارديم” و”الموريسكيين”، وضعية استثنائية دينيًا وثقافيًا، شديدة التعقيد والازدواجية.

هذه الوضعية المُعقدة هي التي حاول حسام الدين شاشية تفكيكها في هذا الكتاب، الذي هو في الأصل أطروحة دكتوراه، نوقشت تحت إشرافنا، في ربيع سنة 2014، ونال عليها درجة الدكتوراه بملاحظة “مُشرّف جدًا”. تسلح الباحث في عمله هذا، من جهة بمعارفه اللغوية، العربية والإسبانية، فقد سمح لهُ هذا التمكّن اللغوي من الاتصال بصفة مُباشرة بالمصادر والوثائق الأرشيفية في لغتها الأصلية، فزار العديد من الأرشيفات والمراكز البحثية في إسبانيا والبرتغال، وقام بعديد الزيارات الميدانية. هذا بالإضافة إلى إطلاعه على الأرشيفات والمصادر المحلية المغاربية.

من جهة ثانية اعتمد الباحث مقاربة منهجية تقوم على المُقارنة، ليكون بذلك من بين الباحثين القلائل -على المستوى الدولي-، وأول باحث عربي يقوم بدراسة تاريخية مقارنة حول الموضوعين السفارديمي والموريسكي. لقد أصبح هذا المنهج اليوم ضروريًا في الأبحاث التاريخية، ليس فقط مواكبةً لتطور البحث التاريخي في الغرب، بل أساسًا من أجل ما يُتيحهُ من زوايا نظر جديدة للموضوع المدروس، وما يُقدّمهُ لنا من نتائج، لا يمكن التوصّل إليها عبر المناهج التاريخية التقليدية، فمهمّة المؤرخ، ليست الإخبار، ولا الاعتبار –على حد عبارة ابن خلدون-، بل هي التفكير في الحاضر من خلال التحقيق في التاريخ.

لإنجاز هذا الهدف وتقديم الإضافة من خلال هذا البحث الأكاديمي، حاول الباحث الانفتاح على ما تُقدّمه العلوم الإنسانية والاجتماعية من وسائل، حيثُ استفاد من “تحليل الخطاب”، للقيام بقراءة سياقية لمُختلف الروايات، سواء كانت رسمية: إسبانية ومغاربية أو روايات المُهجّرين من السفارديم والموريسكيين. كما وظّف مناهج علم الاجتماع، في جانبه المُتعلق “بنماذج التواصل بين الجماعات”، لفهم ما يُسميه “ديناميكية الطرد” وعملية التوطين.

اختار الباحث لمُعالجة مُختلف الإشكاليات التي يطرحها موضوع بحثه تخطيطًا كرونولوجيًا مواكبًا لمسار المجموعتين، يقوم على الطرد ثم العبور، فالتوطين؛ بيد أنهُ وقبل أن يشُد بالقارئ الرحال في مواكبة هذا المسار، قدّم لهُ بدايةً مصادرهُ الأرشيفية والإخبارية، ثم عرض عليه، من خلال قراءة بيبلوغرافية نقدية، عددًا هامًا من الأعمال التي درست الموضوعين السفارديمي والموريسكي، حيثُ يُتيح هذا القسم الوقوف على محصول أكثر من نصف قرن من الأبحاث والدراسات، أتت في شكل مقالات وكتب وأعمال مؤتمرات وأرصدة إلكترونية. بعد ذلك عرض المؤلف وبصورة مُفصلة مقارباته المنهجية، مُدعمًا عرضهُ هذا برسوم بيانية، خاتمًا بعد ذلك هذا الجزء النظري بتعريف المفهومين المرتكز عليهما البحث، أي “السفارديم” و”الموريسكيين”، حيثُ لم يكتف بالتعريفات اللغوية والاصطلاحية، بل راجع التعريفات المُتداولة، من خلال البحث في التطور التاريخي لكل مفهوم.

فيما يتعلق بموضوع الطرد خير المُؤلف أن يعرض على القارئ أولاً رواية السلطات الإسبانية حول طرد السفارديم سنة 1492، والموريسكيين سنة 1609-1614، مُعتمدًا على ما أنتجتهُ أجهزة الدولة من وثائق رسمية، أي أساسًا قرارات الطرد، وعلى ما كتبه الإخباريون الإسبان الذين كانوا في مُعظمهم، إن لم نقل كُلهم، مُتبنين ومُدافعين عن وجهة نظر السلطة الرسمية؛ بعد ذلك قدّم روايات عدد من المُهجرين، مُتبنيًا لمنهج يقوم على التعريف بالمؤلف وعمله أو أعماله، ثُم عرض روايته للطرد، ومُعتمدًا دائمًا أسلوب المُقارنة، سواء بين الرواة من داخل نفس الجماعة، أو بين مختلف الجماعات. وهُنا تجدر الإشارة إلى نُدرة وأهمية النصوص المُعتمدة، سواء تلك التي ألقى عليها الباحث الضوء لأول مرة، من الكتُب المُحققة والمنشورة حديثًا، أو تلك التي نُفض عنها الغُبار والتي مازالت مخطوطة.

وبالاعتماد على نفس التخطيط، عالج الباحث موضوع تعدّد المسارات أو ما يسميه كذلك “بين العالمين”، حيثُ تنقل بين مختلف الزوايا التي رصدت هذه العملية، مُتابعًا المُهجرين منذ خروجهم من منازلهم إلى موانئ الرحيل، فركوب البحر في اتجاهات مُختلفة، ونجاح البعض في البقاء في إسبانيا أو العودة إليها، واِلتحاق آخرين بموانئ الضفة الشمالية للمتوسط، فاختيار البعض الآخر جنوبهُ، أما غير المحظوظين فقد اختارهم البحر، وبقي آخرون تتقاذفهُم الانتماءات المتضادة، يتأرجحون بين الشمال والجنوب، بين اليهودية والمسيحية أو بين الإسلام والمسيحية. هذه الحالة أو وضعية “المابين” هي التي حاول الباحث فهمها وتفسيرها بشكل مُستفيض، مُبرزًا الأسباب الفعلية لحالة الضياع التي عاشها هؤلاء المُهجرين.

قدّم لنا الباحث في هذا القسم من العمل عددًا هامًا من الخرائط، سواء تلك التي رسمت لنا مُختلف مسارات المطرودين البرية والبحرية، أو مسارات الرواة السفارديم والموريسكيين، التي كانت تارة بسيطة، وأخرى شديدة التعقيد. ولعل الجانب المُهم والطريف في هذا الجزء من العمل، هو عرض الباحث لآراء الرواة في مُختلف المسارات، حيثُ تنوعت المُبرّرات من جهة إلى أخرى، ففي حين عبّر عدد من الرواة السفارديم عن تفهّمهم لاختيار بعض أفراد مجموعتهم البقاء في إسبانيا أو العودة إليها، صمت مُعظم الرواة الموريسكيين عن هذا الموضوع، أو انتقدوا بصفة مباشرة وغير مُباشرة هذا الاختيار.

في القسم المُخصّص للتوطين، نجح الباحث في مُتابعة المُهجرين مُنذ وصولهم إلى الشواطئ المغاربية، مُقارنًا بين موجات الهجرات والأماكن الجُغرافية المُختلفة، مُحاولاً رصد مُختلف مراحل عملية التوطين، وعلاقة المُهجّرين بالسلطة وبالجماعات الأخرى، حيثُ قدّم أسباب اختلاف وضعية السفارديم والموريسكيين من مجتمع مغاربي إلى آخر. كما كشف من خلال عدد من الوثائق الجديدة، عديد الجوانب من حضور الجماعة السفارديمية في تونس، وعلاقتها بالجماعة الموريسكية.

وتتأكد أهمية هذا الكتاب، في قسم الملاحق، الذي قدّم فيه المؤلف للباحثين وعموم القراء، عددًا هامًا من الوثائق التاريخية النادرة، حيثُ قام بترجمة عديد النصُوص المصدرية من اللغة الإسبانية إلى العربية. كما حقّق عددًا من الوثائق النادرة، التي مازالت إلى اليوم مخطوطة. هذا بالإضافة إلى مجموعة الصور واللوحات التي وشّح بها عملهُ.

لقد نجح الباحث من خلال المنهج العلمي الرصين، في الوصول إلى العديد من النتائج الهامة، التي مكّنتهُ من إعادة قراءة تاريخ الأقليتين السفارديمية والموريسكية في علاقتهما بعالمي الطرد والتوطين، مُنتهيًا إلى استنتاج هام: إن أساس “مأساة” هاتين الجماعتين هو “قلق الهوية”، الذي عاشهُ المُجتمع الإسباني منذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر، مُنبهًا إلى أن هذا “القلق”، وعدم قدرة بعض المجتمعات على إدارة تنوعها الثقافي والديني، كان ومازال سببًا في عديد المآسي والتوترات.

يُمثلُ هذا الكتاب إضافة نوعية مُهمّة في حقل دراسة الأقليات في المُتوسط في الفترة الحديثة، حيثُ يخرُج بتاريخ الأقليتين السفارديمية والموريسكية من دائرة المُقاربات الأيديولوجية البالية إلى ساحة البحث العلمي الموضوعي، ويُقدّم بدراسته لمُختلف الجوانب على امتداد حوالي ثلاثة قرون ونصف، قراءة كاملة وغير مجتزئة لهذا التاريخ.

تونس في 10 مارس 2015

مقدمة من مقدمات الكتاب

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.